بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم. اللهم لك الحمد، لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.
اللهم إنا نسألك أن تبارك لنا في هذا الشهر الكريم، وأن تتقبل منا صالح الأعمال، ونسألك اللهم أن تعز الإسلام وأهله وأن تذل أعداءه. لا زلنا في قراءة مقاصد مدارج السالكين، المرور من بداية الكتاب وانتقاء أهم الأطروحات أو أهم الموضوعات التي طرحها ابن القيم مما له تعلق بالمقصود أو الموضوع الأصلي للكتاب.
وابن القيم رحمه الله، كما رأيتم في الأيام أو سمعتم في الأيام السابقة، يعني يتوسع في بعض المسائل العقدية. ومن المسائل التي توسع فيها بعد الموضع الذي وقفنا عنده أمس؛ مسألة التحسين والتقبيح، وهي مسألة عقدية وسنتجاوزها. هي لها ارتباط بطريقة أو بأخرى بالموضوع طبعا، ولكن ليست من صميم موضوع الكتاب، وبالتالي سنتجاوز هذه المسألة. ومن أحب أن يزداد فيها، وهي مسألة مهمة عقديا، فيمكنه المراجعة بعد موضع أمس.
الآن سننتقل إلى صفحة أربع مئة وواحد وثمانين، طبعا الدار الطيبة الجزء الأول، صفحة أربع مئة وواحد وثمانين. قال ابن القيم رحمه الله: فصل، وفوق هذا مقام آخر من التوبة. وذكر تعليقا على كلام صاحب المدارج، توبة الخواص. توبة الخواص شرحها، ثم قال: وفوق هذا مقام آخر من التوبة، ارفع منه وأخص، لا يعرفه إلا الخواص المحبون، الذين يستقلون في حق محبوبهم جميع أعمالهم وأحوالهم وأقوالهم، ألا يرونها قط إلا بعين الازدراء، إلا بعين النقص والازراء عليها، ويرون شأن محبوبهم أعظم وقدره أعلى من أن يرضوا نفوسهم وأعمالهم له. فهم أشد شيء احتقاراً لها وازراءً عليها.
وإذا غفلوا عن مراد محبوبهم منهم ولم يوفوه حقه، إليه من ذلك توبة ارباب الكبائر، منها بالتوبة لا تفارقهم أبدا. وتوبتهم لون وتوبة غيرهم لون، وفوق كل ذي علم عليم. وكلما ازدادوا حبا له ازدادوا معرفة بحقه وشهودا لتقصيرهم فعظمت لذلك توبتهم، ولذلك كان خوفهم أشد وازراؤهم على نفسهم أعظم.
وما يتوب منه هؤلاء قد يكون من كبار حسنات غيرهم. وبالجملة، فتوبة المحبين الصادقين العارفين بربهم وبحقه هي التوبة، وسواهم محجوب عنها. وفوق هذه توبة أخرى الأولى بنا الإضراب عنها صفحاً.
هذا مقام عال جدا طبعا، أنت حين تقرأ لابن القيم في التوبة تتعجب من مقدار المسائل التي تطرح ضمن كلمة التوبة، وضمن إطار التوبة أو ضمن مقام التوبة. التوبة يعني قبل القراءة لابن القيم في مدارج السالكين ربما تتعلق بها مسائل محدودة جدا، وبعد قراءة مدارج السالكين سيتبين لك أن التوبة هي بحر من المقامات القلبية والسلوكية والبدنية، وهي ترتبط بها عشرات المسائل سيظهر لنا اليوم بإذن الله.
أنا كنت أظن أننا سننتهي اليوم من منزلة التوبة، لكننا لن ننتهي منها أيضا. هذه النقطة التي ذكرتها هنا، يعني ابن القيم يقول: المحبون لربهم كبار العارفين بالله سبحانه، هؤلاء دائما يرون أنهم مقصرون في حق ربهم، وبالتالي هم دائما في حالة توبة. فهذه توبة عالية جدا، وهم لا يرون لأنفسهم يعني عملا ولا يرون لأنفسهم شيئا يستحق أن ينظروا إليه، وبالتالي دائما يجددون التوبة، وهذه يقول: هذه هي التوبة فعلا.
انتقل بعد ذلك إلى أربع مئة وسبعة وثمانين، من هنا بدأ يذكر أحكاما متعلقة بالتوبة، مسائل يعني ليست أحكام عملية فقط، وإنما مسائل وطرح فيها حقيقة مسائل كثيرة ومهمة جدا. منها أول مسألة: قال إن المبادرة إلى التوبة من الذنب فرض على الفور ولا يجوز تأخيرها، فمتى أخرها عصى بالتأخير.
فإذا تاب من الذنب بقي عليه توبة أخرى، وهي توبته من تأخير التوبة. وقل أن تخطر هذه ببال التائب، بل عنده أنه إذا تاب من الذنب لم يبق عليه شيء آخر، وقد بقي عليه التوبة من تأخير التوبة. ولا ينجي من هذا إلا توبة عامة مما يعلم من ذنوبه ومما لا يعلم، فإن ما لا يعلمه العبد من ذنوبه أكثر مما يعلمه، ولا ينفعه في عدم المؤاخذة بها جهله إذا كان متمكنا من العلم، فإنه عاص بترك العلم والعمل، فالمعصية في حقه أشد.
وفي صحيح ابن حبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذه الأمة: اخفى من دبيب النمل. فقال أبو بكر رضي الله عنه: فكيف الخلاص منه يا رسول الله؟ قال: أن تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم.
فهذا طلب الاستغفار مما يعلمه الله أنه ذنب ولا يعلمه العبد. وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو في صلاته: اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني. اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي وكل ذلك عندي. اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني، أنت الهي لا إله إلا أنت.
والحديث الآخر: اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، خطأه وعمده، سره وعلانيته، أوله وآخره. فهذا التعميم وهذا الشمول لتأتي التوبة على ما علمه العبد من ذنوبه وما لم يعلمه.
وهذي مسألة في غاية الأهمية، التوبة العامة مسألة في غاية الأهمية، وهي يعني أنا أظن أنها من الأشياء التي ترجح الإنسان إيمانيا على غيره، أن يدرك الإنسان أنه قد يكون لديه من الذنوب بل قطعا لديه من الذنوب ومن التقصير ما يتطلب توبة وهو ليس مستحضرا له أو غير منتبه له.
فواحدة من هذه الذنوب التي لا ينتبه إليها الإنسان ما اشار إليه ابن القيم، قال: إنك لما تؤخر التوبة، هذا بحد ذاته ذنب يحتاج إلى توبة، فهذا واحد من الأشياء التي لا ينتبه إليها الإنسان. وهناك أشياء أخرى، فيقول: ما المخرج؟ المخرج هو التوبة العامة، أن يتوب الإنسان توبة عامة لله سبحانه وتعالى مما يعلم ومما لا يعلم، واستشهد بهذه الأحاديث، وكما قلت هذه حقيقة قضية في غاية الأهمية.
المسألة الأخرى التي ذكرها، قال: فصل وهل تصح التوبة من الذنب مع الإصرار على غيره؟ فيه قولان لاهل العلم وهما روايتان عن الإمام أحمد، ولم يطلع على الخلاف من حكى الاجماع على صحتها كالنووي وغيره، والمسألة مشكلة ولها غور، ويحتاج الجزم لأحد القولين إلى دليل يحصل به الجزم.
والذين صححوها احتجوا بأنه لما صح الإسلام، وهو توبة من الكفر مع البقاء على معصية لم يتب منها، فهكذا تصح التوبة من ذنب مع بقائه على آخر. واجاب الاخرون -طبعا هو الآن سيقيم حوارا بين الطرفين، ستأتي مسألة أخرى سيقيم فيها يعني أكثر من مسألة من المسائل القادمة سيجعلها على شكل حوار، حوار بين الطرفين المختلفين في هذه المسألة، هذا الحوار قصير الآن لكن المسائل التالية سيكون طويلا- الآن المسألة: هل إذا تاب الإنسان من ذنب مع أنه مصر على ذنب آخر، هل تصح هذه التوبة التي تاب من فيها؟
يقول: أجاب الآخرون عن هذا بأن الإسلام له شأن ليس لغيره لقوته ونفاذه، وحصوله تبعا باسلام الابوين أو أحدهما للطفل، وكذلك طاعي نسب الطفل من أبيه أو بموت أحد أبويه في أحد القولين، وكذلك بكون سابيه ومالكه مسلما في أحد القولين أيضا، وذلك لقوته وتشوف الشرع إليه حتى حصل بغير القصد بل بالتبعية.
واحتج الآخرون بأن التوبة هي الرجوع إلى الله من مخالفته إلى طاعته، وأي رجوع لمن تاب من ذنب واحد وأصر على ألف ذنب؟ قالوا: والله سبحانه إنما لم يؤاخذ التائب لأنه قد رجع إلى طاعته وعبوديته وتاب توبة نصوحا، والمصر على مثل ما تاب منه أو أعظم لم يراجع الطاعة ولم يتب توبة نصوحة.
قالوا: ولأن التائب إذا تاب إلى الله فقد زال عنه اسم العاصي كالكافر إذا ما زال عنه اسم الكافر. وأما إذا أصر على غير الذنب الذي تاب منه فاسم المعصية لا يفارقه فلا تصح توبته. وسر المسألة: أن التوبة هل تتبعض كالمعصية فيكون تائبا من وجه دون وجه كالإيمان والإاسلام؟ الراجح أنها تتبعض، فإنها كما تتفاضل في كيفيتها فكذلك تتفاضل في كميتها، ولو أتى العبد بفرض وترك فرض آخر لاستحق العقوبة على ما تركه دون ما فعله، فهكذا إذا تاب من ذنب وأصر على آخر؛ لأن التوبة فرض من الذنبين، فقد أدى أحد الفرضين وترك الآخر فلا يكون ما ترك موجبا بطلان ما فعل، كمن ترك الحج وأتى بالصلاة والصيام والزكاة.
ثم ذكر قول الآخرين، ثم ذكر الراجح لديه، يقول: والذي عندي في هذه المسألة أن التوبة لا تصح من ذنب مع الإصرار على آخر من نوعه، وأما التوبة من ذنب مع مباشرة ذنب آخر لا تعلق له به ولا هو من نوعه فتصح. يعني هذا تفصيل الآن لم يطرح سابقا في الاقوال السابقة. الأقوال السابقة أنه في من يقول: نعم تصح التوبة إذا تاب من الذنب ولو كان عنده ذنب آخر مصر عليه، وفي قول: أنه لا تصح التوبة من ذنب إذا كان هناك ذنب آخر مصر عليه.
ابن القيم الآن مبدئيا يميل مع أي طرف؟ مبدئيا يميل مع طرف من يقول بأنها تصح، ولكن ليس بالاطلاق وإنما بتفصيل، يقول: تصح إذا كان الذنب المصر عليه ليس من نوع الذنب الذي تاب منه، ليس من نوع الذنب الذي تعلمه. طيب يا جماعة بالنسبة للصوت، بالنسبة للصوت إذا في مشكلة في الصوت الجميع سيكتب، فالمشكلة من اللي عنده ضعف في الصوت المشكلة منه تحديدا، فيرجى عدم الكتابة.
طيب يقول: والذي عندي في هذه المسألة أن التوبة لا تصح من ذنب مع الإصرار على آخر من نوعه، وأاما التوبة من ذنب مع مباشرة آخر لا تعلق له به ولا هو من نوعه فتصح؛ كما إذا تاب من الربا ولم يتب من شرب الخمر مثلا، فإن توبته من الربا صحيحة.
وأما إذا تاب من ربا الفضل ولم يتب من ربا النسيئة وأصر عليه أو بالعكس، أو تاب من تناول الحشيشة وأصر على شرب الخمر أو بالعكس، فهذا لا تصح توبته، وهو كمن يتوب عن الزنا بامرأة وهو مصر على الزنا بغيرها غير تائب منها، أو تاب من شرب طير العنب المسكر وهو مصر على شرب غيره من الأغذية المسكرة، فهذا في الحقيقة لم يتب من الذنب، وإنما عدل عن نوع منه إلى نوع آخر، بخلاف من عدل عن معصية إلى معصية أخرى غيرها في الجنس؛ أما لأن وزرها أخف، وأما لغلبت دواعي الطبع إليها وقهري سلطان شهوتها له، وأاما لأن أسبابها إلى آخر الكلام.
خلاصة الكلام أنه نعم يصح طالما أن التوبة من ذنب ليس صاحبه مصرا على شيء من نفس نوع هذا الذنب.
ثم ذكر مسألة أخرى سنتجاوزها، وهي مسألة طويلة ومهمة ولكن سنتجاوزها، اللي هي قالوا: من أحكام التوبة هل يشترط في صحتها أن لا يعود إلى الذنب أبدا أم ليس ذلك بشرط؟ هو أطال الحقيقة في الحوار بين الطرفين فيها، ممكن تراجع من صفحة أربع مئة وثلاث وتسعين وحتى صفح خمس مئة وأربعة تقريبا أو خمس مئة وخمسة، يعني تقريبا عشر صفحات أو إحدى عشر صفحة تكلم في هذه المسألة.
طيب، ثم ننتقل إلى -طبعا ذكر بعدها أيضا مسألة أخرى- ننتقل الآن إلى مسألة في غاية الأهمية، وهي في صفحة خمس مئة وثمنطعش. صفحة خمس مئة وثمنطعش هذه مسألة طويلة حقيقة، ولكنها مسألة ممتعة جدا جدا وجميلة، وطريقة ابن القيم في سرد أقوال الطرفين والاستدلال وتوليد مسائل على أخرى جميلة جدا.
يقول: فصل ومن أحكامها أي التوبة؛ أن العبد إذا تاب من الذنب فهل يرجع إلى ما كان عليه قبل الذنب من الدرجة التي حطه عنها الذنب، أو لا يرجع إليها؟ اختلف في ذلك.
فقالت طائفة: يرجع إلى درجته، لأن التوبة تجب الذنب بالكلية وتصيره كأن لم يكن، والمقتضي لدرجته ما معه من الإيمان والعمل الصالح فعاد إليها بالتوبة. قالوا: لأن التوبة حسنة عظيمة وعمل صالح، فاذا كان ذنبه قد حطه عن درجته فحسنة التوبة رقته إليها، وهذا كمن سقط في بئر وله صاحب شفيق أدلى إليه حبلا تمسك به حتى رقى منه إلى موضعه، فهكذا التوبة والعمل الصالح مثل هذا القرين الصالح والأخ الشفيق.
وقالت طائفة: لا يعود إلى درجته وحاله، لأنه لم يكن في وقوف وإنما كان في صعود، فبالذنب صار في نزول وهبوط، فإذا نقص عليه ذلك القدر الذي كان مستعدا به للترقي، قالوا: ومثل هذا مثل رجلين سائرين على طريق سيرا واحدا، ثم عرض لأحدهما ما رده على عقبه أو أوقفه وصاحبه سائر، فإن استقال هذا رجوعه ووقفته وسار بإثر صاحبه لم يلحقه أبدا، لأنه كلما صار مرحلة تقدم ذاك أخرى.
قالوا: والأول يسير بقوة أعماله وإيمانه وكلما ازداد سيرا ازدادت قوته، وذلك الواقف الذي رجع قد ضعفت قوة سيره وإيمانه بالوقوف والرجوع. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يحكي هذا الخلاف، ثم قال: والصحيح أن من التائبين من لا يعود إلى درجته ومنهم من
إليها، ومنهم من يعود إلى أعلى منها، فيصير خيراً مما كان قبل الذنب. وكان داود بعد التوبة خيراً منه قبل الخطيئة. قال أي ابن تيمية: وهذا بحسب حال التائب بعد توبته، وجده، وعزمه، وحذره، وتشميره، فإن كان ذلك أعظم مما كان له قبل الذنب، عاد خيراً مما كان وأعلى درجة، وإن كان مثله عاد إلى مثل حاله، وإن كان دونه لم يعد إلى درجته، وكان ونحط عنك. وهذا الذي ذكره هو فصل النزاع في هذه المسألة، ويتبين هذا بمثلين مضروبين.
ثم ذكر مثلين على هذه على هذا التفصيل وعلى هذه المسألة. ثم قال آآ أنا يعني اختصر حتى يعني ما نطيل كثيراً في في بهذه المنزلة التي ربما تستغرق منا عدة أيام. اه، فرع مسألة عن هذه المسألة، وهذه المسألة التي فرع عنها ربما تكون أهم من أصل المسألة الآن. أصل المسألة تكلمنا عنه: إنسان كان يسير في طريق الطاعة ثم أذنب وتاب، هل سيعود إلى منزلته؟ أو من كان مثله سائراً ولم يقع في هذا الذنب سيكون أسبق منه؟ ذكر الخلاف ثم رد، وأرجح كلام بنتيوي أنه بحسب حالة تعب.
الآن شوفوا إيش فرع عنها، قال فصل: ويتبين بهذا ويتبين هذا بمسألة، وهي أنه هل المطيع الذي لم يعص خير من العاصي الذي تاب إلى الله توبة نصوحاً؟ أو هذا التائب أفضل منه؟ هذي هذي نفس القضية بس من جهة أخرى: هل المطيع الذي لم يعص خير من العاصي، أم العار أم الشخص الذي عصى وتاب أفضل من الشخص الذي لم يعص أصلاً؟
يقول: اختلف في ذلك، وطائفة رجحت من لم يعص على من عصى وتاب توبة نصوحاً، واحتجوا بوجوه. أحدها أن أكمل الخلق وأفضلهم أطوعهم لله، وهذا الذي لم يعص أطوع، إن أكمل الخلق وأفضلهم أطوعهم لله، وهذا الذي لم يعص أطوع، فيكون أفضل.
الثاني أن في زمن اشتغال العاصي بمعصيته يسبقه والمطيع عدة مراحل إلى فوق، فتكون درجته أعلى من درجته، وغايته أنه إذا تاب استقبل سيره ليلحقه، وذلك في بسير آخر، فأنى له بلحاقه؟ فهما بمنزلة رجلين مشتركين في الكسب؛ كلما كسب أحدهما شيئاً كسب الآخر مثله، فعمد أحدهم إلى كسبه فأضاعه، وأمسك عن الكسب المستأنف، والاخر مجد في الكسب، فاذا أدركته حمية المنافسة وعاد إلى الكسب وجد صاحبه قد كسب في تلك المدة شيئاً كثيراً، فلا يكسب شيئاً إلا كسب صاحبه نظيره، فأنى له بمساواته؟
الثالث أن غاية التوبة أن تمحو عن هذا سيئاته، ويصير بمنزلة من لم يعملها، فيكون سعيه في مدة المعصية لا له ولا عليه، فأين هذا السعي من سعي من هو كاسب الرابح؟
الرابع أن الله يمقت على معاصيه ومخالفة أوامره، ففي مدة هذا بالذنوب كان حظه المقت، وحظ المطيع الرضا، فالله لم يزل عنه راضياً، ولا ريب أن هذا خير ممن كان الله راضياً عنه ثم مقته ثم رضى عنه ثم رضي عنه، فإن الرضا المستمر خير من الذي تتخلله المقت.
الان الدليل الخامس للقول الأول. الخامس أن الذنب بمنزلة شرب السم، والتوبة ترياقه ودواؤه، والطاعة هي والعافية وصحة وعافية مستمرة خير من صحة تخللها مرض وشرب سم أفاق منه، وربما أديان به إلى التلف أو المرض أبدا.
السادس أن العاصي على خطر شديد، فانه دائر بين ثلاثة أشياء. أحدهما أو أحدها العطب والهلاك بشرب السم. الثاني النقصان من القوة وضعفها إن سلم من الهلاك. الثالث عودة قوته إليه كما كانت أو خير منها بعيد، والاكثر إنما هما القسمان الاولان، ولعل الثالث نادر جداً، فهو على يقين منظر للسم، وعلى رجاء من حصول العافية.
السابع أن المطيع قد أحاط على بستان طاعته حائطاً حصيناً لا يجد الأعداء إليه سبيلاً، فثمرته وزهرته وخضرته وبهجته في زيادة ونمو أبداً، والعاصي قد فتح فيه ثغراً فيه ثمة ومكن منه السراق والأعداء فدخلوا فعاثوا فيه يميناً وشمالاً، أفسدوا أغصانه وخربوا حيطانه وقطعوا ثمراته، أحرقوا في نواحيه وقطعوا ماءه ونقصوا سقيه، فمتى يرجع هذا إلى حالة الأول؟
فإذا تداركه قيمه ولم شعثه واصلح ما فسد منه وفتح رقمائه وعمر ما خرب منه، فإنه إما أن يعود كما كان أو أنقص أو خيراً، ولكن لا يلحق بستان صاحبه الذي لم يزل على نضارته وحسنه، بل في زيادة ونمو وتضاعف ثمرة وكثرة غرس.
الثامن أن طمع العدو في هذا العاصي إنما كان لضعف علمه وضعف عزيمته ولذلك يسمى جاهلاً. قال قتادة: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل ما عصي الله كلما عصي الله به فهو جهالة. وكذلك قال الله تعالى في حق آدم: وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا، وقال في حق غيره: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ والعزم من رسل إلى أخر.
التاسع أن المعصية لابد أن تؤثر أثراً سيئاً ولابد إما هلاكياً، إما هلاكاً كلياً، وإما خسراناً وعقوباً يعقبه إما عفواً ودخول الجنة، وإما نقص درجة، وإما خمود مصباح الإيمان، وعمل التائب في رفع هذه الآثار والتكفير، وعمل المطيع في الزيادة ورفع الدرجات. ولهذا كان قيام الليل نافلة للنبي صلى الله عليه وسلم فإنه يعمل في زيادة الدرجات وغيره، وهو يعمل في تكفير السيئات، وأين هذا من هذا؟
العاشر أن المقبل على الله المطيع له يسير بجملة أعماله، وكلما زاد طاعاته واعماله ازداد كسبه بها وعظم. وهو بمنزلة من سافر فكسب عشرة أضعاف رأس ماله، فسافر ثانية برأس ماله الأول وكسبه برأس ماله الأول وكسبه فكسب عشرة أضعافه أيضاً، فسافر ثالثاً أيضاً بهذا المال كله، وكان ربحه كذلك وهلم جرا، فإذا فتر عن السفر في آخر أمره مرة واحدة فاته من الربح بقدر جميع ما ربح أو أكثر منه، وهذا معنى قول الجنيد رحمه الله: لو أقبل صادق على الله ألف عام ثم أعرض عنه لحظة واحدة كان ما فاته أكثر مما ناله، وهو صحيح بهذا المعنى.
طيب، الآن بعد ما ذكر العشرة آآ حجج لهذا القول، إيش رأيكم؟ هل تتصورون أنه سيكون القول الارجح؟ أو أنه بقي شيء؟ هذي طبعا طريقة ابن القيم رحمه الله آآ يعني ابن القيم رحمه الله يأتي بمسألة فيسرد الأدلة عليها آآ فتقول قطعا خلاص هذا هو هذا هو الراجح.
طيب، احنا دعونا ننظر، دعونا ننظر اه القول الآخر. قال فصل: وطائفة رجحت التائب وإن لم تنكر كون الأول أكثر حسنات منه، واحتجت بوجوه.
أحدها أن عبودية التوبة من أحب العبوديات إلى الله وأكرمها عليه، فإنه سبحانه يحب التوابين، ولو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه حبته لتوبة عبده، ابتلاه بالذنب الذي يوجب وقوع محبوبه من التوبة اه الذي يوجب وقوع محبوب من التوبة وزيادة محبته لعبده، فإن للتائبين عنده محبة خاصة.
يوضح ذلك الوجه الثاني. الوجه الثاني أن للتوبة عنده سبحانه منزلة ليست لغيرها من الطاعات، ولهذا يفرح سبحانه بتوبة عبده حين يتوب إليه أعظم فرح يقدر، كما مثله النبي صلى الله عليه وسلم بفرح الواحد لراحلته الذي مر معنا أمس، ومعلوم أن لهذا الفرح تأثيراً عظيماً في حال التائب وقلبه ومزيده لا يعبر عنه، وهو من أسرار تقدير الذنوب على العباد، فإن العبد ينال بالتوبة درجة المحبوبية، فيصير حبيباً لله، فإن الله يحب التوابين ويحب عبده المفتن التواب.
ويوضحه الوجه الثالث أن عبودية التوبة فيها من الذل والانكسار والخضوع والتملق لله والتذلل له ما هو أحب إليه من كثير من الأعمال الظاهرة وإن زادت في القدر والكمية على عبودية التوبة، فإن الذل والانكسار روح العبودية ومخها ولبها.
يووضحه الوجه الرابع أن حصول مراتب الذل والانكسار للتائب أكمل منها لغيره، فإنه قد شارك من لم يذنب في ذل الفقر والعبودية والمحبة، وامتاز عنه بانكسار قلبه بالمعصية. والله سبحانه أقرب ما يكون إلى العبد عند ذلّه وانكسار قلبه، كما في الأثر الإسرائيلي: يا رب أين أجدك؟ قال: عند المنكسرة قلوبهم من أجلي. لأجل هذا كان أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد لأنه مقام ذل وانكسار بين يدي ربه.
وتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل أنه يقول يوم يوم القيامة: يا ابن آدم، استطعتك فلم تطعمني. قال: يا رب، كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما لو أطعمنه لوجدت ذلك عندي؟ ابن آدم، استسقيتك فلم تسقني. قال: يا رب، كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما لو سقيته لوجدت ذلك عندي. ابن آدم، مرضت فلم تعدني. قال: يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما لو عدته لوجدتني عنده.
قال في عيادة المرضى لوجدتني عنده، وقال في الإطعام والإسقاء لوجدت ذلك عندي. ففرق بينهما، فإن المريض مكسور القلب ولو كان من كان فلا بد أن يكسره المرض، فإذا كان مؤمناً قد انكسر قلبه بالمرض كان الله عنده. وهذا والله أعلم هو السر في استجابة دعوة الثلاثة: المظلوم والمسافر والصائم للكسرة التي في قلب كل واحد منهم، فإن غربة المسافر وكسرته مما يجده العبد في وكذلك الصوم، فإنه يكسر سورة النفس السبعية الحيوانية ويذلها، والقصد أن شمعة الجبر والفضل والعطايا إنما تنزل وفي شمعدان الانكسار، وللعاصي التائب من ذلك أوفر نصيب.
يوضحه الوجه الخامس أن الذنب قد يكون أنفع للعبد إذا اقترنت به التوبة من كثير من الطاعات، وهذا معنى قول بعض السلف: قد يعمل العبد الذنب فيدخل به الجنة، ويعمل الطاعة فيدخل بها النار. قالوا كيف ذلك؟ قال: يعمل الذنب فلا يزال نصب عينيه إن قام وإن قعد وإن مشى ذكر ذنبه، فيحدث له انكساراً وتوبة واستغفاراً وندماً فيكون ذلك سبب نجاته، ويعمل الحسنة فلا تزال نصب عينيه إن قام وإن قعد وإن مشى كلما ذكرها أورثته عجباً وكبراً ومنة فتكون سبب هلاكه.
يكون الذنب موجباً لترتب طاعات وحسنات ومعاملات قلبية من خوف الله والحياء منه والاطراق بين يديه منكساً رأسه خجلاً نادماً مستقيماً ربه، وكل واحد من هذه الآثار أنفع للعبد من طاعة توجب له صولة وكبراً وازدراءً بالناس ورؤيتهم الاحتقار، ولا ريب أن هذا الذنب خير عند الله وأقرب إلى النجاة والفوز من أن هذا المذنب خير عند الله وأقرب إلى النجاة فوز من هذا المعجب بطاعته الصائل بها المان بها وبحاله عند وبحاله على الله عز وجل وعباده. وإن قال بلسانه وإن قال بلسانه خلاف ذلك فالله شهيد على ما في قلبه، ويكاد يعادي الخلق إذا لم يعظموه ويرفعوه ويخضعوا له، ويجد في قلبه بغضة لمن لم يفعل به ذلك، ولو فتش نفسه حق التفتيش لرأى فيها ذلك كاملاً.
ولهذا تراه عاتباً على من لم ينظمه ويعرف له حقه، متطلباً لعيبه في قالب حمية لله وغضب له، وإذا قام بمن يعظمه ويحترمه ويخضع له من الذنوب أضعاف ما قام بهذا فتح له باب المعاذير والرجاء وأغمض عنه عينه وسمعه وكف لسانه وقلبه، وقال باب العصمة عن غير الأنبياء مسدود، وربما ظن أن ذنوب من يعظمه تكفر بإجلاله وتعظيمه واكرامه إياه.
فإذا أراد الله بهذا العبد خيراً القاه في ذنب يكسره به ويعرفه قدره، ويكفي به عباده شره وينكس به رأسه ويستخرج به من هدى العجب والكبر والمنة عليه وعلى عباده، فيكون هذا الذنب أنفع لهذا من طاعات كثيرة، ويكون بمنزلة شرب الدواء ليستخرج به الداء العضال. اه، استطرد هو في هذا المعنى، استطرد في هذا المعنى وذكر على لسان اه يعني في قصة آدم ما يتعلق بها.
ننتقل إلى صفحة خمس مئة مئة وأربعة وثلاثين، هو ذكر إلى الآن خمسة وجوه لهذا القول. قال في خمس مئة وثلاثين: الوجه السادس، وهو قوله تعالى: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا. وهذا من أعظم البشارة إذا اقترنت بتوبتهم إيمان وعمل صالح، وهو حقيقة التوبة.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فرح بشيء قط وبهذه الآية لما نزلت لما نزلت، وفرحه بنزول إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، اه لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ.
واختلفوا في صفة هذا التبديل، اللي هو يبدل الله سيئاتهم حسنات، واختلفوا في صفة هذا التبديل وهل هو في الدنيا أو في الآخرة؟ على قولين. فقال ابن عباس وأصحابه: هو تبديلهم بقبائح أعمالهم محاسنها، فبدلهم إيماناً، وبالزنا عفة وإحصاناً، وبالكذب صدقاً، وبالخيانة أمانة. فعلى هذا معنى الآية، يعني معنى يبدل الله سيئاتهم حسنات، أن صفاتهم القبيحة وأعمالهم السيئة بدلوا عوضها صفات جميلة وأعمالاً صالحة، كما يبدل المريض بالمرض صحة، والمبتلى ببلائه عافية.
وقال سعيد بن المسيب وغيره من التابعين: هو تبديل الله سيئاتهم التي عملوها بحسنات يوم القيامة فيعطيهم مكان كل حسنة. واحتج أصحاب هذا القول بما روى الترمذي في جامعه قال: حدثنا الحسين ابن حريث قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا الأعمش المعروف ابن سويد عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأعلم آخر رجل يخرج من النار، يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال اعرضوا عليه صغار ذنوبه ويخبأ عنه كبارها، فيقال عملت يوم كذا وكذا وكذا وهو مقر لا ينكر وهو مشفق من كبارها، فيقال أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة. فيقول: إن لي ذنوباً ما أراها ها هنا. قال أبو ذر: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه.
فهذا حديث صحيح، ولكن في الاستدلال به على صحة هذا القول نظر؛ فإن هذا قد عذب بسيئاته ودخل بها نار، ثم بعد ذلك أخرج منها وأعطي مكان كل سيئة حسنة صدقة تصدق الله بها عليه ابتداءً بعدد ذنوبه، وليس في هذا تبديل كالذنوب بحسنات، إذ لو كان كذلك لما عوقب عليها كما لم يعاقب التائب.
والكلام إنما هو في تائب أثبت له مكان كل سيئة حسنة فزادت حسناته، فأين في هذا الحديث ما يدل على ذلك؟ والناس استقبلوا هذا الحديث مستدلين به في تفسير هذه الآية على هذا القول، وقد علمت ما فيه.
الآن يعني هو كل هذا الكلام أصلاً استطراد من الوجه السادس، الوجه السادس هو الاستدلال، يعني الوجه السادس من وجوه الأدلة على أن من تاب منزلته أفضل أو حاله أفضل أن الله قال سبحانه وتعالى: وَيُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ. فهذا كسب ذنوب لما تاب تبدلت حسنات، ثم استطرد فذكر الخلاف في الآية لأنه طب ما معنى يبدل الله سيئاتهم حسنات؟ ثم ذكر الحديث هذا واستدلالهم، ثم ذكر الاعتراض على الحديث.
لكن الآن الاستدراك على الاعتراض جميل جداً جداً، استمعوا يقول: والناس استقبلوا هذا الحديث مستدلين به في تفسير هذه الآية على هذا القول وقد علمت ما فيه، لكن للسلف غور ودقة دقة فهم لا يدركها كثير من المتأخرين فالاستدلال به صحيح.
شوف الحديث هذا هذا الحديث اللي ذكر الاعتراض القوي عليه قبل شوية يقول لك لا الاستدلال به صحيح، كيف يقول الاستدلال به صحيح بعد تمهيد قاعدة؟ إذا عرفت عرف نقطة الاستدلال به ودقته، وهي أن الذنب لابد له من أثر، وأثره يرتفع بالتوبة تارة، وبالحسنات الماحية تارة، وبالمصائب المكفرة تارة، وبدخول النار ليتخلص من أثره تارة، وكذلك إذا اشتد أثره ولم تقوَ تلك الأمور على محوه فلابد إذاً من دخول النار.
لأن الجنة لا يكون فيها ذرة من الخبيث، ولا يدخلها إلا من طاب من كل وجه، فاذا بقي عليه شيء من خبث الذنوب أدخل كير الامتحان ليخلص ذهب إيمانه من خبثه فيصلح حينئذ لدار الملك، إذا علم هذا فزوال موجب الذنب وأثره تارة يكون بالتوبة النصوح وهي أقوى الأسباب، وتارة يكون باستيفاء الحق منه وتطهيره في النار.
فإذا تطهر بالنار وزال أثر الوسخ والخبث عنه أعطي مكان كل سيئة حسنة، فإذا تطهر بالتوبة النصوح -يعني بدون ما يدخل النار- فإذا تطهر بالتوبة النصوح وزال عنه بها أثر وسخ الذنب وخبثه، كان أولى الذنوب وخبثها كان أولى بأن يعطى مكان كل سيئة حسنة، لأن إزالة التوبة لهذا الوسخ والخبث أعظم من إزالة النار، وأحب إلى الله، وإزالة النار بدل منها وهي الأصل، فهي أولى بالتبديل مما بعد الدخول.
هذا الاستدراك رهيب رهيب إلى الغاية اللي فاهمه جيداً يعني صراحة دقة فهم عجيبة عجيبة للغاية. طيب، لم ينتهي، آآ لم ينتهي الآن من -طبعاً الأسئلة إن شاء الله بعدين- لم ينتهي من وجوه القول الثاني قال: يوضحه الوجه التاسع.
وهو أن التائب قد بدل كل سيئة بندمه عليها حسنة، إذ هو توبة تلك السيئة، والندم توبة، والتوبة من كل ذنب حسنة، فصار كل ذنب عمله زائلاً بالتوبة التي حلت محله وهي حسنة، فصار له مكان كل سيئة حسنة بهذا الاعتبار، فتأمله فإنه من ألطف الوجوه.
وعلى هذا فقد تكون هذه الحسنة مساوية في القدر لتلك السيئة، وقد تكون دونها، وقد تكون فوقها، وهذا بحسب نصح هذه التوبة وصدق التائب فيها وما يقترن بها من عمل القلب الذي تزيد مصلحته ونفعه على مفسدة تلك السيئة، وهذا من أسرار مسائل التوبة ولطائفها.
يوضحه الوجه العاشر: أن ذنب العارف بالله وبأمره قد يترتب عليه حسنات أكبر منه وأكثر وأعظم نفعاً وأحب إلى الله -وأعظم نفعاً وأحب إلى الله تعالى- من عصمته من ذلك الذنب، من ذل وانكسار وخشية وإنابة وندم وتدارك بمراغمة العدو بحسنة أو حسنات أعظم منه.
حتى يقول الشيطان: يا ليتني لم أوقعه فيما أوقعته فيه، ويندم الشيطان على إيقاعه في الذنب كندامة فاعله على ارتكابه، لكن شتان ما بين الندمين، والله تعالى يحب من عبده مراغمة عدوه وغيظه مراغمة عدوه وغيظه كما تقدم، أن هذا من العبودية، من أسرار التوبة هذي اللي اخذناها أمس.
فيحصل من العبد مراغمة العدو بالتوبة والتدارك وحصول محبوب الله من التوبة وما يتبعها من زيادة الأعمال هنا ما يوجب جعل مكان السيئة بالحسنات، وتأمل قوله: يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ، ولم يقل مكان كل واحدة واحدة، فهذا يجوز أن يبدل السيئة الواحدة بعدة حسنات بحسب حال المبدل.
وأما في الحديث فإن الذي عذب عليها لم يبدلها في الدنيا بحسنات من التوبة النصوح وتوابعها آآ إلى أخرة. طيب.
طيب، ثم يقول: ألم يكن له ما يجعل ما يجعل مكان السيئة حسنات، فأعطي مكان كل سيئة فأعطي مكان كل سيئة حسنة واحدة، وسكت النبي صلى الله عليه وسلم عن كبار ذنوبه، ولما انتهى إليها ضحك ولم يبين ما يفعل الله بها، وأخبر أن الله يبدل مكان كل صغيرة حسنة.
ولكن في الحديث إشارة لطيفة إلى أن هذا التبديل يعم كبارها وصغارها من وجهين: أحدهما قوله: أُخبِئُ عنها عنه كبارها، فهذا إشعار بأنه إذا رأى تبديل الصغائر ذكرها وطمع في وطمع في تبديلها، فيكون تبديلها أعظم موقعاً عنده من تبديل الصغائر، وهو به أشد فرحاً واغتباطاً.
والثاني: ضحك ضحك النبي صلى الله عليه وسلم عند لذلك، وهذا الضحك مشعر بالتعجب مما يفعل به من الإحسان، وما يقر به على نفسه من الذنوب من غير أن يقرر عليها ولا يسأل عنها، إنما عرضت عرضت عليه الصغائر، فتبارك الله رب العالمين وأجود الأجودين وأكرم الأكرمين البر اللطيف المتودد إلى عباده بأنواع إحسان وإيصالها إليهم من كل طريق بكل نوع، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم.
الان هذي يعني اكمل اكمل هنا اه عشرة اوجه وهنا عشرة اوجه تقريبا وان كان كأنه في اشكال في في الترقيم يعني اه لكن اه اه هذه الدقة البالغة في في في معالجة القضايا السلوكية والمسائل السلوكية غير الفائدة الايمانية والتزكوية والسلوكية الموجودة فيها هي ايضا فائدة ذهنية حقيقة في في تفكيك الافكار وفي طريقة الاستدلال ودقة النظر وآآ هذا يعني هذا واحد من الايقاعات التي تجعل الانسان يدرك مقدار الخير ومقدار العلم ومقدار المعرفة الذي يفوت من لا يقرأ في كتب المتقدمين يعني البعض يهون من كتب المتقدمين وطبعا تعرفوا هناك اخرون لا يسمونها باكثر من انها الكتب الصفراء المنتهية الصلاحية وما الى ذلك. لكن حقيقة فيها قدر من المعرفة والعلوم والاستدلال الاستنباط اسيا الكبير.
طيب، ننتقل إلى مسألة أخرى، هذه في صفحة خمسمائة واثنين وأربعين في صفحة خمسمائة واثنين وأربعين يتكلم عن الاستغفار.
يتكلم عن الاستغفار، يقول: واما الاستغفار فهو نوعان: مفرد ومقرون بالتوبة. طبعا هو هذا كله في الفرق بين اللي يوضح الفرق بين الاستغفار والتوبة يقول الاستغفار نوعان: مفرد ومقرون بالتوبة، يعني يأتي في كتاب الله مفردا ويأتي في كتاب الله مقرونا بالتوبة.
فالمفرد كقول نوح عليه السلام: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا. وكقول صالح لقومه: لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. وكقوله تعالى: وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. إلى آخره. كقوله تعالى: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ. وقول هود عليه السلام لقومه: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ. وقول صالح عليه السلام لقومه: هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ. وقول شعيب: وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ.
فالاستغفار المفرد كالتوبة، بل هو التوبة بعينه مع تضمنه طلب المغفرة من الله وهو محو الذنب وإزالة أثره ووقاية شره، لا كما ظنه بعض الناس أنها الستر، فإن الله يستر على من يغفر على من يغفر له وعلى من لا يغفر له، ولكن الستر لازم مسماها أو جزؤه، فدلالتها عليه إما بالتضمن أو باللزوم.
وحقيقتها وقاية شر الذنب، ومنه المغفر لما يقي الرأس من الأذى، والستر لازم لهذا المعنى، وإلا فالعمامة لا تسمى مغفرا ولا ولا القبع والقبع ونحوه من مع ستره، فلابد في لفظ من الوقاية، وهذا الاستغفار هو الذي يمنع العذاب في قوله: وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، فإن الله لا يعذب مستغفرا.
وأما من أصر على الذنب وطلب من الله مغفرته فهذا ليس باستغفار مطلق، ولهذا لا يمنع العذاب، فالاستغفار يتضمن التوبة، والتوبة تتضمن الاستغفار، وكل منهما يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق.
وأما عند الاقتران، أما عند اقتران إحدى اللفظتين بالأخرى، فالاستغفار طلب وقاية شر ما مضى، والتوبة الرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله، فها هنا ذنبان: ذنب قد مضى فالاستغفار منه طلب وقاية شره، وذنب يخاف وقوعه فالتوبة العزم على ألا يفعله.
والرجوع إلى الله يتناول النوعين: رجوع إليه ليقيه شر ما مضى، ورجوع إليه ليقيه شر ما يستقبل من شر نفسه وسيئات ماله.
وايضا فان المذنب بمنزلة من ركب طريقا تؤديه الى هلاكه ولا توصل الى المقصود فهو مأمور ان ان يوليها ظهره ويرجع الى الطريق التي فيها نجاته نجاته والتي توصله الى مقصوده وفيها فلاحه، فها هنا امران لابد منهما: مفارقة شيء والرجوع إلى غيره، فخصت التوبة بالرجوع والاستغفار بالمفارقة، وعند افراد احدهما يتناول الامرين، ولهذا جاء والله اعلم الامر بهما مرتبا بقوله: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ، فانه الرجوع الى طريق الحق بعد مفارقة الباطل.
وايضا فالاستغفار من باب ازالة الضرر والتوبة طلب وجلب المنفعة، فالمغفرة ان يقيه شر شر الذنب والتوبة ان يحصل له بعد هذه الوقاية ما يحبه، وكل منهما يستلزم الاخر عند افراده والله اعلم.
طيب، ثم مباشرة قال فصل: وهذا عن التوبة النصوح قال فصل: وهذا يتبين بذكر التوبة النصوح وحقيقتها، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ.
وجعل وقاية شر السيئات وهو تكفيرها بزوال ما يكره العبد ودخول الجنات وهو حصول ما يحب العبد منوطا بحصول التوبة النصوح، والنصوح على وزن فعول المعدول به عن فاعل قصدا للمبالغة كالشكور والصبور، واصل مادة نصح لخلاص الشيء من الغش والشوائب الغريبة، وهو ملاق في الاشتقاق الاكبر لنصح اذا خلص، فالنصح في التوبة والعبادة والمشورة تخليصها من كل غش ونقص وفساد، وايقاعها على اكمل الوجوه والنصح ضد الغش.
وقد اختلفت عبارات السلف عنها ومرجعها الى شيء واحد، فقال عمر ابن الخطاب وأبي ابن كعب رضي الله عنهما: التوبة النصوح ان يتوب من الذنب ثم لا يعود والى ايه؟ كما لا يعود اللبن الى الدرع. وقال الحسن البصري: هي ان يكون العبد نادما على ما مضى مجمعا على ان لا يعود فيه. وقال الكلبي: ان يستغفر باللسان ويندم بالقلب ويمسك بالبدن.
وقال سعيد بن المسيب: توبة نصوحة تنصحون بها انفسكم جعلها بمعنى ناصحة للتائب كضر كضروب المعدول عن ضارب، واصحاب القول الاول يجعلونها بمعنى المفعول اي قد نصح فيها التائب ولم يشبها بغش، فهي اما بمعنى بمعنى منصوح فيها كركوبة وحلوبة بمعنى مركوبة ومحلوبة، او بمعنى الفاعل اي ناصحة كخالصة وصادقة.
وقال محمد بن كعب القرظي: يجمعها اربعة: الاستغفار باللسان، والاقلاع بالابدان، واضمار ترك العود بالجنان، ومهاجرة سيء الاخوان.
قلت: النصح في التوبة يتضمن ثلاثة اشياء: الاول تعميم جميع الذنوب واستغراقها تعميم جميع جميع تعميم جميع الذنوب واستغراقها بها، بحيث لا تدع ذنبا الا تناولته.
والثاني العزم والصدق بكليته عليها بحيث لا يبقى عنده تردد ولا تلوم ولا انتظار، بل يجمع عليها كل ارادته وعزيمته مبادرا بها.
الثالث تخليصها من الشوائب والعلل القادحة في اخلاصها ووقوعها، لبحث الخوف من الله وخشيته والرغبة فيما لديه والرهبة مما عنده، لا كمن يتوب لحفظ جاهه وحرمته ومنصبه ورئاسته ولحفظ حاله او لحفظ قوته او استدعاء حمد الناس او الهرب من دمهم او لئلا يتسلط عليه السفهاء او لقضاء اه نعمته من الدنيا.
إلى آخر الكلام ثم قال: فصل في الفرق بين تكفير السيئات ومغفرة الذنوب، وقد جاء في كتاب الله تعالى ذكرهما مقترني مقترنين، وذكر كلا منهما منفردا عن الاخر، فالمقترنان كقوله تعالى حاكيا عن عباده المؤمنين: رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ.
وفرد كقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ. وقوله في المغفرة: وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ.
فها هنا اربعة امور: ذنوب وسيئات ومغفرة وتكفير، الذنوب المراد بها الكبائر، والمراد بالسيئات الصغائر وهي ما تعمل في تعمل فيه الكفارة من الخطأ وما جرى مجراه، ولهذا جعل جعل لها التكفير ومنه اخذت الكفارة، ولهذا لم يكن لها سلطان ولا عمل في الكبائر في اصح القولين، فلا تعمل في قتل العمد ولا في اليمين الغموس في ظاهر بمذهب احمد وأبي حنيفة.
والدليل على ان السيئات هي الصغائر والتكفير لها قوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا. وفي صحيح مسلم من حديث ابي هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اه كان يقول: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان.
إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر. ولفظ المغفرة أكمل من لفظ التكفير، ولهذا كان مع الكبائر والتكفير مع الصغائر؛ فإن لفظ المغفرة يتضمن الوقاية والحفظ، ولفظ التكفير يتضمن الستر والإزالة. وعند الإفراد يدخل كل منهما في الآخر كما تقدم.
فقوله تعالى: وَكَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ يتناول صغائرها وكبائرها ومحوها ووقاية شرها. بل التكفير المفرد يتناول أسوأ الأعمال، كما قال تعالى: لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا. وإذا فهم هذا فهم السر في الوعد على المصائب والهموم والغموم والنصب والوصب بالتكفير دون المغفرة، بقوله في الحديث الصحيح: ما يصيب المؤمن من هم ولا غم ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه.
فإن المصائب لا تستقل بمغفرة الذنوب، ولا تغفر الذنوب جميعا إلا بتوبة أو بحسنات تتضاءل وتتلاشى فيها الذنوب؛ فهي كالبحر لا يتغير بالجيف، وإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث. لأهل الذنوب ثلاثة أنهار عظام يتطهرون بها في الدنيا، فإن لم تف بطهرهم طهروا في نهر الجحيم يوم القيامة: نهر التوبة النصوح، ونهر الحسنات المستغرقة للأوزار المحيطة بها، ونهر المصائب العظيمة المكفرة.
فإذا أراد الله بعبده خيرا أدخله أحد هذه الأنهار الثلاثة، فورد يوم القيامة طيبا طاهرا فلم يحتج إلى التطهير الرابع.
طيب، وجزاكم الله خيرا، ونقف عند هذا الحد في هذا اليوم. آآ نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا فيما سمعنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يزيدنا من فضله الكريم، وأن يمن علينا بالتوبة النصوح، ونسأله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا خطيئتنا أو خطايانا وجهلنا وإسرافنا في أمرنا كله. اللهم اغفر لنا خطأنا وعمدنا وهزلنا وجدنا وكل ذلك عندنا، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين. وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجملين.
الشيخ أحمد السيد