بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلي وسلم على عبدك ورسولك محمد، اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. اللهم إنا نسألك أن ترزقنا الإخلاص في القول والعمل.
هذا اللقاء الخامس من لقاءات مقاصد مدارج السالكين للإلام ابن القيم رحمه الله تعالى، ولا نزال في منزلة التوبة، واليوم إن شاء الله أنوي أن أنتهي من منزلة التوبة مع أن الذي بقي كثير، والذي بقي مسائل متنوعة جدا ومهمة، ولكن نحاول يعني بإذن الله لن أنتهي من درس اليوم ولو طال إلا إذا انتهيت من منزلة التوبة إن شاء الله حتى ننطلق غدا بإذنه تعالى في منزلة الإنابة.
في يومي أمس طبعا كانت هناك مسائل متعددة متعلقة بالتوبة، استفدنا بعض الفوائد الجانبية المرتبطة عقلية ابن القيم بطريقته الاستدلالية بقدرته التحليلية، واليوم أيضا عندنا شيء من هذه الفوائد المنهجية الجانبية، وأقصد أنها جانبية ليست معناها أنها غير مهمة، وإنما جانبية أنها يعني تأتي في في غير سياق الكتاب الأصلي، أو تكون استطرادا أو مناقشة تفصيلية شيء من الأفكار.
اليوم نبدأ من صفحة خمسمائة وثلاثة وخمسين من المجلد الأول طبعة دار طيبة، قال ابن القيم رحمه الله: فصل والذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر بنص القرآن والسنة وإجماع السلف والاعتبار. وبالاعتبار قال الله تعالى: إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكَوَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا. وقال تعالى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر.
ثم ذكر يعني من قال من السلف أن الذنوب كلها كبائر، ورد هذا القول، ثم بدأ يناقش معنى الاستثناء في قول الله سبحانه وتعالى: إِلَّا اللَّمَمَ، الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم، إيش المقصود يعني؟ المقصود أنهم يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، لكن ما يجتنبون اللمم، يعني يستلموني كمان وحش إلا اللمم إلا اللمم لا يجتنبونه، أو إلا اللمم ماذا؟
هنا يتكلم عن نوع الاستثناء نوع الاستثناء، وهنا تداخل القيمة اللغوية مع القيمة التفسيرية، وانه تفسير القرآن يتطلب معرفة لغوية، لأنه ما يخفاكم أنه الاستثناء أنواع، هناك استثناء يعني متصل وهناك استثناء منقطع، والاستثناء المنقطع له معنى عموما في موضع آخر بعد قليل سيصيغ أو بصيغة أوضح عن هذه الآية، فأنا أؤجل الكلام فيها الين ما يأتي إن شاء الله بعد الخميس.
طيب، ثم ذهب إلى اللمم بغض النظر إيش نوع الاستثناء، ما هو اللمم؟ قال ذكر عدة أقوال: روي عن جماعة من السلف أنه الإلمام بالذنب هذه صفحة خمسمائة وخمسة وخمسين، روي عن جماعة من السلف أنه الإلمام بالذنب مرة ثم لا يعود إليه، وإن كان كبيرا. وذكر قول آخر أنما ما دون الشرك، وذكر قول آخر قال وهو قول الجمهور إن اللمم ما دون الكبائر، وأن اللمم هو ما دون الكبائر، وهو أصح الروايتين عن ابن عباس كما في صحيح البخاري من حديث طاووس عنه قال: ما رأيت أشبه باللمم مما قال أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه. رواه مسلم من حديث صهيب بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه: والعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد جناح البطش، ورجله زناها الخطى.
ثم ذكر أقوالا أخرى، ثم قال في صفحة السبعة وخمسين خمسمائة وسبعة وخمسين: والصحيح قول الجمهور أن اللمم صغائر الذنوب كالنظرة والغمزة والقبلة ونحو ذلك، وهذا قول جمهور جمهور الصحابة ومن بعدهم، وهو قول أبي هريرة وعبدالله بن مسعود وابن عباس ومسروق الشعبي.
ثم أخذ يوائم بين الأقوال وأنه هذا لا مع كده عموما الذي يهمنا الآن بعد ذكر الاقوال والتفاصيل فيها أنه يرجح قول الجمهور وهو أن اللمم صغائر الذنوب، وأن أشبه شيء بها هو ما ذكره أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في زنا العين وزنا اللسان وما إلى ذلك.
طيب يعني المقصود به نظرة إلى إلى حرام أو نحو ذلك. طيب نأتي الآن إلى معنى الاستثناء في صفحة خمسمائة وثمانية وخمسين، في صفحة خمسمائة خمسمائة وثمانية وخمسين قال: وليس معنى الآية والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم فإنهم لا يجتنبونه، فإن هذا يكون ثناء عليهم بترك اجتناب اللمم، وهذا محال، وإنما هذا استثناء من مضمون الكلام، ومعناه من مضمون الكلام ومعناه.
يعني هو في الأخير يقصد أنه استثناء منقطع، وإنما هذا استثناء من مضمون الكلام ومعناه، فإن سياق الكلام في تقسيم الناس إلى محسن ومسيء، وأن الله يجزي هذا بإساءته وهذا بإحسانه، ثم ذكر المحسنين ووصفهم بأنهم يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، ومضمون هذا أنه لا يكون محسنا مجزيا بإحسانه ناجيا من عذاب الله إلا من اجتنب كبائر الإثم والفواحش، فحسن حينئذ استثناء اللمم وإن لم يدخل في الكبائر فإنه داخل في جنس الإثم والفواحش.
وضابط الانقطاع أي الذي في الاستثناء أن يكون له دخول في جنس المستثنى منه، وإن لم يدخل في نفسه ولم يتناوله لفظه، كقوله تعالى: لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا. هو الآن يقول في الاستثناء: أنت حين تقول مثلا جاء القوم جاء القوم إلا وثم تذكر شخصا من القوم، إذا استثنيت شخصا من القوم هذا الاستثناء يكون متصلا تاما.
إذا كان منقطعا إذا كان المستثنى منه من غير جنس المستثنى، فهنا الاستثناء يكون منقطعا، يعني هو ذكر أمثلة أيضا: وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ، مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا تِّبَاعَ الظَّنِّ. هل معناه أنه اتباع الظن علم؟ جزء من العلم ما لهم به من علم إلا اتباع الظن، لو قلت إن هذا الاستثناء بهذه الطريقة وبهذا المعنى لكان اتباع الظن من العلم، لكن هنا استثناء منقطع، المستثنى اللي هو اتباع الظن ليس من جنس المستثنى منه الذي هو العلم، وإن كان له علاقة بهذا الجنس، له علاقة بطريقة أو بأخرى، هو يريد أن يشرح العلاقة بس أنا أخشى أنه يعني قد يكون فيها صعوبة على البعض، وإن كانت مسألة مهمة حقيقة، ما في مشكلة سأقرأ شيء منها.
يقول ضابط الانقطاع: أن يكون له دخول في جنس المستثنى منه وإن لم يدخل في نفسه وإن لم يتناوله لفظه، كقوله تعالى: لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا، فإن السلام داخل في الكلام الذي هو جنس له والسلام، وكذلك قوله: لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا، فإن الحميم والغساق داخل في جنس الذوق المنقسم، فكأنه قيل في الأول لا يسمعون فيها شيئا إلا سلامه، وفي الثاني لا يذوقون فيها شيئا إلا حميما وغساقا.
ونص على فرد من افراد الجنس تصريحا ليكون نفيه بطريق التصريح والتنصيص لا بطريق العموم الذي يتطرق إليه تخصيص هذا الفرد، وكذلك لقوله: مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ، فإن الظن داخل في الشعور الذي هو جنس العلم والظن. المهم بعد ما ذكر هذا ثم ذكر مثال ولا تنكحوا أبائكم لا تنكحوا ما نكح آبائكم في صفحة خمسمائة وستين قال: فتأمل هذا فإنه من فقه العربية، فتأمل هذا فإنه من فقه العربية.
يعني هنا إلا تأتي بمعنى لكن في الأخير يعني، الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم يعني لكن اللمم قد يقعون فيه، وليس معناه إلا اللمم فإنهم لا يجتنبونه، هذا خلاصة المعنى النهائي: الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ولكن اللمم قد يقعون فيه، ومثل لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا هنا لكن لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا ولكن حميما وغساقا، هذا هذا طعامهم.
لا يسمعون فيها لغوا ولكن سلاما، هذا المؤدى النهائي في هذا، بس الشرح الذي ذكره يعتبر دقيقا جدا ومهم. طيب المهم في صفحة خمسمائة وواحد وستين ذهب الكبائر قال: واما الكبائر فاختلف السلف فيها اختلافا لا يرجع إلى تباين وتضاد، وأقوالهم متقاربة وأقوالهم متقاربة. وذكر مجموعة من الاحاديث التي فيها ذكر الكبائر.
طيب بحقيقة استوقفني استطراد استطراده ذكره ابن القيم في في سياق ذكره للأقوال في الكبائر، لما ذكر القول قول من يقول إن الكبائر ما يستصغره العباد والصغائر ما يستعظمونه فيخافون مواقعته، واحتج ارباب هذه المقالة بما روى البخاري في صحيحه هذا خمسمائة وسبعة وستين عن انس رضي الله عنه قال: إنكم لتعملون أعمالا هي دق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات.
المهم ذكر كلاما ثم استطرد فقال عن الصحابة والحديث إنما يدل على هذا المعنى، فإن الصحابة لعلو مرتبتهم عند الله وكمالهم كانوا يعدون تلك الأعمال موبقات، ومن بعدهم لنقصان مرتبتهم عندهم وتفاوت ما بينهم صارت تلك الأعمال في أعينهم أدق من الشعر، وهذا صفحة خمسمائة وثمانية وستين.
وهذا الموضع الذي أردته: وإذا أردت فهم هذا فانظر هل كان في الصحابة من إذا سمع نص رسول الله صلى الله عليه وسلم عارضه بقياسه أو ذوقه أو وجده أو عقله أو سيأسته؟ وهل كان قط أحد منهم يقدم على نص رسول الله صلى الله عليه وسلم عقلا أو قياسا أو ذوقا أو سياسة أو تقليد مقلد؟
لقد أكرم الله أعينهم وصانها أن تنظر إلى وجه من هذا حاله أو يكون في زمانهم، ولقد حكم عمر بن الخطاب رضي الله عنه على من قدم حكمه على نص الرسول بالسيف وقال: هذا حكم حكمي فيه. فيا لله كيف لو رأى ما رأينا وشاهد ما بلينا به من تقديم رأي كل فلان وفلان على قول معصوم صلى الله عليه وسلم، ومعاداة من اطرح آراؤهم وقدم عليها قول المعصوم؟ فالله المستعان وهو الموعد واليه المرجع.
طيب نذهب إلى صفحة خمسمائة وأربعة وسبعين خمسمائة وأربعة وسبعين، أتذكر قضية ثم بعدها ذكر مسألة مهمة جدا وهي المسألة التي سنطيل فيها إن شاء الله في صفحة تنقيب في الصفحة خمسمائة وستة وسبعين.
لكن قبل خمسمائة وأربعة وسبعين في مسألة مهمة يقول ها هنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن الكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر، وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء وعدم المبالاة وترك الخوف والاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر، بل يجعلها في أعلى رتبها، هذا أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب وهو قدر زائد على مجرد الفعل، والإنسان يعرف ذلك من نفسه ومن غيره.
وأيضا فإنه يعفى للمحب ولصاحب الإحسان العظيم ما لا يعفى لغيره، ويسامح بما لا يسامح به غيره، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: انظر إلى موسى صلوات الله وسلامه عليه رمى الألواح التي فيها كلام الله الذي كتبه فكسرها، وجر بلحية نبي مثله وهو هارون، ولطم عين ملك ملك الموت ففقأها، وعاتب ربه ليلة الإسراء في محمد صلى الله عليه وسلم ورفعه عليه، وربه تعالى يحتمل له ذلك كله ويحبه ويكرمه ويدلله لأنه قام لله تلك المقامات العظيمة في مقابلة أعدى عدو له، وصدع بأمره، وعالج أمتي القبط وبني إسرائيل أشد المعالجة، فكانت هذه الأمور كالشعرة في البحر.
وانظر إلى يونس ابن متى حيث لم يكن له هذه المقامات التي لموسى غاضب ربه مرة فاخذه وسجنه في بطن الحوت، ولم يحتمل له ما احتمل لموسى. وفرق بين من إذا أتى بذنب واحد ولم يكن له من الاحسان ما يشفع له، وبين من إذا أتى بذنب جاءت محاسنه بكل شفيع، كما قيل: وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع.
فالأعمال تشفع لصاحبها عند الله وتذكر به إذا وقع في الشدائد، قال تعالى عن ذي النون: فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، وفرعون لم تكن له سابقة خير تشفع له، وقال: آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ، قال له جبريل: آلآن وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ.
وفي المسند عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: إنما تذكرون من جلال الله من التسبيح والتكبير والتحميد يتعاطفن حول العرش لهن دوي كدوي النحل تذكر بصاحبهن، أفلا يحب أحدكم أن يكون له من يذكر به؟ ولهذا من رجحت حسناته على سيئاته أفلح ولم يعذب، ووهبت له سيئاته لأجل حسناته.
ولأجل هذا يغفر لصاحب التوحيد ما لا يغفر لصاحب الإشراك، لأنه قد قام به مما يحبه الله ما اقتضى أن يغفر له ويسامحه ما لا يسامح به المشرك، وكلما كان توحيد العبد أعظم كانت مغفرة الله له أتم، فمن لقيه لا يشرك به شيئا البتة غفر له ذنوبه كلها كائنة ما كانت ولم يعذب بها. طيب الآن هنا المسألة المهمة في خمسمائة وستة وسبعين.
يريد أن يعلق على الأحاديث التي فيها أنه من كان أو من لقي الله لا يشرك به شيئا أنه سيدخل الجنة، يعني ما وجه هذه الأحاديث؟ آه، ومع أن هناك أحاديث أخرى تدل على أنه من آه قدم ببعض الذنوب ولو كان عنده توحيد أنه سيعذب.
وهنا نصوص في أن من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، آه، أو فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله. فما وجه الجمع بين هذه النصوص؟ طبعا هو الجمع هنا متفرق في الكتاب.
يعني اليوم إن شاء الله سنمر على الموضعين، الموضع الأول ذكر فيما يتعلق بنصوص الرجاء، كيف نفهم نصوص الرجاء تلك؟ والموضع الثاني الذي فيه أن الذين يأكلون أموال اليتامى إنما يأكلون في بطونهم نارا، آه، ومن يقتل مؤمنًا عمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها. طب لو كان موحدًا؟ كيف يكون خالدًا؟ وكيف فهناك سيتكلم من الجهة الأخرى، هذه من المسائل المنهجية المهمة في قضية الفهم وهي لها ارتباط بمنزلة التوبة من جهة، آه، طبعا والمعاصي والتوبة تكون منها، آه.
طيب، يقول: ولسنا نقول إنه لا يدخل النار أحد من أهل التوحيد، بل كثير منهم يدخل بذنوبه ويعذب على جرمه ثم يخرج منها ولا تنافي بين الأمرين لمن أحاط علما بما قدمناه بما قدمناه في خمسمئة واحد وسبعين ذكر جواب لكن أنا تجاوزته حتى أتي لهذا الموضع لأنه أجمع.
قال: ونزيد ها هنا إيضاحا لعظم هذا المقام من شدة الحاجة إليه، اعلم أن أشعة لا إله إلا الله تبدد من ضباب الذنوب وغيومها بقدر قوة ذلك الشعاع وضعفه، فلها نور وتفاوت أهلها في ذلك النور قوة وضعفا لا يحصيه إلا الله تعالى.
فمن الناس من نور هذه الكلمة في قلبه كالشمس، ومنهم من نورها في قلبه كالكوكب الدري، ومنهم من نورها في قلبه كالمشعل العظيم، واخر كسراج المضيء، واخر كالسراج الضعيف. ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة يوم القيامة بإيمانهم بين أيديهم على هذا المقدار وبحسب ما في قلوبهم من نور هذه الكلمة علما وعملا ومعرفة وحالا.
وكلما عظم نور هذه واشتد أحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوته وشدته، حتى إنه ربما وصل إلى حال لا يصادف معه شبهة ولا لا شهوة ولا ذنبا إلا أحرقه. وهذا حال الصادق في توحيده الذي لم يشرك بالله شيئا، فأي ذنب أو شهوة أو شبهة دنت من هذا النور أحرقها.
فسماء إيمانه قد حرست بالنجوم من كل سارق لحسناته، فلا فلا منها السارق إلا غرة وغفلة أو إلا غفلة إلا غرة ربما إلا غراة غفلة لابد منها للبشر، فاذا استيقظ وعلم ما سرق منه استنقذه من سارقه، أو حصل أضعافه بكسبه.
فهو هكذا أبدا مع لصوص الجن والانس ليس كمن فتح لهم خزانته وولى الباب ظهره. وليس التوحيد مجرد إقرار العبد بأنه لا خالق إلا الله وأن الله رب كل شيء ومليكه كما كان عباد الأصنام مقرين بذلك وهم مشركون، بل التوحيد يتضمن من محبة الله الخضوع له والذل له وكمال الانقياد لطاعته وإخلاص العبادة له وإرادة وجهه الأعلى بجميع الأقوال والأعمال والمنع والعطاء والحب والبغض ما يحول بين صاحبه وبين الأسباب الداعية إلى المعاصي والإصرار عليها.
ومن عرف هذا عرف قول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله، وقوله لا يدخل النار من قال لا إله إلا الله، وما جاء من هذا الضرب من الأحاديث التي أشكلت على كثير من الناس حتى ظنها بعضهم منسوخة، وظنها بعضهم قيلت قبل ورود الأوامر والنواهي واستقرار الشرع، وحملها بعضهم على نار المشركين والكفار، وأول بعضهم دخوله بالخلود وقال المعنى لا يدخلها خالدًا ونحو ذلك من التأويلات المستكرهة.
والشارع صلوات الله وسلامه عليه لم يجعل ذلك حاصلا بمجرد قول اللسان فقط، فإن هذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، فإن المنافقين يقولونها بالسنتهم وهم تحت الجاحدين لها في الدرك الأسفل من النار، فلا بد من قول القلب وقول اللسان.
وقول القلب يتضمن من معرفتها والتصديق بها ومعرفة حقيقة ما تضمنته من النفي والإثبات ومعرفة حقيقة الإلهية المنفية عن غير الله المختصة به التي يستحيل ثبوتها لغيره، وقيام هذا المعنى بالقلب مع علما ومعرفة ويقين وحالا ما يوجب تحريم قائلها على النار.
وكل قول رتب الشارع ما رتب عليه من الثواب فإنما هو القول التام، كقوله صلى الله عليه وسلم من قال في يوم سبحان الله وبحمده مئة مرة حطت عنه خطايااه أو غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر. وليس هذا مرتبا على مجرد قول اللسان، نعم من قالها بلسانه غافلا عن معناها معرضا عن تدبرها ولم يواطئ قلبه لسانه ولا عرف قدرها وحقيقتها راجيا مع ذلك ثواب حطت من خطاياه بحسب ما في قلبه، فإن الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب.
فتكون صورة العملين واحدة وبينهما في التفاضل كما بين السماء والارض، والرجلان يكون مقامهما في الصف واحدا وبين صلاتيهما كما بين السماء والارض. وتأمل حديث البطاقة التي توضع في كفة ويقابلها تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر فتثقل البطاقة وتطيش السجلات فلا يعذب، ومعلوم أن كل موحد له مثل هذه البطاقة، وكثير منهم يدخل النار بذنوبه ولكن السر الذي ثقل بطاقة ذلك الرجل وعطاشت لأجله السجلات لما لم يحصل لما لم يحصل لغيره من أرباب البطاقات انفردت بطاقته بالثقل أو بالثقل.
وإذا أردت زيادة الإيضاح لهذا المعنى فانظر إلى ذكر من قلبه ملئان بمحبتك وذكر من هو معرظ عنك غافل مشغول بغيرك قد انجذبت دواعي قلبه إلى محبة غيرك وإيثاره عليك هل يكون ذكرهما واحدا؟ أم هل يكون والداك اللذان هما بهذه المثابة أو عبداك أو زوجتاك عندك سواء.
وتأمل ما قام بقلب قاتل المائة من حقائق الإيمان التي لم تشغله عند السياق عن السير إلى قرية وحملته وهو في تلك الحال على أن جعل ينوء بصدره ويعالج سكرات الموت، فهذا أمر آخر وإيمان آخر ولا جرم أن الحق قرية الصالحة وجعل من أهلها.
وقريب من هذا ما قام بقلب البغي التي رعت ذلك الكلب وقد اشتد به العطش يأكل الثرى فقام قلبها ذلك الوقت مع عدم الآلة وعدم المعين وعدم من ترائيه بعملها ما حملها على أن غررت بنفسها في نزول البئر وملء الماء في خفها ولم تعبأ بتعرضها للتلف، وحملها خف خف وحملها خفها بفيها وهو ما الآن حتى أمكنها الرقي من البئر ثم تواضعها لهذا المخلوق الذي جرت عادة الناس بضربه فأمسكت له الخف بيده حتى شرب من غير أن ترجو منه جزاء ولا شكورا، أحرقت أنوار هذا القدر من التوحيد ما تقدم منها من البغاء فغفر لها.
فهكذا الأعمال والعمال عند الله والغافل في غفلة من هذا سير الكيماوي الذي لو وضع في أو إذا وضع منه مثقال ذرة على قناطير من نحاس الأعمال قلبها ذهبا والله.
ثم في آه صفحة خمس مئة وثمانية وثمانين في نفس الصفحة يعني بعد بقاء الفصل ذكر إشكالا على كلام سابق قبل هذا الكلام، إيش هو الكلام السابق؟ اللي هو لمن قال إنه يحتمل للمحب للمحبوبين ما لا يحتمل أو لدرجاتهم العليا ما لا يحتمل لمن دونها ذكر اعتراضا على هذا التقرير وأجاب عنه.
لا أطيل بعرضه ممكن ترجعون له من صفحة خمس مئة واثنين وثمانين إلى نهاية صفحة خمس مئة وخمسة وثمانين، ثم آه ذكر آه فصلا جديدا وهو فصل مهم يعني آآ من الناحية المنهجية وهو فصل نستطيع أن نسميه فصل مصطلحات فصل مصطلحات وهي مصطلحات قرآنية أو خلينا نقول ألفاظ قرآنية آآ يقول فصل في أجناس ما يتاب منه، وهذا يعني هذا الان آآ لو تتذكرون سابقا تكلمنا مرة عن أنه الإنسان إذا أراد أن يحضر موضوعا أو شيئا أنه يفكر في القضية بطريقة الاعتبارات، أنه الكلام عن الشيء باعتبار باعتبار كذا وباعتبار كذا وباعتبار كذا، هذه الطريقة تولد كثيرا من التفاصيل.
فهنا ابن القيم يعني هو يسير بهذه الطريقة، أنه التوبة باعتبار مثلا آه التائب باعتبار آه اقسامها باعتبار صفاتها باعتبار وهنا باعتبار ما ما تتعلق به من الذنوب، يعني التوبة من ماذا؟ وهو هنا عقد فصلا كاملا لما يتاب منه اصل في أجناس ما يتاب منهم.
طبعا ذكر آه ذكر اثني عشر جنسا من الأشياء التي يتاب منها وكلها مذكورة في القرآن، قال ولا يستحق العبد اسم التائب حتى يتخلص منها وهي اثنا عشر جنسا مذكورا في كتاب الله عز وجل هي أجناس المحرمات.
الكفر والشرك والنفاق والفسوق والعصيان والإثم والإثم والعدوان والفحشاء والمنكر والبغي قولوا على الله بلا علم واتباع غير سبيل المؤمنين واتباع غير سبيل المؤمنين، فهذه الاثنى عشر جنسا عليها مدار كل ما حرم الله، واليها انتهاء العالم بأسرهم إلا اتباع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وقد يكون في الرجل أكثرها أو أقلها أكثرها وأقلها أو واحدة منها أو لعلها أو أقلها أصح كما أشار المحقق والأسفل، وقد يكون في الرجل أكثرها أو أقلها أو واحدة منها وقد يعلم ذلك وقد لا يععلم.
التوبة النصوح هي بالتخلص منها والتحصن والتحرز من مواقعتها، وإنما يكون التخلص منها لمن عرفها، ونحن نذكرها ونذكر ما اجتمع اتفيه وما افترقت لتتبين حدودها وحقائقها والله الموفق لما وراء ذلك كما وفق له ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الآن حياخد الأثنعشر اسم هذي من أسباب الذنوب آه وسيفصل فيها في كل واحدة، يعني الكفر أنواع الكفر كفر أكبر وكفر أصغر ويذكر يعني تفاصيله وأسباب الكفر الأكبر آ كفر التكذيب كفر الاباء والاستكبار كفر الإعراض كفر الشك كفر النفاق ثم ذكر كفر الجحود وهو نوعان كفر مطلق عام وكفر مقيد خاص مسائل علمية مهمة.
ثم ذكر في خمس مئة وأربعة وتسعين الشرك وقال الشرك نوعان أكبر وأصغر، فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه وهو وذكر صورا من الشرك الأكبر آه.
ثم آه ذكر مسألة الشفاعة في صفحة خمس مئة وآه ستة وتسعين، وفي صفحة خمس مئة وسبعة وتسعين قال ومن جهل المشرك اعتقاده أن من اتخذه وليا أو شفيعا أنه يشفع له وينفعه عند الله كما يكون خواص الملوك والولاة تنفع شفاعتهم من والاهم.
ولم يعلموا أن الله لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يأذن في الشفاعة إلا لمن رضي قوله وعمله، كما قال تعالى في آآ الفصل الأول من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه، في الفصل الثاني ولا يشفعون إلا لمن.
وبقي فصل ثالث وهو أنه لا يرضى من القول والعمل إلا التوحيد واتباع الرسول، وعن هاتين الكلمتين يسأل الأولين والآخرين كما قال أبو العالية كلمتان يسأل عنهما يسأل عنهما الأولون والآخرون ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟
فهذه ثلاثة أصول تقطع شجرة الشرك من قلب من وعاها وعقلها، لا شفاعة إلا بإذنه ولا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله ولا يرضى من القول والعمل إلا توحيده واتباع رسوله.
فالله تعالى لا يغفر شرك العادلين به غيره، كما قال تعالى ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، وأصح القولين أنهم يعدلون به غيره في العبادة والموالاة المحبة كما في الآية الأخرى تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين، وكما في آية البقرة ومن الناس من يتخذوا من دون الله يحبونهم كحب الله.
وترى المشرك يكذب حاله وعمله قوله، فإنه يقول لا نحبهم كحب الله ولا نسويهم بالله، ثم يغضب لهم حرماتهم إذا انتهكت أعظم مما يغضب لله، ويستبشر بذكرهم ويتبشبش به سيما إذا ذكر عنهم ما ليس فيهم من اللهفات وكشف الكربات وقضاء الحاجات، وأنهم الباب بين الله وبين عباده، فإنك ترى المشرك يفرح ويسر ويحن قلبه تهيج منه لواعج التعظيم والخضوع لهم والموالاة.
وإذا ذكرت له الله وحده وجردت توحيده لحقته وحشة وضيق وحرج ورماك بنقص الإلهية التي له وربما عاداك، رأينا والله منهم هذا عيانا ورمونا بعداواتهم وبغوا لنا والله مخزيهم في الدنيا والآخرة، ولم تكن حجتهم إلا أن قالوا كما قال إخوانهم إخوانهم عاب آلهتنا.
فقال هؤلاء تنقصتم مشايخكم وأبواب حوائجنا إلى الله، وهكذا قالت النصارى للنبي صلى الله عليه وسلم لما قال لهم إن المسيح أو إن المسيح عبد لله قالوا تنقصت المسيح وعيبته، وهكذا قال أشباه المشركين لمن منع لمن منع اتخاذ القبور أوثانا تعبد ومساجد تقصد وامر بزيارتها على الوجه الذي أذن الله فيه ورسوله قالوا تنقصت أصحابها.
فانظر إلى هذا التشابه بين قلوبهم حتى كأنهم قد تواصوا به من يهد الله ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدة.
وقد قطع الله تعالى كل الأسباب التي تعلق بها المشركون جميعا قطعا يعلم من تأمله أن من اتخذ من دون الله وليا أو شفيعا فهو كمثل العنكبوت التي اتخذت فهو كمثل العنكبوت اتخذت بيتا، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لبيت العنكبوت.
طيب ما هي هذه الآية التي يقول ابن القيم إنها قطعت كل الأسباب التي تعلق بها المشركون؟ يقول هي قوله تعالى قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له.
ثم فصل في هذه الآية حقيقة تفصيل جميل جدا، أمنى منكم أن تراجعوه في صفحة ست مئة ست مئة وواحد. ثم انتقل إلى الشرك الأصغر وتكلم عن الرياء بكلام مختصر. وتكلم عن أنواع من الشرك.
آه، أتكلم عن ركوع المتعممين لبعضهم عند الملاقاة، تكلم عن حلق الرأس للشيخ، التوبة للشيخ، النذر لغير الله، آه، الخوف من غير الله، ثم آه عفواً، الشرك الأصغر كيسير الرياء، ثم انتهى منه. ثم قال: ومن أنواع الشرك هكذا مطلقا.
آآ ثم قالوا من أنواعه: طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم. ثم قال: وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله، إلى آخر الكلام. ثم آآ انتقل إلى النفاق، والنفاق لنا معاه وقفة طويلة؛ لأنه حقيقة ابن القيم آآ أبدع كثيراً في في هذا الحال. ولكم أن يعني آآ أو هذا الكلام الذي ذكره الإام ابن القيم يمكن تنزيله على آآ على بعض الصور الموجودة في واقعنا. وحقيقة الكلام في النفاق آه كلام مهم جداً.
آه، يعني ربما كثير من الناس آآ لا يمتلكون الفقه الكافي لمعرفة إسقاط الآيات التي نزلت في المنافقين، إسقاطها صور من الواقع، آآ وكأن آيات المنافقين نزلت على وقت النبي صلى الله عليه وسلم في أشخاص بأعيانهم أو في مرحلة وانتهت. بينما تجد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يستعملون آيات المنافقين لتنزيلها على حالات، واستمر على ذلك آآ علماء المسلمين. هذا فضلاً عن أن هناك صوراً من النفاق لنقول العملي وليس الاعتقادي، كان كان آآ يعني الصحابة والسلف الصالح يخافونها على أنفسهم. فهذا نوع من التنزيل، نوع من تنزيلها على الواقع، وإن كان من جهة التجنب والاحتياط والخوف والورع. ولكن هناك نوع آخر من تنزيلها على الواقع كان يعمله الأئمة والمجتهدون والعلماء، وربما تذكرون سابقاً قرأنا رسالة من آآ فتاوى ابن تيمية رحمه الله في المجلد الثامن والعشرين، كان يتكلم عن حال مع وقت آآ نزول التتار بأرض الشام، فكان يتكلم عن انقسام الناس مثل انقسامهم في وقت نزول سورة الأحزاب، التي وصفت آآ المنافقين الذين يقولون: إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ، والذين ولا يريدون إلا فراراً، أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ، وأن من وأن هناك فئة أخرى من المؤمنين آآ الذين قالوا: هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، ومنهم وَرِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، إلى آخره. آآ آآ هذا المعنى حقيقة من المعاني المهمة، آآ أنه أنه الإنسان يلاحظها آآ من جهة يخاف على نفسه النفاق، ومن جهة يعلم أحوال الخلق ويرى صفاتهم فيما بما يتناسب مع صفات المنافقين الموجودة في آآ القرآن؛ لأن التمييز مثل هذه القضايا حقيقة من الأشياء التي التي تجعل الإنسان بصيراً سبيل المجرمين، بصيراً بالعدو من الصديق، بصيراً من بصير بالصالح من آآ الطالح.
طيب، يقول في صفحة ست مئة وسبعة: وأما النفاق فالداء العضال الباطن، الذي يكون الرجل ممتلئاً منه وهو لا يشعر؛ فإنه أمر خفي على الناس، وكثير ما يخفى على من تلبس به فيزعم أنه مصلح وهو مفسد. وهو نوعان: أكبر وأصغر. فالأكبر يوجد يوجب الخلود في النار في الدرك الأسفل، وهو أن يظهر للمسلمين إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهو في الباطن منسلخ من ذلك كله مكذب به. لا يؤمن بأن الله تكلم بكلام أنزله على بشر جعله رسولاً للناس يهديهم بإذنه، ينذرهم بأسه ويخوفهم عقابه. الآن هذا في الباطن.
يقول: وقد هتك الله سبحانه وتعالى أستار المنافقين، وكشف أسرارهم في القرآن، وجلى لعباده أمورهم ليكونوا منها ومن أهلها على حذر. وذكر طوائف العالم الثلاثة في أول سورة البقرة: المؤمنين، الكفار، والمنافقين. فذكر في المؤمنين أربع آيات، وفي الكفار آيتين، وفي المنافقين ثلاث عشرة آية؛ لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم، وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله. من الآن، شوفوا التعبير اللي راح يعبر به عن حال المنافقين وخطورتهم على الإسلام، وانظروا إلى أشياء موجودة في الواقع.
يقول: فإن بلية الإسلام بهم شديدة جداً؛ لأنهم منسوبون إليه وإلى نصرته وموالاته، وهم أعداؤه في الحقيقة، يخرجون عداوته في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وإصلاح، وهو غاية الجهل والإفساد. فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه؟ وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه؟ وكم من علم له قد طمسوه؟ وكم من لواء له مرفوع قد وضعوه؟ وكم ضربوا بمعاول الشبه في اصول غراسه أو غراسه ليقلعوها؟ وكم عموا دون موارده بآرائهم ليدفنوها ويقطعوها؟ فلا يزال الإسلام وأهله منهم في محنة وبلية، ولا يزال يطرقه ومن شبههم سرية بعد سرية، ويزعمون أنهم بذلك مصلحون، أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُرُونَ، يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ.
اتفقوا على مفارقة الوحي فهم على ترك الاهتداء به مجتمعون، فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً، كل حزب بما لديهم فرحون. يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، ولا لأجل ذلك اتخذوا هذا القرآن مهجوراً. درست معالم الإيمان في قلوبهم فليسوا يعرفونها، ودثرت معاهدهم عندهم فليسوا يعمرونها، وأفلت كواكبه النيرة من قلوبهم فليسوا يحيون، وكسفت شمسه عند اجتماع ظلم آرائهم وأفكارهم فليسوا يبصرونها. لم يقبلوا هدى الله الذي أرسل به رسوله، ولم يرفعوا به، ولم يروا بالإعراض عنه إلى آرائهم وأفكارهم بئساً. خلعوا نصوص الوحي عن سلطنة الحقيقة، وعزلوها عن ولاية اليقين، وشنوا عليها غارات التأويل الباطلة؛ فلا يزال يخرج عليها منهم كمين بعد كمين.
نزلت عليهم نزول الضيف على أكوام اللئام، فقابلوها بغير ما ينبغي لها من القبول والإكرام، وتلقوها من بعيد ولكن قم بالدفع في الصدور منها والاعجاز. وقالوا ما لك عندنا من عبور، وإن كان لا بد فعلى سبيل الاجتياز. أعدوا لدفعها أصناف العدد هروب القوانين، وقالوا لما حلت بساحتهم: ما لنا ولظواهر لفظية لا تفيدنا شيئاً من اليقين؟ وعوامهم قالوا: حسبنا ما وجدنا عليه خلفنا من المتأخرين؛ فإنهم أعلم بها من السلف الماضين، وأقوم بطرائق الحجج والبراهين. وأولئك غلبت عليهم السذاجة وسلامة الصدور -اللي هم السلف يعني المتقدمون- ولم يتفرغوا لتمهيد قواعد النظر، ولكن صرفوا هممهم إلى فعل المأمور وترك المحظور. فطريقة المتأخرين أعلم وأحكم، وطريقة السلف الماضين أجهل ولكنها أسلم.
أنزلوا نصوص السنة والقرآن منزلة الخليفة في هذا الزمان: اسمه على السكة وفي الخطب فوق والمنابر المرفوع، والحكم النافذ لغيره، فحكمه غير مقبول ولا مسموع. لبسوا ثياب أهل الإيمان على قلوب أهل الزيغ والخسران والغل والكفران؛ فالظواهر ظواهر الأنصار، والبواطن قد تحيزت إلى الكفار. فألسنتهم ألسنة المسالمين، وقلوبهم قلوب المحاربين، ويقولون آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين. رأس مالهم الخديعة والمكر، وبضاعتهم الكذب والختر، وعندهم العقل المعيشي أن الفريقين عنهم راضون وهم بينهم آمنون، يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ.
قد نهكت أمراض الشبهات والشهوات قلوبهم فأهلكتها، وغلبت أسود السيئة على إراداتهم ونياتهم فأفسدتها؛ ففسادهم قد ترامى إلى الهلاك فعجز عنه الأطباء العارفون، في قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ. من علقت مخالب شكوكهم بأديم إيمانه مزقته هو كل تمزيق، ومن تعلق شرر فتنتهم بقلبه القاه في عذاب الحريق، ومن دخلت شبهات تلبيسهم في مسامعه حال بين قلبه وبين التصديق؛ ففسادهم في الأرض كثير وأكثر الناس عنه غافلون، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُرُونَ.
المتمسك عندهم بالكتاب والسنة صاحب ظواهر، مبخوث حظه من المعقول والدائر مع من المعقول والدائر مع النصوص عندهم كحمار يحمل أسفاراً فهمه في جمل المنقول وبضاعة تاجر الوحي لديهم كاسلة وما هو عندهم بمقبول. وأهل الاتباع عندهم سفهاء، فهم في خلواتهم سفهاء، فهم في خلواتهم ومجالسهم بهم يتطيرون، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ. لكل منهم وجهان: وجه يلقى به المؤمنين، وجه ينقلب به إلى إخوانه من الملحدين. وله لسانان: أحدهما يقلبه أو يقبله بظاهره المسلمون، والآخر يترجم به عن سره المكنون، وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ.
قد أعرض عن الكتاب والسنة استهزاء بأهلهما واستحقاراً، وأبوا أن ينقادوا لحكم الوحيين فرحاً بما عندهم من العلم الذي لا ينفع الاستكثار منه أجراً واستكباراً؛ فتراهم أبداً بالمتمسكين بصريح الوحي يستهزئون، اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ. خرجوا في طلب التجارة البائرة في بحار الظلمات، فركبوا مراكب الشبه والشكوك تجري بهم في موج الخيالات، فلعبت بسفنهم الريح العاصف فألقتها بين سفن الهالكين، أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ.
صعب عليهم صيد الوحي وفيه حياة القلوب والأرواح، فلم يسمعوا منه إلا رعد التهديد والوعيد والتكاليف التي وظفت عليهم أو وقفت عليهم في المساء والصباح؛ فجعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وجدوا في الهرب والطلب في آثارهم والصياح. فنودي عليهم على رؤوس الأشهاد شفت حالهم للمستبصرين، وضرب لهم مثلاً بحسب حال الطائفتين منهم المناظرين والمقلدين، فقيل: أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ.
ثم قال لهم علامات يعرفون بها مبينة في السنة والقرآن، بادية لمن تدبرها من أهل بصائر الإيمان. قام بهم والله الرياء، وهو أقبح مقام قامه الإنسان، وقعد بهم الكسل عما أمروا به من أوامر الرحمن، فأصبح الإخلاص عليهم لذلك، وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا. آه، يتربصون الدوائر بأهل السنة والقرآن؛ فإن كان لهم فتح من الله قالوا: ألم نكن معكم؟ وأقسموا على ذلك بالله جهد أيمانهم. وإن كان لأعداء الكتاب والسنة من النصرة نصيب قالوا: ألم تعلموا أن عقد الإخاء بيننا محكم وأن النسب بيننا قريب؟
فيَا من يريد معرفتهم، خذ صفاتهم من كلام رب العالمين فلا تحتاج بعده دليلاً، الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا. يعني الكلام لا يزال ممتداً وطويلاً في في المنافقين، وهو كلام جميل جداً وممتع، وأيضاً هو قطعة بيانية كذلك حقيقة، آآ دعونا ننتقل إلى ست مئة وتسع عشرة.
يقول: إن أصاب أهل الكتاب والسنة عافية ونصر وظهور ساءهم ذلك وغمهم، وهنا هذه من المواطن المهمة أو التي يمكن أن يقاس عليها أيضاً: إن أصاب أهل الكتاب والسنة عافية ونصر وظهور ساءهم ذلك وغمهم، وإن أصابهم ابتلاء من الله وامتحان يمحص به ذنوبهم ويكفر به عنهم سيئاتهم، أفرجهم ذلك وسرهم. وهذا يحقق إرثهم وإرث من عاداهم، ولا يستوي من موروثه الرسول، ومن موروثهم المنافقون، إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ ۞ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.
آه، في ست مئة وعشرين يقول: ثقلت ثقلت عليهم النصوص فكرهوها، وأعياهم حملها فألقوها عن أكتافهم ووضعوها، وتفلتت منهم السنن أن يحفظوها فأهملوها، وصالت عليهم نصوص الكتاب والسنة فوضعوا لها قوانين ردوها بها ودفعوها. ولقد هتك الله أستارهم وكشف أسرارهم وضرب لعباده أمثالهم، واعلم أنه كلما انقرض منهم طوائف خلفهم أمثالها أوصافهم لأوليائه ليكونوا منها على حذر وبينها لهم فقال: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ. هذا شأن من ثقلت عليه نصوص النصوص، فرآها حائلة بينه وبين بدعته وهواه، فهي في وجهه كالبنيان المرصوص؛ فباعها بمحصل من الكلام الباطل واستبدل بها أو استبدل منها بالفصوص، فأعقبهم ذلك أن أفسد تم إعلانهم وإسرارهم، أسروا سرائر النفاق فأظهرها الله على صفحة وجوه الوجوه منهم، وفلتات اللسان ووسمهم لأجلها بسيماء لا يخفون بها على أهل البصائر.
وظنوا أنهم إذا كتموا كفرهم وأظهروا إيمانهم راجعوا على الصيارف والنقاد، كيف الناقد البصير قد كشفها لكم أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ ۞ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ. فكيف إذا جمعوا ليوم الطلاق وتجلى الله جل جلاله للعباد وقد كشف عن ساق ودعوا إلى السجود فلا يستطيعون، خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ.
أم كيف بهم إذا حشروا إلى جسر جهنم، وهو أدق من الشعرة وأحد من الحسام، وهو دحض المزلة مظلم لا يقطعه أحد إلا بنور يبصر به مواضع الأقدام؛ فقسّمت بين الناس الأنوار وهم على قدر تفاوتها في المرور والذهاب، وأعطوا نوراً ظاهر مع أهل الإسلام كما كانوا بينهم في هذه الدار يأتون للصلاة والزكاة والحج والصيام؛ فلما توسطوا الجسر عصفت على أنوارهم أهوية النفاق وأطفأت ما بأيديهم من المصابيح، فوقفوا حيارى لا يستطيعون المرور؛ فضرب بينهم وبين أهل الإيمان بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب. ينادون من تقدمهم من وفد الإيمان ومشاعل ركبة تلوح على بعد كالنجوم تبدو لناظر الإنسان: انظرونا نقتبس من نوركم لنتمكن في هذا المضيق أو المضيق من العبور، فقد فئت أنوارنا فقد طفئت أنوارنا ولا جواز اليوم إلا بمصباح من النور.
قيل: ارجعوا ورائكم فالتمسوا نوراً حيث قسمت الأنوار؛ فهيهات الوقوف لأحد في مثل هذا المضمار، كيف نلتمس الوقوف في هذا المضيق؟ فهل ينوي اليوم أحد على أحد في الطريق؟ وهل يلتفت اليوم رفيق إلى رفيق؟ فذكروهم باجتماعهم معهم وصحبتهم لهم في هذه الدار، كما يذكر الغريب صاحب الوطن بصحبته له في الأسفار: ألم نكن معكم؟
صوموا كما تصومون، ونصلي كما تصلون، ونقرأ كما تقرأون، وننتصدق كما تصدقون، ونحج كما تحجون، فما الذي فرق بيننا اليوم تنفردتم دوننا بالمرور؟ قالوا: بلى، ولكنكم كانت ظواهركم معنا، وبواطنكم مع كل ملحد وكل ظلوم كفور، ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور، فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير.
وبعدين انتهى من هذا العرض، قال: لا تستطل أوصاف القوم، فالمتروك والله أكثر من المذكور. كاد القرآن أن يكون كله في شأنهم لكثرتهم على ظهر الأرض وفي أجواف القبور، فما خلت بقاع الأرض منهم لأن لا يستوحش المؤمنون في الطرقات، وتتعطل بهم أسباب المعايش، وتخطفهم الوحوش والسباع.
وفي سمع حذيفة رضي الله عنه رجلا يقول: اللهم أهلك المنافقين! فقال: يا ابن أخي، لو هلك المنافقون لاستوحشتم في طرقاتكم من قلة السالك. تالله! تتقطع خوف النفاق قلوب السابقين الأولين لعلمهم بدققه وجله وتفاصيله وجمله، ساءت ظنونهم بأنفسهم حتى خشوا أن يكونوا من جملة المنافقين.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لحذيفة: يا حذيفة، ناشدتك بالله هل سماني لك رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم؟ قال: لا، ولا أزكي بعدك أحدا.
وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول إن إيمانه كإيمان جبريل، أي ذكره البخاري.
وذكر الحسن البصري: ما أمنه إلا منافق، وما خافه إلا مؤمن. ولقد ذكر عن بعض الصحابة أنه كان يقول في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من خشوع النفاق. قيل: وما خشوع النفاق؟ قال: أن يرى البدن خاشعا والقلب ليس بخاشع.
والله لقد ملئت قلوب القوم إيمانا ويقينا، وخوفهم من النفاق شديد، وهمهم لذلك ثقيل، وسواهم كثير منهم لا يجاوز إيمانهم، وهم يدعون أن إيمانهم كإيمان جبريل وميكائيل.
ثم يقول في ست مئة وخمسة وعشرين: فهذه والله أمارات النفاق، فاحذرها أيها الرجل قبل أن تنزل بك القاضية؛ إذا عاهدوا لم وفوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا قالوا لم ينصفوا، وإذا دعوا إلى الطاعة وقفوا، وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإ إلى الرسول صدفوا، وإذا دعتهم أهواؤهم إلى أغراضهم أسرعوا إليها وانصرفوا، فذرهم وما اختاروا لأنفسهم من الهوان والخزي والخسران، فلا تثق بعهودهم ولا تطمئن إلى وعودهم، فإنهم فيها كاذبون، وهم لما سواها مخالفون.
ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين، فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون، فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون.
الآن كل هذا السياق في ذكر ما يتاب منه، فذكر الكفر، ثم الشرك، ثم النفاق.
والآن سينتقل إلى الفسوق، انتقل إلى الفسوق وذكر أنواع الفسوق وأنواع وروده آآ وهو مهم حقيقة في فهم الأسماء الشرعية آآ ولكن لطوله ساتجاوزه، اه ثم تكلم عن الإثم والعدوان، ثم تكلم عن الفحشاء والمنكر، ثم تكلم عن في صفحة ست مئة وأربعة وأربعين ننتقل إلى ست مئة وأربعة وأربعين، لكن دعونا دعونا نقرأ الفحشاء والمنكر لأنها مختصرة جدا، والتفريق حقيقة بين الأسماء مهم، صفحة ست مئة وثلاثة وأربعين قبلها بصفحة، ست مئة وثلاثة وأربعين، يقول فصل: الفحشاء والمنكر، فالفحشاء صفة لموصوف قد حذف تجريدا لقصد الصفة، وهي الفعلة الفحشاء والخصلة الفحشاء، وهي ما ظهر قبحها لكل أحد، واستفحشه كل ذي عقل سليم.
ولهذا فسرت بالزنا واللواط، وسماها الله فاحشة لتناهي قبحها أو وسماهما الله فاحشة لتناهي قبحهما، وكذلك القبيح من القول يسمى فحشا، وهو ما ظهر قبحها جدا من السب القبيح والقذف ونحوه.
وأما المنكر فصفة لموصوف محذوف أيضا، أي الفعل المنكر، وهو الذي تستنكره العقول والفطر، ونسبته إليها كنسبة الرائحة القبيحة إلى حاسة الشم، والمنظر القبيح إلى العين، والطعم المستكره إلى الذوق، والصوت المستنكر إلى الأذن.
فما اشتد إنكار العقول والفطر له فهو فاحش فاحشة كما فحش إنكار الحواس له من هذه المدركات، فالمنكر اه أو في المنكر لها ما لم تعرفه ولم تألفه، والقبيح المستكره لها الذي تشتد نفرتها منه هو الفاحشة.
ولذلك قال ابن عباس: الفاحشة الزنا، والمنكر ما لم يعرف في شريعة ولا سنة، فتأمل تفريقه بين ما لم يعرف حسنه ولم يؤلف، وبين ما استقر قبحه في العقول والفطرة أو في الفطر والعقول.
ثم قال فصل: وأما القول على الله بلا علم فهو أشد هذه المحرمات تحريما وأعظمها إثما، ولهذا ذكر في المرتبة الرابعة من المحرمات التي اتفقت عليها الشرائع والأديان، ولا تباح بحال، بل لا تكون إلا محرمة، وليست كالميتة والدم ولحم الخنزير الذي يباح في حال دون حال، فإن المحرمات نوعان: محرم لذاته لا يباح لحال أو بحال، ومحرم تحريما عارضا في وقت دون وقت.
قال الله تعالى في المحرم لذاته: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. ثم انتقل إلى من؟ إلى ما هو أعظم منه؟ فقال: وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ. ثم انتقل إلى ما هو أعظم منه، فقال: وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا. ثم انتقل إلى ما هو أعظم منه، فقال: وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ.
فهذا أعظم المحرمات عند الله وأشدها إثما، فإنه يتضمن الكذب على الله ونسبته إلى ما لا يليق به، وتغيير دينه وتبديله، ونفي ما أثبته وإثبات ما نفاه، وتحقيق ما أبطله وإطبا ما حققه، وعداوة من والاه وموالاة من عاداه، وحب ما أبغضه وبغض ما أحبه، ووصفه بما لا يليق في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله، فليس في أجناس المحرمات أعظم عند الله منه ولا أشد إثما، وهو أشد الشرك والكفر، وعليه أسس البدع والضلال، فكل بدعة ضالة في الدين أساسها القول على الله بلا علم.
ولهذا اشتد نكير السلف أئمتي لها، وصاحوا بأهلها من أقطار الأرض، وحذروا فتنتهم أشد التحذير، وبالغوا في ذلك ما لم يبالغوا مثله في إنكار الفواحش والظلم والعدوان، إذ مضرة البدع وهدمها للدين ومنافاتها له أشد.
وقد أنكر تعالى على من نسب إلى دينه تحليل شيء أو تحريمه من عنده بلا برهان من الله، فقال: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ. طبعا هذه المسألة في زماننا من أكثر المسائل انتهاكا، من أكثر القضايا انتهاكا؛ القول على الله بلا علم والجرأة والجرأة على دين الله وتحريف محكمات الدين ومحكمات الشرع، أنا ما أتكلم عن القضية الإلحادية مثلا، أتكلم عن داخل الدائرة الإسلامية، يعني مثلا اه من يقول اليهود والنصارى كفار فهو متشدد أو محرف أو شيء أو مثل هذه العبارات، هذا من أعظم التحريف لدين الله سبحانه وتعالى، وهو من أعظم ما يمكن أن يدخل في مثل هذا الوعيد وفي مثل هذا التحذير، وقس على ذلك من الأشياء التي اه تحرف من الدين لتتوافق مع اه اه يعني شيء ثقافي غالب أو نحو ذلك.
ثم قال اه ثم قال: فاصنعوا من أحكام التوبة، وهنا في مسألة فقهية مهمة آآ ولكن عقد لها حوار مثل الذي قرأناه أمس يعني فريقين، وكل فريق له أقوال، ولكنها طويلة حقيقة، وأظني لن أقرأها لأنها طويلة، ولكنها حقيقة ممتعة ممتعة بس من الناحية الاستدلالية، لأنه اه هي المسألة إيش هي؟ المسألة هي: من ترك صلاة من الصلوات المفروضة متعمدا إلى أن يخرج وقتها، هل تكفر بالقضاء؟ يعني هل يقضيها أو لا يقضيها؟ هل يقضيها أو لا يقضيها؟
آآ وهذه المسألة طبعا علاقتها بالتوبة بمنزلة التوبة، من جهة أنه هل يسقط الحق؟ هل يسقط حقها اه أو حقها التوبة العامة التي لا تكفر بالقضاء؟ يعني هو صدر لها بقوله: ومن أحكام التوبة أن من تعذر عليه أداء الحق الذي فرط فيه ولم يمكنه تداركه ثم تاب فكيف حكم توبته؟ وهذا يتصور في حق الله سبحانه وتعالى وحق وحقوق عباده.
فأما في حق الله فكمن ترك الصلاة عمدا من غير عذر مع علمه بوجوبها وفرضها ثم تاب وندم، واختلف السلف في هذه المسألة آآ أنا ودي بودي أن أقرأها ولكن ساتجاوزها أيضا لما ذكرت لكم لطولها، لكن من أراد أن يستمتع في القضية الاستدلالية يدرك أبعاد المسائل ووجوه الاستدلال سواء النصي أو العقلي يقرأ مثل هذي الحوارات التي يعقدها ابن القيم، التي أشبه ما تكون بالمناظرة التي ويعني آآ اه يصب فيها الطرفين، واه يحتج لهذا ثم يحتج لهذا، ثم يبطل قول هذا ثم يرجع في ذكر اعتراض على هذا، إلى أن اه يخلص إلى الفرقان فيها.
طبعا في صفحة ست مئة وستة وستين هذي استمرت من اه من ست مئة وتسعة وأربعين إلى اه ست مئة وستة وستين، المسألة من ست مئة وتسعة وأربعين إلى ست مئة وستة وستين تقريبا سبع عشرة صفحة، بعدين اه انتقل إلى مسألة اه وهي فرع عنها، وهي ما حدث في بني قريظة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ.
طبعا تعرفون قسم الصحابة إلى قسمين؛ قسم منهم آخر، وقسم منهم صلى في الطريق، وذكر هنا اه أن علماء الإسلام اختلفوا في تصويب أي الطائفتين أي الطائفة كانت أصحة؟ فقالت طائفة: لو كنا مع القوم لصلينا في الطريق مع الذين فهموا المراد وعقلوا مقصود الأمر، فجمعوا بين إيقاع الصلاة في وقتها وبين المبادرة إلى العدو ولم يفتهم مشهدهم آآ وإذ المقدار الذي سبقهم به أولئك لحقوهم به لما اشتغلوا بالصلاة وقت النزول في بني قريظة.
قالوا: فهؤلاء أفقه الطائفتين، جمعوا بين الامتثال والاجتهاد والمبادرة للجهاد مع فقه النفس.
وقالت طائفة: لو كنا معهم لأخرنا الصلاة مع الذين أخروها إلى بني قريظة، فهم الذين أصابوا حكم الله قطعا، وكان هذا التأخير واجبا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم به، فهو الطاعة لله ذلك خاصة، والله يأمر بما يشاء، فأمره بالتأخير في وجوب الطاعة كامره بالتقديم، فهؤلاء كانوا أسعد بالنص وهم الذين فازوا بالأجرين، وإنما لم يعنف الآخرين لأجل التأويل الاجتهاد، فإنهم إنما قصدوا طاعة الله ورسوله إلى آخره.
طبعا هو يرجح آآ القول الثاني في في حقت بني قريظة، اه ثم ذكر ما يتعلق بحقوق العباد آآ إيوه، ثم جاء لقضية منهجية، يعني احنا باقي لنا باقي لنا في الكتاب مسألتين أو موضعين، الموضع الأول هو المكمل للذي قرأناه سابقا في نصوص الوعد بنصوص الوعد أي في نصوص الرجاء التي تقول: من فعل كذا لم يدخل النار أو نحوها أو يعني حرم الله عليه النار.
الان الذي قلت لكم قلت لكم إنه سيأتي موضع آخر هنا، هذا الموضع الآخر الذي هو في نصوص الوعيد، في نصوص الوعيد. قال فصل: اختلف الناس: هل من الذنوب ذنب لا تقبل توبته أم لا؟ فقال الجمهور إلى آخره لين ما يجي إلى آآ إيوه لين ما يجي صفحة ست مئة وثمانية وثمانين ست مئة واثنين وثمانين هي هذي المسألة، ست مئة واثنين وثمانين هذه مسألة مهمة منهجية واستدلاليا اه يتكلم عن آية: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ.
يقول: هذه الآية التي في النساء فهي نظائر أمثالها من نصوص الوعيد لقوله تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ. وقوله: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا. وقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا. وقوله صلى الله عليه وسلم: من قتل نفسه بحديدة فحديدته يتوجه بها خالدا مخلدا في نار جهنم، ونظائره كثيرة.
وقد اختلف الناس في هذه النصوص على طرق؛ أحدها القول بظاهرها وتخليد ارباب هذه الجرائم في النار، وهو قول الخوارج والمعتزلة، ثم اختلفوا؛ فقالت الخوارج: هم كفار، قالت آآ المعتزلة: ليسوا بكفار بل فساق مخلدون في النار، هذا كله إذا لم يتوبوا.
وقالت فرقة بين هذا الوعيد في حق المستحل لها، هذا القول الثاني أنه هذي النصوص يعني تقدر شيئا محذوفا أنه من فعل ذلك مستحلا له بعد أن حرمه الله فيكون خالدا.
وقالت آآ فرقة بهذا الوعيد في حق المستحل لها لأنه كافر، واما من فعلها معتقدا تحريما فلا يلحقه هذا الوعيد، وعيد الخلود من لحقه عيد الدخول. وقد أنكر الإامام أحمد هذا القول، وقال: لو استحل ذلك ولم يفعله كان كافرا، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما قال من فعل.
وقالت فرقة ثالثة: الاستدلال بهذه النصوص مبني على ثبوت العموم، وليس في اللغة ألفاظ عامة، ومن ها هنا أنكر العموم من أنكره، وقصد هم هذه الأدلة عن استدلال المعتزلة والخوارج بها، لكن ذلك يستلزم تعطيل الشرع جملة بل تعطيل عامة الأخبار، فهؤلاء ردوا باطلا منه وبدعة بأقبح منها، وكانوا كمن رام أن يبني قصرا فهدم مصرا.
وقالت فرقة رابعة: في الكلام إضمار، قالوا والإضمار في كلامهم كثير معروف، ثم اختلفوا في هذا المضمر؛ فقالت طائفة باضمار الشرط وتقديره فجزاؤه كذا إن جازاه أو إن شاء.
وقالت فرقة خامسة: بإضمار الاستثناء والتقدير فجزاؤه كذا إلا أن يعفو، وهذه دعوة لا دليل في الكلام عليها البتة، ولكن إثباتها بأمر من خارج اللفظ.
وكانت فرقة سادسة: هذا وعيد، وإخلاف الوعيد لا يذم بل يمدح، والله تعالى يجوز عليه إخلاف الوعيد ولا يجوز عليه خلف الوعد، والفرق بينهما أن الوعيد حق له، فإخلافه
عفواً وهبة وإسقاط، وذلك موجب كرمه وجوده وإحسانه، الوعد حق عليه أوجبه على نفسه، والله لا يخلف الميعاد. قالوا: ولهذا مدح كعب بن زهير رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: نبئت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوعدني، والعفو عند رسول الله مأمول.
وتناظر في هذه المسألة أبو عمرو بن العلاء وعمرو بن عبيد إلى آخره. وقالت فرقة سابعة: هذه النصوص وأمثالها -طبعا هو يرجح هذا القول السابع- هذه النصوص وأمثالها مما ذكر فيه المقتضي للعقوبة، ولا يلزم من وجود مقتضي الحكم أو وجوده، فإن الحكم إنما يتم فإن الحكم إنما يتم بوجود مقتضيه وانتفاء مانعه. وغاية هذه النصوص الإِعلام بأن كذا سبب العقوبة ومقتضٍ لها، وقد قام الدليل على ذكر الموانع، فبعضها بالإِجماع وبعضها بالنص، فالتوبة مانع بالإِجماع، والتوحيد مانع بالنصوص المتواترة التي لا مدفع لها، والحسنات العظيمة الماحية مانعة، والمصائب الكبار المكفرة مانعة، وإقامة الحدود في الدنيا مانع بالنص، ولا سبيل إلى تعطيل إلى تعطيل هذه النصوص، فلابد من إعمال النصوص من الجانبين.
ومن ها هنا قامت الموازنة بين الحسنات والسيئات اعتباره بمقتضى العقاب ومانعه، أو بمقتضي العقاب ومانعه لأرجحها. قالوا: وعلى هذا بناء مصالح الدارين ومفاسدهما، وعلى هذا بناء الأحكام الشرعية والأحكام القدرية وهي مقتضى الحكمة السارية في الوجود، وبه ارتباط الأسباب ومسبباتها خلقاً وأمراً، وقد جعل الله سبحانه وتعالى لكل ضداً يدافعه ويقاومه ويكون الحكم للأغلب منهما، فالقوة مقتضية الصحة والعافية، وفساد الأخلاق وبغيها مانع من عمل الطبيعة وفعل القوة والحكم للغالب منهما، وكذلك إلى آخره.
ومن هنا ومن هنا ومن ها هنا يعلم انقسام الخلق إلى من يدخل الجنة ولا يدخل النار وعكسه، ومن يدخل النار ثم يخرج منها ويكون مكثه فيها بحسب ما فيه من مقتضى مكثي في سرعة البطيء وبطئه. ومن له بصيرة منورة يرى بها كل ما أخبر الله به في كتابه من أمر المعاد وتفاصيله حتى كأنه رأى العين، ويعلم أن هذا هو مقتضى إلهيته سبحانه وربوبيته وعزته وحكمته وأنه يستحيل عليه خلاف ذلك، ونسبة خلاف ذلك إليه نسبة ما لا يليق وبه إليه، فيكون نسبة ذلك إلى بصيرته كنسبة الشمس إلى آخره.
ثم قال: وصاحب هذا المقام من الإِمام يستحيل إصراره على السيئات إن وقعت منه وكثرت، فإن ما معه من نور الإِيمان يأمره بتجديد التوبة كل وقت كل وقت بالرجوع إلى الله بعدد أنفاسه، وهذا من أحب الخلق إلى الله. فهذه مجامع وطرق الناس في نصوص الوعيد.
الموضع الأخير الذي نختم به آآ المجلد الأول، ونختم به منزلة التوبة، ونختم به درس اليوم آآ إن شاء الله، وابن القيم يقول إنه أهم موضوع في منزلة التوبة أو من أهمها آآ يقول: مشاهد الخلق في المعصية هذا ست مئة وتسعون. مشاهد الخلق في المعصية هي ثلاثة عشر مشهداً: مشهد الحيوانية وقضاء الشهوة، ومشهد اقتضاء الرسوم الطبيعة، ومشهد الجبر، ومشهد القدر، ومشهد الحكمة، ومشهد التوفيق والخذلان، ومشهد التوحيد، ومشهد الأسماء، مشهد الإِيمان وتعدد شواهده، ومشهد الرحمة، ومشهد العجز والضعف، ومشهد الذل والافتقار، ومشهد المحبة والعبودية.
احنا لن نقرأ منها إلا يمكن ثلاثة مشاهد تقريباً أو أربعة بالكثير آآ يقول: وهذا الفصل من أجل فصول الكتاب وأنفعها لكل أحد، وهو حقيق بأن تثنى عليه الخناصر، ولعلك لا تظفر به في كتاب سواه إلا ما ذكرناه في كتابنا المسمى سفر الهجرتين في طريق السعادتين.
آآ أول شيء مشهد الحيوانية وقضاء الشهوة يقول: فأما مشهد الحيوانية الأسئلة بعد هنا طلال يقول: فأما مشهد الحيوانية وقضاء الشهوة فمشهد الجهال الذين لا فرق بينهم وبين سائر الحيوان إلا في اعتدال القامة ونطق اللسان، ليس همهم إلا مجرد نيل الشهوة بأي طريق أثبت إليها، فهؤلاء نفوسهم نفوس حيوانية لم تترقى عنها إلى درجة الإِنسانية فضلا عن درجة الملائكة، فهؤلاء حالهم أخس من أن تذكر، وهم في أحوالهم متفاوتون بحسب تفاوت الحيوانات التي هم على أخلاقها وطبيعتها وطباعها. فمنهم من نفسه كلبية لو صادفت جيفة تشبع ألف كلب لوقع عليها وحماها من سائل الكلاب ونبح كل كلب يدنو منها، فلا تقربها الكلاب إلا على كره منه وغلبة، ولا يسمح لكلب بشيء منها، وهمه شبع بطنه من أي طعام ميتة أو مذكى خبيث أو طيب، ولا يستحي من قبيح إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث إن أطعمتها آآ بصبص ذنبه ودار بصبص ذنب بذنبه ودار حولك، وإن منعته هرّك ونبحك.
ومنهم من نفسه حمارية لم تخلق إلا للكد والعلف، كلما زيد في علفه زيد في كبده، أبكم الحيوان وأقله بصيرة، ولهذا مثل الله سبحانه وتعالى به من حمله كتابه فلم يحمله معرفة ولا فقهاً ولا عملاً، ومثل بالكلب عالم السوء الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها وأخلد إلى الأرض واتبع هواه، وفي وفي هذين المثلين أسرار عظيمة ليس هذا موضع آآ ذكرها.
ومنهم من نفسه سبعية غضبية همته العدوان على الناس وقهرهم آآ بما وصلت إليه قدرته، طبيعته تتقاضى ذلك طبيعة السبع لما يصدر منه. ثم ذكر النفوس ذوات السموم والحمات كالحية والعقرب، وذكر مسألة فقهية غريبة، فانه إذا في واحد معروف أنه يصيب بالعين وتعمد أن يصيب أحداً بعينه فقتله هل آآ يقتل بهذا بهذا السبب أو ما يقتل؟ وذكر التفصيل فيها وقال إنه إذا كان اختياره وهو قادر على أن يكف عينه ولم يكفها وفعل ذلك عمداً أنه ممكن يقتل بسبب ذلك، آآ ثم آآ انتقل إلى مشهد نبيل النخيل طيب آآ في صفحة سبع مئة وثلاث وثلاثين.
بعد أن ذكر -أوف والله بصراحة كان في يعني في عدة مواضع مهمة جداً جداً لكن احنا اليوم وصلنا في الدرس- طب خلينا نروح لآخر شي آآ في صفحة سبعمئة وثلاث وثلاثين، أول شيء ذكر في اثنين وثلاثين مشهد الرحمة أنه العبد إذا وقع في الذنب خرج من قلبه تلك الغلظة تلك الغلظة والقسوة والكيفية الغضبية إلى آخره، ثم يقول فصل فيورث ذلك المشهد الحادي عشر وهو مشهد العجز والضعف، وأنه أعجز شيء عن حفظ نفسه وأضعفه، وأنه لا قوة له ولا قدرة ولا حول إلا بربه، فيشهد آآ أو فيشهد قلبه كريشة ملقاة بأرض فلاة تقلبها الرياح يميناً وشمالاً، ويشهد نفسه كراكب سفينة في البحر تهيج بها الرياح وتتلاعب بها الأمواج، ترفعها تارة وتخفضها تارة أخرى.
ثم قال: وهكذا حال العبد ملقى بين الله وبين أعدائه من شياطين الإِنس والجن، فإن حماه منهم وكفهم عنه لم يجدوا إليه سبيلاً، وإن تخلى عنه ووكله إلى نفسه طرفة عين لم ينقسم عليهم بل هو نصيب نصيب من ظفر به منهم. وفي هذا المشهد يعرف نفسه حقاً ويعرف ربه، وهذا أحد التأويلات للكلام المشهور من عرف نفسه عرف ربه، وليس هذا حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو أثر الإِسائيليون بغير هذا اللفظ أيضاً: يا إنسان اعرف آآ نفسك تعرف ربك إلى آخره.
ثم قال فصل: فحينئذ والمقصود سبع مئة وخمسة وثلاثين والمقصود أن أن هذا المشهد يعرف العبد أنه عاجز ضعيف فتزول عنه رعونات الدعاوى والإِضافات إلى نفسه ويعلم أنه ليس له من الأمر شيء ليس بيده شيء هو إلا محض القهر والعجز والضعف، فحينئذ يطلع منه على المشهد الثاني عشر وهو مشهد الذل والانكسار والخضوع والافتقار للرب جل جلاله، فيشهد في كل ذرة من ذراته الباطنة والظاهرة ضرورة تامة وافتقاراً تاما إلى ربه ووليه ومن بيده صلاحه وفلاحه وهداه وسعادته.
وهذه الحالة التي تحصل لقلبه لا تنال العبارة حقيقتها وإنما تدرك بالحصول. هذا عدم هذا التعليق مرة مهم أنه آآ حالة الانكسار انكسار القلب لله سبحانه وتعالى في نوع من الانكسار لا يمكن له أن تدركه وإنما إدراكك له متوقف على شعورك به، يقول: وهذه الحالة التي تحصل لقلبه لا تنال لا تنال العبارة حقيقتها، هذا مثل بعض المشاعر حتى في غير العبادة يعني يعني لو أفترضنا أنه إنسان ما عمره جاع في حياته فتقول له الجوع هو وتحاول تصف له باللفظ ما هو الجوع؟ فممكن يتصور ذهنياً يعني تمام ماشي بس أنه إذا حس بالجوع مرة خلاص يعني عرف ما هو الجوع بالضبط.
هو يقول لك: كذلك هناك حالة من التعبد والانكسار القلبي والخضوع والذل لا يستطيع أن يصفها لك بالعبارة لأنك لو تصورتها ذهنياً لن تستطيع أن تدركها على حقيقتها فيها إلا إذا عشتها، فيقول لك: وإنما تدرك بالحصول، فيحصل لقلبه كسرة خاصة لا يشبهها شيء، بحيث يرى نفسه كالإِناء المردود تحت الأرجل الذي لا شيء فيه ولا به ولا منه ولا فيه منفعة لا يرغب في مثله، وأنها لا وأن أنها لا يصلح للانتفاع أو أنه لا يصلح للانتفاع إلا بجبر جديد من صانعه وقيمه.
فحينئذ يستكثر في هذا المشهد ما من ربه إليه من الخير، ويرى أنه لا يستحق قليلاً منه ولا كثيراً، فأي خير ناله من الله استكثره على نفسه، وعلم أن قدره أو دونه، وأن رحمة ربه هي التي اقتضت ذكره به وسياقته إليه، واستقل ما من نفسه من الطاعات لربه، ورأى أنها ولو ساوى ضاعات الثقلين من أقل ما ينبغي لربه عليه، واستكثر قليل معاصيه وذنوبه، فإن الكسرة التي حصلت لقلبه أو جابت له هذا كل أو جابت له هذا كله، فما أقرب الجبر من هذا القلب المكسور وما أدنى النصر والرحمة والرزق منه وما أنفع هذا المشهد له واجداه عليه. وذرة من من هذا ونفس منه أحب إلى الله من طاعات أمثال الجبال آآ من المدلين المعجبين بأعمالهم وعلومهم وأحوالهم.
وأحب القلوب وأحب القلوب إلى الله سبحانه قلب قد تمكنت منه هذه الكسرة وملكته هذه الذلة فهو ناكس الرأس بين بين يدي ربه لا يرفع رأسه إليه حياء وخجلاً من الله. قيل لبعض العارفين: أيسجد القلب؟ قالوا: نعم، يسجد سجدة لا يرفع رأسه رأسه منها إلى يوم اللقاء، فهذا سجود القلب، فقلب لا تباشره هذه الكسرة فهو غير ساجد السجود المراد منه.
وإذا وجد القلب لله هذه السجدة العظمى سجدت معه جميع الجوارح، وعنى الوجه حينئذ للحي القيوم، وخشع الصوت والجوارح كلها، وذل العبد وخضع واستكان، ووضع خده على عتبة العبودية ناظراً بقلبه إلى ربه ووليه نظر الذليل إلى العزيز الرحيم، فلا يرى إلا متملقاً لربه خاضعاً له ذليلاً مستعطفاً له، يسأله عطفه ورحمته، فهو يترضى ربه كما يترضى المحب الكامل المحبة محبوبه المالك له الذي لا غنى له عنه ولا بد له منه، فليس له هم غير استرضائه واستعطافه لأنه لا حياة له ولا فلاح إلا في قربه ورضاه عنه ومحبته له.
يقول: كيف أغضب من حياتي في رضاه؟ وكيف أعدل عمن وفلاحي وفوزي في قربه وحبه وذكره؟ وصاحب هذا المشهد يشهد نفسه كرجل كان في كنف أبيه إلى آخر الكلام.
ثم آآ غاية الجمال التي ختم بها منزل منزلة التوبة وهي من يعني أحب الصفحات إلى قلبي ومن أجملها حقيقة يقول آآ بعدين ذكر هذا الانكسار والضعف والمسكنة بين يدي الله سبحانه وتعالى يقول: فإذا استبصر في هذا المشهد وتمكن من قلبه وباشره وذاق طعمه وحلاوته ترقى منه إلى المشهد الثالث عشر وهو الغاية التي شمر إليها السالكون وأمها القاصدون ومضى إليها العاملون وهو مشهد العبودية والمحبة والشوق إلى لقائهم والابتهاج به والفرح والسرور به، فتقر به عينه ويسكن إليه قلبه وتطمئن إليه جوارحه، ويستولي ذكره على لسان محبه وقلبه، فتصير خطرات المحبة مكان خطرات المعصية، وإيرادات التقرب إليه وإلى مرضاته مكان إرادة معاصيهم وساخطه، وحركات اللسان والجوارح بالطاعات مكان لا تهب المعاصي، قد امتلأ قلبه من محبته ولهج لسانه بذكره وانقادت الجوارح لطاعته.
فإن هذه الكسرة الخاصة لها تأثير عجيب في محبة لا يعبر عنه، ويحكى عن بعض العارفين أنه قال: دخلت على الله من أبواب الطاعات كلها فما دخلت من باب إلا رأيت عليه الزحام لم أتمكن من الدخول حتى جئت باب الذل والافتقار فإذا هو أقرب باب إليه وأوسعه ولا مزاحم فيه ولا معوق، فما هو إلا أن وضعت قدمي في عتبته فإذا هو سبحانه قد اخذ بيدي وادخلني عليه.
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية. وقال بعض العارفين: لا طريق أقرب إلى الله من العبودية، ولا حجاب أغلظ من الدعوة، ولا ينفع مع الحجاب والكبر عمل واجتهاد، ولا مع الذل والافتقار بطالة يعني بعد فعل الفرائض. والقصد أن هذه الذلة وانكسرت الخاصة تدخله على الله وترميه على طريق المحبة فيفتح له منها باب لا يفتح له من غير هذه الطريق، وإن كانت طرق سائر الأعمال والطاعات تفتح للعبد أبواباً من المحبة، لكن الذي يفتح منها من طريق الذل والإنكسار والافتقار وازدراء النفس ورؤيته بعين الطائف والعجز والعيب والنقص والذنب بحيث يشاهدها ضيعة وعجزا وتفريطاً وذنباً وخطيئة نوع آخر وفتح آخر.
والسالك بهذه الطريق غريب في الناس وهم في واد وهي في واد، وهي تسمى طريق الطير يسبق النائم فيها على فراشه السعة فيصبح فيصبح وقد قطع الطريق وسبق بين هو يحدثك إذا به قد سبق الطرف وفاة وفاة السعاة، فالله المستعان وهو خير الغافلين. وهذا الذي حصل له من آثار محبة الله له وفرحه آآ وفرحه بتوبة عبده فإنه سبحانه يحب التوابين ويفرح بتوبتهم أعظم فرح وأكمله، فكلما طال العبد منن ربه عليه قبل الذنب وفي حال مواقعته وبعده وبره وحلمه عنه وإحسانه إليه هاجت من قلبه لواعج محبته والشوق
إلى لقائه، فإن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها. وأي إحسان أعظم من إحسان من يبارزه العبد بالمعاصي وهو يمده بنعمه، ويعامله بألطافه، ويسبغ ستره، ويحفظه من خطفات أعدائه المترقبين له أدنى عثرة ينالون منه بها بغيتهم، ويردهم عنه ويحول بينهم وبينه، وهو في ذلك كله بعينه يراه ويطلع عليه.
فالسماء تستأذن ربها أن تحسبه، والأرض تستأذنه أن تخسف به، والبحر يستأذنه أن يغرقه. ثم ذكر حديثاً في ذلك، طيب اه وهو: ما من يوم إلا والبحر يستأذن ربه أن يغرق ابن آدم، والملائكة تستأذنه أن تعاجله، والرب يقول: دعوا عبدي فأنَا أعلم به، إذا أنشأته من الأرض، إذ إن كان عبدكم فشأنكم به، إلى آخر الحديث.
ثم قال: ولنقتصر على هذا القدر من ذكر التوبة وأحكامها وثمراتها، فإنَّه ما أطيل الكلام فيها إلا لفرض الحاجة والضرورة إلى معرفتها ومعرفة أحكامها وتفاصيلها ومسائلها. والله الموفق لمراعاة ذلك والقيام به عملا وحالا، كما وفق له معرفة واه فما خاب من توكل عليه ولاذ به ولجأ اليه، ولا حول ولا قوة إلا به، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد