تسجيل الدخول

مقاصد مدارج السالكين ٠٦

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد على أن وفقتنا للاستمرار في هذا التدارس العلمي والإيمان اليومي في هذا الشهر الكريم، والذي أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعله شهر خير وبركة علينا وعلى الأمة الإسلامية، وأن يفرج هم المهمومين، وينفس كرب المكروبين، وينصر عباده المؤمنين في كل مكان.

نستعين بالله سبحانه وتعالى في افتتاح هذا المجلس، الذي هو المجلس السادس من مجالس القراءة وبيان بعض المقاصد المتعلقة بكتاب مدارج السالكين للإمام ابن القيم رحمه الله. يعني حقيقة أنا رأيت أنه الطريقة فيها إنجاز جيد؛ احنا الحمد لله انهينا المجلد الأول في خمسة أيام أو في خمس جلسات، فلعل الله سبحانه وتعالى يسهل بعد ما ننتهي من مدارج السالكين ممكن نستمر في هذه الطريقة، أنه نأخذ من الكتب الكبيرة ونقرأها بهذه الطريقة بحيث إنه احنا يعني نمر على مجموعة كتب فنتدارسها بهذه الطريقة التي هي أقل من الشرح وأقل من التعليق التفصيلي، وإنما المرور على مقاصد الكتاب مع فك بعض الأمور، والأهم هو الربط بين الموضوعات ومضاعفة الكتاب.

عموماً نبدأ في من حيث انتهينا؛ نحن انتهينا من منزلة التوبة في آخر مجلس، ثم قال الإمام ابن القيم منزلة الإنابة. قال ابن القيم رحمه الله: قد علمت أن من نزل في منزل التوبة وقام في مقامها نزل في جميع منازل الإسلام، فإن التوبة الكاملة متضمنة لها وهي مندرجة فيها، ولكن لابد من إفرادها بالذكر والتفصيل تبينا لحقائقها وخواصها وشروطها.

فاستقرت قدمه في منزل التوبة نزل بعده منزل الإنابة، وقد أمر الله تعالى بها في كتابه وأثنى على خليله بها، فقال: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ، وقال: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ، واخبر أن آياته إنما يتبصر بها ويتذكر أهل الإنابة، فقال: أَفَلَمْ ينظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا إلى أن قال: تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ، وقال تعالى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا ۚ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ، وقال تعالى: مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ، فمنيبين منصوب على الحال من الضمير المستكن في قوله فأقم وجهك؛ لأن هذا الخطاب له ولأمته.

ثم قال وقال عن نبيه داود: فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ، وأخبر أن ثوابه وجنته لأهل الخشية والإنابة، فقال: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ.

وأخبر سبحانه أن البشرى منه إنما هي لأهل الإنابة، فقال: وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ. هذي الطريقة التي يسلكها ابن القيم هي من أفضل الطرق في تصور الموضوعات الشرعية والأسماء الشرعية؛ أن يجمع ما قيل فيها في كتاب الله سبحانه وتعالى، وهذي طريقة النظائر التي يعني ربما سمعتموها كثيراً، سمعتوني أكررها كثيراً؛ لأن الإنسان إذا تكلمت عن الإنابة وأخذت فيها تعريفا لأحد العلماء فقط دون أن تتصور موارد الإنابة في كتاب الله سبحانه وتعالى سيكون التصور ناقصاً، ولو كان هناك تعريف ولو كان هناك من التعريفات النظرية ما كان تعريفا تفصيليا جامعا مانعا، لكن لن يكون تصورك لقضية الإنابة مثل ما لو استعرضت الآيات القرآنية في هذه القضية، وهذا لتكن يعني دائمة في كل من يريد أن يفقه موضوعا من موضوعات القرآن الكريم، أو موضوعا من موضوعات الأسماء الشرعية، أو موضوعا من موضوعات الحقائق الإيمانية.

ثم قال: والإنابة إنابتان؛ إنابة لربوبيته، وهي إنابة المخلوقات كلها يشترك فيها المؤمن والكافر والبر والفاجر، قال الله تعالى: وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ.

ثم قال: والإنابة الثانية إنابة أوليائه، وهي إنابة لالهيته، إنابة عبودية ومحبة، وهي تتضمن أربعة أمور؛ هذا الكلام مهم، وهي تتضمن أربعة أمور: محبته، والخضوع له، والاقبال عليه، والاعراض عما سواه، فلا يستحق اسم المنيب إلا من اجتمعت فيه هذه الأربع، وتفسير السلف لهذه اللفظة يدور على ذلك: المحبة، والخضوع، والإقبال على الله، والإعراض عما سواه.

وفي اللفظة معنى الإسراع والرجوع والتقدم، والمنيب إلى الله المسرع إلى مرضاته، الراجع اليه في كل وقت، المتقدم إلى محابه.

طيب، ثم ذكر كلام صاحب المنازل، ثم قال: لما كان التائب قد رجع إلى الله بالاعتذار والاقلاع عن معصيته، كان من تتمة ذلك رجوعه اليه بالاجتهاد والنصح في طاعته، كما قال: إِلَّا مَن تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً، وقال: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا، فلا تنفع توبة وبطالة، بل لابد من توبة وعمل صالح، ترك لما يكره وفعل لما يحب، تخل عن معصيته وتحل بطاعته.

الان هو كأنه يريد القول إنه ترى الإنابة تأتي بعد التوبة، والتوبة إذا كانت إقلاباً عن طريق سيء أو إقلاع عن معاصي، فإن الإنابة هي زيادة في الإقبال، فكأنها يعني إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا، كأن الإنابة تأتي هنا في محل أصلحوا، يعني تابوا ثم توجهوا مزيداً من أو أقبلوا مزيد إقبال، وأسرعوا في إقبالهم على الله سبحانه وتعالى، وأكثروا من العمل الصالح واستمروا في رجوعهم إلى الله، فكأن هذا هو المعنى الزائد الإنابة.

ثم ذكر قضية الوفاء بالعهد مع الله سبحانه وتعالى وقال: فما أناب إلى الله من خان عهده به، كما أنه لم ينب إليه من لم يدخل تحت عهده، فالإنابة لا تتحقق إلا بالتزام العهد والوفاء به.

قال صاحب المنازل: والرجوع إليه حالاً كما رجعت إليه إجابة؛ أي هو سبحانه قد دعاك فاجبته بلبيك لديك قولاً، فلابد من الإجابة حالاً تصدق به المقال؛ فإن الأحوال تصدق الاقوال أو تكذبها، وكل قول فلصدق وكذبه شاهد من حال قائله، فكما رجعت إلى الله إجابة بالمقال فارجع إليه إجابة بالحال.

قال الحسن: ابن آدم، لك قول وعمل، وعملك أولى بك من قولك، ولك سريرة وعلانية، وسريرتك أملك بك من علانيتك.

طيب، ثم ننتقل إلى صفحة حداش في المجلد الثاني، قال: إذا صفت له الإنابة إلى ربه تخلص من الفكرة في لذة الذنب، وعاد مكانها ألماً وتوجعاً لذكراه والفكرة فيه، فما دامت لذة الفكرة فيه موجودة في قلبه فانابته غير صافية، فما دامت لذة الفكرة فيه موجودة في قلبه فانابته غير صافية.

فإن قيل: أي الحالين أعلى؟ حال من يجد لذة الذنب فهو يجاهدها لله ويتركها من خوفه ومحبته وإجلاله؟ أو حال من ماتت لذة الذنب في قلبه، وصار مكانه ألماً وتوجعاً، وطمأنينة إلى ربه، وسكوناً إليه، والتذاذا بحبه، وتنعماً بذكره؟

قيل: هذا أكمل وارفع، وغاية صاحب المجاهدة أن يجاهد نفسه حتى يصل إلى مقام هذا ومنزلته، ولكنه يتلوه في المنزلة والقرب ومنوط به.

فإن قيل: فاين أجر مجاهدة صاحب اللذة وتركه محابه لله، وإيثار رضا الله على هواه، وبهذا كان النوع الإنساني أفضل من النوع الملكي عند أهل السنة وكانوا خير البرية، والمطمئن قد استراح من ألم هذه المجاهدة وعوفي منها، فبينهما من التفاوت ما بين درجة المعافى والمبتلى؟

قيل: النفس لها ثلاثة أحوال؛ الأمر بالذنب، ثم اللوم عليه والندم منه، ثم الطمأنينة إلى ربها والإقبال بكليتها عليه، وهذه الحال أعلى أحوالها وارفعها، وهذه الحال أعلى أحوالها وارفعها، وهي التي يشمر إليها المجاهد، وما يحصل له من ثواب مجاهدته وصبره فهو لتشميله إلى درجة الطمأنينة إلى الله.

فهو بمنزلة راكب القفار والمهام والأهواء ليصل إلى البيت فيطمئن قلبه برؤيته والطواف به، والآخر بمنزلة من هو مشغول به طائف وقائماً وراكعاً وساجداً ليس له دفاعة إلى غيره، فهذا مشغول بالغاية وذاك بالوسيلة، وكل له أجر، ولكن بين أجر الغايات وأجر الوسائل بون.

وما يحصل للمطمئن من الأحوال والعبودية والإيمان فوق ما يحصل لهذا المجاهد نفسه في ذات الله، وإن كان أكثر عملاً، فقدر عمل المطمئن المنيب بجملته أعظم، وإن كان هذا المجاهد أكثر عملاً، وإن كان هذا المجاهد أكثر عملاً، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

هذا الكلام مهم جداً جداً يقول: فما سبق الصديق رضي الله عنه الصحابة بكثرة عمل، وقد كان فيهم من هو أكثر صياما وحجا وقراءة وصلاة منه، ولكن بأمر آخر قام بقلبه، حتى أن أفضل الصحابة كان يسابقه ولا يراه إلا أمامهم، ولكن عبودية مجاهد نفسه على لذة الذنب والشهوة قد تكون أشق، ولا يلزم من مشقتها تفضيلها في الدرجة، ولا يلزم من مشقتها تفضيلها في الدرجة.

فأفضل الأعمال الإيمان بالله والجهاد أشق منه، وهو تاليه في الدرجة، ودرجة الصديقين أعلى من درجة المجاهدين والشهداء.

وفي مسند الإام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الشهداء فقال: إن أكثر شهداء أمتي لأصحاب الفرس ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته.

هذا الكلام يختلف عن الكلام الذي ذكرناه في منزلة التوبة، الذي ذكره ابن القيم في منزلة التوبة لو تتذكر أنه أيهما أفضل؟ الشخص الذي يعني يسير في طريق الطاعة دائماً ولم يقع في ذنب يقصد يعني لم يقع في معصية واضحة تكسر قلبه وما إلى ذلك، أو من وقع ثم تاب وما كذلك؟

آآ هنا هذه المسألة أخرى، فمن وقع في ذنب ثم تاب هو يدخل في هذه في حالة من كره إليه الذنب، يعني هنا مسألتان؛ المسألة الأولى ذكرتها قبل قليل، المسألة الثانية هي التي في موضع الإنابة التي هي أيهما أفضل؟ من يجد لذة المعاصي والشهوات المحرمة ويجاهد نفسه لتركها، أو من تجاوز هذه المرحلة وصار كل همي وتفكيره في دائرة الطاعة وصارت تلك الشهوات المحرمة في قلبه مبغضة هو لا يلتفت إليها أصلا؟

أيهما أفضل؟ في الصورة الأولى حقت التوبة يقول لك لا اللي انكسر قلبه وصار متذللاً لله بسبب معصيته أفضل، هذاك في المنزل توبة، أما هنا يقول لك الذي لا يلتفت قلبه إلى مثل هذه وصارت المعاصي أبغض اليه وما إلى ذلك هو أفضل، أفضل يقول لك بينهم بون شاسع.

طبعاً هذا اللي صار أفضل ما يمنع إنه يكون سابقاً قد وقع في ذنب ثم صارت هذه حاله، فبين الحالتين فرق وليس نفس الحالة.

طيب، ثم ننتقل يقal فصل من علامات الناب ترك الاستهانة، سنتجاوز هذا هذا الفصل وأيضاً سنتجاوز الذي بعده، ننتقل إلى منزلة التذكر، منزلة التذكر.

قال رحمه الله: فصل منزلة التذكر، ثم ينزل القلب منزلة التذكر وهي قرين الإنابة، قال الله تعالى: وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ، وقال: تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ.

حقيقة ترتيب المنزل يعني ذكر التذكر بعد الإنابة ترتيب جميل للجمع الموجود بينهما في الآيتين: وما يتذكر إلا من ينيب، والآية تبصرة وذكرى، تبصرة وذكرى لكل عبد منيب، وهو من خواص أولى الألباب، كما قال تعالى: إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ، وقال تعالى: وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ.

والتذكر والتفكر منزلان يثمران أنواع المعارف وحقائق الإيمان والاحسان، والعارف لا يزال يعود بتفكيره بتفكره على تذكره وبتذكره على تفكره حتى يفتح قفل قلبه بإذن الفتاح العليم.

قال الحسن البصري: ما زal أهل العلم يعودون بالتذكر يعني التفكر وبالتفكر على التذكر ويناطقون القلوب حتى نطقت.

قال صاحب المنازل: التذكر فوق التفكر؛ لأن التفكر طلب والتذكر وجود، والتذكر وجود. نريد أن التفكر التماس الغايات من مبادئها، كما قال: التفكر تلمس البصيرة لاستدراك البغية، واما قوله التذكر وجود فلانه يكون فيما قد حصل بالتفكر ثم غاب عنه بالنسيان، فإذا تذكره وجده فظفر به.

والتذكر تفاعل من الذكر وهو ضد النسيان، وهو حضور صورة المذكور سورة المذكور العلمية في القلب، واختير له بناء التفاعل، تفاعل يعني هذا الوزن تذكر تفاعل لحصوله بعد مهلة وتدرج، التبصر والتفهم والتعلم التي تدل على يعني المعالجة أو وجود المهلة وتدرج في حصولها.

كما قال ابن القيم: ومنزلة التذكر من التفكر منزلة حصول الشيء المطلوب بعد التفتيش عليه، ولهذا كانت آيات الله المتلوة والمشهود ذكرى، كما قال في المتلوه: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَىٰ وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ هُدًى وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، وقال في آياته المشهودة: أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ، وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ.

فالتبصرة آلة البصر والتذكرة آلة الذكر، وقرن بينهما وجعلهما لأهل الإنابة: تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ؛ لأن العبد إذا أناب إلى الله أبصر مواقع الآيات والعبر فاستدل بها على ما هي آيات له، فزال عنه الإعراض بالانابة، والعمى بالتبصرة، والغفلة كرة.

هذا نص مهم جداً يقول: لأن العبد إذا أناب إلى الله أبصر مواقع الآيات والعبر فاستدل بها على ما هي آيات له، فزال عنه الإعراض بالانابة، والعمى بالتبصرة، والغفلة بالتذكرة؛ لأن التبصرة توجب له حصول صورة المدلول في القلب بعد غفلته عنها، فترتيب المنازل الثلاثة أحسن ترتيب، ثم كل منهما يمد صاحبه ويقويه ويثمره.

وقال في آياته المشهودة: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مَحِيصٍ، إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ.

والناس ثلاثة؛ رجل قلبه ميت فذلك الذي لا قلب له، فهذا ليست ليست هذه الآية ذكرى في حقه -هو الآن يعلق على قول الله سبحانه وتعالى: إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ، لأنه حتى بعد قليل سيفصل في قضية ألقى السمع-.

وهو شهيد. الثاني: رجل له قلب حي مستعد، لكنه غير مستمع للآيات المتلوة التي يخبر الله بها عن الآيات المشهودة، أما لعدم ورودها أو لوصولها إليه ولكن قلبه مشغول عنها بغيرها، فهو غائب القلب ليس حاضراً، فهذا أيضاً لا تحصل له الذكرى مع استعداده ووجود قلبه. والثالث: وهو من قال الله فيه: إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ، يقول: والثالث رجل حي القلب مستعد، تليت عليه الآيات فألقى السمع وأحضر قلبه ولم يشغله بغير فهم ما يسمعه، فهو شاهد القلب ملقي السمع، فهذا القسم هو الذي ينتفع بالآيات المتلوة والمشهودة.

فالأول اللي هو ميت القلب بمنزلة الأعمى الذي لا يبصر. والثاني بمنزلة البصير الطامح ببصره إلى غير جهة المنظور إليه، فكلاهما لا يراه. والثالث بمنزلة البصير الذي قد حدق إلى جهة المنظور وأتبعه بصره وقابله على توسط من البعد والقرب، فهذا هو الذي يراه، فسبحان من جعل كلامه شفاء لما في الصدور.

ثم الآن يأتي إلى قضية أو ألقى السمع وهو شهيد، هل أو هنا بمعنى الواو؟ يعني إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ، أو أو هنا مختلفة؟ يعني أقصد تدل على معنى مختلف، أنه أو على حالتين، أنه إما أن يكون له قلب أو يلقي السمع وهو شهيد. ابن القيم طبعاً يرجح القول الثاني، يقول: فإن قيل فما موقع أو من هذا النظم على ما قررت؟ قيل فيها سر لطيف، ولسنا نقول إنها بمعنى الواو كما يقوله ظاهرية النحاة.

فاعلم أن الرجل قد يكون له قلب وقاد مليء باستخراج العبر واستنباط الحكم، فهذا قلبه يوقعه على التذكر والاعتبار، فإذا سمع الآيات كانت له نوراً، وهؤلاء أكمل خلق الله وأعظمهم إيماناً وبصيرة، حتى كأن الذي أخبرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم مشاهد لهم، لكن لم يشعروا بتفاصيله وأنواعه، حتى قيل إن مثل حال الصديق مع النبي صلى الله عليه وسلم كمثل رجلين دخلا داراً، فرأى أحدهما تفاصيل ما فيها وجزئياته، والآخر وقعت يده على ما في الدار ولم ير تفاصيله ولا جزئياته، لكن علم أن فيها أموراً عظيمة لم يدرك بصره تفاصيلها ثم خرج. فسأله عما رأى في الدار، فجعل كل ما أخبره بشيء صدقه لما عنده من شواهد، وهذه أعلى درجات الصديقية، ولا تستبعد أن يمن الله المنان على عبد بمثل هذا الإيمان؛ فإن فضل الله لا يدخل تحت حصر ولا حسبان.

فصاحب هذا القلب إذا سمع الآيات وفي قلبه نور من البصيرة ازداد بها نوراً إلى نوره. فإن لم يكن للعبد مثل هذا القلب، فألقى السمع وشهد قلبه ولم يغب، حصل له التذكر أيضاً، فإن لم يصبها وابل فطل، والوابل والطل في جميع الأعمال وآثارها وموجباتها، وأهل الجنة سابقون مقربون وأصحاب يمين، وبينهما في درجات التفضيل ما بينهما، حتى إن شراب أحد النوعين الصرف يطيب به شراب النوع الآخر ويمزج به مزجاً. قال الله تعالى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، فكل مؤمن يرى هذا، ولكن رؤية أهل العلم له لون، ورؤية غيرهم له لون.

طيب، ثم ننتقل إلى طبعاً هو صاحب المنازل قال: أبنية التذكر ثلاثة: الانتفاع بالعظة، والاستبصار بالعبرة، والظفر بثمرة الفكرة. الانتفاع بالعظة، والاستبصار بالعبرة، والظفر بثمرة الفكرة. سنتجاوز الشرح الأول الذي شرحه ابن القيم ثم ننتقل إلى صفحة خمسة وعشرين. قال فصل: وإنما ينتفع صاحب المنازل يقول: وإنما ينتفع بالعظة بعد حصول ثلاثة أشياء: شدة الافتقار إليها، والعمى عن عيب الواعظ، وتذكر الوعد والوعيد.

يقول ابن القيم: إنما يشتد افتقار العبد إلى العظة وهي الترغيب والترهيب إذا ضعفت إنابته وتذكره، وإلا فمتى قويت إنابته وتذكره لم تشتد حاجته إلى التذكير والترغيب والترهيب، ولكن تكون الحاجة منه شديدة إلى معرفة الأمر والنهي. والعظة يراد بها أمران: الأمر والنهي مقترنان بالرغبة والرهبة، ونفس الرغبة والرهبة. فالمنيب المتذكر شديد الحاجة إلى الأمر والنهي، والمعرض الغافل شديد الحاجة إلى الترغيب والترهيب، والمعرض المتكبر شديد الحاجة إلى المجادلة. شوفوا كيف الربط بين هذه الثلاث حالات وبين الآية التالية، فجاءت هذه الثلاثة في حق هؤلاء الثلاثة في قوله: ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.

أطلق الحكمة ولم يقيدها بوصف الحسنة إذ كلها حسنة، ووصف الحسن لها ذاتي، وأما الموعظة فقيدها بوصف الإحسان إذ ليس كل موعظة حسنة، وكذلك الجدال قد يكون بالتي هي أحسن وقد يكون بغير ذلك. وهذا يحتمل أن يرجع إلى حال المجادل وغلظته ولينه وحدته ورفقه، فيكون مأموراً بمجادلتهم بالحال التي هي أحسن. ويحتمل أن تكون صفة لما يجادل به من الحجج والبراهين والكلمات التي هي أحسن شيء وأبينه وأدله على المقصود وأوصله إلى المطلوب. والتحقيق أن الآية تتناول النوعين.

طيب إذا صارت الآن ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة، هذه بالحكمة هذه راجعة إلى المقبل المنيب، والموعظة الحسنة هذه إلى صاحب الغفلة، وجادلهم بالتي هي أحسن هذه إلى صاحب العناد أو الإعراض أو بحيث إنه هو يقنع بالجدال. يقول: وأما ما ذكره بعض المتأخرين أن هذه إشارة أو أن هذا إشارة إلى أنواع القياسات؛ فالحكمة هي طريقة البرهان، والموعظة الحسنة طريقة الخطابة، والمجادلة بالتي هي أحسن طريقة الجدل. طبعاً هذه موضوعات منطقية؛ أنواع القياس المنطقي، أو يعني القياس المنطقي له مواد، فإن كانت مواده يقينية فهو القياس البرهاني، وإن كانت إلى آخره، يعني عندهم أنواع لمواد القياس وعليها يوصف القياس هل هو برهاني أو خطابي أو جدلي أو سفسطي إلى آخره.

يقول من أنزل بعض المتأخرين من الفقهاء هذه الآية: ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم، من أنزلها على هذه الثلاثة أنواع من القياس المنطقي، يقول: فتنزيل القرآن على قوانين أهل المنطق اليوناني واصطلاحهم ذلك باطل قطعاً من وجوه عديدة، ليس هذا موضع ذكرها. بعد أن شرح هذه المقامات الثلاثة باختصار أو طريقة التنزيل باختصار قال: تنزيل القرآن على قوانين أهل المنطق اليوناني واصطلاحهم ذلك باطل قطعاً من وجوه عديدة ليس هذا موضع ذكرها.

إن ممن حاول ذلك هو يعني يجعل المنطق اليوناني أصلاً في التفكير وفي الاستدلال، ومن ثم لما له من هذه المكانة كان يجب أن يكون في القرآن ما هو شبيه بذلك، وبالتالي الإنسان يحاول أن يجد في القرآن ما يتنزل على هذه القوانين المنطقية. الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في كتاب القسطاس المستقيم أو الميزان المستقيم حاول أنه ينزل الآيات القرآنية على القوانين المنطقية، وحصل انتقاد شديد له طبعاً من غيره، واحد من أبرزهم ابن تيمية رحمه الله تعالى. المهم يقول: وإنما ذكر هذا استطراداً لذكر العظة، وأن المنيب المتذكر لا تشتد حاجته إليها كحاجة الغافل المعرض، فإن شديد الحاجة جداً إلى العظة ليتذكر ما قد نسيه فينتفع بالتذكر.

صاحب المنازل ايش قال؟ إنه من ينتفع بالعظة؟ ثلاثة أشياء أو بعد حصول ثلاثة أشياء: شدة الافتقار إليها، وتكلمنا عنها وتكلم عنها. ثم قال: والعمى عن عيب الواعظ. قال: وأما العمى عن عيب الواعظ فإنه إذا اشتغل به حرم الانتفاع بموعظته؛ لأن النفوس مجبولة على عدم الانتفاع بكلام من لا يعمل بعلمه ولا ينتفع به، وهذا بمنزلة من يصف له الطبيب دواء لمرض به مثله والطبيب معرض عنه غير ملتفت إليه. بل الطبيب المذكور عندهم أحسن حالاً من هذا الواعظ المخالف لما يعظ به؛ لأنه قد يقوم دواء آخر عنده مقام هذا الدواء، وقد يرى أن به قوة على ترك التداوي، بخلاف هذا الواعظ، فإن ما يعظ به طريق معين للنجاة لا يقوم غيرها مقامها، ولابد منها. ولاجل هذه النفرة قال شعيب عليه السلام لقومه: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ. وقال بعض السلف: إذا أردت أن يقبل منك الأمر والنهي، فإذا أمرت بشيء فكن أول الفاعلين له والمؤتمرين به، وإذا نهيت عن شيء فكن أول الناهين عنه.

وقد قيل: يا أيها الرجل المعلم غيره، هلا لنفسك كان ذا التعليم. تصف الدواء للاستقامة من الضنى، ومن الضنى تمسي أنت السقيم. لا تنهَ عن خلق وتأتي مثله، عار عليك إذا فعلت عظيم. ابدأ بنفسك فانهها عن غيها، فإذا انتهت عنه فأنت حكيم. فهناك يقبل ما تقول ويقتدى بالقول منك، وينفع التعليم. فالعمى عن عيب الواعظ من شروط تمام الانتفاع بموعظته. طبعاً هذا الكلام كلام مهم جداً ولكنه يحتاج إلى تفصيل، بمعنى أن العمى عن عيب الواعظ هذا يجب أن يكون في من حاله من الوعاظ الاستقامة، ولكن يكون له زلة، يكون له نقص، يكون له خطأ. فهنا يجب ألا يتطلب الكمال في كل واعظ بحيث لا تقبل الموعظة إلا من شخص كامل الاستقامة العملية، وإنما يكفي صلاح حاله في الجملة، استقامته في الجملة، حسن سيرته في الجملة.

ولكن لا يقال مثل هذا في الواعظ الذي صار فساده ظاهراً وصار انحرافه وتنكبه عن طريق الحق ظاهراً، فهنا كون الإنسان لا يتأثر بموعظته فهذا شيء عادي، شيء طبيعي؛ لأنه كما قال ابن القيم النفوس مجبولة على عدم الانتفاع بكلام من لا يعمل بعلمه ولا ينتفع به. طبعاً هذا لا يعني أيضاً عدم قبول الحق إذا جاء من مخالف أو إذا جاء من فاسق، أتكلم عن قبول بمعنى عدم رد الحق. أما التأثر بالموعظة، فإذا كان من شخص مشهور بالفساد أو معلوم فساده أو نفاقه أو خيانته أو ما إلى ذلك من الأعمال، فمن الطبيعي ألا يتأثر الإنسان بموعظته.

طيب قال: وأما تذكر الوعد والوعيد فإن ذلك يوجب خشيته والحذر منه، ولا تنفع الموعظة إلا لمن آمن به، أي بالوعد والوعيد، وخافه ورجاه. قال الله تعالى: إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ. لاحظوا يعني الآية تكون لمن خاف الوعد والوعيد، وقال: سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ، وقال: إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا، وأصرح من ذلك قوله تعالى: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ. الإيمان بالوعد والوعيد شرط، فإيمان بالوعد والوعيد وذكره شرط في الانتفاع بالعظات والآيات والعبر، يستحيل حصوله بدونه. طيب، ثم قال صاحب المنازل وهنا سنأتي مسألة تحتاج إلى وقفة، يقول: وإنما تستبصر العبرة بثلاثة أشياء: بحياة العقل، ومعرفة الأيام، والسلامة من الأغراض.

الآن حتى نكون ماشين في الخط كويس، لو رجعنا لصفحة اثنين وعشرين يقول: أبنية التذكر ثلاثة، الانتفاع بالعظة، والاستبصار بالعبرة، والظفر بثمرة الفكرة. فالجزء الأول اللي هو الانتفاع بالعظة، قال: وإنما ينتفع بالعظة بعد حصول ثلاثة أشياء: شدة الافتقار إليها، والعمى عن عيب الواعظ، وتذكر الوعد والوعيد. هذا الآن كله شرح الجزئية الأولى اللي هي الانتفاع بالعظة. الآن الجزئية الثانية: والاستبصار بالعبرة، فأخذ يفرع فيها يقول: وإنما تستبصر العبرة بثلاثة أشياء: بحياة العقل، ومعرفة الأيام، والسلامة من الأغراض.

يقول: إنما تتميز العبرة وترى وتتحقق بحياة العقل، والعبرة هي الاعتبار، وحقيقتها العبور من حكم شيء إلى حكم مثله. فإذا رأى من قد أصابته محنة وبلاء لسبب ارتكبه، علم أن حكم من ارتكب ذلك السبب كحكمه. وحياة العقل هي صحة الإدراك وقوة الفهم وجودته وتحقق الانتفاع بالشيء والتضرر به، وهي نور يخص الله به من يشاء من خلقه، وبحسب تفاوت الناس في قوة ذلك النور وضعفه ووجوده وعدمه يقع تفاوت أذهانهم وأفهامهم وإدراكاتهم، ونسبته إلى القلب كنسبة النور الباصر إلى العين.

ثم هنا يتكلم عن مسألة، يقول: ومن تجريبات السالكين التي جربوها فألفوها صحيحة، أن من أدمن يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت، أورثه ذلك حياة القلب وعقله. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه شديد اللهج بها جداً، وقال لي يوماً: لهذين الاسمين وهما الحي القيوم تأثير عظيم في حياة القلب. وكان يشير إلى أنهما الاسم الأعظم. وسمعته يقول: من واظب على أربعين مرة كل يوم بين سنة الفجر وصلاة الفجر يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث، حصلت له حياة القلب ولم يمت قلبه.

طيب ثم ذكر عدة أسطر فيها أيضاً وقفة أخرى طويلة. الآن هذا الموضوع أو هذه النقطة التي لابن القيم فيها عدة تعليقات: التعليق الأول أن الإشارة إلى أن الحي القيوم هو الاسم الأعظم، ويعني أصح ما ورد في اسم الله الأعظم أو الاسم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى، هو ما اجتمع فيه يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت كما ذكر هنا ابن القيم، نتكلم عن الأحاديث الآن.

يعني الأحاديث، أصح ما ورد هو ما اجتمع فيه: يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت. وبالتالي أورثه ذلك حياة العقل والقلب، هذا مفهوم جداً. وكذلك يشير إلى أنهما الاسم الأعظم، هذا مفهوم جداً. ثم تأتي قضية أنه من قال أو من واظب على أربعين مرة كل يوم بين سنة الفجر وصلاة الفجر، فقال هذا الذكر الذي هو: يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث، حصلت له حياة القلب ولم يمت قلبه.

هنا طبعاً حصل نقاش كثير بين طلاب العلم في أنه ما الأصل الذي استند عليه ابن تيمية في هذا التحديد؟ لأنه من المعلوم والمستقر أنه الذكر الذي ورد في الشرع لا يحدد بزمان ولا بمكان ولا بعدد إلا بدليل، وأنه فرق بين الالتزام الشخصي بحسب ما يصلح لحال الإنسان، هذا أمر فيه واسع، وبين أنه يكون الحث عليه. فمن هنا حصل نقاش كثير بين طلاب العلم في هذه الجزئية تحديداً. فبعضهم قال: هذا كان في مرحلة متقدمة وأن ابن تيمية بعدين رجع عن بعض الأمور. بعضهم قال: إنه من باب التجريب وليس من باب التشريع، وباب التجريب أوسع؛ باب التجريب يعني إنسان يجرب ذكراً معيناً له أصل في الشرع ولكن يجربه بكيفية معينة يجد له من الأثر ما يلمسه فعلاً على قلبه وحياته، وبالتالي يوصي بهذه التجربة ويوصي بها على أنها تجربة ولا يوصي بها على أنها شيء مشروع عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا أقرب للتخريجات، يعني هذا أقرب ما يقال في مثل هذه المسألة، والله تعالى أعلم.

النقطة التالية لها وهي أهم، أو لا تقل أهمية، قوله: ومن علم عبوديات الأسماء الحسنى والدعاء بها وسر ارتباطها بالخلق والأمر وبمطالب العبد وحاجاته عرف ذلك وتحققه، فإن كل مطلوب يسأل بالمناسب له، فتأمل أدعية القرآن والأحاديث النبوية تجدها كذلك. وأنا مؤمن تماماً أنه إذا كان بين السالكين إلى الله خطوات فارقة بينهم أو مقامات تعلو ببعضهم درجات عالية عن الآخرين، سواء من جهة العلم بالله أو من جهة العمل والسلوك، ففقه الأسماء الحسنى هو من أعظم هذه الأمور الفارقة، من أعظم هذه الأمور العالية التي تعلو بالإنسان في سلوكه إلى الله سبحانه وتعالى، ولا أشك في ذلك أبداً، يعني هذا من أعظم ما يمكن أن يكون للإنسان في سلوكه إلى الله سبحانه وتعالى.

ولا أقصد بفقه الأسماء الحسنى معرفة معانيها فقط، فمعرفة معانيها هي الخطوة الأولى فقط، هذه أول خطوة لفقه الأسماء الحسنى. ومع الأسف كثير من طلاب العلم يظن أنه كل ما يسمعه عن الأسماء الحسنى معناه أنه يذهب فيقرأ في معانيها فالآن خلاص وصل، وإذا زاد فيعني يستعمل الدعاء بالأسماء الحسنى في بعض المقامات. لكن حقيقة فقه الأسماء الحسنى أكبر من ذلك وأعمق بكثير، ولذلك هنا ابن القيم أشار بنص مركز ولكنه مختصر جداً فلم يفصل حقيقة، لكن يمكن أن تلتمس في بعض جمله في هذا النص المركز شيئاً مما يتجاوز مجرد معرفة معاني الأسماء الحسنى. فقال: ومن علم عبوديات الأسماء الحسنى والدعاء بها وسر ارتباطها بالخلق والأمر وبمطالب العبد وحاجاته عرف ذلك وتحقق، فإن كل مطلوب يسأل بالمناسب له، فتأمل أدعية القرآن والأحاديث النبوية تجدها كذلك.

ثم الآن أعطاك الوسيلة التي تصل بها إلى هذا المعنى العالي جداً. طبعاً هذه الوسيلة ممكن تكون لا أريد أن أقول الوحيدة، ولكن هي الوسيلة الأساسية والكبرى بالوصول إلى فقه الأسماء الحسنى. ما هي هذه الوسيلة؟ التأمل في أدعية الكتاب والسنة، ليس الحفظ، التأمل في الأسماء الحسنى التي ختمت بها الآيات وعلاقتها بالآيات، التأمل بارتباط بعض الأسماء بمقامات معينة ذكرت في القرآن، ومن ثم استخراج الفقه المتعلق بهذا الربط، ومن ثم -وهو النتيجة- إحسان الدعاء بهذه الأسماء الحسنى بحسب الحال والمقام. الذي يستطيع أن يصل إلى هذه الدرجة فهو الذي يسبق غيره في طريق السلوك إلى الله سبحانه وتعالى، وهو الذي يصل إلى الله من أفضل طريق؛ فعبوديات الأسماء الحسنى هي سر السلوك إلى الله سبحانه وتعالى.

طيب بعدين قال: وأما معرفة الأيام والكلام في معرفة الأيام نتجاوزه، أمر سهل وواضح. طيب ثم قال -طبعاً إحنا نرجع مرة ثانية في صفحة اثنين وعشرين- قال: أبنية التذكر ثلاثة: الانتفاع بالعظة انتهينا منها، الاستبصار بالعبرة انتهينا منها، الآن الظفر بثمرة الفكرة. يقول في الظفر بثمرة الفكرة في صفحة اثنين وثلاثين: وإنما تجتنى ثمرة الفكرة بثلاثة أشياء: بقصر الأمل، والتأمل في القرآن، وقلة الخلطة والتمني والتعلق بغير الله والشبع والمنام. هذه الأخيرة خمسة أشياء، قلة الخلطة والتمني والتعلق بغير الله والشبع والمنام، هذه الأشياء الخمسة عنون لها ابن القيم بعنوان واحد سماها مفسدات القلوب. فصار عندنا اجتناب ثمرة الفكرة بثلاثة أشياء مثل ما قال صاحب المنزل: قصر الأمل واحد، التأمل في القرآن اثنين، وقلة الخلطة والتمني والتعلق بغير الله والشبع والمنام اللي هي اجتناب مفسدات القلوب ثلاثة.

طيب الأولى إيش؟ قصر الأمل. قال: فأما قصر الأمل فهو العلم بقرب الرحيل وسرعة انقضاء مدة الحياة، وهو من أنفع الأمور للقلب؛ فإنه يبعثه على معافسة الأيام، يعني المداعبة، فإنه يبعث على معافسة الأيام وانتهاز الفرص التي تمر مر السحاب، ومبادرة طي صحائف الأعمال، ويثير ساكن عزمه إلى دار البقاء، ويحثه على قضاء جهاز سفره وتدارك الفارط، ويزهده في الدنيا ويرغبه في الآخرة. فيقوم بقلبه إذا داوم مطالعة قصر الأمل شاهد من شواهد اليقين يريه فناء الدنيا وسرعتها وقلة ما بقي منها، وأنها قد ترحلت مدبرة ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها، وأنه لم يبق منها إلا كما بقي من يوم صارت شمسه على رؤوس الجبال.

ويريه بقاء الآخرة ودوامها وأنها قد ترحلت مقبلة، وقد جاء أشراطها وعلاماتها، وأنهما كمسافر خرج صاحبه يتلقاه فكل منهما يسير إلى الآخر فيوشك أن يلتقيا سريعاً. ويكفي في قصر الأمل قوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ، وقوله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ، وقوله تعالى: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا، وقوله تعالى: قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، وقوله تعالى: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ ۚ بَلَاغٌ ۚ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ، وقوله تعالى: يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (103) نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا.

وخطب النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوماً والشمس على رؤوس الجبال فقال: إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه. ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض أصحابه وهم يعالجون خصاً لهم قد وهى فهم يصلحونه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: خص لنا قد وهى فنحن نعالجه، فقال: ما أرى الأمر إلا أعجل من هذا. وقصر الأمل بناؤه على أمرين: تيقن زوال الدنيا ومفارقتها، وتيقن لقاء الآخرة وبقائها ودوامها، ثم يقايس بين الأمرين ويؤثر أولاهما بالإيثار.

طبعاً قصر الأمل لك أن تعنون مرحلة أو لك أن تعنون واحدة من أبرز الشعارات التي كان يرفعها السلف المتقدمون في باب السلوك، لك أن تقول عنوان قصر الأمل؛ فقصر الأمل من العبارات التي تكثر في كلام السلف الصالح ومن بعدهم من علماء السلوك وممن تكلم في التزكية. فقصر الأمل كأنه واحد من الشروط الأساسية لديهم التي لا يستقيم حال الإنسان في طريقه إلى الله سبحانه وتعالى إذا لم يكن لديه استحضار لقصر الأمل. وكما قال ابن القيم: قصر الأمل قائم على شيئين؛ أولاً تيقن زوال الدنيا ومفارقتها، وأتى بآيات قرآنية واضحة في تصوير هذا المعنى، ثم الأمر الآخر تيقن لقاء الآخرة وبقائها ودوامها.

طبعاً الإنسان لما يقرأ كثيراً في كتب الزهد والرقائق وفي كلام السلف الصالح في موضوع قصر الأمل يحتاج إلى توازن أيضاً حتى لا ينتقل إلى حالة الرهبانية أو إلى حالة عدم فعل شيء من أمور الحياة، ودائماً وهذه قضية في غاية الخطورة وفي غاية الأهمية، دائماً الميزان الذي يكون هو المسطرة التي يقاس عليها مثل هذه المفاهيم وتحدث التوازن بين المقولات المختلفة الأبواب التي يتلقاها الإنسان هو السيرة النبوية. سيرة النبي صلى الله عليه وسلم العملية هي الميزان الذي تقاس عليه مثل هذه المفاهيم؛ فالإنسان كما أنه يحتاج إلى مثل هذه المواعظ في قصر الأمل فهو يحتاج أيضاً إلى النظر في الواقع العملي للنبي صلى الله عليه وسلم حتى ينزل قصر الأمل منزله، فلا يقتطع شيئاً دون الآخر أو يفهم شيئاً بدون أن يكمل صورة الفهم. هذه قضية في غاية الأهمية وفي غاية الخطورة أيضاً، لأنه أحياناً يحصل سوء فهم كبير للإنسان إذا لم يوازن بين هدي النبي صلى الله عليه وسلم العملي وبين بعض الأحاديث القولية أو من باب أولى بعض المقولات عن السلف أو عن الزهاد أو العباد وما إلى ذلك.

إذاً النقطة الأولى في جني الفكرة أو في اجتناب الفكرة هي قصر الأمل. النقطة الثانية: التأمل في القرآن. قال: وأما التأمل في القرآن فهو تحديق ناظر القلب إلى معانيه وجمع الفكر على تدبره وتعقله، وهو المقصود بإنزاله لا مجرد تلاوته بلا فهم ولا تدبر. قال الله تعالى: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ، وقال تعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا، وقال تعالى: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ، وقال تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وقال الحسن: نزل القرآن ليتدبر ويعمل به فاتخذوا تلاوته عملاً.

وهذا الكلام من الحسن البصري رحمه الله، هذا الكلام له شواهد في فقه الصحابة في التعامل مع القرآن الكريم، وهذا المعنى حصل فيه اختلال في وقتنا بشكل كبير وحصل فيه اختلال في مراحل تاريخية أيضاً، حين انتقل الاهتمام بالقرآن من ثقل أو من مركز كان عليه الصحابة في وقت النبي صلى الله عليه وسلم ثم بعده، إلى مركز وثقل آخر، وهو أنه من مركز التدبر والعمل والتفهم والتنزيل إلى مركز الحفظ والتلاوة؛ يعني يقاس الإنجاز مثلاً بعدد الحفاظ مثلاً، يعمل معارضة بين حفظ القرآن وبين دراسة العلم أو حتى بين العمل أو حتى مع الدعوة مثلاً أو ما إلى ذلك. يقصر الإنسان مثلاً لسنوات حتى يضبط ألفاظ القرآن حفظاً، وكأن هذا هو الشيء الذي لا يمكن للإنسان أن يعمل غيره إلا إذا أتمه، وهذا ليس هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، مع التسليم بأن الحفظ شيء شريف، حفظ القرآن لا يختلف في أنه معنى شريف قد جاء به القرآن وجاءت به السنة، وهو أمر شريف لا يختلف في شرفه، بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم، طبعاً ركز على "أوتوا العلم" أيضاً.

ولكن أن ينتقل المركز والثقل إليه فهذا حقيقة فيه إشكال كبير، والآثار المعارضة لهذا تغيير المركز كثيرة، منها الأثر المشهور كلام جندب رضي الله عنه: كنا غلمان الحزاورة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً. وكلام ابن عمر المشهور: كنا إذا قرأنا القرآن لم نتجاوز عشر آيات حتى نعلم ما فيهن من العلم والعمل. وإلى آخره من النصوص الكثيرة المعروفة والمواقف المشهودة في هذا المعنى. ونحن نرى جميعاً الإشكالات المترتبة على قولبة العلاقة مع القرآن في قضية الحفظ، فنحن نرى الإشكالات بادية؛ بحيث إنه حتى الطالب يشعر أنه إذا وصل إلى أنه أتم حفظ القرآن وضبطه أنه قد وصل وبلغ، فإيش المسألة الثانية أو إيش الخطوة الثانية؟ الخطوة الثانية يصير محفظ، خلاص هو وصل وانتهى وضبط، يلا الآن إيش دورك؟ دورك الآن إنك أنت تصير محفظ وتستمر العجلة بهذه الطريقة، وهذا حقيقة فيه إشكال؛ فالحفظ كما أنه مهم، فالعمل والتدبر أهم منهما، ولا شك أن هذا لا يعارض هذا، فلا يترك الحفظ أيضاً دعوة الفهم والعلم، ولكن إذا حصل التزاحم الحقيقي، الفهم والتدبر والعمل أولى من الحفظ. طيب ثم قال: فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن وإطالة التأمل.

وجمع فيه الفكر على معاني آياته؛ فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرهما، وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما ومآل أهلهما؛ فتلقي في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة.

وتثبت قواعد الإيمان في قلبه، وتشيد بنيانه وتوطد أركانه، وتريه صورة الدنيا والآخرة والجنة والنار في قلبه، وتحضره بين الأمم وتريه أيام الله فيهم وتبصره مواقع العبر.

وتشهده عدل الله وفضله، وتعرفه ذاته وأسماءه وصفاته وأفعاله، وما يحبه وما يبغضه، وصراطه الموصل إليه، وما لسالكيه بعد الوصول والقدوم عليه، وقواطع الطريق وآفاته، وتعرفه النفس وصفاتها، ومفسدات الأعمال ومصححاتها، وتعرفه طريق أهل الجنة وأهل النار، وأعمالهم وأحوالهم وسيماهم، ومراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأقسام الخلق، واجتماعهم فيما يجتمعون فيه، وافتراقهم فيما يفترقون فيه. وبالجملة تعرفه الرب المدعو إليه، وطريق الوصول إليه، وما له من الكرامة إذا قدم عليه.

وتعرفه في مقابل ذلك ثلاثة أمور أخرى: ما يدعو إليه الشيطان، والطريقة الموصلة إليه، وما للمستجيب لدعوته من الإهانة والعذاب بعد الوصول إليه. يعني هذه الستة أمور كأنها خلاصة موضوعات القرآن؛ معرفة الرب وطريق الوصول إليه، وما للإنسان من الكرامة إذا قدم عليه، والثلاثة الأخرى: ما يدعو إليه الشيطان، والطريق الموصل إليه، وما للمستجيب لدعوته من الإهانة والعذاب بعد الوصول إليه. فهذه ستة أمور ضروري معرفتها ومشاهدتها ومطالعتها، فتشهده الآخرة حتى كأنه فيها، وتغيبه عن الدنيا حتى كأنه ليس فيها.

وتميز له بين الحق والباطل في كل ما اختلف فيه العالم، فتريه الحق حقاً والباطل باطلاً، وتعطيه فرقاناً ونوراً يفرق به بين الهدى والضلال، والغي والرشاد، وتعطيه قوة في قلبه وحياة وسعة وانشراحاً وبهجة وسروراً؛ فيصير في شأن والناس في شأن آخر. فإن معاني القرآن دائرة على التوحيد وبراهينه، والعلم بالله وما له من أوصاف الكمال وما ينزه عنه من سمات النقص، وعلى الإيمان بالرسل وذكر براهين صدقهم وأدلة صحة نبوتهم والتعريف بحقوقهم وحقوق مرسلهم، وعلى الإيمان بملائكته وهم رسله في خلقه وأمره، وتدبيرهم الأمور بإذنه ومشيئته، وما جعلوا عليه من أمر العالم العلوي والسفلي، وما يختص بالنوع الإنساني منهم من حين يستقر في رحم أمه إلى يوم يوافي ربه ويقدم عليه.

وعلى الإيمان باليوم الآخر وما أعد الله فيه لأوليائه من دار النعيم المطلق التي لا يشعرون فيها بألم ولا نكد وتنغيص، وما أعد لأعدائه من دار العقاب الوبير التي لا يخالطها سرور ولا رخاء ولا راحة ولا فرح، وتفاصيل ذلك أتم تفصيل وبيان وأبينه، وعلى تفاصيل الأمر والنهي والشرع والقدر، والحلال والحرام، والمواعظ والعبر، والقصص والأمثال، والأسباب والحكم والمبادئ والغايات في خلقه وأمره؛ فلا تزال معانيه تنهض العبد إلى ربه بالوعد الجميل، وتحذره وتخوفه بوعيده من العذاب الوبير، وتحثه على التضمر والتخفف للقاء اليوم الثقيل، وتهديه في ظلم الآراء والمذاهب إلى السبيل، وتصده عن اقتحام طرق البدع والأضاليل، وتبعثه على الازدياد من النعم بشكر ربه الجليل، وتبصره بحدود الحلال والحرام، وتوقفه عليها لئلا يتعداها فيقع في العناء الطويل، وتثبت قلبه عن الزيغ والميل عن الحق والتحويل، وتسهل عليه أمور الصعاب والعقبات الشاقة غاية التسهيل، وتناديه كلما فترت عزماته وونى في سيره: تقدم، قدم الركب وفاتك الدليل، فاللحاق اللحاق والرحيل الرحيل. وتحدو به وتسير أمامه سير الدليل، وكلما خرج عليه كمين من كمائن الشيطان أو قاطع من قطاع الطريق نادته: الحذر الحذر، فاعتصم بالله واستعن به وقل: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. ومن تأمل القرآن وتدبره وتفهمه وجد أضعاف أضعاف ما ذكرنا من الحكم والفوائد. وبالجملة فهو أعظم الكنوز، فلتغص بالفكر إلى قرار معانيه.

ثم قال: فصل: وأما مفسدات القلب الخمسة فهي التي أشار إليها من كثرة الخلطة، والتمني، والتعلق بغير الله، والشبع، والمنام، وهذه الخمسة من أكبر مفسدات القلب. ونذكر آثارها التي اشتركت فيها، وما تميز به كل واحد منها، اعلم أن القلب يسير إلى الله عز وجل والدار الآخرة، ويكشف عن طريق الحق ونهجه وآفات النفس والعمل وقطاع الطريق بنوره وحياته وقوته وصحته وعزمه وسلامة سمعه وبصره وغيبة الشواغل والقواطع عنه، وهذه الخمسة تطفئ نوره، وتعور عين بصيرته، وتصم سمعه إن لم تصمه، وتبكمه، وتضعف قواه كلها، وتوهن صحته، وتفتر عزيمته، وتوقف همته، وتنكسه إلى ورائه، هذه الأمور الخمسة المفسدات، ومن لا شعور له بهذا فميت القلب، وما لجرح بميت إيلام.

فهي عائقة له عن نيل كماله، قاطعة له عن الوصول إلى ما خلق له وجعل نعيمه وسعادته وابتهاجه ولذته في الوصول إليه؛ فإنه لا نعيم له ولا لذة ولا ابتهاج ولا كمال إلا بمعرفة الله ومحبته والطمأنينة بذكره والفرح والابتهاج بقربه والشوق إلى لقائه، هذه جنته العاجلة، كما أنه لا نعيم له في الآخرة ولا فوز إلا بجواره في دار النعيم في الجنة الآجلة؛ فله جنتان لا يدخل الثانية منهما إن لم يدخل الأولى. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. وقال بعض العارفين: إنه ليمر بالقلب أوقات أقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا، إنهم لفي عيش طيب. وقال بعض المحبين: مساكين أهل الدنيا، خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها. قالوا: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله والأنس به والشوق إلى لقائه والإقبال عليه والإعراض عما سواه، أو نحو هذا الكلام.

وكل من له قلب حي يشهد هذا ويعرفه ذوقاً، وهذه الأشياء الخمسة قاطعة عن هذا، حائلة بين القلب وبينه، عائقة له عن سيره، ومحدثة له أمراضاً وعللاً إن لم يتداركها مريضه خيف عليه منها. فأما ما تؤثره كثرة الخلطة، هذه الخلطة هي الأولى طبعاً، الخلطة مقصود مخالطة الناس، وهنا يتكلم عن الكثرة، فامتلاء القلب من دخان أنفاس بني آدم حتى يسود، هذا ما تورثه، امتلاء القلب من دخان أنفاس بني آدم حتى اسود، ويوجب له تشتتاً وتفرقاً وهماً وغماً وضعفاً، وحملاً لما يعجز عن حمله من مؤنة قرناء السوء، وإضاعة مصالحه والاشتغال عنها بهم وبأمورهم، وتقسم فكره في أودية مطالبهم وإراداتهم؛ فماذا يبقى منه لله والدار الآخرة؟ هذا، وكم جلبت خلطة الناس من نقمة، ودفعت من نعمة، وأنزلت من محنة، وعطلت من منحة، وأحلت من رزية، وأوقعت في بلية، وهل آفة الناس إلا الناس؟ وهل كان على أبي طالب عند الوفاة أضر من قرناء السوء؟ لم يزالوا به حتى حالوا بينه وبين كلمة واحدة توجب له سعادة الأبد.

وهذه الخلطة التي تكون على نوع مودة في الدنيا وقضاء وطر بعضهم من بعض تنقلب إذا حقت الحقائق عداوة، وبعض المخالط يعض على يديه ندماً كما قال تعالى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي. وقال تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ. ثم قال: والضابط النافع في أمر الخلطة أن يخالط الناس في الخير: الجمعة والجماعة، والأعياد، والحج، وتعلم العلم، والجهاد، والنصيحة، ويعتزلهم في الشر وفضول المباحات؛ فإن دعت الحاجة إلى خلطتهم في الشر ولم يمكنه اعتزالهم، فالحذر الحذر أن يوافقهم، وليصبر على أذاهم فإنهم لا بد أن يؤذوه، وإن لم يكن له قوة ولا ناصر، ولكن أذى يعقبه عز ومحبة له وتعظيم وثناء عليه منهم ومن المؤمنين ومن رب العالمين، وموافقتهم يعقبها ذل وبغض له ومقت وذم منهم ومن المؤمنين ومن رب العالمين؛ فالصبر على أذاهم خير وأحسن عاقبة وأحمد مآلاً.

وإن دعت الحاجة إلى خلطتهم في فضول المباحات، فليجتهد أن يقلب ذلك المجلس طاعة لله إن أمكنه، ويشجع نفسه ويقوي قلبه، ولا يلتفت للوسواس الشيطاني القاطع له عن ذلك بأن هذا رياء ومحبة لإظهار علمك وحالك ونحو ذلك، فليحاربه وليستعن بالله ويؤثر فيهم الخير ما أمكنه؛ فإن أعجزته المقادير عن ذلك فليسل قلبه من بينهم كسل الشعرة من العجين.

ثم قال: فصل: المفسد الثاني من مفسدات القلب ركوبه بحر التمني، وهو بحر لا ساحل له، وهو البحر الذي يركبه مفاليس العالم، كما قيل: إن المنى رأس أموال المفاليس، بضاعة ركابه مواعيد الشياطين، وخيرات المحال والبهتان، فلا تزال أمواج الأماني الكاذبة والخيالات الباطلة تتلاعب كما تتلاعب الكلاب بالجيفة. ثم يقول: وصاحب الهمة العلية أمانيه حائمة حول العلم والإيمان الذي يقربه إلى الله ويدنيه من جواره، فأماني هذا إيمان ونور وحكمة، وأماني أولئك خدع وغرور، بعد أن ذكر من أمانيه السفلية خسيسة، وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم متمني الخير وربما جعل أجره في بعض الأشياء كأجر فاعله كالقائل: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان الذي يتقي في ماله ربه ويصل فيه رحمه ويخرج منه حقه، وقال: هما في الأجر سواء.

ثم قال: المفسد الثالث من مفسدات القلب التعلق بغير الله تبارك وتعالى، وهذا أعظم مفسداته على الإطلاق، فليس على القلب أضر من ذلك ولا أقطع له عن مصالحه وسعادته منه؛ فإنه إذا تعلق بغير الله وكله الله إلى ما تعلق به وخذله من جهة ما تعلق به، وفاته تحصيل مقصوده من الله عز وجل بتعلقه بغيره والتفاته إلى سواه؛ فلا على نصيبه من الله حصل، ولا إلى ما أمله ممن تعلق به وصل. قال الله تعالى: وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا. وقال تعالى: وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ * لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ. فأعظم الناس خذلاناً من تعلق بغير الله؛ فإن ما فاته من مصالحه وسعادته وفلاحه أعظم مما حصله ممن تعلق به، وهو معرض للزوال والفوات، ومثل المتعلق بغير الله كمثل المستظل من الحر والبرد ببيت العنكبوت؛ أوهن البيوت، وبالجملة فأساس الشرك وقاعدته التي بني عليها التعلق بغير الله، ولصاحبه الذم والخذلان.

طيب، فصل: المفسد الرابع من مفسدات القلب الطعام، حنا نختم إن شاء الله مع نهاية مفسدات القلب، بقية ثلاث صفحات فقط، قال: والمفسد له من ذلك نوعان، أحدهما ما يفسده لعينه وذاته كالمحرمات كالميتة ولحم الخنزير، ثم قال: والثاني -وهو الذي يعني قصده بالأساس هنا- ما يفسده بقدره، وإن كان كلا النوعين طبعاً مقصودان في فساد القلوب، لكن عادة اللي يحتاج تنبيه هو الثاني، ما يفسده بقدره وتعدي حده كالإسراف في الحلال والشبع المفرط؛ فإنه يثقله عن الطاعات، ويشغله بمزاولة مؤنة البطنة ومحاولتها حتى يظفر بها، فإذا ظفر بها شغله بمزاولة تصرفها ووقاية ضررها والتأذي بثقلها، وقوى عليه مواد الشهوة وطرق مجاري الشيطان ووسعها، فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، فالصوم يضيق مجاريه ويسد عليه طرقه، والشبع يطرقها ويوسعها، ومن أكل كثيراً شرب كثيراً فنام كثيراً فخسر كثيراً.

وفي الحديث المشهور: ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه. ويحكى أن إبليس لعنه الله عرض ليحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام، فقال له يحيى: هل نلت مني شيئاً قط؟ قال: لا، إلا أنه قدم إليك الطعام ليلة فشهيته إليك حتى شبعت منه فنمت عن وردك، فقال يحيى: لله علي ألا أشبع من طعام أبداً، فقال إبليس: وأنا لله علي ألا أنصح آدمياً أبداً.

المفسد الخامس كثرة النوم، فإنه يميت القلب ويثقل البدن ويضيع الوقت ويورث كثرة الغفلة والكسل، ومنه المكروه جداً، ومنه الضار غير النافع للبدن، وأنفع النوم ما كان عند شدة الحاجة إليه، ونوم أول الليل أحمد وأنفع من آخره، ونوم وسط النهار أنفع من طرفيه، وكلما قرب النوم من الطرفين قل نفعه وكثر ضرره، ولا سيما نوم العصر، والنوم بالنهار إلا لسهران، ومن المكروه عندهم النوم بين صلاة الصبح وطلوع الشمس؛ فإنه وقت غنيمة، وللسير ذلك الوقت عند السالكين مزية عظيمة، حتى لو سهروا طول ليلهم لم يسمحوا بالقعود عن السير ذلك الوقت حتى تطلع الشمس؛ فإنه أول النهار ومفتاحه، ووقت الأرزاق وحصول القسم وحلول البركة، ومنه ينشأ النهار وينسحب حكم جميعها إلى حكم تلك الحصة، فينبغي أن يكون نومها كنوم المضطر. وبالجملة أعدل النوم وأنفعه نوم نصف الليل الأول وسدسه الأخير، وهو مقدار ثمان ساعات، وهذا أعدل النوم عند الأطباء، وما زاد عليه أو نقص منه أثر عندهم في الطبيعة انحرافاً بحسبه.

ومن النوم الذي لا ينفع أيضاً النوم أول الليل عقب غروب الشمس حتى تذهب فحمة العشاء، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يكرهه، فهو مكروه شرعاً وطبعاً، وكما أن كثرة...

النوم مورث لهذه الآفات، فمدافعته وهجره مورث لعاهات أخرى عظام؛ من سوء المزاج ويبسه، وانحراف النفس، وجفاف الرطوبات على الفهم والعمل، ويورث أمراضاً متلفة لا ينتفع صاحبها بقلبه ولا بدنه معها.

وما قام إلا بالعدل، فمن اعتصم به فقد أخذ بحظه من مجامع الخير، وبالله المستعان. وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وغداً إن شاء الله ندخل في منزلة الاعتصام.