تسجيل الدخول

مقاصد مدارج السالكين ٠٧

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم إنا نسألك حسن العاقبة، ونسألك اللهم العافية في الدنيا والآخرة، ونسألك اللهم أن تعز الإسلام وأهله وأن تذل أعداءه، اللهم بارك لنا في هذه المجالس وانفعنا بها يا رب العالمين. اليوم المجلس السابع من مجالس القراءة من مدارج السالكين مع بعض التعليقات وبيان بعض المقاصد، كذلك أمس انتهينا من منزلة التذكر، واليوم نبدأ بمنزلة الاعتصام، صفحة خمسين، المجلد الثاني، طبعة دار طيبة. قال المصنف رحمه الله تعالى: فصل منزلة الاعتصام، ثم ينزل القلب منزلة الاعتصام، وهو نوعان: اعتصام بالله، واعتصام بحبل الله. قال الله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا. وقال: وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ.

والاعتصام افتعال من العصمة، وهو التمسك بما يعصمك ويمنعك من المحذور والمخوف، فالعصمة الحماية والاعتصام والاهتمام، ومنه سميت القلاع العواصم بمنعها وحمايتها. ومدار السعادة الدنيوية والأخروية على الاعتصام بالله والاعتصام بحبله، ولا نجاة إلا لمن تمسك بهاتين العصمتين. ثم قال في الاعتصام بحبل الله يوجب له الهداية واتباع الدليل، والاعتصام بالله يوجب له القوة والعدة والسلاح والمادة التي يستلائم بها في طريقه. هذان السطران هما خلاصة منزلة الاعتصام، خلاصة منزلة الاعتصام مرة أخرى: الاعتصام بحبل الله يوجب له الهداية واتباع الدليل، والاعتصام بالله يوجب له القوة والعدة والسلاح والمادة التي يستلائم بها في طريقه.

الاعتصام بحبل الله، طبعاً هو ذكر مجموعة من تفسيرات السلف لمعنى حبل الله ومعنى الاعتصام به. اعتصام بحبل الله يعني، فمنهم من قال تمسكوا بدين الله، ومنهم من قال للجماعة، ومنهم من قال القرآن. وكما قال ابن القيم: كثير من أهل التفسير قالوا هو القرآن، ولهم عمدة في ذلك أو مستند في ذلك وهو ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وصف القرآن بأنه حبل الله. وبالتالي يكون الاعتصام بحبل الله هو الاعتصام بكتابه، ومن قال الاعتصام بحبل الله هو الاعتصام بدينه فهذا من اختلاف التنوع وليس من اختلاف التضاد. فعلى أية حال، الاعتصام بحبل الله هو طريق الهدى، والاعتصام بالله هو طريق المنعة والوقاية والحماية، فمن جمع بين الاعتصامين جمع بين ما يحتاجه الإنسان في سلوكه إلى الله سبحانه وتعالى.

ثم قال في صفحة ثلاثة وخمسين: فصل وأما الاعتصام به، طبعاً بعد ما ذكر الاعتصام بحبل الله، طبعاً عفواً إحنا الآن ذكرنا ما يتعلق بحبل الله، لكن إيش معنى الاعتصام بحبل الله؟ حبل الله هو القرآن. ما معنى الاعتصام به؟ قال صاحب المنازل في صفحة اثنين وخمسين: الاعتصام بحبل الله هو المحافظة على طاعته ومراقبة أمره. قال ابن القيم: ويريد بمراقبة الأمر القيام بالطاعة لأجل أن الله أمر بها وأحبها، لا لمجرد العادة أو لعلة باعثة سوى امتثال الأمر، إلى آخر الكلام. قال في نهاية الكلام: فالاعتصام بحبل الله يحمي من البدعة وآفات العمل، الاعتصام بحبل الله يحمي من البدعة وآفات العمل، والله أعلم.

طيب، ثم قال: فصل وأما الاعتصام به، فهو التوكل عليه والامتناع به والاحتماء به وسؤاله أن يحمي العبد ويمنعه ويعصمه ويدفع عنه. فإن ثمرة الاعتصام به هو الدفع عن العبد، وَاللَّهُ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا. فيدفع عن عبده المؤمن إذا اعتصم به كل سبب يفضي به إلى العطب ويحميه منه، فيدفع عنه الشبهات والشهوات وكيد عدوه الظاهر والباطن وشر نفسه، ويدفع عنه موجب أسباب الشر بعد انعقادها بحسب قوة الاعتصام به وتمكنه. فتفقد في حقه أسباب العطب فيدفع عنه موجباتها ومسبباتها، ويدفع عنه قدره بقدره وإرادته بإرادته ويعيذه به منه، وهذا كلام جميل جداً في بيان معنى الاعتصام به سبحانه وتعالى.

طبعاً هذا الاعتصام وهذا التعلق وهذا الاحتماء وهذا الالتجاء بالله هو طريق من طرق الهداية أيضاً، يعني الاعتصام بحبل الله طريق من طرق الهداية، والاعتصام بالله أيضاً طريق من طرق الهداية، والدليل على ذلك قول الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران: وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. ننتقل إلى صفحة ستين في معنى القرب من الله سبحانه وتعالى، ابن القيم علق على كلام صاحب المنازل في قوله: واعتصام خاصة الخاصة بالاتصال، وهو شهود الحق تفريداً بعد الاستحذاء له تعظيماً والاشتغال به قرباً تعلق. علق على قوله: الاستحذاء له تعظيماً، فشرح معنى الاستحذاء، ثم قال: ومراده بذلك القرب وارتفاع الوسائط المانعة منه.

ولا ريب أن العبد يقرب من ربه، والرب يقرب من عبده. فأما قرب العبد فكقوله تعالى: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب. وقوله في الأثر الإلهي: من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً. وكقوله: وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي. وفي الحديث الصحيح: أقرب ما يكون الرب من عبده في جوف الليل الأخير، وفي الحديث أيضاً: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.

وفي الحديث الصحيح لما ارتفعت أصواتهم بالتكبير مع النبي صلى الله عليه وسلم في السفر فقال: أيها الناس اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنكم إن الذي تدعونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته. فعبر الشيخ عن طلب القرب منه ورفض الوسائط الحائلة بينه وبين القرب المطلوب الذي لا تقر عيون عابديه وأوليائه إلا به، استحذاءً، يعني عبر عن هذا القرب بالاستحذاء. وحقيقته موافاة العبد إلى حضرته وقدامه وبين يديه، عكس حال من نبذه وراءه ظهرياً وأعرض عنه ونأى بجانبه بمنزلة من ولى المطاع ظهره وما لبث شقه عنه. وهذا الأمر لا يدرك معناه إلا بوجوده وذوقه، وأحسن ما يعبر عنه بالعبارة النبوية المحمدية، ومن أراد فهم هذا كما ينبغي فعليه بفهم اسمه تعالى الباطن وفهم اسمه القريب مع امتلاء القلب بحبه ولهج اللسان بذكره، إلى آخر الكلام.

ثم عقد فصلاً جديداً لمنزلة جديدة، يعني منزلة الاعتصام إن شاء الله أنها واضحة، وكما قلت لُبها وعصارتها في السطرين اللذين قرأتهما في البداية. أما منزلة الفرار، المنزل الجديد الفرار، فقال رحمه الله: ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الفرار. قال الله تعالى: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ. وحقيقة الفرار الهرب من شيء إلى شيء، وهو نوعان: فرار السعداء وفرار الأشقياء. ففرار السعداء الفرار إلى الله عز وجل، وفرار الأشقياء الفرار منه لا إليه. وأما الفرار منه إليه، ففرار أوليائه. قال ابن عباس في قوله تعالى: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ، فروا منه إليه، واعملوا بطاعته. وقال سهل بن عبد الله: فروا مما سوى الله إلى الله، وقال آخرون: اهربوا من عذاب الله إلى ثوابه بالإيمان والطاعة.

كعادة صاحب المنازل طبعاً في كل منزلة يقسم المنزلة إلى ثلاث درجات: درجة العامة، ودرجة الخاصة، ودرجة خاصة الخاصة. كعادته طبعاً فهو جعل درجة العامة: فرار العامة من الجهل إلى العلم عقداً وسعياً، ومن الكسل إلى التشمير جداً وعزماً، ومن الضيق إلى السعة ثقةً ورجاءً. هذا فرار العامة. علق ابن القيم على كلمة الفرار من الجهل، يقول: الجهل نوعان، وهذه فائدة في المصطلحات مهمة، وابن القيم وابن تيمية قبله يعني من الأشياء التي يتميز فيها تحرير الألفاظ الشرعية، تحرير معاني الألفاظ الشرعية. ولا شك أنه تحرير معاني الألفاظ الشرعية هو من أعظم الفقه، وهو من المفاتيح المهمة، وكثير من الالتباسات التي تحصل لطلاب العلم هي في عدم تحرير معاني الألفاظ أو في حمل الألفاظ الشرعية على اصطلاحات غير صحيحة، أو في حملها على معاني ضيقة وإن كانت صحيحة.

على أية حال، هذا تعليق منه على الجهل، يقول: الجهل نوعان، عدم العلم بالحق النافع، وعدم العمل بموجبه ومقتضاه، فكلاهما جهل لغةً وعرفاً وشرعاً وحقيقةً. طبعاً الجهل اللي هو عدم العلم هذا معروف وكلنا نعرفه، لكن الجهل بمعنى عدم العمل وليس بمعنى عدم العلم، ذكر له أمثلة قال: قال موسى عليه السلام: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ لما قال له قومه أتتخذنا هزواً. وقال يوسف الصديق: وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ. وهنا الجاهل طبعاً ليس المقصود به الذي لا يعلم، أي من مرتكبي ما حُرمت عليه. وقال تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ.

قال قتادة: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كل ما عُصي الله به فهو جهالة. هذا أي أن كل معصية تحدث، سواء الذي ارتكبها ارتكبها عالماً بأنها محرمة أو ارتكبها وهو جاهل بأنها محرمة، فيسمى بارتكابه إياها جاهلاً، وهو المراد بهذه الآية: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ. يعني ليس معنى الآية أن الله يتوب على من علم، على من عمل السوء وهو يجهل أنه سوء، ليس المقصود بجهالة هنا أنه لا يعلم أنه سوء، وإنما المقصود أنه بمجرد عمله السوء يكون جاهلاً بهذا العمل. وقال غيره: أجمع الصحابة أن كل من عصى الله فهو جاهل. وقال الشاعر: ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلين.

وسمي عدم مراعاة العلم جهلاً، أما لأنه لم ينتفع به أو انتفع به فنزل منزلة الجهل، وأما لجهله بسوء ما تجني عواقب فعله. الفرار المذكور هو الفرار من الجهلين، من الجهل بالعلم إلى تحصيله اعتقاداً ومعرفة وبصيرة، ومن جهل العمل إلى السعي النافع والعمل الصالح قصداً وسعياً. قوله: ومن الكسل إلى التشمير جداً وعزماً، ثم ذكر هذا النوع الثاني من الفرار المتعلق بالعامة. ومن الضيق إلى السعة ثقة ورجاءً، يقول: يريد هروب العبد من ضيق صدره بالهموم والغموم والأحزان والمخاوف التي تعتريه في هذه الدار من جهة نفسه، وما هو خارج عن نفسه مما يتعلق بأسباب مصالحه ومصالح ما يتعلق به، وما يتعلق بماله وبدنه وأهله وعدوه.

يهرب من ضيق صدره بذلك كله إلى سعة فضاء الثقة بالله تبارك وتعالى وصدق التوكل عليه وحسن الرجاء لجميل صنعه به وتوقع المرجو من لطفه وبره. ومن أحسن كلام العامة قولهم: لا هم مع الله. قال الله تعالى: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ. قال الربيع بن خثيم: يجعل له مخرجاً من كل ما ضاق على الناس، وقال أبو العالية: مخرجاً من كل شدة. وهذا جامع لشدائد الدنيا والآخرة ومضائق الدنيا والآخرة، فإن الله يجعل للمتقين من كل ما ضاق على الناس واشتد عليهم في الدنيا والآخرة مخرجاً.

وقال الحسن: مخرجاً مما نهاه عنه، وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ، أي كافيه من يثق به في نوائبه ومهماته يكفيه كل ما أهمه، والحسب الكافي، حَسْبُنَا اللَّهُ كافيه الله. وكل ما كان العبد حسن الظن بالله، حسن الرجاء له، صادق التوكل عليه، فإن الله لا يخيب فيه البتة، فإنه سبحانه لا يخيب أمل آمل ولا يضيع عمل عامل. وعبر عن الثقة وحسن الظن بالسعة، فإنه لا أشرح للصدر ولا أوسع له بعد الإيمان من ثقته بالله ورجائه له وحسن ظنه به. ثم ذكر الدرجة الثانية صاحب المنازل، اللي هو فرار الخاصة بعد ما انتهى من فرار العامة اللي هو الفرار من الجهل إلى العلم ومن الكسل إلى التشمير ومن الضيق إلى السعة.

ثم ذكر فرار الخاصة، قال: من الخبر إلى الشهود، ومن الرسوم إلى الأصول، ومن الحظوظ إلى التجريد. هنا يعني لا لن أعلق إلا فقط على القسم الأول، يقول ابن القيم: يعني أنهم لا يرضون أن يكون إيمانهم عن مجرد خبر حتى يترقوا منه إلى مشاهدة المخبر عنه، فيطلبون الترقي من علم اليقين بالخبر إلى عين اليقين بالشهود، كما طلب إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه ذلك من ربه، إذ قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي. فطلب إبراهيم أن يكون اليقين عياناً والمعلوم مشاهداً، وهذا هو المعنى الذي عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بالشك بقوله: نحن أحق بالشك من إبراهيم، حيث قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ، وهو صلى الله عليه وسلم لم يشك ولا إبراهيم، حاشاهما من ذلك، وإنما عنى هذا المعنى اللي هو طلب ما هو معلوم خبراً إلى أن يكون مرئياً مشاهدة، فعبر عن هذا المعنى بهذه العبارة.

هذا أحد الأقوال في الحديث وفيه قول ثان أنه على وجه النفي، أي لم يشك يعني هو لفظ الحديث نحن أحق بالشك من إبراهيم، فقالوا أن هذه التركيبة وهذه الجملة المراد بها النفي وليس الإثبات، أي لم يشك إبراهيم حيث قال ما قال.

ولن نشك نحن، وهذا القول صحيح أيضا، أي لو كان ما طلبه للشك لكنا نحن أحق به منه، لكن لم يطلب ما طلب شكا، وإنما طلب ما طلبه طمأنينة.

فالمراتب ثلاث: علم يقين يحصل عن الخبر، ثم تتجلى حقيقة المخبر عنه للقلب أو البصر حتى يصير العلم به عين يقين، ثم يباشره ويلابسه فيصير حق يقين، فعلمنا بالجنة والنار الآن علم يقين. فإذا أزلفت الجنة للمتقين في الموقف وبرزت الجحيم للغاوين وشاهدوهما عيانا كان ذلك عين اليقين، كما قال تعالى: لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ. فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فذلك حق اليقين، وسنزيد ذلك إن شاء الله إيضاحا إذا انتهينا إليه.

طيب، ثم ننتقل إلى صفحة اثنين وسبعين، قال: ومن الحظوظ إلى التجريد، هذا نوع من الفرار، الفرار من الحظوظ إلى التجريد، إيش المراد؟ يقول: يريد الفرار من حظوظ النفس على اختلاف مراتبها، فإنه لا يعرفها إلا المعتنون بمعرفة الله ومراده وحقه على عباده، ومعرفة نفوسهم وأعمالهم وآفاتهما. ورب مطالب عالية لقوم من العباد هي حظوظ لقوم آخرين، يستغفرون الله منها ويفرون إليه منها، يرونها حائلة بينهم وبين مطلوبهم. وبالجملة فالحظ ما سوى مراد الله الديني منك كائنا ما كان، وهو ما يبرح حظ محرم، أو هو في التحقيق يقول: قد تكون ما بين حظ محرم إلى مكروه إلى مباح إلى مستحب، غيره أحب منه إلى الله، غيره أحب إلى الله منه. ولا يتميز هذا إلا في مقام الرسوخ في العلم بالله وأمره وبالنفس وصفاتها وأحوالها، فهناك تتبين له الحظوظ من الحقوق، ويفر من الحظ إلى التجريد.

وأكثر الناس لا يصلح لهم هذا لأنهم إنما يعبدون الله على الحظوظ وعلى مرادهم منه، وأما تجريد عبادته على مراده منه عبده فتلك منزلة لم يعطها أحد سوى نبي وصديق من البشر. والزهد زهدك فيها ليس زهدك فيه، ما قد أبيح لنا في محكم السور، والصدق صدقك في تجريدها، وكذا الإخلاص وتخليصها. إن كنت بصري كذا توكل أرباب البصائر في تجريد أعمالهم من ذلك الكدر، كذلك توبتهم منها، فهم أبدا في توبة أو يصيروا داخل الحفر. وبالجملة فصاحب هذا التجريد لا يقنع من الله بأمر يسكن إليه دون الله، ولا يفرح بما حصل له دون الله، ولا يأسى على ما فاته سوى الله، ولا يستغني برتبة شريفة وإن عظمت عنده أو عند الناس، فلا يستغني إلا بالله، ولا يفتقر إلا إلى الله، ولا يفرح إلا بموافقته لمرضاة الله، ولا يحزن إلا على ما فاته من الله، ولا يخاف إلا من سقوطه من عين الله واحتجاب الله عنه، فكله بالله وكله لله وكله مع الله، وسيره دائما إلى الله. قد رفع له علمه فشمر إليه وتجرد له مطلوبه فعمل عليه، تناديه الحظوظ إلي وهو يقول: إنما أريد من إذا حصل لي حصل لي كل شيء، وإذا فاتني فاتني كل شيء.

فهو مع الله مجرد عن خلقه، ومع خلقه مجرد عن نفسه، ومع الأمر مجرد عن حظه، أعني الحظ المزاحم للأمر، وأما الحظ المعين على الأمر فإنه لا يحطه تناوله عن مرتبته ولا يسقطه من عين ربه. وهذا أيضا موضع غلط فيه من غلط من الشيوخ، فظنوا أن إرادة الحظ نقص في الإرادة، والتحقيق فيه أن الحظ نوعان: حظ يزاحم الأمر، وحظ يؤازر الأمر فينفذه، فالأول هو المذموم، والثاني ممدوح، وتناوله من تمام العبودية، فهذا لون وهذا لون.

طيب، ثم ذكر صاحب المنازل المنزلة الأخيرة أو الدرجة الأخيرة اللي هو فرار خاصة الخاصة مما دون الحق إلى الحق، ثم شهود الفرار للحق. طبعا ابن القيم يعني يعلق بتعليق كرره مرارا، سأقرأه الآن حتى نعرف بأننا تجاوزته يمكن بعض المرات، وهذي من المميزات التي ذكرتها أيضا ربما في أول لقاء أو في أول مجلس، أن ابن القيم لا يشرح فقط، وإنما يشرح وينتقد أو يعلق على ما يرى أن فيه إشكالا. والعبادات ليست قيمتها عند الله سبحانه وتعالى بقدر ما يخطر للإنسان من خاطر أو ما يبذل من جهد، وإنما بقدر موافقتها لما يريد الله سبحانه وتعالى. فهو هنا يعلق على هذه يقول: هذا على قاعدته في جعل الفناء عن الشهود غاية السالكين، فيفر أولا من الخلق إلى الحق، ويشهد بهذا الفرار انفراد مشهوده الذي فر إليه، لكن بقيت عليه بقية وهي شهود فراره، إلى آخر الشرح. ثم قال: وقد تقدم الكلام على هذا، وأنه ليس أعلى المقامات والرتب ولا هو غاية الكمال، وأن فوقه ما هو أعلى منه مقاما وأشرف منزلا، وهو أن يشهد فراره وأنه بالله من الله إلى الله، فيشهد أنه فر به منه إليه، ويعطي كل مشهد حقه من العبودية، وهذا حال الكمل، والله المستعان.

ثم انتقل إلى منزلة جديدة وهي منزلة الرياضة، قال فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الرياضة، قال وهي تمرين النفس على الصدق والإخلاص، قال صاحب المنازل هي تمرين النفس على قبول الصدق. وهذا يراد به أمران: تمرينها على قبول الصدق إذا عرضه عليها في أقواله وأفعاله وإرادته، فإذا عرض عليه الصدق قبلته وانقادت له وأذعنت له. والثاني: قبول الحق ممن عرضه عليه. قال الله تعالى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ. فلا يكفي صدقك، بل لا بد من صدقك وتصديقك للصادقين، فكثير من الناس يصدق ولكن يمنعه من التصديق كبر أو حسد أو غير ذلك.

ثم ذكر صاحب المنازل فقال وهي الرياضة على ثلاث درجات: رياضة العامة وهي تهذيب الأخلاق بالعلم، وتصفية الأعمال بالإخلاص، وتوفير الحقوق في المعاملة. ثم قال رياضة الخاصة: حسم التفرق، قطع الالتفات إلى المقام الذي جاوزه، إبقاء العلم الذي يجري مجراه. طبعا نلاحظ الفرق الكبير بالصياغة والعبارة بين صياغة الهروي وصياغة ابن القيم، فصياغة الهروي مصطلحات ومركزة جدا وفيها صعوبة كثيرة في الفهم في عدة مواضع، عبارة مبسوطة سلسة في أغلب مواضيعها.

طيب، عندنا آخر سطر في صفحة واحد وثمانين، يقول: وأما قطع المعاوضات فهو تجريد المعاملة عن إرادة المعاوضة، بل يجردها لذاته وأنه أهل أن يعبد، ولو لم يحصل لعابده عوض منه فإنه يستحق أن يعبد لذاته سبحانه، لا لعلة ولا لعوض ولا لمطلوب. وهذا أيضا موضع لابد من تجريده فيقال: ملاحظة المعاوضة ضرورية للعامل، وإنما الشأن في ملاحظة الأعواض وتباينها. فالمحب الصادق الذي قد تجرد عن ملاحظة عوض قد لاحظ أعظم الأعواض وشمر إليها، وهي قربه من الله ووصوله إليه واشتغاله به عما سواه والتنعم بحبه ولذة الشوق إلى لقائه، فهذه أعواض لابد للخاصة منها، وهي من أجل مقاصدهم وأغراضهم، ولا تقدح في مقاماتهم وتجريد عبودياتهم، بل أكملهم عبودية أشدهم التفاتا إلى هذه الأعواض. نعم، طلب الأعواض المنفصلة المخلوقة من الجاه والمال والرياسة والملك أو طلب الحور العين والقصور والولدان ونحو ذلك بالنسبة إلى تلك الأعواض التي تطلبها الخاصة معلولة، وهذا لا شك فيه إذا تجرد طلبهم لها. أما إذا كان مطلوبهم الأعظم الذاتي هو قربه والوصول إليه والتنعم بحبه والشوق إلى لقائه، وانضاف إلى هذا ثوابه المخلوق المنفصل، فلا علة في هذه العبودية بوجه ما ولا نقص. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: حولها ندندن، يعني الجنة. وقال: إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تتفجر أنهار الجنة. ومعلوم أن هذا مسكن خاصة الخاصة وسادات العارفين، فسؤالهم إياه ليس علة بعبوديتهم ولا قدحا فيها، وقد استوفينا ذكر هذا الموضع في كتاب سفر الهجرتين عند الكلام على علل المقامات. وهذا كلام جميل جدا في بيان أنه ليس نقصا ولا قدحا ولا نزولا عن أي مرتبة أن يكون الإنسان طالبا أعظم ما يطلب القرب من الله ومحبته إلى آخره، وأيضا طالبا ما وعد به أولياءه وعباده، وهو طلب الثواب الذي وعد به فهذا لا نقص فيه إلى آخر ما قال رحمه الله.

ثم قال فصل منزلة السماع، ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة السماع. طبعا هذه المنزلة أطال فيها الكلام يعني تبدأ من صفحة أربعة وثمانين وتنتهي في صفحة مية وأربعة وعشرين، يعني عندنا تقريبا أربعين صفحة، والكلام في منزلة السماع فيه موضوعات متعددة، فيه بعض القضايا المنهجية المهمة في قواعد سنتناولها إن شاء الله، يعني سنقف عندها، وهو قسم السماع. لو ذهبنا إلى صفحة ستة وثمانين فقال: فأما المسموع فعلى ثلاثة أضرب: أحدها مسموع يحبه الله ويرضاه وأمر به عباده وأثنى على أهله. أو عفوا بس تعونا بس نقرأ بعض ما سرده في البداية في أول منزلة، عفوا نرجع، يقول عن السماع: وقد أمر الله به في كتابه وأثنى على أهله وأخبر أن البشرى لهم، وقال تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا، وقال: وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وقال: لَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، وقال: فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، وقال: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا، وقال: وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ. ثم قال: واخبر عن أعدائه أنهم هجروا السماع ونهوا عنه فقال: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ. السماع رسول الإيمان إلى القلب وداعيه ومعلمه، وكم في القرآن من قوله: أَفَلَا يَسْمَعُونَ؟ فالسماع أصل العقل وأساس الإيمان الذي انبنى عليه وهو رائده وجليسه ووزيره، ولكن الشأن كل الشأن في المسموع، وفيه وقع خبط واختلافهم، وغلط فيه من غلط.

طيب، نذهب إلى ستة وثمانين، قال: فأما المسموع فعلى ثلاثة أضرب: أحدها مسموع يحبه الله ويرضاه وأمر به عباده وأثنى على أهله ورضي عنهم به. الثاني: مسموع يبغضه ويكرهه ونهى عنه ومدح المعرضين عنه. الثالث: مسموع مأذون مباح، لا يحبه ولا يبغضه ولا مدح صاحبه ولا ذمه، فحكمه حكم سائر المباحات من المناظر والمسام والمطعومات والملبوسات المباحة. فمن حرم هذا النوع الثالث فقد قال على الله ما لا يعلم وحرم ما أحل الله، ومن جعله دينا وقربة يتقرب به إلى الله فقد كذب على الله وشرع دينا لم يأذن به الله وضاهأ بذلك المشركين. طيب، هو سيفصل في النوعين الأول والثاني، قال: أما النوع الأول فهو السماع الذي مدحه الله في كتابه وأمر به وأثنى على أصحابه وذم المعرضين عنه ولعنهم وجعلهم أضل من الأنعام سبيلا، وهم القائلون في النار: لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ. وهو سماع آياته المتلوة التي أنزلها على رسوله، فهذا السماع أساس الإيمان الذي يقوم عليه بناؤه، وهو على ثلاثة أنواع: سماع إدراك بحاسة الأذن، وسماع فهم وعقل، وسماع فهم وإجابة وقبول، والثلاثة في القرآن.

كما ذكرت قبل قليل في قضية تحرير معاني الألفاظ الشرعية، إنه ابن القيم يهتم بهذا المعنى، وأنه هذا من الفقه الكبير في الدين، فواضح اعتناءه بهذا، طبعا تحرير الألفاظ الشرعية من صور هذا التحرير أنه يذكر الوجوه التي جاء عليها اللفظ، أنه يتتبع الإنسان هذا اللفظ، جاء على وجه واحد أم جاء على عدة وجوه؟ يعني على عدة معاني، عدة إطلاقات، فإذا كان جاء على عدة إطلاقات أو عدة وجوه، فالوقوف أو إيقاف المستمع أو القارئ على هذه الوجوه هذا من التحرير المهم جدا. هنا نفس الشيء، قال لك إنه السماع على ثلاثة أنواع، وكلها موجودة في القرآن بلفظ السماع، فإذا يعني هذا يفتق الذهن حين يستمع لفظ السماع في القرآن إنه ترى يأتي على عدة إطلاقات.

قال: أما سماع الإدراك اللي هو بحاسة الأذن، ففي قوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن قولهم: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، وقوله: يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى. هذا سماع إدراك اتصل به الإيمان والإجابة. وأما سماع الفهم فهو المنفي عن أهل الإعراض والغفلة بقوله: فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ، وقوله: إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ. فالتخصيص هاهنا لإسماع الفهم والعقل، وإلا فالسمع العام الذي قامت به الحجة لا تخصيص فيه، ومنه قوله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا، أي لو علم الله في هؤلاء الكفار قبولا وانقيادا لأفهمهم، وإلا فهم قد سمعوا سمع الإدراك اللي هو الأول هذا، ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون، أي ولو أفهمهم لمنقادوا ولا انتفعوا بما فهموا لأن في قلوبهم من داعي تولي والإعراض ما يمنعهم عن الانتفاع بما سمعوا.

وأما سماع القبول والإجابة، هذا النوع الثالث، وفي قوله تعالى حكاية عن عباده المؤمنين أنهم قالوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، فإن هذا السمع قبول وإجابة مثمر للطاعة، والتحقيق أنه متضمن للأنواع الثلاثة، وأنهم أخبروا بأنهم أدركوا المسموع وفهموه. يعني قولهم: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا فيه ثلاثة أنواع، سمعنا بالأذن وسمعنا فهمنا وسمعنا استجبنا وسنعمل، فهو متضمن الأنواع الثلاثة أنهم أخبروا بأنهم أدركوا المسموع وفهموه واستجابوا له. ومن سمع القبول قوله تعالى: وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ، أي قابلون منهم مستجيبون لهم، وهذا أصح القولين في الآية. ثم رد قول من قال إنه سماعون لهم يعني عيون لهم وجواسيس.

آيضا فإن هذا نظير قوله تعالى في إخوانهم اليهود: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ. والمقصود، طب، ثم انتقل؟ قالوا والمقصود، اه، ابن القيم يقول: والمقصود أن سماع خاصة الخاصة المقربين هو سماع القرآن بالاعتبارات الثلاثة، إدراكا وفهما وتدبرا وإجابة، وكل سماع في القرآن مدح الله أصحابه وأثنى عليهم وأمر به أولياءه فهو هذا السماع. وهو سماع الآيات، لا سماع الأبيات.

وسماع القرآن لا سماع مزامير الشيطان، وسماع كلام رب الأرض والسماء لا سماع قصائد الشعراء، وسماع المراشد لا سماع القصائد، وسماع الأنبياء والمرسلين لا سماع المؤمنين والمطربين. فهذا السماع حاد يحلو القلوب إلى جوار علام الغيوب، وسائق يسوق الأرواح إلى ديار الأفراح، ومحرك يثير ساكن العزمات إلى أعلى المقامات وأرفع الدرجات، ومناد ينادي للإيمان، ودليل يسير بالركب في طريق الجنان، وداع يدعو القلوب بالمساء والصباح من قبل فالق الأصباح: حي على الفلاح، حي على الفلاح.

فلم يعدم من اختار هذا السماع إرشادا بحجة وتبصرة لعبرة وتذكرة لمعرفة وفكرة في آية ودلالة على رشد ورد على ضلالة، وإرشاد من غي وبصيرة من عمى، وأمرا بمصلحة ونهيا عن مضرة ومفسدة، وهداية إلى نور وإخراجا من ظلمة، وزجرا عن هوى وحثا على تقى، وجلاء لبصيرة وحياة لقلب، وغذاء ودواء وشفاء وعصمة ونجاة، وكشف شبهة وإيضاح برهان وتحقيق حق وابطال باطل. ونحن نرضى بحكم أهل الذوق في سماع الأبيات والقصائد، ونناشدهم بالذي أنزل القرآن هدى وشفاء ونورا وحياة: هل وجدوا ذلك أو شيئا منه في الدف والمزمار ونغمة الشادن ومطربات الألحان والغناء المشتمل على تهييج الحب المطلق الذي يشترك فيه محب الرحمان ومحب الأوطان ومحب الإخوان ومحب العلم والعرفان ومحبي الأموال والأثمان ومحبي النسوان والمردان ومحبوا الصلبان؟

فهو يثير من قلب كل مشتاق ومحب لشيء ساكنه، ويزعج قاطنه، آآ فيثور وجده ويبدو شوقه، فيتحرك على حسب ما في قلبه من الحب والشوق والوجد بذلك المحبوب كائنا ما كان، ولهذا تجد لهؤلاء كلهم ذوقا في السماع وحالا ووجدا وبكاء. ويا لله العجب، أي إيمان ونور وبصيرة وهدى ومعرفة تحصل باستماع أبيات بألحان وتوقيعات، لعل أكثرها قيلت بما هو محرم يبغضه الله ورسوله ويعاقب عليه، من غزل وتشبيب بمن لا يحل له من ذكر أو أنثى؟ فإن غالب التغزل والتشبيب إنما هو في الصور المحرمة، ومن أندر النادر تغزل الشاعر وتشبيبه في امرأته وأمته وأم ولده، مع أن هذا واقع، كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود.

فكيف يقع لمن له أدنى بصيرة وحياة القلب أن يتقرب إلى الله ويزداد إيمانا وقربا منه وكرامة عليه، بالتذاذ بما هو بغيض إليه مقيت عنده، يمقت قائله والراضي به، وتترقى به الحال حتى يزعم أن ذلك أنفع لقلبه من سماع القرآن والعلم النافع وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم؟ يا الله، أنا أو يا لله، إن هذا القلب مخسوف به منكور به منكوس، لم يصلح لحقائق القرآن وأذواق معانيه ومطالعة أسراره، فبلاه بقرآن الشيطان. آآ هذا الآن كله فقط تعليق، اه، تعليق على القسم الأول، اللي هو السماع الذي يحبه الله، ثم استطرد إلى شيء من السماع الذي لا يحبه الله سبحانه وتعالى عن طريق المقارنة فقط، لأنه هو لسه ما بدأ الآن بالقسم الثاني من السماع.

قال: القسم الثاني من السماع ما يبغضه الله ويكرهه ويمدح المعرض عنه، وهو سماع كل ما يضر العبد في قلبه ودينه، كسماع الباطل كله إلا إذا تضمن رده وإبطاله والاعتبار به وقصد أن يعلم به حسن ضده، فإن الضد يظهر حسنه الضد، كما قيل: وإذا سمعت إلى حديثك زادني حبا له سمعي حديث سواك. وكسماع اللغو الذي مدح التاركين بسماعه والمعرضين عنه بقوله: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ. قال محمد بن الحنفية: هو الغناء. أول الآية الأخرى: وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا. قالوا: محمد بن الحنفية هو الغناء. وقال الحسن وغيره: أكرموا نفوسهم عن سماعه.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل. وهذا كلام عارف بأثر الغناء وثمرته، فانه ما اعتاده أحد إلا نافق قلبه وهو لا يشعر. ولو عرف حقيقة النفاق وغايته لأبصره في قلبه، فإنه ما اجتمع في قلب عبد قط محبة الغناء ومحبة القرآن إلا طردت إحداهما الأخرى. وقد شاهدنا نحن وغيرنا ثقل القرآن على أهل الغناء وسماعه، وتبرمهم به، وصياحهم بالقارئ إذا طول عليهم، وعدم انتفاع قلوبهم بما يقرؤه، فلا تتحرك ولا تطرب ولا تهيج منها بواعث الطلب.

فإذا جاء قرآن الشيطان، فلا إله إلا الله، كيف تخشع منهم الأصوات، وتهدأ الحركات، تسكن القلوب وتطمئن، ويقع البكاء والوجد والحركة الظاهرة والباطنة، والسماع بالأثمان والثياب وطيب السهر وتمني طوال الليل؟ فإن لم يكن هذا نفاقا فهو أخية النفاق وأساسهم. ثم آآ ذكر آآ مجموعة من الاعتراضات على هذا الكلام، ثم اخذ يرد عليها. يقول من أعجب العجائب -صفحة خمسة وتسعين-: ومن أعجب العجائب استدلال من استدل على أن هذا السماع من طريق القوم، وأنه مباح بكونه مستلذا طبعا.

هو يقصد بطريق القوم؟ أنه آآ يعني يتكلم عن آآ طوائف من المتصوفة الذين شعارهم العملي التعبدي أو واحد من أبرز شعاراتهم العملية التعبدية السماع. السماع المقصود به إنشاد القصائد، الضرب عليها سواء بالدف أو ببعض المعازف، وآآ أحيانا تكون مصحوبة بالرقص، التغني الوجد، وبموضوعات مختلفة ومتنوعة، فمن القصائد المتعلقة بالمدائح مثلا، أو قصائد متعلقة بالححب والعشق بشكل عام، آآ إلى آخره. فهو الآن يقول إنه من أعجب العجائب استدلال من استدل على أن هذا السماع من طريق القوم، طريق القوم يقصد الصوفية، وأنه مباح بكونه مستلذا طبعا، تلذه النفوس وتستروح إليه، وأن الطفل يسكن للصوت الطيب، والجمل يقاسي تعب السير ومشقة الحمولة فيهون عليه بالحدى، وبأن الصوت الطيب نعمة من الله على صاحبه وزيادة في خلقه.

وبأن الله ذم الصوت الفظيع فقال: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ. وبأن الله وصف نعيم أهل الجنة فقال فيهم: فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ. وأن ذلك هو السماع الطيب، فكيف يكون حراما وهو في الجنة؟ وبأن الله ما استمع شيء كأذنه، أي كاستماع إلى نبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن. وبأن أبا موسى الأشعري استمع للنبي صلى الله عليه وسلم، استمع للنبي صلى الله عليه وسلم إلى صوته وأثنى عليه بحسن الصوت وقال: لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود. فقال له موسى: لو علمت أنك استمعت لحبرت لك تحبيرا، أي زينته لك. وبقوله صلى الله عليه وسلم: زينوا أصواتكم بالقرآن. وبقوله صلى الله عليه وسلم: ليس منا من لم يتغنى بالقرآن.

آآ والصحيح أنه من التغني بمعنى تحسين الصوت بذلك، فسره الإمام أحمد. وبأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر عائشة على غناء القينتين يوم العيد، وقال لأبي بكر: دعهما، فإن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا أهل الإسلام. وبأنه صلى الله عليه وسلم أذن في العرس في الغناء وسماه لهوا، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحداء وأذن فيه، أن يسمع أنسا والصحابة وهم يرتجزون بين يديه في حفر الخندق: نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا. ودخل مكة والمرتجز يرتجز بين يديه بالشيخ عبد الله بن رواحة، هدى به الحادي في منصرفه من خيبر فجعله يقول: والله لولا الله ما اهتدينا، إلى آخره.

وسمع قصيدتك عن زهير وأجازه بردة، واستنشد الأسود بن سريع قصائد حمد بها ربه، واستنشد من شعر أمية بن أبي الصلت مئة قافية، وأنشده إلى أحسن شيء، فسمعه وصدق لبيدا في قوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل. ودعا لحسان رضي الله عنه أيده أن يؤيده الله بروح القدس ما دام ينافح عنه، وكان يعجبه شعره وقال: يبرجهم روح القدس معك. وأنشدته عائشة رضي الله عنها قول أبي كبير الهذلي: ومبرئ من كل، إلى آخره، وقال: أنت أحق بهذا البيت. وبأن ابن عمر رضي الله عنهما رخص فيه، وعبد الله بن جعفر وأهل المدينة، وبأن كذا وكذا وليا لله حضروه وسمعوه، ومن حرمه فقد قدح في هؤلاء السادة القدوة الأعلام.

بأن الإجماع منعقد على إباحة أصوات الطيور المطربة هاي الشجية، فلذة سماع صوت الآدمي أولى بالاباحة أو مساوية. وبأن السماع يحدو روح السامع وقلبه إلى نحو محبوبه، فإن كان محبوبه حراما كان السماع معينا عن الحرم، وإن كان مباحا كان السماع في حقه مباحا، وإن كانت محبته رحمانية كان السماع في حقه قربة وطاعة، لأنه يحرك المحبة الرحمانية ويقويها ويهيجها. وبأن امتداد الأذن بالصوت كالعين بالمنظر الحسن، والشم بالروائح الطيبة، والفم بالطعوم الطيبة، فإن كان هذا حراما كانت جميع هذه اللذات والادراكات محرمة.

الجواب -يعني هذا كله الأدلة التي أثيرت على قوله- فالآن هو يبغى يجاوب، قال: فالجواب أن هذه حيدة عن المقصود وروغان عن محل النزاع وتعلق بما لا متعلق به، فإن جهة كون الشيء مستلذا للحاسة ملائما لها لا يدل على إباحته ولا تحريمه ولا كراهته ولا استحبابه، فإن هذه اللذة تكون فيما فيه الأحكام الخمسة، يكون في الحرام والواجب والمكروه والمستحب والمباح، فكيف يستدل بها أو يستدل بها على الإباحة من يعرف شروط الدليل ومواقع الاستدلال؟ آآ وهل هذا إله بمنزلة من استدل على إباحة الزنا بما يجده فاعله من اللذة، وأن لذته لا ينكرها من له طبع سليم؟

وهل يستدل بوجود اللذة والملاءمة على حل اللذيذ الملائم أحد؟ وهل يستدل، وهل خلت غالب المحرمات من اللذات؟ وهل أصوات المعازف التي صح عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريمها وأن في أمته من سيستحلها بأصح إسناد وأجمع أهل العلم على تحريم بعضها وقال جمهور بتحريم جملتها، إلا لذيذة تلذ السمع؟ وهل في فهل في التذاذ الجمل والطفل بالصوت الطيب دليل على حكمه من إباحة أو تحريم؟ وأعجب من هذا الاستدلال على الإباحة بأن الله خلق الصوت الطيب وهو زيادة نعمة منه لصاحبه، فيقال: والصورة الحسنة الجميلة أليست زيادة في النعمة والله خالقها ومعطي حسنها، أفيَدل ذلك على إباحة التمتع بها والامتداد على الإطلاق بها؟ وهل هذا إلا مذهب أهل الإباحة الجارين مع رسوم الطبيعة؟

وهل في ذم الله لصوت الحمار ما يدل على إباحة الأصوات المطربات بالنغمات الموزونات والألحان اللذيذات ومن الصور المستحسنات بأنواع القصائد والمنظمات بالدفوف والشبابات؟ وأعجب من هذا الاستدلال على الإباحة بسماع أهل الجنة، وما أجدر صاحبه أن يستدل على إباحة الخمر بأن في الجنة خمرا، وعلى حل لباس الحرير بأن لباس أهلها حرير، وعلى حل أوآني الذهب والفضة والتحلي بهما للرجال بكون ذلك ثابتا وجود النعيم به في الجنة. فإن قال: قد قام الدليل على تحريم هذا ولم يقم على تحريم السماع، قيل: هذا استدلال آخر غير الاستدلال بإباحته لأهل الجنة، فعلم أن استدلالكم بإباحته لأهل الجنة استدلال باطل لا يرضى به محصل.

وأما قولكم -أي السمعات تعني- أما قولكم: لم يقم دليل على تحريم السماع؟ ويقال لك: أي السمعات تعني وأي المسموعات تريد؟ فالسماعات والمسموعات منها المحرم والمكروه والمباح والواجب والمستحب، فعين نوعا يقع الكلام فيه نفيا وإثباتا. فإن قلت: سماع القصائد، قيل لك: أي القصائد تعني؟ ما مدح به الله ورسوله ودينه وكتابه أعداءه، فهذه لم يزل المسلمون يروونها ويسمعونها ويتدارسونها، وهي التي سمعها الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأثاب عليها وحرض حسان عليها، وهي التي غرّت أصحاب السماع الشيطاني فقالوا: تلك القصائد وسماعنا قصائد، فنعم إذا. والسنة كلام، البدعة كلام، التسبيح كلام، الغيبة كلام، الدعاء كلام، القذف كلام.

ولكن هل سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه سماعكم هذا الشيطان المشتمل على أكثر من مفسدة مذكورة في هذا في غير هذا الموضع؟ وقد أشرنا فيما تقدم إلى بعضها. ونظير هذا ما غرهم من استحسانه صلى الله عليه وسلم الصوت الحسن بالقرآن وأذنه له وأذنه فيه ومحبة الله له، فنقلوا هذا الاستحسان إلى صوت النسوان والمردان وغيرهم بالغناء المقرون بالمعازف والشاهد، وذكر القد والنهد والخصر، ووصف العيون وفعلها، والشعر الأسود، ومحاسن الشباب وتوريد الخدود، وذكر الوصل والصد والتجني والهجران والعتاب والاستعطاف والاشتیاق والقلق والفراق وما جرى هذا المجرى مما هو أفسد للقلب من شرب الخمر بما لا نسبة بينهما، وأي نسبة لمفسدة سكر يوم ونحوه إلى سكرة العشق التي لا يستفيق الدهر صاحبها إلا في عسكر الهالكين سليبا حليبا أسيرا قتيلا؟!

وهل تقاس سكرة الشراب بسكرة الأرواح بالسماع؟ وهل يظن بحكيم أن يحرم سكرا لمفسدة فيه معلومة، ويبيح سكرا مفسدته أضعاف أضعاف مفسدة الشراب؟ حاشا أحكام الحاكمين. فإن نازعوا في سكر السماع وتأثيره في العقول والأرواح خرجوا عن الذوق والحس، وظهرت مكابرة القوم. فكيف يحمي الطبيب المريض عما يشوش عليه، ويبيح له ما فيه أعظم السقم؟ والمنصف يعلم أنه لا نسبة بين سقم الأرواح بسكر الشراب وسقمها بسكر السماع. وكلامنا مع واجد لا فاقد، فهذا هو المقصود بالخطاب. هذا التعليق هذا يعني آآ يعني قصف شديد جدا جدا، هذي الجملة اللي هي: وكلامنا مع واجد لا فاقد، طيب، يعني إذا أنت ما تحس وما تعرف إيش تأثير السماع، وهذا كلامي أنا ما أكلمك، يعني أنا أكلم اللي يحس واللي يشعر واللي يعرف واللي يحس الجمال.

طيب، قال: وأعجب من هذا استدلالكم على إباحة السماع المركب مما ذكرنا من الهيئة الاجتماعية؛ بغناء بنيتين صغيرتين دون البلوغ عند امرأة صبية في يوم عيد وفرح بأبيات من أبيات العرب في وصف الشجاعة، الحروب، مكارم الأخلاق والشيم. فأين هذا من هذا؟

والعجب أن هذا الحديث من أكبر الحجة عليهم؛ فإن الصديق الأكبر رضي الله عنه سمى ذلك مزماراً بمزامير الشيطان، وأقره الرسول صلى الله عليه وسلم على هذه التسمية ورخص به لجويريتين غير مكلفتين ولا مفسدة في إنشادهما ولا استماعهما. أفيَدل هذا على إباحة ما تعملونه وتعلَمونه من السماع المشتمل على ما لا يخفى؟ فيا سبحان الله، كيف ضلت العقول والأفهام!

وأعجب من هذا كله الاستدلال على إباححته بما سمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحداء المشتمل على الحق والتوحيد. وهل حرم أحد مطلق الشعر وقوله واستماعه؟ فكم في هذا التعلق ببيوت العنكبوت!

وأعجب من هذا الاستدلال على إباحته بإباحة أصوات الطيور اللذيذة. وهل هذا إلا من جنس القياس للذين قالوا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا؟ وأين أصوات الطيور إلى نغمات الغيد الحسان والأوتار والعيدان وأصوات أشباه النساء من البلدان، والغناء بما يحدو الأرواح والقلوب إلى مواصلة كل محبوبة ومحبوب؟ وأين الفتنة بهذا إلى الفتنة بصوت القمري والبلبل والهزار ونحوها؟

بل نقول: لو كانا سواء لكان اتخاذ هذا السماع قربة وطاعة تستنزل به المعارف أو تستنزل به المعارف والاذواق إلى آخرِه.

طيب، ثم أتى لقواعد منهجية يقول: والذي يفصل النزاع في حكم هذه المسألة ثلاثة أو ثلاث قواعد من أهم قواعد الإيمان والسلوك، حقيقة قواعد هاي الثلاثة مهمة جداً، فمن لم يبني عليها فبناؤه على شفا جرف هار.

القاعدة الأولى: أن الذوق والحال والوجد هل هو حاكم أم محكوم عليه فيُحكم عليه بحاكم آخر ويتحاكم إليه؟ فهذا منشأ ضلال من ضل من المفسدين لطريق القوم الصحيحة؛ حيث جعلوه حاكماً، فتحاكموا إليه أي إلى الوجد والحال والذوق، فتحاكموا إليه فيما يسوغ ويمتنع وفيما هو صحيح وفاسد، وجعلوه محكاً للحق والباطل، فنبذوا لذلك موجب العلم والنصوص، وحكموا فيها الأذواق والاحوال والمواجيد، فعظم الأمر وتفاقم الفساد والشر، وطمست معالم الإيمان والسلوك المستقيم، وانعكس السير، وكان إلى الله فصيروه إلى النفوس.

فالناس المحجوبون عن أذواقهم يعبدون الله، وهؤلاء يعبدون نفوسهم. ومن العجب أنهم دخلوا في أنواع الرياضات والمجاهدات والزهد ليتجردوا عن شهوات النفوس وحظوظها، فانتقلوا من شهوات إلى شهوات أكبر منها، ومن حظوظ إلى حظوظ أحط منها، وكان حالهم في شهوات نفوسهم التي انتقلوا عنها أكمل، وحال اربابها خير من حال هؤلاء.

اه، طيب، ثم قال -ثم إنه في آخر صفحة مئة وثمانية-: ثم إنه وقع من تحكيم الذوق من الفساد ما لا يعلمه إلا الله، فإن الأذواق مختلفة في نفسها، كثيرة الألوان، متباينة أعظم التباين، فكل طائفة لهم أذواق وأحوال ومواجيد بحسب معتقداتهم وسلوكهم؛ فالقائلون بوحدة الوجود لهم ذوق وحال وجد في معتقدهم بحسبه، والنصارى لهم ذوق في النصرانية بحسب رياضتهم وعقائدهم.

وكل من اعتقد شيئاً أو سلوكاً، أو سلك سلوكاً حقاً كان أو باطلاً، فانه إذا ارتاض وتجرد لزمه وتمكن من قلبه، وبقي له فيه حال وذوق ووجد. فبذوق -المعنى غير واضح هنا، الصواب: فبذوق نعم صحيح لمعناها- فبذوق من توزن الحقائق إذاً ويعرف الحق من الباطل؟

وهذا سيد أهل الأذواق والمواجيد والكشوف والأسوال من هذه الأمة، المحدث المكاشف عمر رضي الله تعالى عنه -صفحة مئة وتسعة، صفحة مئة وتسعة- فهذا سيد أهل الأذواق والمواجيد والكشوف والأحوال من هذه الأمة، المحدث المكاشف عمر رضي الله عنه، لا يلتفت إلى ذوقه ووجده ومخاطباته في شيء من أمور الدين، حتى ينشد عنه الرجال والنساء والأعراب، فاذا أخبروه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء لم يلتفت إلى ذوقه ولا إلى وجده وخطابه، بل يقول: لو لم نسمع بهذا لقضينا بغيره. ويقول: أيها الناس، رجل أخطأ وامرأة أصابت. فهذا فعل الناصح لنفسه وللأمة رضي الله عنها، ليس كفعل من غش نفسه بالدين والأمة.

القاعدة الثانية: أنه إذا وقع النزاع في حكم فعل من الأفعال أو حال من الأحوال أو ذوق من الأذواق: هل هو صحيح أم فاسد، وحق أم باطل؟ وجب الرجوع فيه إلى الحجة المقبولة عند الله وعند عباده المؤمنين، وهي وحيه الذي تُتلقى أحكام النوازل والأحوال والواردات منه وتعرض عليه وتوزن به؛ فما زكاه منها وقبله ورجحه وصححه فهو المقبول، وما أبطله ورده فهو الباطل المردود. ومن لم يبنِ على هذا الأصل علمه وسلوكه وعمله فليس على شيء من الدين، وإنما معه خدع وغرور {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}.

القاعدة الثالثة: هذه قاعدة مهمة جداً يقول: إذا اشكل على الناظر أو السالك حكم شيء؛ هل هو الإباحة أو التحريم؟ فلينظر إلى مفسدته وثمرته وغايته، فإن كان مشتملاً على مفسدة راجحة ظاهرة فإنه يستحيل على الشارع الأمر به أو إباحته، بل العلم بتحريمه من شرعه قطعي، ولا سيما إذا كان طريقاً مفضياً إلى ما يغضب الله ورسوله، موصلاً إليه عن قرب، وهو رقِية له ورائد وبريد، فهذا لا يشك في تحريمه أولو البصائر.

فكيف يظن بالحكيم الخبير أن يحرم مثل رأس الابرة من المسكر لأنه يسوق النفس إلى السكر الذي يسوقها إلى المحرمات، ثم يبيح ما هو أعظم منه سوقاً للنفوس إلى الحرام بكثير؟ فإن الغناء -كما قال ابن مسعود رضي الله عنه- رقية الزنا، وقد شاهد الناس أنه ما عاناه صبي إلا وفسد، ولا امرأة إلا وبغت، ولا شاب إلا ولا ولا، ولا شيخ إلا ولا ولا، والعيان من ذلك يغني عن البرهان.

ولا سيما إذا جُمِع هيئة تحلو النفوس اعظم حدو إلى المعصية والفجور؛ بأن يكون على الوجه الذي ينبغي لأهله، ومن المكان والامكان، والعشراء والإخوان، وآلات المعازف من اليراع والدف والأوتار والعيدان، وكان القوال شادياً شجي الصوت لطيف الشمائل من المردان أو النسوان، وكان القول في العشق والوصال والصد والهجران، ودارت كؤوس الهوى بينهم فلست ترى فيهم صاحياً، فكل من على قدر مشروبه، وكل أجاب الهوى الداعي، فمال سكارى ولا سكرة من تناول أم الهوا خالية، وجارة على القوم ساقيهم ولم يؤثروا غيره ساقياً، فمزق منهم قلوباً غدت لباساً عليه يراء دافياً، فلم يستفيقوا إلى أن أتى إليهم منادي اللقاء، داعية أجيبوا فكل امرئ منكم وعلى حاله ربه لاقي.

هناك هنالك ألم من حمأة شربت مع القوم أم صافياً، وبالله لابد قبل اللقاء لتعلم ذا أنت كواعية، ولابد تصحو فاما هنا واما هناك فكن راضياً.

اه، طيب، اه قال في صفحة مية، آخر شيء آخر أسطر، اه مو آخر أسطر عفو في صفحة مية وست عشرة، قال: ومعلوم عند الخاصة والعامة أن فتنة سماع الغناء والمعازف أعظم من فتنة النوح بكثير -بعد أن ذكر النياحة-.

والذي شاهدناه نحن وغيرنا وعرفناه بالتجارب: أنه ما ظهرت المعازف وآلات اللهو في قوم وفسد فيهم واشتغلوا بها إلا سلط الله عليهم العدو وبُولوا بالقحط والجدب وولاة السوء، والعاقل يتأمل أحوال العالم وينظر، والله المستعان ولا تستطل كلامنا في هذه المنزلة، فإن لها عند القوم شأناً عظيماً.

طيب، نختم نختم -يعني خمس دقائق بالكثير إن شاء الله- في منزلة الحزن. المنزلة ما فيها كلام كثير، قال: فصل ومن منازل إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ منزلة الحزن. قالوا: ليست من المنازل المطلوبة ولا المأمور بنزولها، وإن كان لابد للسالك من نزولها، وإن كان لابد للسالك من نزولها -يعني ليس مطلوباً ولا مقصوداً ولا مراداً أن ينزل الإنسان منزلة الحزن وإن كان سينزلها ولابد، لأنها ليست يعني مقدرة في الطريق ستأتيك-.

ولم يأتِ الحزن في القرآن إلا منهياً عنه أو منفياً؛ فالمنهي عنه كقوله تعالى: وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا، وقوله: وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ في غير موضع، وقوله: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا. والمنفي كقوله: فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.

وسر ذلك أن الحزن موقف غير مسير ولا مصلحة فيه للقلب، وأحب شيء إلى الشيطان أن يحزن العبد ليقطعه عن سيره ويوقفه عن سلوكه، قال الله تعالى: إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا. ونهى النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة أن يتناجى اثنان منهم دون الثالث لأن ذلك يحزنه.

فالحزن ليس بمطلوب ولا مقصود ولا فيه فائدة، وقد استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم، قال: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن. فهو قرين الهم، والفرق بينهما: أن المكروه الذي يرد على القلب إن كان لما يستقبل أورثه الهم، وإن كان لما مضى أورثه الحزن، وكلاهما مضعف للقلب عن السير مفتر للعزم.

ولكن نزول منزلته ضروري بحسب الواقع، ولهذا يقول أهل الجنة إذ دخلوها: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ. فهذا يدل على أنهم كان يصيبهم في الدنيا الحزن كما يصيبهم سائر المصائب التي تجري عليهم بغير اختيارهم.

وأما قوله تعالى: وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ، فلم يمدحوا على نفس الحزن، وإنما مدحوا على ما دل عليه الحزن من قوة إيمانهم حيث تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعجزهم عن النفقة، ففيه تعريض بالمنافقين الذين لم يحزنوا على تخلفهم بل غبطوا نفوسهم به.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ما يصيب المؤمن من هم ولا نصب ولا حزن إلا كفر الله به من خطاياه. فهذا يدل على أنه مصيبة من الله يصيب بها العبد يكفر بها من سيئاته، لا يدل على أنه مقام ينبغي طلبه واستيطانه.

وأما حديث عند ابن أبي -هذا في صفة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان متواصل الأحزان- فحديث لا يثبت وفي إسناده من لا يعرف. وكيف يكون متواصل الأحزان وقد صانه الله عن الحزن على الدنيا وأسبابها، ونهاه عن الحزن على الكفار، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فمن أين يأتيه الحزن؟ بل كان دائم البشر، ضحوك السن -كما في صفته: الضحوك القتال- عليه الصلاة والسلام.

وأما الخبر المروي: أن الله يحب كل قلب حزين. فلا يعرف إسناده ولا من روى، ولا تعلم صحته. وعلى تقدير صحته؛ فالحزن مصيبة من المصائب التي يبتلي الله بها عبده، فإذا ابتلي فيه العبد فصبر عليه أحب صبره على بلائه.

وأما قوله تعالى عن نبيه إسرائيل: وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ، فهو إخبار عن حاله بمصابه بفقد ولده وحبيبه وانه ابتلاه بذلك كما ابتلاه والتفريق بينه وبينهم. وأجمع أرباب السلوك على أن حزن الدنيا غير محمود، إلا أبا عثمان الحيري فإنه قال إلى آخر الكلام.

طيب، ثم آآ قال في آخر صفحة مية وواحد وثلاثين: الدرجة الثالثة من الحزن: التحزن للمعارضات دون الخواطر ومعارضات القصود واعتراضات الأحكام. يقول: هذه ثلاثة أمور بحسب الشهود والإرادة.

الأول: حزن المعارضات؛ فإن القلب يعترضه وارد الرجاء مثلاً فلم ينشب أن يعارضه وارد الخوف وبالعكس، ويعترضه وارد البسط فلم ينشب أن يعارضه وارد القبض، ويرد عليه وارد الأنس فيعترضه وارد الهيبة، فيوجب له اختلاف هذه المعارضات عليه حزناً لا محالة. وليست هذه المعارضات من قبيل الخواطر، بل هي من قبيل الواردات الإلهية، فلذلك قال: دون الخواطر، فإن معارضات الخواطر غير هذا. وعند القوم هذا من آثار الأسماء والصفات واتصال أشعة أنوارها بالقلب، وهو المسمى عندهم بالتجلي.

وأما معارضات القصود فهي أصعب ما على القوم، وفيه يظهر اضطرار من العلم فوق كل ضرورة؛ فإن الصادق يتحرى في سلوكه كله أحب الطرق إلى الله، فإنه سالك به واليه، فيعترضه طريقان لا يدري أيهما أرضى لله وأحب إليه، فمنهم من يحكم العلم بجهده استدلالاً، فإن عجز فتقليداً، فإن عجز عنهما سكن ينتظر ما يحكم له به القدر، ويخلي باطنه من المقاصد جملة، ومنهم من يلقي الكل على شيخه إن كان له شيخ، ومنهم من يلجأ إلى الاستخارة والدعاء ثم ينتظر ما يجري به القدر.

وأصحاب العزائم يبذلون وسعهم في طلب علم ومعرفة، فإن أعجزهم قنعوا بالظن الغالب، فإن تساوى عندهم الأمران قدَّموا أرجحهما مصلحة، ولترجيح المصالح رتب متفاوتة؛ فتارة تترجح بعموم النفع، وتارة تترجح بزيادة الإيمان، وتارة تترجح بمخالفة النفس، وتارة تترجح باستجلاب مصلحة أخرى لا تحصل من غيرها، وتارة تترجح بأمنها من الخوف من مفسدة لا تؤمن في غيرها -هذا كلام منهجي جداً جداً-.

أه، باقي صفحة ونصف تقريبا يقول: فهذه خمس جهات من الترجيح خَلَا أن يعدم واحدة منها، فإن أعوزه ذلك كله تخلى عن الخواطر جملة وانتظر ما يحرك به محرك القدر، وافتقر إلى رب بافتقر -بافتقار المستنزلين- ما يرضيه ويحبه، فإذا جاءته الحركة استخار الله وافتقر إليه افتقاراً ثانياً خشية أن تكون تلك الحركة نفسية أو شيطانية إلى عدم العصمة في حقه إلى آخرِه.

فهذا نهايته ما في مقدور الصادقين، ولاهل الجهاد في هذا من الهداية والكشف ما ليس لأهل المجاهدة، ولهذا قال الأوزاعي ابن المبارك: إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ماذا عليه أهل الثغر -يعني أهل الجهاد- فإن الله تعالى يقول: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ.

مع المحسنين. وأما اعتراضات الأحكام فيجوز أن يريد بالأحكام الأحكام الكونية وهذا الأظهر، آآ طيب اه، فإن أرباب الأحوال يقع منهم اعتراضات على الأحكام الجارية عليهم بخلاف ما يريدونه، فيحزنون عند إدراكهم لتلك الاعتراضات على ما صدر منهم بسوء الأدب.

وتلك الاعتراضات هي إرادتهم اه خلاف ما جرى لهم به القدر، فيحزنون على عدم الموافقة وإرادة خلاف ما أريد بهم. وإن كان المراد به الأحكام الدينية فإنهم تعرض لهم أحوال لا يمكنهم الجمع بينها وبين أحكام الأمر كما تقدم، فلا يجدون بدا من القيام بأحكام الأمر.

ولا بد أن يعرض لهم اعتراض خفي أو جلي بحسب انقطاعهم عن الحال بالأمر، فيحزنون لوجود هذه المعارضة. فاذا قاموا بأحكام الأمر ورأوا أن المصلحة في حقهم ذلك وحمدوا عاقبته حزنوا على تسرعهم في المعارضة في التسليم لداعي العلم واجب.

يكون ومعارضة الحال من قبيل الإيرادات أو الإيرادات والعلل، فيحزن على نفيه ما فيه، والله تعالى أعلم. وصل اللهم على نبينا محمد على آله وصحبه أجمين.