تسجيل الدخول

مقاصد مدارج السالكين ٠٨

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

أما بعد، فهذا هو المجلس الثامن من مجالس القراءة والتعليق المختصر على كتاب مدارج السالكين للإلامام ابن القيم رحمه الله تعالى. وكنا قد أخذنا أمس أو انتهينا بمنزلة الحزن بعد منزلة السماع. واليوم عندنا منزلة الخوف، ومن الميزة أن المنازل التالية للخوف هي منازل مقاربة في المعنى، وبالتالي يحصل التفريق إن شاء الله بين هذه المقامات المتقاربة ويحصل الفرق بينهم.

طيب، استعنا بالله، صفحة مئة وستة وثلاثين في المجلد الأول، المجلد الثاني عفواً. قال رحمه الله: فصل، ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الخوف، وهي من أجل منازل الطريق وأنفعها للقلب، وهي فرض على كل أحد. قال الله تعالى: فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ. وقال تعالى: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ. وقال: فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي. ومدح أهله في كتابه وأثنى عليهم، فقال: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ إلى قوله: أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ.

وفي المسند والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله، قول الله: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ، اللي هي ضمن الآيات السابقة، أهو الذي يزني ويشرب الخسر ويسرق؟ قال: لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يقبل منه. قال الحسن: عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم. إن المؤمن جمع إحساناً وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمناً.

قال ابن القيم: الوجل والخوف والخشية والرهبة ألفاظ متقاربة غير مترادفة. قال أبو القاسم الجنيد: الخوف توقع العقوبة على مجاري الأنفاس. وقيل: الخوف اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف.

ثم قال: والخشية أخص من الخوف، فإن الخشية للعلماء بالله. قال الله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ، فهي خوف مقرون بمعرفة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني لأتقاكم لله وأشدكم له خشية. فالخوف حركة، والخشية انقباض وسكون، فإن الذي يرى العدو والسيل ونحو ذلك له حالتان: إحداهما حركة للهرب منه وهي حالة الخوف، والثانية سكونه وقراره في مكان لا يصل إليه فيه وهي الخشية. ومنه: انخش الشيب، والمضاعف هو المعتل أخوان كتقضى البازي وتقضض.

وأما الرهبة فهي الإمعان في الهرب من المكروه، وهي ضد الرغبة التي هي سفر القلب في طلب المرغوب. وبين الرهب والهرب تناسب في اللفظ والمعنى.

ثم قال: وأما الوجل فرجفان القلب وانصداعه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته أو لرؤيته. وأما الهيبة فخوف مقارن لتعظيم أو مقارن للتعظيم والاجلال، وأكثر ما يكون مع المحبة والمعرفة والإجلال تعظيم مقرون بالحب. فالخوف لعامة المؤمنين، والخشية للعلماء العارفين، والهيبة للمحبين، والإجلال للمقربين. وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية، وفي رواية: خوفاً.

قال في آخر الصفحة مئة وتسعة وثلاثين: فالخائف هارب من ربه إلى ربه. هذا كلام الهروي. قال ابن القيم: قال أبو سليمان: ما فارق الخوف قلباً إلا خربا. وقال إبراهيم بن سفيان: إذا سكن الخوف القلوب أحرق مواضع الشهوات منها وطرد الدنيا عنها. وقال ذو النون: الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف، فإذا زال عنهم الخوف ضلوا الطريق.

قال حاتم: لا تغتر بمكان صالح فلا مكان أصلح من الجنة، ولقي فيها آدم ما لقي. ولا تغتر بكثرة العبادة فإن إبليس بعد طول العبادة لقي ما لقي. ولا تغتر بكثرة العلم فإن بلعم بن باعوراء لقي ما لقي وكان يعرف الاسم الأعظم. ولا تغتر بلقاء الصالحين ورؤيتهم فلا شخص أصلح من النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينتفع بلقائه أعداؤه والمنافقون.

قال ابن القيم: والخوف ليس مقصوداً لذاته، بل هو مقصود لغيره قصد الوسائل، ولهذا يزول بزوال المخوف، فإن أهل الجنة لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

ثم قال في آخر الصفحة: والخوف المحمود الصادق ما حال بين صاحبه وبين محارم الله عز وجل، فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط. الآن هذا ضابط ومن الأشياء المهمة هذي عموماً ليس فقط في هذا الكتاب، وإنما في الكتب بشكل عام.

من الأشياء المهمة أن يفرق الإنسان بين أقسام الأشياء أو الموضوع الذي يتم الحديث عنه؛ فهناك تعريف، وهناك شروط، وهناك توضيحات، وهناك قيود وضوابط، أو هناك تفريعات. فهنا نحن مثلاً في المنازل أو في المدارج، عادة ابن القيم يبدأ في المنزلة بالتعريف وبذكر الآيات مثل ما فعل الآن في الخوف، وبعدين يبدأ يتكلم عن تفاصيل متعلقة ودرجات وما إلى ذلك، وأحياناً بين الكلام يأتي بضوابط. هذه الضوابط مهمة جداً في المقامات التعبدية مثل هذا.

قال: والخوف المحمود الصادق ما حال بين صاحبه وبين محارم الله عز وجل، فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط. قال أبو عثمان: صدق الخوف هو الورع عن آثام ظاهر وباطن. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: الخوف المحمود ما حجزك عن محارم الله.

طيب، في مئة واثنين واربعين، قال فصل: قال الهروي: الدرجة الثانية خوف المكر في جريان الأنفاس المستغرقة في اليقظة المشوبة بالحلاوة. يريد أن من حصلت له اليقظة بلا غفلة واستغرقت أنفاسه فيها استحلى ذلك، فإنه لا أحلى من الحضور في اليقظة، فإنه ينبغي أن يخاف المكر وأن يسلب هذا الحضور واليقظة والحلاوة.

فكم من مغبوط بحاله انعكس عليه الحال ورجع من حسن المعاملة إلى قبيح الأعمال، فأصبح يقلب كفيه ويضرب باليمين على الشمال! بينما بدر أحواله مستنيرا في ليالي التمام إذ اصابه الكسوف فدخل في الظلام، فبدل بالانس وحشة وبالحضور غيبة وبالاقبال إعراضا وبالتقريب إبعاداً وبالجمع تفرقة. كما قيل: أحسنت ظنك بالايام إذ حسنت ... ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسلمتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر

قال عن، في نهاية الصفحة مئة وثلاثة وأربعين، عن درجة الخاصة في الخوف، نتكلم عن هيبة الإجلال، هيبة الجلال. يقول: وهي هيبة تعارض المكاشف اوقات المناجاة. لا، عفواً، خلينا نتجاوزها أنا أشرت أمامها بعلامة، عفواً، نذهب إلى مئة وخمسة وأربعين.

مئة وخمسة وأربعين قال: فصل القلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر، فالمحبة رأسه والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر.

ولكن السلف استحبوا أن يقوى في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء، وعند الخروج من الدنيا يقوى جناح الرجاء على جناح الخوف. هذه طريقة أبي سليمان وغيره. قال: ينبغي للقلب أن يكون الغالب عليه الخوف، فإن غلب عليه الرجاء فسد. وقال غيره: أكمل الأحوال اعتدال الرجاء والخوف وغلبة الحب، فالمحبة هي المركب، والرجاء حاد، والخوف سائق، والله الموصل بمنه وكرمه. هذا مجمل، أو نستطيع أن نقول: أهم مقاصد منزلة الخوف.

ثم بعد ذلك تكلم في منزلة، أو على منزلة الإشفاق. طبعا منزلة مختصرة، الكلام فيها مختصر، كل ما فيها أربع صفحات. قال: ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الإشفاق. قال الله تعالى: الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ. وقال تعالى: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ.

قال: الإشفاق رقيقة الخوف، وهو خوف برحمة من الخائف لمن يخاف عليه، فنسبته إلى الخوف نسبة الرأفة إلى الرحمة، فإنها ألطف الرحمة وأرقها. ولهذا قال صاحب المنازل: الإشفاق دوام الحذر مقرون بالترحم.

وهو على ثلاث درجات: الأولى، إشفاق على النفس أن تجمع إلى العناد، أي تسرع وتذهب. واشفاق على العمل أن يصير إلى الضياع. هذا منقول من أظهر صور الإشفاق، أي يخاف على عمله أن يكون من الأعمال التي قال الله فيها: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا، وهي الأعمال التي كانت لغير الله وعلى غير أمره وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ويخاف أيضاً أن يضيع عمله في المستقبل؛ أما بتركه وأما بمعاصي تفرقه وتحبطه فيذهب ضائعاً، ويكون حال صاحبه الحالة التي قال الله تعالى عن أصحابها: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَاقٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إلى آخر الآية.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للصحابة: فيمن ترون هذه الآية نزلت؟ فقالوا: الله أعلم. فغضب عمر وقال: قولوا نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس رضي الله عنهما: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين. قال: يا ابن أخي، قل ولا تحقرن نفسك. قال ابن عباس: ضربت مثلاً لعمل. قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لعمل. قال عمر: لرجل غني يعمل بطاعة الله فبعث الله إليه الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق جميع أعماله. إذاً هذه صورة من صور الإشفاق: أن يشفق على عمله أن يحفظ.

ثم قال في مئة وتسعة وأربعين: الدرجة الثالثة من الإشفاق، إشفاق يصون سعيه عن العجب، ويكف صاحبه عن مخاصمة الخلق، ويحمل المريد على حفظ الجد. الأول يتعلق بالعمل، والثاني بالخلق، والثالث بالإرادة، وكل منها له ما يفسده؛ فالعجب يفسد العمل كما يفسده الرياء، فيشفق على سعيه من هذا المفسد شفقة تصونه عنه. والمخاصمة للخلق مفسدة للخلق، فيشفق على خلقه من هذا المفسد شفقة تصونه عنه. والإرادة يفسدها عدم الجد وهو الهزل واللعب، فيشفق على إرادته مما يفسدها. فاذا صح له عمله وخلقه وارادته استقام سلوكه وقلبه وحاله، والله المستعان.

ثم انتقل إلى منزلة الخشوع، فقال: فصل، ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الخشوع. قال الله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ. قال ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن. وقال قتادة، وقال، عفواً، طبعا الإسناد هذا، الإسناد الذي هو في كلام ابن عباس ذكروه تحت بالأسفل صاحب الكتاب، فقد ذكر كثيراً في تفسيره عن ابن المبارك عن صالح المري عن قتادة عن ابن عباس، إذا لم يكن له إلا هذا الإسناد ففيه إشكال؛ لأنه قتادة لم يسمع من ابن عباس.

ويبقى الأصح ما أخرجه البخاري عن ابن مسعود، لأنه أثر البخاري عن ابن مسعود أنه بعد أربع سنين، وأثر ابن عباس ثلاث عشرة سنة. طيب.

وقال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ. والخشوع في أصل اللغة الانخفاض والذل والسكون. قال تعالى: وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا، أي سكنت وذلت وخضعت. ومنه وصف الأرض بالخشوع، وهو يبسها وانخفاضها وعدم ارتفاعها بالري والنبات. قال تعالى: وَمِنْ آيَاتِكَ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ.

والخشوع قيام القلب بين يدي الرب بالخضوع والذل والجمعية عليه. وقيل: الخشوع الانقياد للحق، وهذا من موجبات الخشوع، فمن علاماته أن العبد إذا خولف ورد عليه بالحق استقبل ذلك بالقبول والإنقياد. وقيل: الخشوع خمود نيران الشهوة وسكون دخان الصدور وإشراق نور التعظيم في القلب.

قال الجنيد: الخشوع تذلل القلوب لعلام الغيوب. وأجمع العارفون على أن خشوع محله القلب، وثمرته على الجوارح وهي تظهره. ورأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه. طبعا هذا الحديث شديد الضعف، هذا الحديث شديد الضعف. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: التقوى ها هنا وأشار إلى صدره ثلاث مرات، هذا في صحيح مسلم طبعا.

وقال بعض العارفين: حسن ادب الظاهر عنوان أدب الباطن. ورأى بعضهم رجلا خاشع المنكبين والبدن فقال: يا فلان، الخشوع ها هنا وأشار إلى صدره، لا ها هنا وأشار إلى منكبيه.

وكان بعض الصحابة وهو حذيفة يقول: إياكم وخشوع النفاق. قيل: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعاً والقلب ليس بخاشع. ورأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً طأطأ رقبته في الصلاة فقال: يا صاحب الرقبة، ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرقاب، وإنما الخشوع في القلوب.

ورأت عائشة رضي الله عنها شباباً يمشون ويتماوتون في مشيتهم، فقالت لأصحابها: من هؤلاء؟ قالوا: نساك أي عباد. فقالت: كان عمر بن الخطاب إذا مشى أسرع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع، وإذا أطعم أشبع، وكان هو الناسك حقاً. وقال الفضيل بن عياض: كان يكره أن يرى الرجل من الخشوع أكثر مما في قلبه. وقال حذيفة رضي الله عنه: أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وأخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، ورب مصلي لا خير فيه، ويوشك أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيهم خاشعاً. فقال سهل: من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان.

ننتقل إلى صفحة مئة وستة وخمسين. لما تكلم الهروي عن الدرجة الثالثة -وكما تعلمون بالعادة أنه ثلاث درجات، الدرجة الثالثة: حفظ الحرمة عند المكاشفة وتصفية الوقت من مراعاة الخلق وتجريد رؤية الفضل- أتعلق على، أو أن ننتقل إلى كلامه في كلام النقيب في تصفية الوقت من مراعاة الخلق، يقول:

أما تصفية الوقت من مراعاة الخلق، فلا يريد به أنه يصفي وقته عن الرياء؛ فإن أصحاب هذه الدرجة أجل قدراً وأعلى من ذلك، وإنما المراد أن يخفي أحواله عن الخلق جهده؛ كخشوعه وذله وانكساره، لئلا يراها الناس فيعجبه اطلاعهم عليها ورؤيتهم لها، فيفسد عليه وقته وقلبه وحاله مع الله.

وكم قد اقتطع في هذه المفازة من سالك! الله على الكلام، كم اقتطع في هذه المفازة من سالك، والمعصوم من عصمه الله، فلا شيء أنفع للصادق من التحقق بالمسكنة والفاقة والذل، وأنه لا شيء وأنه ممن لم يصح له بعد الإسلام حتى يدعي الشرف فيه.

ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه من ذلك أمراً لم أشاهده من غيره، وكان يقول كثيراً: ما لي شيء، ولا مني شيء، ولا فيا شيء، وكان كثيراً ما يتمثل بهذا البيت: أنا المكدي وابن المكدي وهكذا كان أبي وجدي وكان إذا أثني عليه في وجهه يقول: والله إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقت، وما أسلمت بعده إسلاماً جيداً.

وبعث إلي في آخر عمره قاعدة في التفسير بخطه، وعلى ظهرها أبيات بخطه من نظمه يقول: أنا الفقير إلى ربي البرياتِ أنا المسيكين في مجموعي حالاتي أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي والخير إن يأتينا من عنده يأتي لا أستطيع لنفسي جلب منفعة ولا عن النفس لي دفع المضراتِ وليس لي دونه مولى يدبرني ولا شفيع إذا حاطت خطيئاتي إلا بإذن من الرحمن خالقنا إلى الشفيع كما قد جاء في الآياتِ ولست أملك شيئاً دونه أبداً ولا شريك أنا في بعض ذرّاتي ولا ظهير له كي يستعين به كما يكون لأرباب الولاياتِ والفقر لي وصف ذات لازم أبداً كما الغنى أبدا وصف له ذاتي والفقر لي وصف ذات لازم أبداً لازم أبداً كما الغنى أبدا وصف له ذاتي.

وهذه الحال حال الخلق أجمعين وكلهم عنده عبد له آتي، فمن بغى مطلباً من غيره فهو الجهول الظلوم المشرك العاتي، والحمد لله ملء الكون أجمعه ما كان منه وما من بعد قد يأتي.

وأما تجريد رؤية الفضل فهو ألا يرى الفضل والإحسان إلا من الله، فهو المان به بلا سبب منك، ولا شفيع لك تقدم إليه بالشفاعة، ولا وسيلة سبقت منك توسلت بها إلى إحسانه.

طيب، هذا كلام آآ ما ذكره عن آآ هضم نقول مو هضم النفس، وإنما أنه الإنسان لا يرى اه الفضل آآ أو لا يرى أن عمله آآ يستحق أن آآ يفتخر به، بل بالعكس، يرى دائماً نفسه بحالة الضعف والفقر والفاقة والاحتياج إلى رحمة الله سبحانه وتعالى، والحرص على إاخفاء الأعمال، آآ وطبعا تعرفون أنه احنا نحن أولى الناس بهذا الكلام، وخاصة في هذا بواقعنا يعني مع شبكات التواصل وما إلى ذلك، آآ احنا أكثر ناس نحتاج إلى قضية إخفاء الأعمال، على الأقل على الأقل أن يبقى شيء لا يعلمه أحد إلا الله سبحانه وتعالى.

طيب، آآ ثم آآ انتقل إلى آآ مسألة حكم الصلاة بدون خشوع، وعقد لها الأسلوب المعتاد، أسلوبه المعتاد في النقاش يعني، عقد نقاشاً بين فريقين: فريق يتبنى القول بأن اه الصلاة بدون خشوع باطلة، وفريق يتبنى أن الصلاة بدون خشوع، وإن كانت ناقصة، إلا أنها لا تبطل.

قال: فصل، فان قيل: ما تقولون في صلاة من عدم الخشوع، أو في صلاة من عدم الخشوع، هل يعتد بها أم لا؟ قيل: أما الاعتداد بها في الثواب فلا يعتد له فيها إلا بما عقل فيها منها وأخا لربه.

قال ابن عباس رضي الله عنه: ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها.

وفي المسند مرفوعاً: أن العبد ليصلي الصلاة ولم يكتب له إلا نصفها أو ثلثها أو ربعها حتى بلغ عشرها.

وقد علق الله فلاح المصلين بالخشوع في صلاتهم، فدل على أن من لم يخشع ليس من أهل الفلاح، ولو اعتد له بها ثواباً لكان من المفلحين.

إذاً، هذا تنبيه مهم، أنه الخلاف في قضية عدم الخشوع في الصلاة هو فقط من ناحية الإجزاء وسقوط الفرض، أنه هل الإنسان يطالب بالقضاء؟ واما من جهة الثواب فسبق ما سمعتم.

قال: واما الاعتداد بها في أحكام الدنيا وسقوط القضاء، فإن غلب عليها الخشوع وتعقلها اعتد بها إجماعاً، وكانت السنن والأذكار عقبها جوابر ومكملات لنقصها، وإن غلب عليها عدم الخشوع فيها وعدم تعقلها، فقد اختلف الفقهاء في وجوب إعادتها، فأوجبها أبو عبد الله آآ ابن حامد من أصحاب أحمد، وأبو حامد الغزالي في إحيائه لا في وسيطه وبسيطه.

من هنا الآن سيبدأ بذكر الحجج يعني، سيسرد حجج القول الأول، قال: واحتجوا بأنها صلاة لا يثاب عليها ولم يضمن له فيها الفلاح، فلم تبرأ ذمته منها ويسقط القضاء عنه كصلاة المرائي.

قالوا: ولان الخشوع والعقل روح الصلاة ومقصودها ولبها، فكيف يعتد بصلاة فقدت روحها ولبها وبقيت صورتها وظاهرها؟

قالوا: ولو ترك العبد واجباً من واجباتها عمداً لأبطلها تركه، وغايته أن يكون بعضاً من أبعاضها بمنزلة فوات عضو من أعضاء العبد المعتق في الكفارة، فكيف إذا عدمت روحها أو عدمت روحها ولبها ومقصودها؟ وصارت بمنزلة العبد الميت، فإذا لم يعتد بالعبد المقطوع اليد يعتقه تقرباً إلى الله في كفارة واجبة، فكيف يعتد بالعبد الميت؟

وقال بعض السلف: الصلاة جارية تهدى إلى ملك من الملوك، فما الظن بمن يهدي إليه جارية شلاء أو عوراء أو عمياء!

قالوا: وتعطيل القلب عن عبودية الحضور والخشوع تعطيل لملك الأعضاء عن عبوديته وعزل له عنها، فماذا تغني طاعة الرعية وعبوديتها وقد عزل ملكها وتعطل؟

قالوا: والأعضاء تابعة للقلب، تصلح بصلاحه وتفسد بفساده، فإن لم يكن قائماً بعبوديته فالأعضاء أولى ألا يعتد بعبوديتها، وإذا فسدت عبوديته بالغفلة والوسواس فأنَّى تصح عبودية رعيته وجنده ومادتهم منه عن أمره يصدرون وبأمره يأتمرون؟

قالوا: وفي الترمذي وغيره مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم: أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل. وهذا إما خاص بدعاء العبادة، وإما عام له ولدعاء المسألة، وإما خاصاً بدعاء المسألة الذي هو أبعد، فهو تنبيه على أنه لا يقبل دعاء الذي هو خاص وحقه من قلب غافل.

قالوا: ولان عبودية من غلبت عليه الغفلة والسهو في الغالب لا تكون مصاحبة للإخلاص؛ فإن الإخلاص قصد المعبود وقصد المعبود وحده بالتعبد، والغافل لا قصد له، فلا عبودية له.

قالوا: وقد قال الله تعالى: فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ۝ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ. وليس السهو عنها تركها والا لم يكونوا مصلين، وانما هو السهو عن واجبها أما عن الوقت، كما قال ابن مسعود وغيره، وأما عن الحضور والخشوع.

والصواب أنه يعم النوعين؛ فانه سبحانه اثبت لهم صلاة ووصفهم بالسهو عنها، فهو السهو عن وقتها الواجب، أو عن إخلاصها وحضورها الواجب ولذلك هم بالرياء، ولو كان السهو سهو ترك لما كان هناك رياء.

قالوا: ولو قدرنا ثم قال طيب آآ مم فبالجملة مصلحة الإخلاص والحضور وجمعية وجمعية القلب على الله في الصلاة أرجح في نظر الشارع من مصلحة سائر واجباته، فكيف يظن به أنه يبطلها بترك تكبيرة واحدة؟ أو يبطلها بترك اعتدال في ركن، أو ترك حرف أو شدة من القرآن، أو ترك تسبيحة، أو قولي: سمع الله لمن حمده، أو قول: ربنا ولك الحمد، أو ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة عليه، ثم يصححها مع فوات لبها ومقصودها الأعظم وروحها وسرها؟ فهذا ما احتجت به هذه الطائفة، وهي حجج كما تراها قوة وظهورا.

قال أصحاب القول الآخر: قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي التأذين أقبل، فإذا ثوب بالصلاة أدبر، فإذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء وبين نفسه فيذكره أو فيذكره ما لم يكن يذكر، ويقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس.

قالوا: فأمره النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الصلاة التي قد أغفله الشيطان فيها حتى لم يدر من صلى بأن يسجد سجدتي السهو، ولم يأمره باعادتها، ولو كانت باطلة كما زعمتم لامره باعادتها.

قالوا: وهذا هو السر في سجدتي السهو للشيطان في وسوسته العبد وكونه حال بين وكونه حالاً بين بينه وبين الحضور في الصلاة، ولهذا سماهم النبي صلى الله عليه وسلم مرغمتين، وأمر من سهى بهما ولم يفصل في سهوه الذي صدر عنه موجب السجود بين القليل والكثير، والغالب والمغلوب، وقال: لكل سهو سجدتان، ولم يستثن من ذلك السهو الغالب مع أنه الغالب.

قالوا: ولان شرائع الإسلام على الأفعال الظاهرة، وأما حقائق الإيمان الباطنة فتلك عليها شرائع الثواب والعقاب، فلله تعالى حكمان: حكم في على الشرائع الظاهرة وأعمال الجوارح، وحكم في الآخرة على الظواهر والبواطن.

ثم قال: قالوا فنحن نحكم فنحن في حكم شرائع الاسلام نحكم بصحة صلاة المنافق والمرائي مع أنه لا يسقط عنه العقاب ولا يحصل له الثواب في الآخرة، فصلاة المسلم الغافل المبتلى بالوسواس وغفلة القلب عن كمال حضوره أولى بالصحة.

نعم، لا يحسن لا يحصل مقصود هذه الصلاة من ثواب الله عاجلاً ولا آجلاً، فإن للصلاة مزيد ثواب أو ثواب عاجل في القلب من قوة إيمانه واستنارته وانشراحه وانفساحه ووجود حلاوة العبادة.

هذا الآن استطراد ولكنه مهم، هذي النقطة الجزئية يقول إنه الصلاة الله سبحانه وتعالى يثيب عليها في الدنيا قبل الآخرة، وثوابها العاجل الدنيوي ما هو؟ يقول: فإن للصلاة مزيد ثواب عاجل في القلب من قوة إيمانه واستنارته وانشراحه وانفساحه. طيب، آآ يتكلم عن الثواب العاجل للصلاة فيقول: فان للصلاة مزيد ثواب عاجل في القلب من قوة إيمانه واستنارته وانشراحه وانفساحه ووجود حلاوة العبادة والفرح والسرور واللذة التي تحصل لمن اجتمع همه وقلبه على الله وحضر قلبه بين يديه، كما يحصل لمن قربه السلطان منه وخصه بمناجاته والاقبال عليه، والله أعلى وأجل.

كذلك ما لهذا من الدرجات العليا في الآخرة ومرافقة المقربين آآ كل هذا يفوته بفوات الحضور والخضوع، وأن الرجلين ليكون مقامهما في الصف واحداً وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض.

وليس كلامنا في هذا كله، فإن اردتم وجوب الإعادة لتحصل هذه الثمرات فذاك إليه، إن شاء أن يحصلها وإن شاء أن يفوتها على نفسه، وإن اردتم وجوبها أننا نلزمه بها ونعاقبه على تركها ونرتب عليها أحكام تارك الصلاة فلا، وهذا القول الثاني أرجح القولين والله أعلم.

طيب، آآ هذا جملة الكلام في منزلة آآ الخشوع، ثم قال: فصل آآ ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين، منزلة الإخبات.

قال الله تعالى: وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ. وقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوُا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.

والخبت في أصل اللغة المكان المنخفض من الأرض، وبه فسر ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة لفظ المخبتين، وقالا: هم المتواضعون، وقال مجاهد: المخبت المطمئن إلى الله عز وجل، وقال: والخبت المكان المطمئن من الأرض، وقال الأخفش: الخاشعون، وقال إراهيم النخعي: المصلون المخلصون، وقال الكلبي: هم الرقيقة قلوبهم، وقال عمرو بن أوس: هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا.

وهذه الأقوال تدور على معنيين: التواضع والسكون إلى الله عز وجل، ولذلك عدي بإلى تضميناً لمعنى الطمأنينة والإنابة السكون إلى الله تضميناً لمعنى الطمأنينة والإنابة والسكون إلى الله. تمام.

طيب، قال صاحب المنازل: هو من أول مقامات الطمأنينة؛ كالسكينة واليقين والثقة بالله ونحوها، فالاخبات مقدمتها ومبدأها.

هذي نقطة آآ تذكروا قبل قليل أني تكلمت عن أنه آآ تقسيم الموضوعات في الكتاب أنه في شيء تعريف في ضوابط في شروط في كذا، هذا التقسيم مهم، هذي النقطة اللي ذكرها هنا تعتبر ضمن عنوان يمكن أن نعنونه لمدارج السالكين، وهو العلاقة بين المقامات.

العلاقة بين المقامات أو العلاقة بين المنازل، هذا من أهم الأمور في في بالنسبة للسالك والمتعبد، من أهم الأمور بالنسبة للسالك والمتعبد أن يدرك العلاقة بين المقامات، يعني مثلاً مقام التوكل أو منزلة التوكل لها ارتباط بأي منازل؟ لم حين يدرك الإنسان العلاقة بين المقامات التي تؤدي إلى التوكل والمقامات المترتبة على التوكل، يعني مثلاً علاقة التوكل بالرضا فالرضا نتيجة للتوكل، فهم الارتباط بين المقامات في غاية الأهمية.

فهنا يقول لك: الإخبات هذا مرتبط بمقامات الطمأنينة، لأن في مقامات أو منازل اسمها أو تلقب مقامات الطمأنينة اللي هي السكينة واليقين والثقة بالله ونحوها، فالاخبات مقدمتها ومبدأها، وهذا اختيار اختيار جميل جداً، لأنه لو تلاحظون أن الإخبات فيه تعلق بما مضى بالخوف والخشوع، وفيه ارتباط بما سيأتي وهو الرضا أو السكينة واليقين، فالاخبات كأنه يعني فيه جاذبان: جاذبان من جهة الخوف والخشية، وجاذب من جهة السكينة واليقين والثقة.

طيب آآ يقول وهو آآ قال صاحب الهروية قال: وهو ورود المأمن من الرجوع والتردد.

قال ابن القيم: لما كان الإخبات لما كان الإخبات أول مقام يتخلص فيه السالك من التردد الذي هو نوع غفلة وإعراض، والسالك مسافر إلى ربه سائر إليه على مدى أنفاسه لا ينتهي مسيره إليه ما دام نفسه يسحبه، شبه حصول الإخبات له بالماء العذب الذي يرده الذي يرده المسافر على ظمأ وحاجة في أول مناهله فيرويه مورده ويزيل عنه خواطر تردده في إتمام سفره أو رجوعه إلى وطنه لمشقة السفر، فإذا ورد ذلك الماء زال عنه التردد وخاطر الرجوع، كذلك السالك إذا ورد مورد الإخبات.

تخلص من التردد والرجوع، ونزل أول منازل الطمأنينة بسفره وجد في السير، ثم قال وهو على ثلاث درجات -أهو الهروي يقول ثلاث درجات-: الدرجة الأولى أن تستغرق العصمة الشهوة، وتستدرك الإرادة الغفلة، ويستهوي الطلب السلوى أو السلوة.

طيب، احنا نروح إلى نذهب إلى فقط نقرأ عنوان الدرجة الثانية، يقول: الدرجة الثانية أن لا ينقض إرادته سبب، ولا يوحش قلبه عارض، ولا يقطع عليه الطريق فتنة. نذهب إلى الدرجة الثالثة، قال الدرجة الثالثة صفحة مئة وواحد وسبعين، قال الدرجة الثالثة: أن يستوي عنده المدح والذم، وتدوم لائمته لنفسه، ويعمى عن نقصان الخلق عن درجته.

يقول: أعلَم أنه متى استقرت قدم العبد في منزلة الإخبات وتمكن فيها ارتفعت همته، وعلت نفسه عن خطفات في المدح والذم، فلا يفرح بمدح الناس ولا يحزن لذمهم. وهذا وصف من خرج عن حظ نفسه، وتأهل للفناء في ربه، وصار قلبه مطرحاً لأشعة أنوار الأسماء والصفات، وباشر حلاوة الإيمان واليقين قلبه. والوقوف عند مدح الناس وذمهم علامة انقطاع القلب وخلوه من الله، وأنه لم تباشره ريح محبته ومعرفته، ولم يذق حلاوة التعلق به والطمأنينة إليه.

وأما قوله: وأن تدوم لائمته لنفسه؛ فهو أن صاحب هذا المنزل لا يرضى عن نفسه، وهو مبغض لها، متمن لمفارقتها. والمراد بالنفس عند قوم: ما كان معلولاً من أوصاف العبد مذموماً من أخلاقه وأفعاله، سواء كان ذلك كسبياً أو خلقياً، فهو شديد اللائمة لها. وهذا أحد التأويلين في قوله تعالى: وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ. قال سعيد بن جبير وعكرمة: تلوم على الخير والشر، ولا تصبر على الضراء ولا على السراء. قال قتادة: اللوامة هي الفاجرة. وقال مجاهد: تندم على ما فات وتقول: لو فعلت ولو لم أفعل، أو: لو فعلت ولو لم أفعل. وقال الفراء: ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها، إن كانت عملت خيراً قالت: هلا زدت؟ وإن كانت عملت شراً قالت: ليتني لم أفعل. وقال الحسن: هي النفس المؤمنة، إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلمة كذا؟ ما أردت بأكلة كذا؟ ما أردت بكذا؟ ما أردت بكذا؟ وأن الفاجر يمضي قدماً قدماً ولا يحاسب نفسه ولا يعاتبها. وقال مقاتل: النفس الكافرة تلوم نفسها في الآخرة.

والقصد أن من بذل نفسه لله بصدق كره بقاءه معها؛ لأنه يريد أن يتقبلها من بذلت له، ولانه قد قربها له قرباناً، ومن قرب قرباناً فتقبل منه ليس كمن رد عليه قربانه. فبقاء نفسه معه دليل على أنه لم يتقبل قربانه. وأيضاً فإن من قواعد القوم المجمع عليها بينهم، التي اتفقت كلمة أولهم وآخرهم ومحقهم ومبطلهم عليها، أن النفس حجاب بين العبد وبين الله، وأنه لا يصل إلى الله حتى يقطع هذا الحجاب. كما قال أبو يزيد: رأيت رب العزة في المنام، فقلت: يا ربي كيف الطريق إليك؟ قال: خل نفسك وتعالى.

فالنفس جبل عظيم شاق في طريق السير إلى الله عز وجل، وكل سائر لا طريق له إلا على ذلك الجبل فلابد أن ينتهي إليه. ولكن منهم من هو شاق عليه ومنهم من هو سهل عليه، وأنه ليسير على من يسره الله عليه. وفي ذلك الجبل أودية وشعوب وعقبات ووهود وشوك وعوسج وعليق وشبرق، ولصوص يقتطعون الطريق على السائلين، ولا سيما أهل الليل المدلجين. فإذا لم يكن معهم عدد الإيمان ومصابيح اليقين تتقد بزيت الإخبات، وإلا تعلقت بهم تلك الموانع، وتشبثت بهم تلك القواطع، وحالت بينهم وبين السير، فإن أكثر السائلين فيه رجعوا على أعقابهم لما عجزوا عن قطعه واقتحام عقباته.

والشيطان على قلة ذلك الجبل يحذر الناس من وعورته وارتفاعه ويخوفهم منه، فيتفق مشقة الصعود وقعود ذلك المخوف على قلته وضعف عزيمة السائل ونيته، فيتولد من ذلك الانقطاع والرجوع، والمعصوم من عصمه الله. وكلما رقى السائل في ذلك الجبل اشتد به صياح القاطع وتحذيره وتخويفه، فاذا قطعه وبلغ قلته انقلبت تلك المخاوف كلهن أماناً. وحينئذ يسهل السير وتزول عنه عوارض الطريق ومشقة عقباتها، ويرى طريقاً واسعاً آمناً يفضي به إلى المنازل والمناهل، وعليه الأعلام وفيه الإقامات قد أعدت لركب الرحمن.

فببین العبد وبين السعادة والفلاح قوة عزيمة، وصبر ساعة، وشجاعة نفس، وثبات قلب، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

أحياناً تأتي قيود وضوابط في المقامات، لكن ليس في موضعها من الكتاب، يعني ليس بنفس المنزلة؛ فالكلام هنا عن النفس والموقف من النفس أو نظرة الإنسان إلى نفسه، هذا جزء من الحديث، لابد أن يكون هناك جزء آخر متعلق بالضوابط المتعلقة بهذه النظرة. وابن القيم يكثر حقيقة من ذكر الضوابط كما يمر معنا، لأن هذا الباب فيه طرفان ووسط. هذا الباب -أقصد بشكل عام- باب السلوك إلى الله فيه طرفان ووسط: فيه طرف المعرض الجافي البعيد الذي لا علاقة له بهذه المقامات، وفي طرف الذي هو يعني مبالغ أحياناً في بعض الأشياء بحيث يحيد الإنسان عن الخوف الذي يحبه الله، وعن الزهد الذي يحبه الله، أو عن الورع الذي يحبه الله إلى ما هو أشد من ذلك.

والشيطان يشتغل على ما يعلمه من الإنسان؛ إذا كان الإنسان يصلح معه التفريط ضرب له على حبل التفريط، وإذا كان يصلح معه الإفراط ضرب معه على حبل الإفراط. لذلك الإنسان يحتاج في كل هذا الطريق إلى أمرين اثنين أساسيين هما شرطا القبول لأي عمل من الأعمال: الأول أن يكون خالصاً، والثاني أن يكون صواباً. الشرط الأول الأخلاص، والشرط الثاني المتابعة.

طيب، ثم انتقل إلى منزلة الزهد، فقال فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين، منزلة الزهد: قال الله تعالى: مَّا عِندَكُمْ يَنفَدتُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ. وقال تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ. وقال تعالى: إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ أو إلى آخر الآية. وقال تعالى: وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ إلى قوله: وَخَيْرٌ أَمَلًا. وقال تعالى: قُل مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَىٰ. وقال تعالى: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ. وقال: وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ. وقال تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا. وقال: وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ إلى قوله: وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ.

والقرآن مملوء من التزهيد في الدنيا، والأخبار بخستها وقلتها وانقطاعها وسرعة فنائها، والترغيب في الآخرة والأخبار بشرفها ودوامها. فإذا أراد الله بعبد خيراً أقام في قلبه شاهدا يعاين به حقيقة الدنيا والآخرة، ويؤثر منهما ما هو أولى بالايثار.

وقد أكثر الناس من الكلام في الزهد، وكل أشار إلى ذوقه ونطق عن حاله وشاهده، فإن غالب عبارات القوم عن أذواقهم وأحوالهم، والكلام بلسان العلم أوسع من الكلام بلسان الذوق، يا سلام على هذا الكلام! يقول: والكلام بلسان العلم أوسع من الكلام بلسان الذوق، وأقرب إلى الحجة والبرهان.

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما تخاف ضرره في الآخرة. مرة أخرى: الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما تخاف ضرره في الآخرة. وهذه العبارة من أحسن ما قيل في الزهد والورع وأجمعها.

قال سفيان الثوري: الزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ ولا لبس العباءة. وقال الجنيد: سمعت سرياً يقول: إن الله عز وجل سلب الدنيا عن أوليائه، وحماها عن أصفيائه، وأخرجها من قلوب أهل وداده؛ لأنه لم يرضها لهم. وقال: الزهد في قوله تعالى: لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ.

وثم نقل مجموعة من النقولات في هذا في هذه التعريفات، ثم قال: وقال الإمام أحمد: الزهد في الدنيا قصر الأمل. وعنه رواية أخرى أنه عدم فرحه باقبالها ولا حزنه على إدبارها؛ فإنه سئل عن الرجل أن يكون معه ألف دينار، هل يكون زاهدا؟ فقال: نعم، على شريطي ألا يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا نقصت.

ثم لا يزال في التعريفات طبعاً، ثم قال وقد قال الإمام أحمد -صفحة مئة وواحد وثمانين-: وقد قال الإمام أحمد: الزهد على ثلاثة أوجه؛ الأول: ترك الحرام وهو زهد العوام، والثاني: ترك الفضول من الحلال وهو زهد الخواص، والثالث: ترك ما يشغل عن الله وهو زهد العارفين.

طبعاً لو نلاحظ في تعريف الإمام أحمد وفي تعريف ابن تيمية كذلك، نجد أنه في تفتيق الذهن أو إشارة إلى معنى في الزهد غير المتبادر. عادة يكون المتبادر للذهن في الزهد أنه هو التقلل من الماديات، بينما تجد في كلامهم إشارة إلى التقلل ليس من الماديات فقط، وإنما إلى التقلل حتى من المعنويات التي لا تنفع في الآخرة! وهذا معنى خطير جداً يلفت الذهن إلى شيء ربما لا يكون أكثر الناس منتبهين له، أنه ليس الزهد هو التقلل من الماديات، وإنما الزهد التقلل مما لا ينفع في الآخرة، سواء أكان مادياً أو معنوياً. لذلك قال الإمام أحمد: الزهد على ثلاثة أوجه؛ الأول: ترك الحرام وهو زهد العوام، الثاني: ترك الفضول من الحلال وهو زهد الخواص، الثالث: ترك ما يشغل عن الله وهو زهد العارفين.

وهذا الكلام من الإمام أحمد يأتي على جميع ما تقدم من كلام المشايخ مع زيادة تفصيله وتبيين درجاته، وهو من أجمع الكلام وهو يدل على أنه -رضي الله عنه- من هذا العلم بالمحل الأعلى. وقد شهد الشافعي -رحمه الله- بامامته -يعني بإمامة التلميذ الإمام أحمد- في ثمانية أشياء، أحدها الزهد.

والذي اجمع عليه العارفون: أن الزهد سفر القلب من وطن الدنيا وأخذه في منازل الآخرة. وعلى هذا صنف المتقدمون كتب الزهد، كالزهد لعبد الله بن المبارك، وللإمام أحمد، ولوكيع، ولهناد، وابن السري ولغيره. ومتعلقه ستة أشياء لا يستحق العبد اسم الزهد حتى يزهد فيها: المال، والصور، والرياسة، والناس، والنفس، وكل ما دون الله.

وليس المراد رفضها من الملك أو المالك، فقد كان سليمان وداود -عليهم السلام- من أزهد أهل زمانهما ولهما من المال والملك والنساء ما لهما، وكان نبينا -صلى الله عليه وسلم- من أزهد البشر على الإطلاق وله تسع نسوة، وكان علي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف والزبير وعثمان -رضي الله عنهم- من الزهاد مع ما كان لهم من الأموال، وكان الحسن بن علي -رضي الله عنه- من الزهاد مع أنه كان من أكثر الأمة محبة للنساء ونكاحاً لهن وأغناهم، وكان عبد الله بن المبارك من الأئمة الزهاد مع مال كثير، وكان ليث بن سعد من أئمة الزهاد وكان له رأس مال يقول: لولا هو لتمندل بنا هؤلاء -يعني من المنديل، تمسحوا بنا، يعني يقصد الظلمة المتنفذين-.

ومن أحسن ما قيل في الزهد كلام الحسن أو غيره: ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعَة المال، ولكن أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا اصبت بها أرغب منك فيها لو لم تصبك. فهذا من أجمع كلام في الزهد وأحسنه، وقد روي مرفوعاً.

فصل: وقد اختلف الناس في الزهد هل هو ممكن في هذه الأزمنة أم لا؟ خليني بس ألقي الضوء أو أعلق على ما مضى، يعني ممكن مما يقرب الصورة أنه في مواقف وفي أشياء تكشف حالة الإنسان المتلبس بأشياء من الدنيا هل هو زاهد أو ليس بزاهد؛ هذه الأشياء أحياناً تكون مصائب فيما يملك، فهذه المصائب وطبيعة تعامل الإنسان معها هي من الكواشف أن هذا الإنسان زاهد أو لا.

هذه الأشياء التي تكشف أحياناً تكون خلافات، هذه الخلافات تكون في معاملات تجارية في شيء، أحياناً الشخص تعرفه وتقول: هذا الرجل أحسبه من أهل الخشية والصلاح أو شيء، فإذا أتى الميدان إلى ميدان خصومة مالية تجد عدم اجتناب الشبهات، شدة المخاصمة لتحصيل أدنى شيء من المال، التعلق الشديد به، فتقول: أين الزهد؟ أين الزهد؟ هنا هذه مواقف تظهر الزهد الحقيقي.

وهكذا في سائر الأشياء؛ يعني المواقف والمصائب والخلافات والخصومات والمحاقة فيما يملك الإنسان هي من الأشياء التي تكشف طبيعة الزهد. وأيضاً أكيد باقي عمله؛ يعني باقي عملي إذا تعارض شيء من ممتلكاته الدنيوية مع أمر الله سبحانه وتعالى مع داعي الله سبحانه وتعالى، ما مدى تأثير ما يمتلك؟ فإذا كان ما يمتلك طغى عليه حتى صار يؤثر على طريقه الأخروي فهذا معناه أنه ليس زاهداً، فضلاً عن أنه قد يصل إلى إشكالات أخرى في الحرام.

مثلاً العلاقة بالنساء، إنسان مثلاً يكون آآ مشتغلاً بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى والعمل الصالح، وما شاء الله تبارك الله شعلة من النشاط، يتزوج، بعد ما يتزوج صار أسيراً لهذا الحدث الذي الذي حصل له أو لهذه المرأة مثلاً التي أحبها بنفس الصورة بالعكس بالنسبة للمرأة للرجل.

آآ هنا القضية انتقدت من أنها من أنه هذا الإنسان آآ يمكن أن يوصف بالزهد إلى أنه لا هو انسان فتن انسان فتن، فالزهد كأنها منزلة فيها قدر من العلو على ما ما يحيط بالإنسان من ماديات.

فيصدق عليها قول من قال أن يكون في يدك وليس في قلبك، بحسب طبعا الحال، وأحيانا تكون مثل هذه الأشياء هي أسباب للزهد، أسباب للخير، يعني أحيانا يكون المال سببا من أسباب الزهد وسببا من أسباب المقامات العالية.

وتعرفون حديث ذهب أهل الدثور بالأجور، وأحيانا تكون المرأة أو يكون الزواج هو سبب لرفع الدرجات آآ الزهد أيضاً، فهي بحسب حال الإنسان وبحسب آآ قلبي. ثم قال فصل، وقد اختلف الناس في الزهد هل هو ممكن في هذه الأزمنة أم لا؟

فقال أبو حفص الزهد لا يكون إلا في الحلال ولا حلال في الدنيا فلا زهد وخالفه الناس في هذا وقالوا بل الحلال موجود فيه وفيها الحرام كثيرا وعلى يعني شف مثل هذه العبارات هي التي فيها يعني شيء من الإشكال.

وعلى تقدير ألا يكون فيها الحلال فهذا أدعى إلى الزهد فيها وتناول ما يتناوله المضطر منها كتناوله للميتة والدم ولحم الخنزير، ثم يعني عندنا آخر آخر ثلاثة أسطر يقول ابن القيم والتحقيق أنها إن شغلته آآ عن الله فالزهد فيها أفضل، وإن لم تشغله عن الله بل كان شاكرا لله فيها فحاله أفضل، والزهد فيها تجريد القلب عن التعلق بها والطمأنينة إليها.

عدم يعني هذا الكلام هو الذي أردت أن أقوله يعلق على آآ قضية أنه من نعمة الله على عبده أن أنه يحب أن يرى أثر نعمته عليه إلى آخره، يقول والتحقيق إن شغلت عن الله.

هذه الممتلكات هذه المكتسبات هذه النعم فالزهد فيها أفضل، وإن لم تشغله عن الله بل كان شاكرا لله فيها فحاله أفضل والزهد فيها يعني كيف يكون الزهد بتجريد القلب عن التعلق بها والطمأنينة إليها.

طيب، ثم قال آآ في صفحة مئة وستة وثمانين طالع الهروي، وهو على ثلاثة، وهو على ثلاث درجات، وهو على ثلاثة درجات، على ثلاث درجات. الدرجة الأولى الزهد في الشبهة.

بعد ترك الحرام بالحذر من المعتبة والأنفة من المنقصة وكراهة مشاركة الفساق، قال ابن القيم أما الزهد في الشبهة فهو ترك ما يشتبه على العبد هل هو حلال أو حرام كما في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهة.

لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، ثم قالوا فالشبهات برزخ بين الحلال والحرام، وقد جعل الله عز وجل بين كل متباينين برزخا.

كما جعل الموت وما بعده برزخا بين الدنيا والآخرة، وجعل المعاصي برزخا بين الإيمان والكفر، وجعل الأعراف برزخا بين الجنة والنار، وكذلك جعل بين كل مشعرين من مشاعر المناسك برزخا. الآن هذا استطراد اسمه استطراد في النظائر، هذا استطراد في النظائر. وكذلك جعل بين كل مشعرين من.

مشاعر المناسك برزخا حاجزا بينهما ليس من هذا ولا من هذا، فمحسر برزخ بين منى ومزدلفة ليس من واحد منهما، فلا يبيت الحاج ليلة جمع ولا ليالي منى، وبطن عرنة برزخ بين عرفة وبين الحرم فليس من الحرم وليس من عرفة، وكذلك.

ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس برزخ بين الليل والنهار، ليس من الليل لتصرمه بطلوع الفجر ولا من النهار لأنه من طلوع الشمس وإن دخل في اسم اليوم شرعاً، وكذلك منازل السير بين كل منزلتين برزخ يعرفه السائل في تلك المنازل، وكثير من.

أحوالي والواردات تكون برازخ ويظنها صاحبها غاية، وهذا لم يتخلص منه إلا فقهاء الطريق والعلماء هم الأداة فيها. طيب، ننتقل إلى صفحة مئة وتسعين فيها صفحة مئة وتسعين. يقول آآ القارئ الهروي الدرجة الثالثة الزهد في الزهد.

وهو بثلاثة أشياء استحقار ما زهدت فيه واستواء الحالات فيه والذهاب عن شهود الإكتساب إلى آخره، آآ يقول وقد فسر الشيخ مراده بالزهد في الزهد بثلاثة أشياء.

أحدها احتقار احتقاره ما زهد فيه، فإن من امتلأ قلبه بمحبة الله وتعظيمه لا يرى أن ما تركه لأجله من الدنيا يستحق أن يجعل قرباناً، لأن الدنيا بحذافيرها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، فالعارف لا يرى زهده فيها كبير أمر يعتد به ويحتفل له، بيستحي من من صح له الزهد أن يجعل لما تركه لله قدرا يلاحظ زهده فيه.

بل يفنى عن زهده فيه كما نفي كما فني عنه ويستحي من ذكره بلسانه وشهوده بقلبه، يعني هو أول شيء زهد في الدنيا وبعدين زهد بالمقدار اللي زهد فيه يعني كأنه بعد ما زهد في الدنيا قال طيب أصلا ايش هي الدنيا أصلا.

قال لي أنا زهقت فيها يعني أنا شايف حالي أني أنا زهقت بالدنيا طب ما هي أصلا دنيا يعني ما هي أصلا شيء يعني رخيص يعني فالزهد فيما فيما زهد فيه وملاحظة هذا.

الأمر آآ وأما استواء الحالات فيه عنده فهو أن يرى ترك آآ ما زهد فيه وأن ترك ما زهد فيه وأخذه متساويين عنده إذ ليس له عنده قدر، وهذا من دقائق فقه الزهد، فيكون زاهدا في حال أخذه كما هو زاهد في.

هذه تركية إذ همته أعلى عن ملاحظته أخذا وتركا لصغره في عينه، وأما الذهاب عن شهود الاكتساب فمعناه أن من استصغر الدنيا بقلبه واستوت الحالات في اخذها وتركها عنده لم يرى أنه اكتسب بتركها عند الله درجة البتة.

لأنها أصغر في عينه من أن يرى أنه اكتسب بتركها درجات، وفيه معنى آخر وهو أن يشاهد تفرد الله عز وجل بالعطاء والمنع فلا يرى أنه ترك شيئاً ولا أخذ شيئاً بل الله وحده هو المعطي المانع فما أخذه فهو.

ومجرى لعطاء الله إياه كمجرى الماء في النهر وما تركه لله فالله سبحانه وتعالى هو الذي منعه منه، فيذهب بمشاهدة الفعال وحده عن شهود كسبه وتركه، فإذا نظر إلى الأشياء بعين الجمع وسلك في وادي غاب عن شهود اكتسابه.

ومعنى قولي ناظر إلى وادي الحقائق وهذا أليق المعنيين بكلامه، فهذا زهد الخاصة قال الشاعر إذا زهدتني في الهوى خشية الردى لي عن وجه يزهد في الزهد. طيب، أظن ليس هناك فرصة أن نأخذ منزلة الورع، نكتفي بمنزلة الزهد.

ونسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا من الصادقين المخلصين البارين الراشدين، وأن يصلح قلوبنا ويخلص نياتنا، وأن يرزقنا من فضله العظيم من واسع كرمه وفضله. هذا ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعز الإسلام وأهله.

وان ينصر المستضعفين من المؤمنين في كل مكان ويفرج همومهم وينفس كروبهم، ونسأله سبحانه أن يذل أعداء الإسلام ويشتت شملهم ويهزم جمعهم إنه ولي ذلك والقادر العزيز على كل شيء سبحانه وبحمده، وصلي اللهم على نبينا محمد.

وعلى آله وصحبه أجمعين