بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم تقبل منا الصيام والقيام، وأعنا على موافقة ليلة القدر بخير العمل يا رب العالمين. أما بعد، فنستعين بالله ونبدأ مجلسنا، الذي هو المجلس العشرون من مجالس القراءة والتعليق على كتاب آآ مدارج السالكين للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى.
آه كنا قد توقفنا عند منزلة السكينة، عفواً، الطمأنينة، آآ ثم بعدها منزلة الهمة، وهي منزلة قصيرة نتجاوزها إلى التي تليها وهي منزلة المحبة. قال الإمام رحمه الله تعالى وكلامه في منزلة المحبة -طبعا- كلام جميل ومهم جداً، وهي من أهم المنازل في مدارج السالكين، والإمام ابن القيم يعتني بمنزلة المحبة كثيراً سواء في هذا الكتاب أو في آآ غيره من الكتب مثل كتاب روضة المحبين وغيره.
قال رحمه الله: فصل، ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة المحبة، وهي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى علمها شمر السابقون، وعليها تفانوا، وبروح نسيمها تروح العابدون. فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون، وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام. وهي روح الإيمان والأعمال والمقامات والأحوال التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه، تحمل أثقال السائلين إلى بلاد لم يكونوا بالغين -لم يكونوا إلا بشق الأنفس- بالغيها، وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا بدونها أبداً واصليها، وتبوئهم من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولاها داخليها. وهي مطايا القوم التي مسراهم على ظهورها دائماً إلى الحبيب، وطريقهم الأقوم الذي يبلغهم إلى منازلهم الأولى من قريب.
تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة؛ إذ لهم من معية محبوبهم أوفر نصيب، وقد قضى الله يوم قدر مقادير الخلائق بمشيئته وحكمته البالغة: أن المرء مع من أحب. فيا لها من نعمة على المحبين سابقة! تالله لقد سبق القوم السعاة وهم على ظهور الفرش نائمون، وقد تقدموا الركب بمراحل وهم في سيرهم واقفون. من لي بمثل سيرك المدلل؟ تمشي رويدا وتجيء في الأول. أجابوا منادي الشوق إذ نادى بهم: حي على الفلاح! وبذلوا نفوسهم في طلب الوصول إلى محبوبهم، وكان بذلهم بالرضا والسماح، وواصلوا إليه المسير بالادلاج والغدو طاح. تالله لقد حمدوا عند الوصول سراهم، وشكروا مولاهم على ما أعطاهم، وإنما يحمد القوم السرى عند الصباح.
تحية هلا، تحية هلا، إن كنت ذا همة فقط حدى بك حاد الشوق فاطو المراحل، وقل لمنادي حبهم ورضاهم إذا ما دعا: لبيك ألفاً كوامل. ولا تنظر الأطلال من دونهم، فإن نظرت إلى الأطلال عدنا حوائلا. ولا تنتظر بالسير رفقة قاعد، ودعه فإن الشوق يكفيك كحاملا، وخذ منهم زاداً إليهم، وسر على طريق الهدى والفقر تصبح واصلا. وأحي بذكراهم سراك إذا ولت ركابك في الذكرى تعيدك عاملا، وأما تخافن الكلال فقل لها: أمامك ورد الوصل فابغ المناهلة. وخذ قبساً من نورهم ثم سر به، فنورهم يهديك ليس المشاكل.
وحي على وادي الأراك فقيل به عساك تراهم فيه إن كنت قائلا. وإلا ففي نعمان عند معرف الأحبة فاطلب وإن كنت سائلا. وإلا ففي جمع بليلته، فإن تفت فمتى -يا ويح من كان غافلا!- وحي على جنات عدن بقربهم منازلك الأولى بها كنت نازلا، ولكن سباك الكاشحون لأجل ذا وقفت على الأطلال تبكي المنازل. فدعها رسوماً دارسات فما بها مقيل فجاوزها فليست منازلا، رسوماً عفت يفنى بها الخلق كم بها قتيل وكم فيها لذي الخلق قاتلا. وخذ يمنة عنها على المنهج الذي عليه سرى وفد المحبة أهنا، وقل ساعدي يا نفس بالصبر ساعة، فعند ذا الكد يصبح زائلا. فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ويصبح ذو الأحزان فرحان جائلا.
أول نقدة من أثمان المحبة بذل الروح فما للمفلس الجبان البخيل؟ وسومها بدم، بدم المحب يباع وصلهم فمن الذي يبتاع بالثمن؟ تالله ما هزلت فيستامها المفلسون، ولا كسدت فيبيعها بالنسيئة المعسرون. لقد أقيمت للعرض في سوق من يزيد، فلم يرض لها بثمن دون بذل النفوس، فتأخر البطالون وقام المحبون ينظرون أيهم يصلح أن يكون ثمناً، فدارت السلعة بينهم ووقعت في يد: أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين.
لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوة، فلو يعطى الناس بدعواهم لادعى الخلي حرقة الشجي، فتنوع المدعون في الشهود، فقيل: لا تقبل هذه الدعوة إلا ببينة: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله. فتأخر الخلق كلهم وثبت أتباع الحبيب في أفعالهم وأقوالهم وأخلاقهم، فطولبوا بعدالة البينة بتزكية: يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم. فتأخر أكثر المحبين وقام المجاهدون، فقيل لهم: إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم، فهلموا إلى: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة. فلما عرفوا عظمة المشتري وفضل الثمن وجلالة من جرى على عقد التبايع، عرفوا قدر السلعة وأن لها شأناً، فرأوا من أعظم الغبن أن يبيعوها لغيره بثمن بخس، فعقدوا معه بيعة الرضوان بالتراضي من غير ثبوت خيار، وقالوا: والله لا نقيلك ولا نستقيلك. فلما تم العقد وسلموا المبيع قيل لهم: مثل صارت نفوسكم وأموالكم لنا رددناها عليكم أوفر ما كانت وأضعافها معها: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون. فرحين بما آتاهم الله من فضله.
إذا غرست شجرة المحبة في القلب وسقيت بماء الإخلاص ومتابعة الحبيب، أثمرت أنواع الثمار وأتت أكلها كل حين بإذن ربها، أصلها ثابت في القلب وفرعها متصل بسدرة المنتهى، لا يزال سعي المحب صاعداً إلى حبيبه لا يحجبه دونه شيء: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه.
فصل: لا تحد المحبة بحد أوضح منها، فالحدود لا تزيدها إلا خفاء وجفاء.
نتكلم عن تعريف المحبة، يقول: المحبة هي المحبة، يعني ما يحتاج الإنسان يتكلف لها حدود وتعريفات، فهي أوضح من كل تعريفاتها، ولا توصف المحبة بوصف أظهر من المحبة، وإنما يتكلم الناس في أسبابها وموجباتها وعلاماتها وشواهدها وثمراتها وأحكامها. فحدودهم ورسومهم دارت على هذه الستة، وتنوعت بهم العبارات وكثرت الإشارات بحسب إدراك الشخص ومقامه وحاله وملكه للعبارة.
وهذه المادة تدور في اللغة على خمسة أشياء، آآ ذكرها: الصفاء، والبياض، والعلو، والظهور، واللزوم والثبات، واللب والحفظ والامساك. ثم قال: ولا ريب أن هذه الخمسة من لوازم حبك، فإنها صفاء المودة، وهيجان إرادات القلب للمحبوب، وعلوها وظهرها منه لتألقها بالمحبوب المراد، وثبوت إرادة القلب للمحبوب ولزوماً لزوماً لا تفارقه، ولإعطاء المحبوب محبوبه لبه وأشرف ما عنده وهو قلبه، ولاجتماع عزماته وإراداته وهمومه على محبوبه، فاجتمعت فيها المعاني الخمسة.
ووضعوا لمعناها حرفين مناسبين للمسمى غاية المناسبة: الحاء التي هي من أقصى الحلق، والباء الشفوية التي هي نهايته، فللحاء الابتداء وللباء الانتهاء، وهذا شأن المحب وهذا شأن المحبة وتعلقه -أو المحب وتعلقه بالمحبوب- فإن ابتداؤها منه وانتهاؤها إليه. وقالوا في فعلها: حبه وأحبه. ثم قال: وأعطوا الحب حركة الضم، التي هي جد الحركات وأقواها، مطابقة لشدة حركة مسماها وقوتها. وأعطوا الحب والمحبوب حركة الكسر، لخفتها عن الضمة، وخفة المحبوب وخفة ذكره على قلوبهم وألسنتهم، من إعطائه حكم نظائره كنهب بمعنى من هوب أو كنهب بمعنى منهوب، وذبح بمعنى مذبوح، وحمل بمعنى محمول، بخلاف الحمل الذي هو مصدر لخفته، ثم ألحق به حملاً لا يشق على حامله حمله كحمل الشجرة والولد. فتأمل هذا اللطف والمطابقة والمناسبة العجيبة بين الألفاظ والمعاني، تطلعك على قدر هذه اللغة وأن لها شأناً ليس لسائر اللغات.
فصل في ذكر رسوم وحدود قيلت في المحبة بحسب آثارها وشواهدها والكلام على ما يحتاج إليه منها. الآن سيذكر يعني عشرين تقريباً عشرين حد أو عشرين آآ جملة في تعريف المحبة أو في ذكر آآ يعني رسوم وحدود في المحبة، ولكن بحسب الآثار والشواهد؛ يعني كأنها آثار وشواهد. فمنها مثلاً: الميل الدائم للقلب، آآ إيثار المحبوب على جميع المصحوب، موافقة الحبيب في المشهد، مواطئة القلب لمرادات المحبوب، آآ استقلال الكثير من نفسك واستكثار القليل من حبيبك، وهذا بلا شك أثر من آثار المحبة وليس هو المحبة، وهذا قول أبي يزيد، وهو أيضاً من أحكامها وموجباتها وشواهدها. والمحب الصادق لو بذل لمحبوبه جميع ما يقدر عليه لاستقله واستحيا منه، ولو ناله من محبوبه أكثر شيء لاستكثره واستعظمه.
ثم آآ ننتقل إلى الفصل التالي في أربع مئة وستة وأربعين -أو ثمانية وأربعين-. هذا الفصل مهم جداً، وهو عن الأسباب الجالبة للمحبة، ويقصد الأسباب التي تجلب للإنسان محبة الله له، فإن محبة الله للعبد اشرف واعز وأعلى من محبة العبد للرب. حسناً، ما الذي ما الذي يوصل العبد إلى أن يحبه الله سبحانه وتعالى؟ وذكر عشرة أسباب توصل إلى محبة الله للعبد.
قال أحدها: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد به، كتدبر الكتاب الذي يحفظه العبد ويشرحه ليتفهم مراد صاحبه منه. الثاني: التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، فإنها توصله إلى درجة المحبوبية بعد المحبة. وهنا الدليل على هذه واضح، وكذلك على الأولى، الأولى الدليل ليس صريحاً يعني -أقصد مباشرةً نصاً- وإنما هو مفهوم من كثير من المعاني الشرعية؛ في الأولى قراءة القرآن بالتدبر، فإن الله سبحانه وتعالى يحب من عبده أن يعني يقرأ القرآن ويقف عنده، وهو أعظم كلام، وهو كلام الخالق سبحانه وتعالى: ومنا من لم يتغنى بالقرآن -أذن الله لشيء أذنه لعبد حسن أو لنبي حسن الصوت بالقرآن يتغنى به- إلى آخره.
آآ أما الثاني ففيه نص صريح، وهو قول الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه. وهذا نص صريح على السبب الثاني.
الثالث: دوام ذكره على كل حال باللسان والقلب والعمل والحال، فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من هذا الذكر. وهذا أيضاً من المعاني المكررة كثيراً في آآ عند عند العلماء، أن من من الأسباب أو من علامات محبة العبد لله والتي تجلب محبة الله للعبد: إدامة ذكره سبحانه وتعالى.
الرابع: إيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى، والتسلم إلى محابه وإن صعب المرتقى.
الخامس: مطالعة القلب لأسماءه وصفاته ومشاهدتها ومعرفتها وتقلبه في رياض هذه المعرفة ومبادئها، فمن عرف الله وصفاته وأفعاله أحبه لا محالة، ولهذا كانت المعطلة والفرعونية والجهمية قطاع الطريق على القلوب بينها وبين الوصول إلى المحبوب.
السادس: مشاهدة بره وإحسانه وآلاؤه ونعمه الباطنة والظاهرة، فإنها داعية إلى محبته.
السابع -وهو من أعجبها-: انكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى، وليس في التعبير عن هذا المعنى غير الأسماء والعبارات -يعني يقول إنه لا يوصف هذا هذا المعنى الذي هو انكسار القلب بكليته بين يدي الله لا يوصف بجمل أو بألفاظ تكشف عن حقيقته، وإنما غاية ما فيها إشارات معينة لفظية تعبر عن هذا المعنى-.
الثامن: الخلوة به وقت النزول الإلهي لمناجاته وتلاوة كلامه والوقوف بالقلب والتأدب بأدب العبودية بين يديه، ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة.
التاسع: مجالسة المحبين الصادقين والتقاط أطايب ثمرات كلامهم، كما ينتقى أطايب الثمر، ولا تتكلم إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام وعلمت أن فيه مزيداً لحالك ومنفعة لغيرك.
العاشر: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل.
فمن هذه الأسباب العشرة وصل المحبون إلى منازل المحبة ودخلوا على الحبيب، وملاك ذلك كله أمران: استعداد الروح لهذا الشأن، وانفتاح عيني البصيرة. وبالله التوفيق.
ثم أخذ يتكلم عن نوعي المحبة أو طرفي المحبة: محبة العبد للرب، ومحبة الرب للعبد. قال: والكلام في هذه المنزلة معلق بطرفين: طرف محبة العبد لربه، وطرف محبة الرب لعبده.
والناس في إثبات ذلك ونفيه أربعة أقسام: أهل "يحبهم ويحبونه" على إثبات الطرفين، وأن محبة العبد لربه فوق كل محبة تقدر ولا نسبة لسائر المحاب إليها، وهي حقيقة لا إله إلا الله. وكذلك عنده محبة الرب لأوليائه وأنبيائه ورسله صفة زائدة على رحمته وإحسانه وعطائه، فإن ذلك أثر محبته وموجبها، فإنه لما أحبهم كان نصيبهم من رحمته وإحسانه وبره أتم نصيب.
والجهمية والمعطلة عكس هؤلاء، فإنه عندهم لا يحب ولا يحب، ولم يمكنهم تكذيب النصوص فأولوا نصوص محبة العباد له على محبة طاعته وعبادته والازدياد من الأعمال لينالوا بها الثواب، وإن أطلقوا عليهم بها لفظ المحبة فبما لما ينالون به من الثواب والأجر، والثواب المنفصل عندهم -والثواب المنفصل عندهم- هو المحبوب لذاته، والرب تعالى محبوب لغيره يحب الوسائل.. إلى آخره. يعني نتكلم عن الذين يتأولون الصفات، ومن جملة ما تأولوه تأولوا صفة المحبة، آآ وهذا من جملة الحرمان؛ هي المسألة تناقش من جهتين: الجهة الأولى نقاش نقاش عقدي، من حيث الإثبات إثبات الصفات، والثاني نقاش متعلق بالسلوك والتزكية، وانه آآ نفي هذه الصفات أو تأويلها، يعني نفي هذه الصفات وتعطيلها له لوازم سلوكية سيئة، ولذلك تجدونه ابن القيم في أكثر من منزلة لمن يأتي يقول: وهذه المنزلة من حظ أهل الإثبات، وأما المعطلون فليس لهم حظ في مثل هذه المنازل.
ثم قال -ناقش الفكرة في يعني في أسطر متعددة- ثم آآ قال: وجميع طرق الأدلة في الصفحة التالية أربعمائة واثنين وخسين: وجميع طرق الأدلة عقلاً ونقلاً وفطرة وقياساً واعتبابراً وذوقاً ووجداً تدل على إثبات محبة العبد لربه والرب لعبده، وقد ذكرنا لذلك قريباً من مائة طريق في كتابنا الكبير في المحبة آآ مثل ما قال المحقق، لأنه يقصد روضة المحبين، وذكرنا فيه فوائد المحبة وما تثمر لصاحبها من الكمالات وأسبابها وموجباتها والرد على
من أنكرها وبيان فساد قوله، وأن المنكرين لذلك قد أنكروا خاصة الخلق والامر والغاية التي وجدوا لأجلها، فإن الخلق والامر والثواب والعقاب إنما نشأ عن المحبة ولاجلها. وهي الحق الذي به خلقت السماوات والارض، وهي الحق الذي تضمنه الامر والنهي، وهي سر التأليه. وتوحيدها هو شهادة أن لا اله الا الله، وليس كما زعم المنكرون ان الاله هو الرب الخالق، فان المشركين كانوا مقرين بأنه لا رب إلا الله ولا خالق سوااه.
هنا كلام مهم جدا في مسألة التوحيد. مهم جدا، وفي وفي اه قيمة لا اله الا الله، يعني احنا لما نقرأ النصوص الشرعية في قيمة كلمة لا اله الا الله آآ نجد شيئا عجيبا شيئا عظيما. هذه المنزلة لكلمة لا اله الا الله آآ لا يفهمها حقا الا من يفهم لا اله الا الله اصلا. يعني الذي يستوعب قيمة لا اله الا الله هو المستوعب قبل ذلك لحقيقة هذه الكلمة ومعناها، فهنا ابن القيم يلفت الانتباه هنا ابن القيم يلفت الانتباه الى اه أن أن لا اله الا الله ليست معناها انه لا خالق الا الله او لا رب الا الله. يقول هذه هذه القضية كانت معروفة عند المشركين، ولكن القضية أعمق وأبعد من ذلك بكثير، فالقضية فيها آآ يعني تحقيق عدة امور ومن ضمنها المحبة.
ومن ضمنها المحبة لننتبه إلى هذا المعنى لأنه سيذكره بادلته وهو معنى عظيم جدا وشريف وتزيد من قيمة ذكر لا اله الا الله عند الانسان وتزيد من حبه من حبنا لهذه الكلمة اذا نطقنا بها. يقول ليس كما زعم المنكرون ان الاله هو الرب الخالق، فان المشركين كانوا مقرين بانه لا رب الا الله ولا خالق سواه، وبانه وحده المنفرد بالخلق والربوبية، ولم يكونوا مقرين بتوحيد الالهية وهو المحبة والتعظيم، بل كانوا يؤلهون مع الله غيره. وهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله وصاحبه ممن اتخذ من دون الله اندادا. قال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ، ايش يعملوا؟ ايش ايش الانداد هذي؟ ايش ايش عملهم فيها؟ قال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ، فاخبر ان من احب من دون الله شيئا كما يحب الله كما يحب الله تعالى فهو ممن اتخذ من دون الله اندادا، فهذا ند في المحبة لا في الخلق والربوبية، فان احدا من اهل الارض لم يثبت هذا الند في الربوبية. بخلاف دي المحبة فان اكثر اهل الارض قد اتخذوا من دون الله اندادا في الحب والتعظيم، ثم قال سبحانه: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ.
هنا هذا هذا الجملة هذه الاية الجملة في هذه الاية من مما اختلف فيه المفسرون ايش المقصود وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ؟ هل الذين امنوا اشد حبا لله من حب اولئك المشركين لالهتهم؟ يعني الله سبحانه وتعالى قال انه انه هؤلاء يحبون اندادا من دون الله كحب الله وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ، اشد حبا لله من ايش؟ يقول لك القول الاول: انه اشد حبا لله من اصحاب الانداد لاندادهم والهتهم التي يحبونها يقدمونها من دون الله. والثاني: والذين امنوا اشد حبا لله من محبة المشركين بالانداد لله، فان فان محبة المؤمنين خالصة، ومحبة اصحاب الانداد قد ذهبت اندادهم بقسط منها، والمحبة الخالصة اشد من المشتركة. والقولان مرتبان على القولين في قوله تعالى: يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ، فان فيها قولين.
أحدهما: يحبونهم كما يحبون الله، فيكون قد اثبت لهم محبة الله ولكنها محبة يشركون فيها مع الله اندادا. والثاني: ان المعنى يحبون اندادهم كما يحب المؤمنون الله. ثم بين ان محبة المؤمن ان محبة المؤمنين لله اشد من محبة اصحاب الانداد لاندادهم. وكان شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله يرجح القول الاول ويقول: إنما ذموا بأن أشركوا بين الله وبين اندادهم في المحبة ولم يخلصوها لله كمحبة المؤمنين له. وهذه التسوية المذكورة في قوله تعالى حكاية عنهم وهم في النار يقولون لالهتهم واندادهم وهي محضرة معهم في العذاب: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ.
طيب كيف كانوا يسوونهم برب العالمين؟ قال: ومعلوم انهم لم يسووهم برب العالمين في الخلق والربوبية، وانما سووهم به في المحبة والتعظيم، وهذا ايضا هو العدل المذكور في قوله تعالى: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ. العدل هنا ليس من العدل الذي هو ضد ضد الظلم، وانما ان يعدلون به غيره في العبادة التي هي المحبة والتعظيم، وهذا اصح القولين. وقيل الباء بمعنى معا، آآ الباء هنا في آآ بربهم ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ. يقول وقيل الباء بمعنى عن، والمعنى: ثم الذين كفروا عن ربهم، اي يعدلون عن عبادته الى عبادة غيره، وهذا ليس بقوي اذ لا تقول العرب عدلت بكذا اي عدلت عنه، وانما اذا جاء هذا في فعل السؤال نحن سألت بكذا اي عنه، كأنهم ضمنوه واعتنيت به واهتممت ونحو ذلك.
وقال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهَ، وهي تسمى آية المحبة. قال ابو سليمان الدهراني: لما ادعت القلوب محبة الله أنزل الله لها محنة: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهَ. قال بعض السلف: ادعى قوم محبة الله فانزل الله آية المحنة: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهَ، وقال: يُحْبِبْكُمُ اللَّهَ اشارة الى دليل المحبة وثمرتها وفائدتها، فدليلها وعلامتها اتباع الرسول، وفائدتها وثمرتها محبة المرسل لكم. فما لم تحصل المتابعة فليست محبتكم له حاصلة ومحبته لكم وأنت في الان.
وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ. فقد ذكر لهم اربع علامات: احدها انهم اذلة على المؤمنين. قيل معناه ارقاء رحماء مشفقين عليهم عاطفين عليهم، فلما ضمن اذلة هذا المعنى عداه باداة علم. طبعا سبق انه احنا تكلمنا عن الفعل اللازم لما يعدى بحرف جر كيف انه احيانا يطمن معنى فعل اخر كلمنا عن يشرب بها عباد الله وما الى ذلك. قال فلما ضمن ادلة هذا المعنى عداه باداة على. قال عطاء: للمؤمنين كالولد كالولد لوالده والعبد لسيده، وعلى الكافرين كالاسد على فريسته اشداء على الكفار رحماء بينهم. هذي العلامة الثانية.
العلامة الثالثة: الجهاد في سبيل الله بالنفس واليد واللسان والمال، وذلك تحقيق دعوى المحبة. العلامة الرابعة: انهم لا تأخذهم في الله لومة لائم، وهذا علامة صحة المحبة، فكل محب يأخذه اللوم عن محبوبه فليس بمحب على الحقيقة، كما قيل: لا كان من لسواك فيه بقية يجد السبيل بها اليه اللوم.
وقال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ إلى قوله: مَحْذُوراً. فذكر المقامات الثلاث: الحب وهو ابتغاء القرب اليه والتوسل اليه بالاعمال الصالحة، والرجاء، يعني وذكر الخوف والرجاء. رجاء يدل على ابتغاء وسيلتي امر زائد على رجاء الرحمة وخوف العذاب. ومن المعلوم قطعا انك اه اجعل لها أنه كما اشار المحقق. ومن المعلوم قطعا انه لا يتنافس الا في قرب من تحب قربه، وحب آآ قربه تبع لمحبة ذاته، بل محبة ذاته اوجبت محبة القرب منه.
وعند الجهمية والمعطلة ما من ذلك كله شيء، فانه عندهم لا تقرب ذاته من شيء ولا او لا تقرب ذاته من شيء ولا يقرب من ذاته شيء ولا يحب لذاته ولا يحبه، فانكروا حياة القلوب ونعيم الارواح وبهجة النفوس وقرة العيون واعلى نعيم الدنيا والاخرة. ولذلك ضربت قلوبهم بالقسوة، وضربت دونهم ودون الله حجب على معرفته ومحبته، فلا يعرفونه ولا يحبونه ولا يذكرونه الا عند تعطيل اسمائه وصفاته، فذكرهم اعظم اثامهم واوزارهم، بل يعاقبون يعاقبون من وباسماء وصفاته ونعوت جلاله ويرمونهم بالادواء التي هي احق بها وأهلها، وحسب ذي البصيرة وحياة القلب ما يرى على وحسب ذي البصيرة وحياة القلب ما يرى على كلامهم من القسوة والمقت والتنفير عن محبة الله عز وجل ومعرفته وتوحيده، والله المستعان.
وقال تعالى: وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، وقال احبابه واولياؤه: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً، وقال تعالى: وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى، فجعل غاية اعمال الابرار والمقربين والمحبين ارادة وجهه. وقال تعالى: إِنْ كُنْتُنُّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً، فجعل ارادته غير ارادة الاخرة. وهذه الارادة لوجهه موجبة للذة النظر اليه في الاخرة، كما في مستدرك الحاكم وصحيح ابن حبان في الحديث المرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يدعو الله: اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، احييني اذا كانت الحياة خيرا لي، وتوفني اذا كانت الوفاة خيرا لي. اسألك خشيتك في الغيب والشهادة، واسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، واسألك القصد في الفقر والغنى، واسألك نعيما لا ينفد، واسألك قرة عين لا تنقطع، واسألك الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، واسألك لذة النظر الى وجهك، واسألك الشوق الى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة. اللهم زينا بزينة الايمان واجعلنا هداة مهتدين.
هذا الدعاء من الادعية النبوية العظيمة جدا، والتي اه تجعل الانسان دائما يتذكر انه في ادعيته في دعائه لله سبحانه وتعالى يحتاج الى ان يستعمل الادعية النبوية لان في الادعية النبوية ما لا يستطيع الانسان الاتيان به من الدعاء. طبعا ليس معنى ذلك ان الانسان لا يسأل الله اي حاجة خارج الادعية النبوية، ولكن القصد انه من المهم جدا ان ان ان يأخذ أن يحفظ الانسان الادعية النبوية وأن يستعملها في دعائه، ففيها من الحمد والثناء وحسن الدعاء وحسن الطلب، وفيها من الاهتمام بالمقامات العالية ما لا يعني يأتي به الانسان وحده.
قال ابن القيم: فقد اشتمل هذا الحديث الشريف على ثبوت لذة النظر الى وجه الله وعلى ثبوت الشوق الى لقائه. وعند الجهمية لا وجه له سبحانه ولا ينظر اليه فضلا عن ان يحصل لذة، كما سمع بعضهم داعيا يدعو بهذا الدعاء فقال: ويحك، هب ان له وجها أفتلذ بالنظر اليه؟ وفي الصحيح عن انس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الايمان: ان يكون الله ورسوله احب اليه مما سواهما، وان يحب المرء لا يحبه الا لله، وان يكره ان يعود في الكفر بعد ان اذ انقذه الله منه كما يكره ان يلقى في النار.
حقيقة هذا الحديث وهو حديث من اصح الاحاديث، يعني من الاحاديث الصحيحة المتفق عليها بين الامامين البخاري ومسلم والحتة المشهورة جدا، اذا تأملت في النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ثلاثة امور ليتذوق الانسان ليجد بها حلاوة الايمان. لو تأملت فيها ستجد هذه الامور الثلاثة كلها قلبية، كلها قلبية وكلها متعلقة بالمحبة وما يضادها، كلها متعلقة بالمحبة وما يضادها، فمعنى ذلك انه يعني التركيز على اعمال القلوب وعلى حركة القلب وعلى المحبة خاصة هو من لب الشريعة ومن لب الاسلام ومن ومن ما اعتنى به النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا بخلاف اه من لا يعتني بذلك ولا يهتم الا بالظاهر الاعمال الظاهرة واعمال الجوارح فقط، بينما هنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول لك: ثلاث من كن فيه وجد منا حلاوة الايمان. انظر ما هي هذه الثلاثة؟ اه محبة الله ورسوله احب من اي شيء اخر، وان تحب انسانا لا تحبه الا لله، وان تكره ان تعود في الكفر كما تكره ان تقذف في النار.
وفي صحيح البخاري عن ابي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب الي عبدي بشيء احب الي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى احبه، فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لاعطينه، ولئن استعاذني لاعيذنه.
وفي الصحيحين عنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم: اذا احب الله العبد دعا جبريل فقال: اني احب فلانا فاحبه، فيحبه فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: ان الله يحب فلانا فاحبوه، فيحبه اهل السماء، ثم يوضع له القبول في الارض. وذكر في البغض عكس ذلك. وهذا أيضا من الاحاديث الصحيحة العظيمة جدا، ولك ان تتخيل لو كنت ممن يدعى باسمك في هذه المنزلة، للانسان أن أن يتخيل لو نال شرف لو نال شرف أن ينادي الله باسمه في السماء باسمه يعني اسمك فلان الفلاني فيخاطب الله جبريل ويقول: هذا الرجل أو هذه المرأة ألا أحبه؟ أو أحبه. فجبريل يحبه، ثم ينادى في اهل السماء أو جبريل ينادي في اهل السماء أن الله يحب فلانا بالاسم فيحبه اهل السماء، ثم يوضع له القبول في الارض.
وهذا يعني هذا معنى مما يعزي الانسان كثيرا ان ان ان يعني يرجوه عند الله سبحانه وتعالى اذا كان من اهل طاعته والثبات على دينه ولو آآ اوذي ولو عودي ولو ولو الى اخره. لكن الانسان يرجو الله فقط ان يكون اه من من اهل هذه المنزلة، انه لا احد يضمن مثل هذه المنزلة. وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها في حديث امير السرية الذي كان يقرأ قل هو الله احد لاصحابه في كل صلاة، قال: لانها صفة الرحمن.
فأنا أحب أن أقرأ بها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أخبروه أن الله يحبه.
طيب، أنا عندي سؤال الآن لكم: هذا الحديث يصلح دليلاً على أي منزلة؟ أي درجة من الدرجات العشر؟ الأسباب العشرة الموجبة لمحبة الله. في واحدة من العشرة هذا الدليل يصلح، هذا الحديث يصلح دليلاً عليها، الخامس اللي هو اللي هو مطالعة القلب بأسمائه وصفاته ومشاهدته إلى آخره.
ممم، ممكن أيضاً دعم ذكر اللحوم، لكنها أكثر في قضية اه يعني التعلق بالأسماء والصفات وما إلى ذلك. لأنه هذا الرجل قال: لأنها صفة الرحمن، فهو يحب أن يقرأ قل هو الله أحد لأنها صفة الرحمن.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أخبروها أن الله يحب، أن الله يحبهم. وفي جامع الترمذي من حديث أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: كان من دعاء داود عليه السلام، أو صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب العمل الذي يبلغني حبك.
اللهم اجعل حبك أحب إلي من نفسي وأهلي ومن الماء البارد. وفي رواية على الظمآن. طيب، وفيه أيضاً من حديث عبد الله بن يزيد الخطمي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه: اللهم ارزقني حبك وحب من ينفعني حبه عندك.
اللهم آآ ما رزقتني من من، اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب، وما زويت عني مما أحب فاجعله. أشار المحقق إلى ضعف هذا الحديث. والقرآن والسنة مملوءان بذكر من يحبه الله سبحانه من عباده المؤمنين، والقرآن والسنة مملوءان بذكر من يحبه الله سبحانه من عباده المؤمنين.
وذكر ما يحبه من أعمالهم وأقوالهم وأخلاقهم. إذاً يمكننا أن نقول أيضاً زيادةً على ما ذكر ابن القيم في الأسباب العشرة: نقول من الأسباب الموجبة لمحبة الله للعبد أن يلتزم بالصفات التي أخبر الله في القرآن أنه يحب أصحابها.
وقد أخبر الله في القرآن في مواضع كثيرة أنه يحب كذا، ويحب كذا، ويحب كذا؛ وبالتالي من يعمل هذه الأعمال، وخاصة لو احتسب في عملها إرادة محبة الله له، فهذا من الأسباب الموجبة لمحبة الله.
قال الله سبحانه وتعالى: وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ، وقال: فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ.
وقوله في ضد ذلك: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا.
وكم في السنة: أحب الأعمال إلى الله كذا وكذا، وأن الله يحب كذا وكذا، كقوله: أحب الأعمال إلى الله الصلاة على وقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله.
وأحب الأعمال إلى الله الإيمان بالله، ثم الجهاد في سبيله، ثم حج مبرور. وأحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه. وقوله: إن الله يحب أن يؤخذ برخصه.
فلو بطلت مسألة المحبة لبطلت جميع مقامات الإيمان والاحسان، ولتعطلت منازل السير إلى الله، فإنها روح كل منزلة وعمل.
فإذا خلا منها فهو ميت لا روح فيه، ونسبتها إلى الأعمال كنسبة الإخلاص إليها، بل هي حقيقة الإخلاص، بل هي نفس الإسلام؛ فانه الاستسلام للذل والحب والطاعة لله.
ومن لا محبة له لا إسلام له البتة، بل هي حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله، فإن الإله هو الذي يألهه العباد حباً وذلاً وخوفاً ورجاءً وتعظيماً وطاعةً له، بمعنى مألوه، وهو الذي تألوه القلوب، أي تحبه وتذل له، وأصل التأله التعبد.
والتعبد آخر مراتب الحب. يقال: عَبَدَه الحب وتَيَّمَه، إذا ملكه أو مَلَكَه وذلله لمحبوبه. فالمحبة حقيقة العبودية.
وهل تمكن أو هل تمكن الإنابة بدون المحبة والرضا والحمد والشكر والخوف والرجاء؟ وهل الصبر في الحقيقة إلا صبر المحبين؟ فإنه إنما يتوكل على المحبوب في حصول محابه ومراضيه.
وكذلك الزهد في الحقيقة هو زهد المحبين، فإنهم يزهدون في محبة ما سوى محبوبهم لمحبته. وكذلك الحياء في الحقيقة إنما هو حياء المحبين، فانه يتولد من بين الحب والتعظيم.
وأما ما لا يكون عن محبة فذلك خوف المحض. وكذلك مقام الفقر، فانه في الحقيقة فقر الأرواح إلى محبوبها، وهو أعلى أنواع الفقر؛ فانه لا فقر أتم من فقر القلب إلى من أحبه، لا سيما إذا وحده في الحب ولم يجد منه عوضاً سواه. هذا حقيقة الفقر عند العارفين.
وكذلك الغنى، هو الغنى هو غنى القلب بحصول محبوبه. وكذلك الشوق إلى الله تعالى ولقائه، فانه لب المحبة وسرها، كما سيأتي.
فمنكر هذه المسألة ومعطلها من القلوب معطل لذلك كله، وحجابه أكثف الحجب، وقلبه أقسى القلوب وأبعدها عن الله، وهو منكر لخلة إبراهيم عليه السلام، فإن الخلة كمال المحبة، وهو يتأول الخليل بالمحتاج. فخليل الله عنده هو المحتاج! فكم على قوله لله من خليل من بر وفاجر، بالمؤمن وكافر! إذ كثير من الكفار والفجار من ينزل حوائجه كلها بالله صغيرها وكبيرها، ويرى نفسه أحوج شيء إلى ربه في كل حالة.
فلا بالخلة أقر المنكرون ولا بالعبودية ولا بتوحيد الألوهية ولا بحق حقائق الإسلام والإيمان والإحسان.
ولهذا ضحى خالد بن عبد الله القسري بمقدم هؤلاء وشيخهم جعد بن درهم، وقال في يوم عيد الله الأكبر عقب خطبة خطبة: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم؛ فانه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً ولم يكلم موسى تكليماً، تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً. ثم نزل فذبحه، فشكر المسلمون سعيه ورحمه الله وتقبل منه.
فصل في مراتب المحبة. قال: أولها العلاقة. وسميت علاقة سميت علاقة لتعلق القلب بالمحبوب. قال الشاعر: علاقة أم الوليد بعيد ما أفنان رأسك كالثغام المخْلِص.
الثانية: الإرادة، وهي ميل القلب إلى محبوبه وطلبه له.
الثالثة: الصبابة، وهي انصباب القلب إليه بحيث لا يملكه صاحبه، كانصباب الماء في الحدود.
الرابعة: الغرام، وهو الحب اللازم للقلب الذي لا يفارقه، بل يلازمه كملازمة الغريم لغريمه. ومنه سمي عذاب النار غراماً للزومه لاهله وعدم مفارقته لهم. قال تعالى: إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا.
الخامسة: الوداد، وهو صفو المحبة وخالصها ولبها. والودود من أسماء الرب تعالى، وفيه قولان: أحدهما أنه المودود، يعني معنى الودود. قال البخاري رحمه الله في صحيحه: الودود الحبيب.
والثاني: أنه الواد لعباده أي المحب لهم، وقرنه باسمه الغفور إعلاماً بأنه يغفر الذنب ويحب التائب منه ويوده. فحظ التائب نيل المغفرة منه، وعلى القول الأول الودود في معنى يكون يكون سر الاقتران، أي اقتران الودود بالغفور، استدعاء مودة العباد له ومحبتهم إياه باسمه الغفور.
المرتبة السادسة: الشغف. يقال: شغف بكذا فهو مشغوف به، وقد شغفه المحبوب أي وصل حبّه إلى شغاف قلبه، كما قال النسوة عن امرأة العزيز: قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا.
وفيه ثلاثة أقوال: أحدها أن الحب إنه الحب المستولي على القلب حيث يحجبه عن غيره. الثاني: الحب الواصل إلى داخل القلب. قال صاحب هذا المعنى: أحببته حتى دخل حبه شغاف قلبه أي داخله. الثالث: أنه الحب الواصل إلى غشاء القلب والشغاف غشاء القلب إذا وصل الحب إليه باشر القلب.
وقرأ بعض السلف: شغفها شعفها بالعين المهملة، ومعناه ذهب الحب بها كل مذهب وبلغ بها أعلى مراتبه، ومنه شعث الجبال لرؤوسها.
السابعة: العشق، وهو الحب المفرط الذي يخاف على صاحبه منه، وعليه تأولوا تأول إبراهيم ومحمد بن عبد الوهاب لا أدري من يقصد به بالضبط ولا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به. قال محمد هو العشق، ورفع إلى ابن عباس شاب وهو يعرفه قد صار كالخلاف فقال: ما به؟ قالوا: العشق. فجاء ابن عباس رضي الله عنه عامة دعائه بعرفة الاستعاذة من العشق.
وفي اشتقاقه قولان: أحدهما أنه من العشقة محركة، وهي نبت أصفر يلتوي على الشجر فشبه به العاشق. والثاني: أنه من الإفراط. وعلى القولين فلا يوصف به الرب تبارك وتعالى، ولا العبد في محبة ربه، وإن أطلقه سكران من المحبة قد أفناه الحب عن تمييزه كان في خفارة صدقه ومحبته، وهذا سبق أنه أيضاً نبه إليه ابن تيمية في كتاب العبودية.
الثامن: التتيم وهو التعبد والتذلل. يقال: تيمه الحب أي ذلله وعبده. وتيم الله عبد الله، وبينه وبين اليتم الذي هو الانفراد تلاق في الاشتقاق الأوسط وتناسب في المعنى؛ فإن المتيم المنفرد بحبه وشجوه كأنفراد اليتيم بنفسه عن أبيه، وكل منهما مكسور ذليل، هذا كسره يتم وهذا كسره تيم.
التاسعة: التعبد، وهو فوق التتيم، فإن العبد هو الذي قد ملك المحبوب رقه، لم يبق له شيء من نفسه البتة. الكل هو عبد لمحبوبه ظاهراً وباطناً، وهذا هو حقيقة العبودية ومن كمل ذلك فقد كمل مرتبتها.
ولما كمل سيد ولد آدم هذه المرتبة وصفه الله بها في أشرف مقاماته، مقام الإسراء كقوله: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ، ومقام الدعوة كقوله: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ، ومقام التحدي كقوله: وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا، وبذلك استحق التقديم على الخلائق في الدنيا والآخرة.
وكذلك يقول المسيح عليه الصلاة والسلام لهم إذا طلبوا منه الشفاعة بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: فحصلت له تلك المرتبة بتكميل عبوديته لله تعالى وكمال مغفرة مغفرة الله له. وحقيقة العبودية الحب التام مع الذل التام والخضوع للمحبوب. يقول العرب: طريق معبد أي قد ذللته الأقدام وسهلته.
العاشرة: مرتبة الخلة التي انفرد بها الخليلان إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم، كما صح عنه أنه قال: إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، وقال: لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الرحمن. والحديثان في الصحيح، وهما يبطلان قول من قال: الخلة لإبراهيم والمحبة لمحمد، فإبراهيم خليله ومحمد حبيبه.
طيب، ثم ذكر ابتلاء إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه إسماعيل، وقال بعد ذلك آآ بعد قوله تعالى: إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ. وهو اختبار المحبوب لمحبه وامتحانه إياه ليؤثر مرضاته فيتم عليه نعمه، فهو بلاء محنة ومنحة معاً. وهذه الدعوة إنما دعا إليها بها خواص خلقه وأهل الألباب والبصائر منهم، فما كل أحد يجيب داعيها ولا كل عين قريرة بها.
وأهلها هم الذين حصلوا في وسط قبضة اليمين يوم القبضتين وسائر أهل اليمين في أطرادها، فما كل عين بالحبيب قريرة ولا كل من نودي يجيب المنادي.
ومن لا يجيب داعي هداك فخله، يجب كل من أضحى إلى الغي. يجب كل من أضحى إلى أي داعية. وقل للعيون الرمد إياك أن إياك أن ترى سنا الشمس، فاستغشى ظلام الليالي.
وسامح نفوساً لم يهبها لحبهم، ودعها وما اختارت ولا تكافيه. وقل للذي غاب يكفي عقوبة مغيبك عند الشأن لو كنت واعية وقل للذي غاب يكفيه عقوبة مغيبك عند الشأن لو كنت واعياً.
ووالله لو أضحى نصيبك وافراً رحمت رحمت عدواً حاسداً لك قَالِيَا. ألم تر آثار القطيعة قد بدت على حاله فارحمه إن كنت راثيا خفاف في شو أعشاها النهار بضوئه بضوئه ولا ولا أمها قطع من الليل باديا. فجعلت وصالت فيه حتى إذا النهار بدا وأعطت تواري فيا محنة الحسناء تهدى إلى امرئ ضرير وعنين من الوجد خاليا.
إذا ظلمة الليل انجلت بضيائها يعود لعينيه ظلاماً كما هي، فظن بها إن كنت تعرف قدرها إلى أن ترى كفئاً أتاك موافياً. فما مهرها شيء سوى الروح، أيها الجبان تأخر لست كفئاً مساوياً.
فكن أبداً حيث استقلت ركائب المحبة في ظهر العزائم سارية. ادلج ولا تخشى الظلام، فانه سيكفيك وجه الحب في الليل هادياً. وسُقْهَا بذكراه مطاياك سيكفي المطايا طيب ذكراه حادياً. وعدها بروح الوصل تعطيك سيرها، فما شئت واستبق عظام البوالي.
وأقدم فإما منية أو منية تريحك من عيش به لست راضياً. فما ثم إلا الوصل أو كلف بهم أو أو كلف بهم وحسبك فوزاً ذاك إن كنت واعياً. أما سئمت من عيشها نفس واله تبيت بنار البعد تلقى المكاويا.
أما موته فيهم حياة، وذله هو العز والتوفيق ما زال غاليا. أما يستحي من يدعي الحب باخلاً بما لحبيب يدعوه ذاليا! أما تلك دعوة دعوة كاذب ليس حظه من الحب إلا قوله والأمانيا؟ أما أنفس أو أما أما أما أنفس العشاق أما أنفس العشاق ملك لغيرهم بإجماع أهل الحب ما زال فاشيا؟
أما سمع العشاق قول حبيبة لصب بها أو لصب بها وافى من الحب شاكيا ولما شكوت الحب قالت كذبتني ولما شكوت الحب قالت كذبتني فما لي أرى الأعضاء منك كواسيا؟ فلا حب حتى يلصق القلب بالحشا وتخرس حتى لا تجيب المنادي وتنحل حتى لا يبقي لك الهوى سوى مقلة تبكي بها.
طيب، أكتفي بهذا القدر، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا حبه وحب من يحبه وحب العمل الذي يقربه إلى حبه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد