تسجيل الدخول

مدارج السالكين ١٩

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أستعين بالله وننطلق في هذا المجلس، الذي هو المجلس التاسع عشر من مجالس القراءة والتعليق على كتاب مدارج السالكين للإامام ابن القيم رحمه الله تعالى. كنا قد انتهينا يوم أمس من منزلة العلم، واليوم سنبدأ بمنزلة الحكمة. ومنزلة الحكمة من المنازل المهمة في مدارج السالكين.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: فصل: ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين؛ منزلة الحكمة. قال الله تعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً. وقال تعالى: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً.

وقال عن المسيح عليه السلام: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ. الحكمة في كتاب الله نوعان: مفردة، ومقترنة بالكتاب. فالمفردة فسرت بالنبوة، وفسرت بعلم القرآن. قال ابن عباس: هي علم القرآن؛ ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرام، وأمثاله. وقال مجاهد: القرآن والعلم والفقه‌. وفي رواية أخرى عنه: هي الإصابة في القول والفعل. وقال الحسن: الورع في دين الله؛ كأنه فسرها بثمرتها ومقتضاها. وأما الحكمة المقرونة بالكتاب فهي السنة. كذلك قال الشافعي وغيره من الأئمة. وقيل: هي القضاء بالوحي. وتفسيرها بالسنة أعم وأشهر.

وأحسن ما قيل في الحكمة قول مجاهد ومالك: إنها معرفة الحق والعمل به والإصابة في القول والعمل. وهذا لا يكون إلا بفهم القرآن والفقه، والفقه في شرائع الإسلام وحقائق الإيمان. والحكمة حكمتان: علمية وعملية. العلمية: الاطلاع على بواطن الأشياء، ومعرفة ارتباط الأسباب بمسبباتها خلقاً وأمراً، قدراً وشرعاً. والعملية: كما قال صاحب المنازل وهي وضع الشيء في موضعه.

لما كانت الأشياء لها مراتب وحقوق تقتضيها شرعاً وقدراً، ولها حدود ونهايات تصل إليها ولا تتعداها، ولها أوقات لا تتقدم عنها ولا تتأخر، كانت الحكمة مراعاة هذه الجهات الثلاث؛ بأن تعطي كل مرتبة حقها الذي أحقه الله لها بشرعه وقدره، ولا تتعدى بها حدها فتكون متعدياً مخالفا للحكمة، ولا تطلب تعجيلها عن وقتها فتخالف الحكمة، ولا تؤخرها عنه فتفوتها. وهذا حكم عام لجميع الأسباب مع مسبباتها شرعاً وقدراً؛ فإضاعتها تعطيل للحكمة بمنزلة إضاعته البذر وسقي الأرض، وتعدي الحق كسقيها فوق حاجتها بحيث يغرق البذر والزرع ويفسد، وتعجيلها عن وقتها كحصاده قبل إدراكه وكماله.

وكذلك ترك الغذاء والشراب واللباس إخلال بالحكمة، وتعدي الحد المحتاج إليه خروج عنها أيضاً، وتعجيل ذلك قبل وقته إخلال بها، وتأخير غيره عن وقته إخلال بها. فالحكمة إذن فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي.

فعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي، حقيقة هذا الكلام مهم جداً. والإنسان يتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: إنما الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة. حين ترى كثرة العاملين وكثرة أصحاب النوايا الحسنة، ولكن الذين يوفقون ويسددون لإصابة أو لفعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي هم قليل جداً، ويُؤْتَى الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً.

كثيراً ما يؤتى الإنسان من قلة حكمته، مع التنبيه إلى أنه الإنسان يعني ليس كل من يدعي الحكمة أو ليس كل فعل يلبس لباس الحكمة فمعناه أن هو فعلاً حكمة، وإنما الأمر بما يعني بما يكون فيه اعتدال وتوازن، وخاصة فيما يتعلق بالأوقات. على أية حال، قال ابن القيم رحمه الله: فالحكمة إذن فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي. والله تعالى أورث الحكمة آدم وبنيه. فالرجل الكامل من له إرث كامل من أبيه، ونصف الرجل المرأة لها نصف ميراث، والتفاوت في ذلك لا يحصيه إلا الله تعالى.

وأكمل الخلق في هذا الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وأكملهم أولو العزم، وأكملهم محمد صلى الله عليه وسلم. ولهذا امتن الله سبحانه وتعالى عليهم وعلى أمتهم بما آتاهم من حكمة، كما قال تعالى: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لمْ تَكُنْ تَعْلَمُ. وقال تعالى: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ.

فكل نظام الوجود مرتبط بهذه الصفة، وكل خلل في الوجود وفي العبد فسببه الإخلال بها. فأكمل الناس أوفرهم منها نصيباً، وأنقصهم وأبعدهم عن الكمال أقلهم منها ميراثاً. ولها، أي للحكمة، ثلاثة أركان: العلم، والحلم، والأناة؛ وهذه مهمة، للحكمة ثلاثة أركان: العلم، والحلم، والأناة، وآفاتها وأضدادها: الجهل، والطيش، والعجلة. فلا حكمة لجاهل ولا طائش ولا عجول.

ثم تكلم عن عدل الله سبحانه وتعالى، وعلق آية تعليقاً جميلا جداً هو يتكلم عن عدل الله في حكمه حتى في قضية عذاب الكفار وما إلى ذلك. لكن في صفحة ثلاثمائة وأربعة وخسين يقول: ابن القيم يقول ولو بسط الله الرزق لعباده لفسدوا وهلكوا، ولو علم في الكفار خيراً وقبولاً لنعمة الإيمان وشكراً له عليها ومحبة له واعترافاً بها لهداهم إلى الإيمان، ولهذا لما قالوا للمؤمنين: أهؤلاء من الله عليهم من بيننا؟ أجابهم بقوله: أليس الله بأعلم بالشاكرين؟

سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: هم أي الشاكرين الذين يعرفون قدر نعمة الإيمان ويشكرون الله عليها. هذا حقيقة معنى خطير جداً في فهم الحكمة الإلهية؛ أنه أليس الله بأعلم بالشاكرين؟ يعني أليس الله بأعلم بنفوس عباده، ومن منهم سيشكر نعمة الإيمان لو وهبها يعني سيكون شاكراً له؟ فهو سبحانه ما أعطى إلا بحكمته، ولا منع إلا بحكمته، ولا أضل إلا بحكمته. وإذا تأمل البصير أحوال العالم وما فيه من نقص رآه عين الحكمة، وما عمرت الدنيا والآخرة والجنة والنار إلا بحكمته.

طيب، ثم بهذا القدر ننتقل للمنزلة الثانية، هذا فصل من منازل إياك نعبد وإياك نستعين: منزلة الفراسة. قال الله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ. قال مجاهد رحمه الله: المتفرسين. وقال ابن عباس رضي الله عنه: للناظرين. وقال قتادة: للمعتبرين. وقال مقاتل: للمتفكرين. ولا تنافي بين هذه الأقوال، فإن الناظر متى نظر في آثار ديار المكذبين ومنازلهم وما آل إليه أمرهم أورثه فراسة وعبرة وفكراً.

وقال تعالى في حق المنافقين: وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ. فالأول فراسة النظر والعين اللي هو فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ، والثاني فراسة الأذن والسمع اللي هو وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ.

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: علق معرفته إياهم بالنظر على المشيئة، ولم يعلق تعريفهم بلحن خطابهم على شرط، بل أخبر به خبراً مؤكداً بالقسم، فقال: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ. وهو تعريض الخطاب وفحوى الكلام ومغزاه. واللحن ضربان: صواب وخطأ.

فلحن الصواب نوعان؛ أحدهما: الفطنة، ومنه حديث: ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض. هذا حديث معروف في البخاري. ومن المهم جداً أنه يعني نفهم وجوه معاني الألفاظ الشرعية، فاللحن لا يأتي على معنى واحد في الشريعة، وإنما يأتي على معاني متعددة، بعضها يأتي بمعنى أو حتى في اللغة العربية بشكل عام يأتي بمعنى الصواب ويأتي بمعنى الخطأ، والصواب نفسه أنواع.

النوع الأول هو الفطنة، فلعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض. الثاني: التعريض والإشارة، وهو قريب من الكناية، ومنه قول الشاعر: وحديث الذهب وهو مما يشتهي السامعون، يوزن وزناً منطق صائب وتلحن أحياناً وخير الحديث ما كان لحناً. والثالث: فساد المنطق في الإعراب، وحقيقته تغيير الكلام عن وجهه إما إلى خطأ، وإما إلى معنى خفي لم يوضع له اللفظ، ويمكن هذا أشهر للحن كشهرة لغوية عامة. والمقصود أنه سبحانه أقسم على ما أقسم على معرفتهم من لحن خطابهم؛ فإن معرفة المتكلم وما في ضميره من كلامه أقرب من معرفته بسيماه وما في وجهه، فإن دلالة الكلام على قصد قائله وضميره أظهر من السيماء المرئية. والفراسة تتعلق بالنوعين: بالنظر والسماع. وفي الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله، وفي الحديث فيه ضعف.

ثم قال فصل: والفراسة ثلاثة أنواع؛ إيمانية وهي المتكلم فيها في هذه المنزلة، وسببها نور يقذفه الله في قلب عبده يفرق به بين الحق والباطل، والحالي والعاطل، والصادق والكاذب. وحقيقتها أنها خاطر يهجم على القلب ينفي ما يضاده، يهجم على القلب كوثوب الأسد على الفريسة، لكن الفريسة فعيلة بمعنى مفعولة، وبناء الفراسة كبناء الولاية والامارة والسياسة. وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان، فمن كان أقوى إيماناً فهو أحد فراسة.

ثم قال في صفحة ثلاثمائة واثنين وستين: وقال ابن مسعود رضي الله عنه: أفرس الناس ثلاثة؛ العزيز في يوسف حيث قال لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا، وابنة شعيب حين قالت لأبيها في موسى استأجره، وأبو بكر في عمر رضي الله عنهما حين استخلفه، وفي رواية أخرى: وامرأة فرعون حين قالت: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً.

وكان الصديق رضي الله عنه أعظم الأمة فراسة، وبعده عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ووقائع فراسته مشهورة؛ فإنه ما قال لشيء أظنه كذا إلا كان كما قال، ويكفي في فراسته موافقته ربه في المواضع المعروفة، هذا كلام جميل، طبعا معروف والمواقف التي وافق فيها عمر بن الخطاب ربه سبحانه وتعالى.

والحديث في الصحيح في البخاري، ومر به سواد بن قارب ولم يكن يعرفه فقال: لقد أخطأ ظني أو إن هذا كاهن، أو كان يعرف الكهانة في الجاهلية. فلما جلس بين يديه قال له ذلك عمر، فقال: سبحان الله يا أمير المؤمنين ما استقبلت أحداً من جلسائك بمثل ما استقبلتني به؟ فقال وعمر: ما كنا عليه في جاهلية أعظم من ذلك، ولكن أخبرني عما سألتك عنه. فقال: صدقت يا أمير المؤمنين كنت كاهناً في الجاهلية. ثم ذكر القصة.

ثم في الصفحة التالية قال: واصل هذا النوع من الفراسة من الحياة والنور اللذين يهبهما الله تعالى لمن يشاء من عباده، فيحيي القلب بذلك ويستنير فلا تكاد فراسته تخطئ. قال الله تعالى: أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا، كان ميتاً بالكفر والجهل فأحياه الله بالإيمان والعلم، وجعل له بالقرآن والإيمان نوراً يستضيء به في الناس على قصد السبيل ويمشي به في الظلم. والله أعلم هذا النوع الأول من الفراسة.

الفراسة الثانية: فراسة الرياضة والجوع والسهر والتخلي، فإن النفس إذا تجردت عن العوائق صار لها من الفراسة والكشف بحسب تجردها. وهذه فراسة مشتركة بين المؤمن والكافر، ولا تدل على إيمان ولا على ولاية، وكثير من الجهال يغتر بها.

ثم قال: الفراسة الثالثة: الفراسة الخَلْقية، وهي التي صنف فيها الأطباء وغيرهم، واستدلوا بالخَلْق على الخُلُق، لما بينهما من الارتباط الذي اقتضته حكمة الله تعالى. طبعا هنا ذكر نماذج على أشياء خَلْقية تدل على أشياء خُلُقية، ولكن برأيي أنه مثل هذه الأشياء تحتاج إلى إثبات، إثبات حقيقي، يعني إثبات واقعي، إثبات علمي، إثبات طبي، لأنه قد تكون هذه من الأشياء المتداولة في تلك المرحلة، وقد لا تكون صحيحة.

مثلاً قال: الاستدلال على صغر الرأس الخارجة عن العادة على صغر العقل، وبكبره على كبره، وبسعة الصدر وبعد ما بين جانبيه على سعة خُلُق صاحبه وبضيقه على ضيقه، وبخمود العين وكلام نظرها على بلادة صاحبها وضعف حرارة قلبه. إلى آخر الكلام، أنا لا أظن أنه هذا الكلام يعني يوضع هكذا على إطلاقه، وإنما قد يكون بعضها صحيحاً وقد لا يكون بعضها صحيحاً، تحتاج القضية إلى إثبات.

طيب، ثم آخر صفحة ثلاثمائة وسبعة وستين قال: وللفراسة سببان؛ أحدهما: جودة ذهن المتفرس، وحدة قلبه، وحسن فطنته. والثاني: ظهور العلامات والأدلة على المتفرس فيه. فإذا اجتمع السببان لم تكد تخطئ للعبد فراسة، وإذا انتفيا لم تكد تصح له فراسة، وإذا قوي أحدهما وضعف الآخر كانت فراسته بين بين. وكان إياس بن معاوية من اعظم الناس فراسة، وله الوقائع المشهورة، وكذلك الشافعي رحمه الله، وقيل إن له فيها تعارف.

ولقد شاهدت من فراسة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أموراً عجيبة، وما لم أشاهده منها أعظم وأعظم، ووقائع فراسته تستدعي سفراً ضخماً. أخبر أصحابه بدخول التتار الشام سنة تسعة وتسعين وستمائة، وأن جيوش المسلمين تكسر، وأن دمشق لا يكون بها قتل عام ولا سد عام، وأن كَنَف الجيش وحدته في الأموال، وهذا قبل أن يهم التتار بالحركة. ثم أخبر الناس والأمراء سنة اثنتين وسبعمائة لما تحرك التتار وقصدوا الشام أن الدائرة والهزيمة، وأن الظفر والنصر للمسلمين، وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يميناً، فيقال له: قل إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً.

ثم قال: ولما طلب إلى الديار المصرية وأريد قتله بعدما أنضجت له القدور وقلبت له الأمور، اجتمع أصحابه لوداعه وقالوا: قد تواترت الكتب بأن القوم عاملون على قتلك. فقال: والله لا يصلون إلى ذلك أبدا. قالوا: افتحبس؟ قال: نعم، ويطول حبسي، ثم أخرج وأتكلم بالسنة على رؤوس الناس. سمعته يقول ذلك. ولما تولى عدو الملقب بالجاشنكير الملك أخبروه بذلك وقالوا: الآن بلغ مراده منك؛ فسجد لله شكراً وأطال. وقيل له، فقيل له: ما

بسبب هذه السجدة. قال: هذا بداية ذله، ومفارقة عزه من الآن، وقرب زوال أمره. قيل: متى هذا؟ قال: لا تربط خيول الجندي على القرط حتى أو القرطي حتى تغلب دولته. فوقع الأمر مثل ما أخبر، سمعت ذلك منه.

وقال مرة: يدخل علي أصحابي وغيرهم، فأرى في وجوههم وأعينهم أموراً لا أذكرها لهم. فقلت له أو غيري: لو أخبرتهم؟ فقال: أتريدون أن أكون معرفاً كمعرف الولاة؟ وقلت لهم وقلت له يوماً: لو عاملتنا بذلك لكان أدعى إلى الاستقامة والصلاح. فقال: لا تصبرون معي على ذلك جمعة أو قال شهراً. وأخبرني غير مرتين بأمور باطنة تختص بي مما عزمت عليه ولم ينطق به لساني، وأخبرني ببعض حوادث كبرى تجري في المستقبل ولم يعين أوقاتها، وقد رأيت بعضها وأنا أنتظر بقية، وما شاهده كبار أصحابه من ذلك أضعاف أضعاف ما شاهدته، والله أعلم.

اه، طبعا مثل هذي الأشياء، اه، يعني تناقش بعدة نقاط منهجية أو ينظر إليها بعدة نقاط منهجية. أولا، آآ هناك قاعدة شرعية متفق عليها، وهي أنه لا يعلم الغيب إلا الله سبحانه وتعالى. اه، الأمر الثاني: هناك قاعدة شرعية أيضا من قواعد أهل السنة والجماعة، أن هناك كرامات للأولياء، والكرامات هي أشياء خارقة للعادة. اه، وقد أنكر الكرامات بعض الطوائف مثل المعتزلة أو بعض المعتزلة. اه، ولكن هي ثابتة عند أهل السنة والجماعة، ولها نماذج وأمثلة في وقت النبي صلى الله عليه وسلم لغير النبي صلى الله عليه وسلم، اه، وبعد النبي صلى الله عليه وسلم. اه، فمن القصص التي حدثت في وقت النبي صلى الله عليه وسلم: قصة تكثير الطعام لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. وبعد النبي صلى الله عليه وسلم هناك قصص كثيرة للصالحين وغيرهم. آآ فهذه هذه نقطة، وهي قد تكون من هذا الباب.

الأمر الثالث: أنه أنه بعض الأمور يعرفها الإنسان من خلال آآ ما يلهمه الله أو يفتح عليه الله من خلال معرفته آآ بسنن الله سبحانه وتعالى، معرفتي بسنن الله، يعني ابن تيمية لمن قال إنه احنا منصورين في هذي المعركة، لما نقول له قولوا إن شاء الله، ويحلف سبعين يمين إن شاء الله، وهو يقول إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا. هنا أحيانا مثل هذه الأمور آآ قد تكون من معرفته بسنن الله سبحانه وتعالى. يعني مثلا من الأمور التي تؤيد هذا المعنى: أنه النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله لن يسلط على آآ الأمة عدوا من سوى أنفسها فيستبيح بيضتها. خلاص، هذي سنة قضاها الله سبحانه وتعالى. الأمة هذي، أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لن يأتي عدو يفنيها، يستبيح بيضتها. فلما جاء التتار في تلك المرحلة وقضوا على أكثر البلاد الإسلامية، لم يبق لبلاد المسلمين إلا الشام ومصر فقط، هذا الذي بقي، فلعله من هنا من مثل هذه المعاني قال إنه يعني يستحيل إنه احنا إنه نلزم، أو هذا يكون من الأشياء التي استند عليها هذي الأمر الثالث اللي هو المعرفة بالسنن الإلهية.

الأمر الرابع، اه، هو قضية قضية الرؤى، الرؤى الصالحة. والله سبحانه وتعالى يعني هو الذي يري الإنسان آآ المسلم الصالح الصالحة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها جزء من النبوة، كما في الحديث الصحيح: الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة. وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: الرؤيا الصالحة من الله، أو الرؤيا من الله والحلم من الشيطان، اه، إلى آخره. يعني ينبغي الإنسان أنه يراعي كل هذي النقاط في مثل هذي القصص اللي هي ثابتة قطعا، لأنه الإمام ابن القيم هو الذي يتحدث فيها بنفسه ويقول: أنا سمعته يقول كذا وصار وقع مثل هذا.

بقي أنا أقول تنبيها أخيرا نبه عليه ابن القيم رحمه الله، أن أن من أنكر كرامات الأولياء، اه، أو عفوا، لم ينبه ابن القيم، اه، والله ربما أشار له، لكن أنا أذكر أيضا ابن تيمية أظن نبه على هذا في شرح الإصبهانية، هو أن أنه أنه هناك من أنكر كرامات الأولياء حتى يحفظ مقام النبوة، لأن النبوة عندهم أنها لا يستدل عليها إلا بالمعجزة، آآ فإنكار الكرامة آآ من باب حفظ دليل النبوة. لكن هذا طبعا أمر معروف، لكن الذي ذكره، المعنى الذي ذكره هو أن الأولياء في الحقيقة هي من دلائل النبوة، لأن الأولياء إنما أعطوا ما أعطوا من كرامات نتيجة اتباعهم لهذا النبي، فهم ينتسبون إليه، ويعتزون إليه، ويتبعونه، ويقرون بنبوته، وبمقدار اتباعهم له يكون لهم أو يكون لبعضهم من الكرامات، فهي بالعكس هي مؤيدة للنبي وليست معارضة له حتى تنكر من باب حفظ معجزات الأنبياء، على آية حال.

اه، قال: طيب، اه، يكفي هذا، ننتقل للمنزلة التالية. قال: فصل المنازل: إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ. منزلة التعظيم. ما هي منزلة قصيرة، اه، ليست طويلة، وأيضا سنتجاوز أكثر ما فيها وننتقل للمنزل التالي إن شاء الله. قال: ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة التعظيم. وهذه المنزلة تابعة معرفة، فعلى قدر المعرفة يكون تعظيم الرب تعالى في القلبين. وأعرف الناس به أشدهم له تعظيما وإجلالا. وقد ذم الله تعالى من لم يعظمه حق عظمته، ولا عرفه حق معرفته، ولا وصفه حق صفته، وأقوالهم تدور على هذا، فقال تعالى: مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهَ وَقَارًا.

قال ابن عباس، مجاهد: لا ترجون لله عظمة. وقال سعيد بن جبير: ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته. وقال الكذبي: لا تخافون الله عظمة. وقال البغوي: والرجاء بمعنى المخوف. وهذا سبق معانا أنه الرجاء يأتي بمعنى الخوف. فمالكم لا ترجون لله وقارا أي تخافون، والوقار العظمة، اسم من التوقير وهو التعظيم. وقال الحسن: لا تعرفون لله حقا ولا تشكرون له نعمة. وقال ابن كيسان: لا ترجون في عبادة الله أن يثيبكم على توكيلكم إياه خيرا.

وروح العبادة هو الإجلال والمحبة، فاذا تخلى أحدهما عن الآخر فسدت. فإذا اقترن بهذين الثناء على المحبوب المعظم فذلك حقيقة الحمد. يعني حقيقة الحمد الثناء الناتج عن أمريني، الإجلال والمحبة، إجلال الله سبحانه وتعالى لعظمته وصفاته وإلى آخره، والمحبة الناتجة عن ملاحظة نعمته وغير ذلك.

طيب، اه، في ملاحظة مهمة في صفحة ثلاث مئة وثلاثة وثمانين يقول: ومن العلل التي آآ توهن الانقياد، ومن العلل التي توهن الانقياد، يعني العلل التي آآ يقصد يعني العلل، ذكر ذكر حكمة الحكم أو علة الحكم الشرعي. يقول: أن يعلل الحكم بعلة ضعيفة لم تكن هي الباعثة عليه في آآ نفس الأمر، فيضعف انقياد العبد إذا قام عنده أن هذه هي علة الحكم. ولهذا كانت طريقة القوم عدم التعرض لعلل التكاليف خشية المحظور. وفي بعض الآثار القديمة: يا بني إسرائيل، لا تقولوا لما أمر ربنا، ولكن قولوا بما أمر ربنا. وأيضا فإنه إذا لم يمتثل الأمر حتى تظهر له علته لم يكن منقادا للأمر، وأقل درجاته أن يضعف انقياده له.

وأيضا فإنه إذا نظر إليه حكم العبادات والتكاليف مثلا، وجعل العلة فيها هي جمعية القلب والاقبال به على الله، فقال: أنا أشتغل بالمقصود عن الوسيلة، فاشتغل بجمعية وخلوته عن أوراد العبادات، اه، فاشتغل بجمعيته وخلوته عن أوراد العبادات فعطلها وترك الانقياد بحمله الأمر على العلة التي أذهبت انقياده. وكل هذا من ترك تعظيم الأمر والنهي، وقد دخل من هذا الفساد على كثير من الطوائف ما لا يعلمه إلا الله، إلا الله. فما يدري ما أوهنت العلل الفاسدة من الانقياد إلا الله، فكم عطلت لله من أمر، وأباحت من نهي، وحرمت من مباح، وهي التي اتفقت كلمة السلف على ذمها. هذي هذي ملاحظة مهمة منهجية.

طيب، ننتقل للمنزلة التالية. قال: فصل، ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة السكينة. هذه المنزلة من منازل المواهب لا من منازل المكاسب، وقد ذكر الله سبحانه السكينة في كتابه في ستة مواضع.

الأول: قوله تعالى: وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ.

الثاني: قوله تعالى: ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ.

الثالث: قوله تعالى: إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا.

الرابع: قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ.

الخامس: قوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا.

السادس: قوله تعالى: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ.

وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إذا اشتدت عليه الأمور قرأ آيات السكينة. وسمعته يقول في واقعة من عظيمة جرت له في مرضه، تعجز العقول عن حملها، من محاربة أرواح شيطانية ظهرت له إذ ذاك في حال القوة، قال: فلما اشتد علي الأمر قلت قلت لأقارب ومن حولي: اقرأوا آيات السكينة. قال: ثم أقلع عني ذلك الحال، وجلست وما بي قلبة.

وقد جربت أنا أيضا قراءة هذه الآيات عند اضطراب القلب بما يرد عليه، فرأيت لها تأثيرا عظيما في كونه وطمأنينته. قال: وأصل السكينة هي الطمأنينة والوقار، والسكون الذي ينزله الله في قلب عبده عند اضطرابه من شدة المخاوف، فلا ينزعج بعد ذلك لما يرد عليه ويوجب له زيادة الإيمان وقوة اليقين والثبات. ولهذا أخبر سبحانه عن انزالها على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين في مواضع القلق والاضطراب: كيوم الهجرة، إذ هو وصاحبه في الغار، والعدو آآ فوق والعدو فوق رؤوسهم، لو نظر أحدهم إلى ما تحت قدميه لرآهما. وكيوم حنين حين ولوا مدبرين من شدة بأس الكفار، لا يلوي أحد منهم على أحد. وكيوم الحديبية حين اضطربت قلوبهم من تحكم الكفار عليهم ودخولهم تحت شروطهم التي لا تحتملها النفوس، وحسبك وحسبك بضعف عمر رضي الله عنه عن حملها وهو عمر، حتى ثبته الله بالصديق.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: كل سكينة في القرآن فهي طمأنينة إلا التي في سورة البقرة، التي في سورة البقرة اللي هي آآ إن آية الملك يأتيكم التابوت فيه سكينة. وفي الصحيحين عن البراء بن عازب رضي الله عنهما أو رضي الله عنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ينقل من تراب الخندق حتى وارى التراب جلدة بطنه، هو يرتجز بكلمة عبد الله بن رواحة رضي الله عنه: اللهم لولا أنت ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا، فأنزلا سكينة علينا، وثبت الأقدام، إلا قيل إن العلا قد بغوا علينا، إذا أرادوا فتنة أبينا. وفي صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة: إني باعثا نبيا أميا، ليس بفضل ولا غليظ، وفيها: ثم أجعله السكينة لباسا.

طيب، ثم ذكر الخلاف في السكينة التي نزلت على بني إسرائيل، هل هي ريح، هل هي أول عين، أو إلى آخره، ليست في صلب الموضوع آآ ثم قال في ثلاث مئة وستة.

إيوه، هنا سبحان الله الموضع آآ منزلة السكينة، لم أجد وقتا لقراءتها اليوم قبل الدرس، وكنا قرأناها قبل فترة مع بعض الزملا، لكن سبحان الله المعنى اللي ذكرته قبل قليل في قضية الكرامات، يعني هنا في في مزرعة السكينة في أعلى الصفحة ثلاث مئة وتسعة وتسعين يقول: وكرامات الأولياء هي من معجزات الأنبياء، لأنهم إنما نالوها على أيديهم وبسبب اتباعهم، فهي لهم كرامات وللأنبياء دلالات. فكرامات الأولياء لا تعارض معجزات الأنبياء حتى يطلب الفرقان، حتى يطلب الفرقان بينهما، لأنها من أدلتهم وشواهد بصدقهم. نعم، الفرقان ما بين مال الأنبياء ومال الأولياء من وجوه كثيرة جدا، ليس هذا موضوع ذكرها، وغير هذا الكتاب أليق بها.

طيب، ثم قال: فصل، السكينة إذا نزلت على القلب اطمأن بها، وسكنت إليها الجوارح، وخشعت، واكتسبت الوقار، وأنطقت اللسان أو مكتسبة الوقار، وأنطقت اللسان بالصواب والحكمة، وحالت بينه وبين قول الخنا والفحش واللوث والهجري وكل باطل.

قال ابن عباس: كنا نتحدث أن السكينة تنطق على لسان عمر وقلبه. وكثيرا ما ينطق صاحب السكينة بكلام لم يكن عن فكرة منه ولا روية ولا هبة، ويستغربه آآ هو من نفسه، كما يستغرب السامع له، وربما لا يعلم بعد انقضائه بما صدر منه. وأكثر ما يكون هذا عند الحاجة وصدق الرغوة من السائل والمجالس، وصدق الرغبة منه هو إلى الله، والاسراع بقلبه إلى بين يديه وحضرته مع تجرده من الأهواء، وتجريده النصيحة لله ولرسوله ولعباده المؤمنين، وإزالة نفسه من البين. ومن جرب هذا عرف قدر منفعته وعظمتها وعظمها، وساء ظنه بما يحسن به الغافلون ظنونهم من كثير من كلام الناس.

وهذي لفتة أيضا مهمة جدا، آآ أكثر من يستفيد منها القائمون على الدعوة وإرشاد الناس وتوجيههم، إنه هو يقول لك: ترى قد ينزل الله عليك سكينة وأنت تحدث الناس، وهذه السكينة آآ ربما تهتدي بها إلى شيء من الحق يفتح عليك فيه لم يكن يفتح عليك في آآ في يعني بسبب تحضيرك للمادة، أو بسبب تذكرك لها، وأنما آآ بسبب معاني معينة ارتبطت، آآ وأشار هو إلى معنى لطيف أيضا قال: إنه ترى صدق الحاضرين أحيانا يكون سببا، أنه قال: وأكثر ما يكون هذا عند الحاجة وصدق الرغبة من السائل والمجالس، يعني قد يأتي سائل يسألك والله يعلم صدقه وحاجته للعلم وما إلى ذلك، فيفتح الله عليك ما يكرمه به من العلم، خاصة مع آآ مع وجود الصدق، وكما قال: إخراج النفس من البين.

آآ طيب، نذهب إلى أربع مئة وواحد، قال: فصل، فإذا حصلت هذه الثلاثة بالسكينة وهي النور والحياة والروح.

اه، سكن إليها العصي، وهو الذي سكونه إلى المعصية والمخالفة لعدم سكينة الإيمان في قلبه. صار السكون إليها عوض سكونه إلى الشهوات والمخالفات، فإنه قد وجد فيها مطلوبه، وهو اللذة التي كان يطلبها من المعصية ولم يكن له ما يعيضه عنها.

فإذا نزلت عليه السكينة اعتاظ بلذتها وروحها ونعيمها عن لذة المعصية، فاستراحت بها نفسه وهاج إليها قلبه، ووجد فيها من الروح والراحة واللذة ما لا نسبة بينه وبين اللذة الجسمانية النفسية، فصارت لذته روحانية قلبية بعد أن كانت جسمانية فانسلب منها وحبس عنها وخلصته.

فإذا تألقت بروقها قال: تألق البرق نجديا فقلت له يا أيها البرق إنى أنت مشغول. وإذا طرقته طيوفها الخيالية في ظلام ليل الشهوات نادى لسان حاله وتمثل بمثل قوله: طرقتك صائدة القلوب وليس ذا وقت الزيارة فارجعي بسلام.

فإذا ودعته وعزمت على الرحيل ووعدته بالموافاة، تمثل بقول الآخر: قالت وقد عزمت على ترحالها ماذا تريد وقلت ألا ترجعي. فإذا باشرت هذه السكينة قلبه سكنت خوفه، وهي قوله يسكن إليها الخائف، وسلت حزنه، فإنه لا حزن معها فهي سلوة المحزون ومذهبة الهموم والغموم.

وكذلك تذهب عنه وخم ضجره وتبعث نشوة العزم، وحالت بينه وبين الجرأة على مخالفة الأمر وبين إباء النفس والانقياد إليهم. الله سبحانه وتعالى يعني كما أن الله سبحانه وتعالى يكرم الإنسان بتيسير أموره وأن يرزقه بعض الأمور من الأمور الدنيوية استجابة لدعائه أو أياً كان من المواهب الإلهية، فإن من أعظم المواهب الإلهية أن يهب الله الإنسان السكينة.

وكما ذكر ابن القيم هي في مقامات مختلفة ولها يعني صور متعددة. هذه الأخيرة أيضاً هي لفتة جميلة وهي أنه السكينة التي تنزل على التائب الذي هجر المعصية وكان سابقاً يلتذ بالمعصية ثم يريد أن يتشبث بشيء يعيضه عن تلك اللذة، فينزل الله عليه سكينة يجد فيها من اللذة الروحية والسعادة والهناء والسكينة والسكون ما اه إذا برق له فارق الشهوة مرة أخرى.

اه يقول: قالت وقد عزمت على ترحالها ماذا تريد فقلت ألا ترجعي.

طيب، ذكر الهروي سكينة الوقار نوع من أنواع السكينة. سكينة الوقار قال ابن القيم: هي نوع من السكينة، ولكن لما كانت موجبة للوقار سماها الشيخ سكينة الوقار. قال: يريد به الوقار والخشوع، عفواً ذكر درجاتها واحدة من الدرجات سكينة الخشوع عند القيام للخدمة. قال: يريد به الوقار والخشوع الذي يحصل لصاحب مقام الإحسان. ولما كان الإيمان موجباً للخشوع وداعياً إليه، قال الله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ. دعاهم من مقام الإيمان إلى مقام الإحسان.

يعني أما آن لهم أن يصلوا إلى الإحسان بالإيمان وتحقيق ذلك بخشوعهم لذكره الذي أنزله عليهم، رعاية وتعظيماً وحضوراً، هذه ثلاثة أمور تحقق الخشوع في الخدمة. وهي رعاية حقوقها الظاهرة والباطنة فليس يضيعها خشوع ولا وقار.

طيب، نختم الحديث بمرور سريع على منزلة الطمأنينة آخر منزلة ونختم إن شاء الله. قالوا من منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الطمأنينة. قال الله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بذكر اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ. وقال تعالى: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي.

الطمأنينة سكون القلب إلى الشيء وعدم اضطرابه وقلقه. الأثر المعروف: الصدق طمأنينة والكذب ريبة، أي أن الصدق يطمئن إليه قلب السامع ويجد عنده سكوناً إليه، والكذب يوجب له اضطراباً وارتياباً. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: البِرُّ مَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ. أي سكن إليه وزال عنه اضطرابه وقلقه.

وفي ذكر الله هاهنا قولان في الآية: الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، إيش المقصود بذكر الله؟ قال: هناك هنا قولان. القول الأول أنه ذكر العبد ربه، فإنه يطمئن إليه قلبه ويسكن، فإذا اضطرب القلب وقلق فليس له ما يطمئن به سوى ذكر الله. ثم اختلف أصحاب هذا القول فيه؛ فمنهم من قال هذا في الحلف واليمين إذا حلف المؤمن على شيء سكنت قلوب المؤمنين إليه واطمأنت، ويروى هذا ابن عباس. ومنهم من قال: بل هو ذكر العبد ربه بينه وبينه يسكن إليه قلبه ويطمئن.

والقول الثاني: أن ذكر الله هاهنا القرآن، وهو ذكره الذي أنزله على رسوله به طمأنينة قلوب المؤمنين. فإن القلب لا يطمئن إلا بالإيمان واليقين، ولا سبيل إلى حصول الإيمان واليقين إلا من القرآن. فإن سكون القلب وطمأنينته من يقينه واضطرابه وقلقه من شكه، والقرآن هو المحصل لليقين الدافع للشكوك والظنون والأوهام، فلا تطمئن قلوب المؤمنين إلا به. وهذا القول هو المختار.

هذا الآن ترجيح ابن القيم: الذين آمنوا تطمئن قلوبهم بذكر الله أي بالقرآن. وكذلك القولان أيضاً في قوله تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا، والصحيح أنه ذكره الذي أنزله على رسوله وهو كتابه، من أعرض عنه قيض الله له شيطاناً يضله ويسده عن السبيل ويحسب أنه على هدى. وكذلك القولان أيضاً في قوله تعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ، والصحيح أنه ذكره الذي أنزله على رسوله وهو كتابه. ولهذا يقول المعرض عنه: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ.

وأما تأويل من تأوله على الحلف ففي غاية البعد عن المقصود؛ فإن ذكر الله بالحلف يرجعه اللسان الصادق والكاذب والبر والفاجر، المؤمنون تطمئن قلوبهم إلى الصادق ولو لم يحلف، ولا تطمئن قلوبهم إلى من يرتابون فيه ولو حلف. وقد جعل الله سبحانه الطمأنينة في قلوب المؤمنين ونفوسهم، وجعل الغبطة والمدحة والبشارة بدخول الجنة لأهل الطمأنينة طوبى لهم وحسن مآب. وفي قوله تعالى: يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك، دليل على أنها لا ترجع إليه إلا إذا كانت مطمئنة، فهناك ترجع إليه وتدخل في عباده وتدخل جنته.

وكان من دعاء بعض السلف: اللهم هب لي نفساً مطمئنة إليك. قال صاحب المنازل: الطمأنينة سكون يقويه أمن صحيح. قال ابن القيم قوله: سكون يقويه أمن، أي سكون القلب مع قوة الأمن الصحيح، الذي لا يكون أمن غرور؛ فإن القلب قد يسكن إلى أمن الغرور ولكن لا يطمئن به بمفارقة ذلك السكون له، والطمأنينة لا تفارقه فإنها مأخوذة من الإقامة، يقال اطمئن بالمكان والمنزل إذا أقام به. وسبب صحة هذا الأمن المقوي للسكون شبهه بالعيان، بحيث لا يبقى معه شيء من مجوزات الظنون والأوهام، بل كأن صاحبه يعاين ما يطمئن به فيأمن به اضطراب قلبه وقلقه وارتيابه.

وأما الفرقان اللذان ذكرهما بينها وبين السكينة، فحاصل الفرق الأول: أن السكينة تصول على الهيبة الحاصلة في القلب فتخمدها في بعض الأحيان، فيسكن القلب من انزعاج الهيبة بعد السكون، وذلك في بعض الأوقات فليس حكماً دائماً مستمراً. وهذا يكون لأهل الطمأنينة دائماً، ويصحبه الأمن والراحة بوجود الأنس، فإن الاستراحة في السكينة قد تكون من الخوف والهيبة فقط، والاستراحة في منزل الطمأنينة تكون مع زيادة أنس، وذلك فوق مجرد الأمن وقدر زائد عليه.

وحاصل الفرق الثاني: أن الطمأنينة ملكة ومقام لا يفارق، والسكينة تنقسم إلى سكينة هي مقام ونعت لا يزول، وإلى سكينة هي تكون وقتاً دون وقت. هذا حاصل كلامه.

هذا ملخص أو شرح كلام الهروي، لكن ابن القيم يقول: والذي يظهر لي في الفرق بينهما أمران سوى ما ذكر. أحدهما: أن ظفره وفوزه بمطلوبه الذي حصله السكينة بمنزلة من واجهه عدو يريد هلاكه فهرب منه عدوه فسكن روعه، والطمأنينة بمنزلة حصن رآه مفتوحاً فدخله وأمن فيه وتقوى بصاحبه وعدته. فللقلب ثلاث أحوال: أحدها الخوف والاضطراب والقلق من الوارد الذي يزعجه ويقلقه. الثاني زوال ذلك الوارد الذي يزعجه ويقلقه عنه وعدمه. الثالث ظفره وفوزه بمطلوبه الذي كان ذلك الوارد حائلاً بينه وبينه. وكل منهما يستلزم الآخر ويقارنه، فالطمأنينة تستلزم السكينة ولا تفارقها، وكذلك بالعكس، لكن استلزم الطمأنينة للسكينة أقوى من استلزام السكينة للطمأنينة.

الفرق الثاني يعني أن الطمأنينة أعم، فإنها تكون في العلم والخبر به واليقين والظفر بالمعلوم، ولهذا اطمأنت القلوب بالقرآن لما حصل لها الإيمان به ومعرفته والهداية به في ظلم الآراء والمذاهب، واكتفت به منها وحكمته عليها وعزلتها وجعلت له الولاية بأسرها كما جعلها الله به خاصمته إليه حاكمت وبه صالت وبه دفعت الشبهة. وأما السكينة فإنها ثبات القلب عند هجوم المخاوف عليه وسكونه وزوال قلقه واضطرابه كما يحصل لحزب الله عند مقابلة العدو وصورته. والله سبحانه وتعالى أعلـى.

طيب، وصلَّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.