الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. نحمد الله سبحانه وتعالى أن منَّ علينا ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم وبهذا القرآن العظيم. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.
أما بعد، مقاصد السور، سورة المزمل. سورة المزمل صورة لا يمكن أن تقرأها دون أن يرتبط معك الذهن بعدة صور. الصورة الأولى: صورة النبي صلى الله عليه وسلم وهو مزمل، ويأتيه هذا الأمر من الله سبحانه وتعالى بأن يقوم، صورة التبتل والإخبات، قراءة القرآن بالليل بترتيل وهدوء وتدبر وتفكر.
هذه السورة أيضا تثير في ذهنك أو تجعل تنشأ علاقة مودة ومحبة وسكون وجلال وجمال بينك وبين الليل؛ بينك وبين الليل، يصبح لليل بعد هذه السورة معنى مختلف من ناحية محبتك له من جهة الخشوع والانقطاع والتبتل والإخلاص. والقرآن يعيد ترتيب العلاقات بينك وبين الأشياء من حولك؛ يعيد ترتيب العلاقات بينك وبين أشياء من حولك، يعني يؤسس لطبيعة نظرة وطبيعة شعور وطبيعة علاقة بينك وبين الأشياء من حولك تختلف تماما عما لو لم تكن قد تلقيت من القرآن هذه المعاني التي تتحدث عن هذه الأشياء.
فبعد أن كان الليل عند كثير من العرب قبل نزول القرآن، ولا يزال عند ملاحدة العصر، لا يعني أكثر من أنه حالة من حالات الكون الجامد اللامتناهي الذي لا ندري ما أوله ولا آخره، فإن ترى السماء، وأن ترى النجوم، وأن ترى، لا يضيف لك أي معنى. وأن تنظر إلى الليل وما فيه بعد قراءتك للقرآن تشعر أنك تبحر في عالم عجيب وعالم خاشع وعالم ممتلئ بالمعاني، وتتقافز أمامك الآيات التي تتحدث عن هذا الليل وعن علاقتك به: تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا. أما من لم يرد أن يتذكر ما يعني عنده شيء.
فسورة المزمل تعيد العلاقة بينك وبين الليل؛ ليس من جهة التفكر في السماء والنجوم -ليست مثل سورة الفرقان وليست مثل سورة الأنبياء في هذا المعنى- وإنما من جهة أن الليل هو الظرف الأنسب لقراءة القرآن، وليس أي قراءة. ولذلك تجد أن هذه السورة لا تركز على مجرد قراءة القرآن، وإنما تؤكد على صفات معينة في قراءة القرآن، تؤكد على صفات معينة في قراءة القرآن.
أين جاءت هذه الصفات في سورة المزمل؟ صفات القراءة أو أمور متعلقة بطبيعة قراءة القرآن في الليل؟ هاه، وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا. هذي الآن رتل هذه فيها معنى في طبيعة القراءة. الترتيل من الترتيل، ترى الترتيل ما هو التغني؛ جيد؟ إحنا كثير من الأحيان يجي يقول لك رتل يعني تغنى بالقرآن، فالترتيل فيه معنى التأني والترسل، واضح؟ فيه معنى التأني والترسل، قد يطلق على معاني أوسع لكن فيه معنى. لذلك تقول عائشة عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الليل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل فيقرأ السورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها. نتيجة ترتيله، أي ترسلُه في قراءتها، تصبح كأنها أطول من السورة التي أطول منها نظرا لطبيعة قراءة النبي صلى الله عليه وسلم لها.
طيب هذي الآية الأولى في سورة المزمل التي تتحدث عن كيفية أو صفة من صفات قراءة القرآن بالليل وأنها ليست مجرد قراءة تلفظية. إيش فيه أيضا؟ لا، هم في شي مرتبط بظرف محيط بالقراءة لا بد أن لفتت الآية الانتباه إليه، أنه لا تكون مجرد قراءة، لا، ليس وتبتل، لا، إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا. أشد وطئا، أي أولى أو أفضل أو أشد مواطأة بين القلب وبين اللسان؛ إذ يقرأ اللسان القرآن فيواطؤه القلب متدبرا للمعاني حاملا لهذه الألفاظ، واضح؟ فإن ناشئة الليل هي أشد وطئا؛ هي الساعات، ناشئة الليل ساعاته، آناءه، هي الأقرب لمواطئة القلب للسان في القراءة، لأنه هذا هو المطلوب. فصارت القضية هنا أنه ليس فقط قم الليل، ليس فقط اقرأ القرآن، وإنما راعي الصفات المعينة التي إذا راعيتها يا محمد في صلاتك لليل فإنها تحقق ما يراد من الأثر، الذي هو التدبر والترتيل وهذه الصفات. الآن إذا فعلتها ستحقق الأثر المطلوب.
وسورة المزمل نزلت لماذا؟ نزلت لتؤسس للعلاقة بين التعبد والتبتل والإخبات وبين القدرة على تحمل الأعباء وتكاليف الدعوة. واضح؟ السورة تقول: إذا أردت أن تتحمل أعباء القول الثقيل الذي سينزل عليك، وإذا أردت أن تتحمل التكاليف التي ستأتي، ومن جملتها ما جاء في هذه السورة: وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا، ولك أعداء وأذى، فلتستعن بقراءة القرآن في الليل، في قيام الليل، ولتكن قراءتك في قيام الليل قراءة فيها هذه الصفات، واضح؟ فلذلك سورة المزمل من أعظم السور التي تعين من ينطلق في مجال عظيم من مجالات نصرة الإسلام، هذه السورة من أعظم الزاد له.
العجيب في هذه السورة أنها مع أنها من أوائل ما نزل -قيل أنها ثاني سورة نزلت في القرآن- العجيب أنك تشعر أنه ما في مقدمات طويلة بين بداية نزول الوحي وبين قم الليل، صح؟ هل الذي بدأ ليس فقط مع النبي صلى الله عليه وسلم وإنما حتى مع الصحابة هو التدرج في هذه القضية، أو البدء الشديد ثم التخفيف بعدين، ثم التخفيف صح؟ لأنه تخفيف قيام الليل نزل في آخر السورة، وكما قالت عائشة في صحيح مسلم: وحبس الله خاتمتها عاما كاملا. جيد؟ يعني ما نزلت خاتمة السورة إلا بعد سنة. اللي هي: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ. هي بدايتها ايش؟ قم الليل، وآخرها: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ. وفيها علم أن سيكون وفيها فقر وما تيسر منه، تخفيف.
طيب إيش نأخذ من هذا المعنى؟ معنى أنه بدأت قوية، بدأت شديدة، بدأت بأعباء وتكاليف في قيام الليل والقرآن ثم جاء التخفيف. إيش المعاني التي ممكن تؤخذ؟ لا، تربية، ايش طيب؟ الأمر في البداية يكون ثقيل، مجاهد، أيوه. ثم، طيب هو القضية أنه أكبر فائدة نستفيدها من هذي أنه إذا أردت أن تبدأ في طريق عظيم من طرق الإسلام الكبرى، فلا تبدأ بداية رخوة، لا تبدأ متراخيا، قائلا لنفسك خليني أتدلع شوية وأسايسها إلى أن... تحاول أن، لا، هذا فيه منهجيات، في منهجيات الطلب، في منهجيات القراءة، نعم يبدأ الإنسان بصغار العلم قبل كباره ولا بد من منهجيات معينة. أما في تعبئة النفس بالإيمان هذه يجب أن تكون بداية قوية، يجب أن تكون البداية فيها بداية قوية.
ولذلك من الخطأ برأيي في بعض المحاضن التربوية وبعض البرامج التي مع الطلاب، أنه تكون البدايات دائما بالترفيه؛ يعني التحبيب العام، تمام، وبعدين شوية حلقة قرآن، وبعدين، طبعا بلا شك أن معرفة مواقع التأثير مهمة ومعرفة المسايسة مهمة ومعرفة العمل بالحكمة في دعوة الناس مهمة، ولكن أن يكون هذا هو النمط الأساسي، أنه كل الناس يجب، كل الطلاب في الحلقات وفي البرامج يجب أن يمروا بهذا الترتيب، فأنا برأيي هذا فيه إشكال. من يراد لهم أن يتحملوا أعباء في المستقبل وأن يكون لهم أثر حقيقي في نصرة الإسلام والمسلمين، فلا بد أن تكون بدايتهم بداية قوية من الناحية الإيمانية. السورة الأولى في القرآن تجد أن فيها أوامر مباشرة، أول شيء اقرأ، تمام، قم الليل، قم فأنذر، صح؟ رَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ، وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ، وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ. هذي كلها من أوائل ما نزل من القرآن. على أية حال، سورة المزمل كما قلت في البداية تؤسس لعلاقة جديدة، أو لعلاقة عظيمة، أو لعلاقة خاصة بينك وبين الليل من جهة الخشوع والتدبر والإخبات والتبتل، وأيضا تؤسس لطبيعة ما يجب أن يقرأ، أو طبيعة التلاوة التي يجب أن يرتلها الإنسان أو يتلوها في صلاة الليل.
يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ. هذي الآن الظاهر ولا الباطن؟ هذي الأوامر متوجهة إلى الظاهر صح؟ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا. هذا ظاهر ولا باطن؟ ظاهر. نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه، نفس الشيء، أو مرتبط نفس المعنى. الآن هذا كله الظاهر، تمام؟ ثم من هنا يبدأ امتزاج الظاهر بالباطن، وبعدين سيأتي التوجه للباطن المحض، واضح الفكرة؟ تبدأ الأوامر بتأسيس الظاهر ثم يمتزج الظاهر بالباطن ثم يأتي التأكيد على الباطن المحض.
وما لم ندرك في صلاتنا، سواء الصلاة المفروضة أو صلاة الليل، أن هناك أعمالا ظاهرية تؤدى في الصلاة وأن هناك أعمالا باطنة تصاحب هذه الأعمال الظاهرة، إذا لم ندرك هذا المعنى ونحققه، فإنا قد أخللنا بشيء أو بركن عظيم من أركان الأثر المراد من الصلاة. لاحظوا، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، هذا الظاهر، ثم وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا، إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا، إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا. هذا إيش؟ ظاهر الباطن، ها؟ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا، أنت تقول القول بلسانك ويواطئ قلبك لسانك عليه، فهذا التأسيس العلاقة بينما يقرأ باللسان وبينما يقع في القلب أثناء القراءة. إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا. الآن يأتي الباطن، وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا، رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا. هذا إيش؟ باطن، اتخذه وكيلا هذا شيء باطن اللي هو ارض بأن تسلم أو سلم أمرك لله وارض بما يدبره الله لك إذ جعلته وكيلا، حسبنا الله ونعم الوكيل، اتخذه وكيلا.
طيب هذي الآيات إلى هنا، رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا. هذا المقطع الأول من السورة، مقطع يملأ النفس بشواحن الإيمان التي لا يوجد معنى من المعاني يمكن أن يشحنها بهذا القدر لتحمل الأعباء والتكاليف، لأن هذه الآيات تدور على معنى أن تتدبر وتتأمل وتتفكر في أصفى الأوقات وأولاها بالقدرة على المواطئة بين القلب واللسان في أعظم كلام يمكن أن تقرأه وهو القانون الإلهي الذي نزل في هذا الكتاب العزيز. مرة أخرى، إذا أردنا أن نسير في طريق نتحمل فيه أعباء عظيمة متعلقة بالرسالة بالدعوة بنصرة الإسلام والمسلمين، مثل هذا الطريق لا يصح، ولا يصلح أبدا أن يتحمل أعباءه من لا يملأ رصيده الإيماني في الليل بمثل هذه التوصيات، ولو قليلا، في السورة إلا قليلا، إحنا نقول ولو قليلة السورة، قم الليل إلا قليلا، تمام؟ يعني لو قمنا ولو قليلا، جيد، يعني نحاول أنه نحقق ولو شيئا من هذا المعنى.
طيب، وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا. التبتل هو الانقطاع، الانقطاع للعبادة، ومنه سميت مريم البتول، أمية مريم البتول، المنقطعة للعبادة، تعرفون مريم وصفت بالانقطاع للعبادة في القرآن، أليس كذلك؟ كلما دخل عليها زكريا المحراب إلى آخره، فهذا التبتل. طيب هل المقصود التبتل اللي هو الانعزال واللي المقصود فيه الانقطاع الجزئي؟ الانقطاع الجزئي صح، بدليل أن لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا، يعني لك فيه فراغ يمكن أن تقضي فيه أشغالك، فكأن الانقطاع والتبتل الذي يحتاجه الداعي والمصلح والسائر في طريق الحق، هو انقطاع متكرر جزئي يظل يمده دائما الزاد الإيماني الذي سيعينه على تحمل الأعباء والتكاليف.
يعني وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا هنا في السياق كأنه واضح أنه هذا الانقطاع يكون في الليل، جيد؟ لأنه قال إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا، أي ساعات الليل وآناء الليل هي أشد وطئا، مواطئة القلب للسان وأقوم قيلا. ثم إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا، تقضي فيه أشغالك، هذي مثل سورة ألم نشرح، فيها فإذا فرغت من أشغالك وأعمالك فانصب لله سبحانه وتعالى، صل له وأدِّ عبادته، واضح؟
فهنا هذي من أعظم الفوائد التي نستفيدها من هذه الآية، فائدة ضرورة وجود العزلة الجزئية، العزلة التعبدية الجزئية في حياة الإنسان المصلح أو الداعية. يعني خطأ كبير جدا أن يظل متصلا بأعباء الرسالة أو التكاليف أو أيا كان، يظل منشغلا بها ثم لا يكون لديه من ساعات الانقطاع والتبتل ما يزوده لهذه الأعباء والتكاليف، واضح؟ فلاجل ذلك تبتل إليه تبتيلا. وأنت يا من تسير على طريق النبي صلى الله عليه وسلم، يا من تأمل أن تحمل شيئا من رسالته، يا من تأمل أن ترفع شيئا أو أن تعيد نشر شيء مما اندرس من هديه وسنته، أن تجدد، ليكن لك شيء من ساعات الانقطاع والتبتل، أو لحظات الانقطاع والتبتل، ولو كانت ركيعات تؤديها في الليل أو مناجاة، لكن تبتل. وذكر المفسرون أيضا في معنى تبتل أخلص، يعني فيها أيضا معنى الإخلاص، تبتل إليه سبحانه تبتيلا.
ثم تنتقل إلى، كما قلت لكم القرآن يعيد تأسيس النظرة والعلاقة بينك وبين الكون، بينك وبين المحيط بك دائما.
فيصبح فعلا يصبح عندك للشروق معنى وللغروب معنى، للسحاب معنى للسماء معنى، للسماء في النهار معنى، للسماء في الليل معنى، للنجوم معنى للكواكب معنى للجبال معنى، يعني هذه الأشياء كلها المحيطة بك مرتبطة عندك بمعاني غير المعاني المرئية بالعين وبالإدراك الظاهر.
هنا يفسح بك القرآن المجال والأفق لترى المشرق والمغرب، ثم تدرك أن المشرق والمغرب، أن الذي خلقهما هو إله عظيم، ثم نتيجة هذا الإدراك اتخذه وكيلا: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا.
فاتخذه وكيلا فاتخذه وكيلا، فاتخاذك الله وكيلا نتيجة إدراكك لعظمته، نتيجة إدراكك لعظمته، وهنا في هذه الآيات هناك جمع بين أمرين دائما أو يتكرر جمع بينهما في القرآن.
اللذان الأمران هما العبادة والتوكل، العبادة والتوكل وهما خلاصة الإسلام، خلاصة الإسلام، لو قلت لماذا خلقنا؟ قل خلقنا لعبادة الله سبحانه وتعالى، ما هي العبادة؟ ما الذي يقوم عليه معنى العبادة؟
هو التوجه إلى الله سبحانه وتعالى بالطلب بالقصد وإفراده سبحانه وتعالى في الطلب والاستعانة، يعني العبادة والتوكل هذي اللي هي إياك نعبد وإياك نستعين، وتعرفون أن هذي السورة أعظم سورة في القرآن وهذي الآية هي خلاصة الفاتحة.
إياك نعبد وإياك نستعين، إيش اللي يوازيها في سورة المزمل؟ تَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا، إياك نعبد وإياك نستعين، تَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا وَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا، وفي سورة هود فاعبده وتوكل عليه.
طيب المهم فاعبده وتوكل عليه، الجمع بين العبادة والتوكل وأيضا عليه توكلت وإليه أنيب، هي نفس المعنى، إليه أنيب العبادة وعليه توكلت توكل، فمدار الدين على العبادة والاستعانة، على إياك نعبد وإياك نستعين، على تبتل وتوكل.
واضح فهذا من المعاني التي يدور عليها الإسلام، ثم بعد هذا كله الانتقال إلى الغير، الانتقال إلى البقية إلى الناس إلى المشكلات التي يمكن أن تواجهك.
في هذا النهار الذي فيه الاتصال بالبشر، فالليل مكان محرابك تزودك، تضلعك من الإيمان، ثم ستنطلق لترى الواقع كما هو بمشكلاته بتحدياته إلى آخره، رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا.
الآن انتهى مشهد الليل، مشهد الإنابة، مشهد الاستعانة، مشهد التوكل، مشهد التبتل، انطلق الآن إلى الناس وحالهم والاتصال بهم في النهار: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ.
ما في انتقالة متدرجة ما بين المحراب والسكون والخشوع والتوكل والتبتل وما بين الأذى الذي سينالك من الناس، يعني تزود من هذا لهذا، ليس بينهما جسر، واصبر على ما يقولون.
واهجرهم هجرا جميلا، هذي واهجرهم هجرا جميلا عجيبة جدا جدا، طبعا الهجر الجميل الذي لا يكون فيه أذى وإلى آخره، هذا العجيب أن النبي صلى الله عليه وسلم يؤذى ويسب الليل والنهار، ثم يكون الأمر الإلهي له أنه لا تتصرف بموجب الموازين النفسية البشرية التي تقول لك افعل أو لا تفعل، أنت ضمن رسالة عظيمة، الله سبحانه وتعالى هو الذي يحدد لك ما الذي تفعل.
الآن في هذه المرحلة المطلوب منك أن تهجرهم ليس فقط هجرا وإنما الهجر الجميل، الهجر الجميل، وكأن هذه السورة تقول إذا أردت أن تصبر على أذى الناس فعليك بقيام الليل.
لأنه بعد المقدمات كلها: وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا * وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا * إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا * يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا * إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا. كثيرا ما نجد الاقتران بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين موسى.
لأن النبي صلى الله عليه وسلم وموسى، كأن في قصة موسى عليه السلام التأسيس الكبير للنبي صلى الله عليه وسلم بسبب كثرة ما تعرض له، سواء من التكذيب من الأذى من التسلط من الجبروت، جبروت فرعون إلى آخره، فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا * السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا * إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ. هذه السورة تذكرة، فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا، ثم يأتي التخفيف في نهاية السورة حتى أسلوب ونمط الآيات من حيث الوزن تغير صح، كل المطلع الأول، مطلع السورة الأول الذي نزل.
مرة واحدة له نفس الأوزان نفس التراكيب، نفس أقصد الوزن السمعي الذي يطرق معك، قليلا، وبيلا، وكيلا إلى آخره، وتجد أن الآيات في هذا وفيها فخامة وفيها جلال.
فيها قوة تناسب لعظمة القرآن وعظمة التكليف وتناسب للتهديد أيضا، وتناسب أيضا للتهديد وفيها يعني الصيغة والأسلوب يحتمل الأمرين، أما الآية الأخيرة فهي آية تخفيف لها معنى آخر، وأنها نزلت في وقت آخر.
تجد أنها أخذت نصف صفحة كاملة: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ، يعني حتى أسلوب الوزن الوزن السمعي تغير مع تغير المعنى.
فناسب التخفيف، ناسبوا التخفيف، تلك الآيات في بداية السورة تناسب التكليف، تناسب الثقل، يعني شف إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا، نفس التركيب وهذا تشعر أنه يحمل هذا القول الثقيل واضح.
ومع التخفيف: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. شعرتم بالفرق الكبير بين التركيب الوزني للمقطع الأول وبين هذا، حتى النهاية الرحيم، تحس أن الأصل انتهى، من اللطائف الجميلة التي أشار إليها بعض الفضلاء.
أنه سورة المزمل في قول الكثيرين نزلت قبل المدثر، سورة المدثر طبيعة الأوامر اللي فيها إيش، صح؟ يعني التكاليف وأعباءه، يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ، حتى الوزن في يعني عارف تحس أنها حزمة أعباء، وقم فانذر، قم فانذر لحالها، قم فانذر، تحس أنها تلخص لك الدعوة كاملة، قم فانذر هيا وتشعر أنها قامتك دون أن تجعل لك حدا، قم فانذر انطلق انذر.
فكأن سورة المزمل مقدمة لهذه الأعباء، أن هناك قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا، هذي هذا التزود التزود التزود التزود.
يأتي بعده قم فانذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ولا تمنن تستكثر إلى آخره، كأنه يعني ليكون يومك مليئا بالإنجاز ومليئا بالعطاء ومليئا بالقيام بالأعباء فليكن ليلك خاشعا فيه التزود وفيه الترتيل.
والعظيم جدا والكبير جدا هو التزام النبي صلى الله عليه وسلم طول حياته بهذا، وهذا يعني شيء في غاية العظمة، نحن نزعم أننا أصحاب اتباع للنبي صلى الله عليه وسلم ونريد أن نبلغ وو ثم إذا جاء الليل تكاسلنا وضعفنا وإلى آخره، أما النبي صلى الله عليه وسلم فلا، النبي صلى الله عليه وسلم لم يزدد إلا صلاة ولم يزدد إلا قياما.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح حين ثقل، حين ثقل يعني حين كبرت سنه لم يعد جسمه يتحمل القيام الطويل، كان يصلي جالسا كان يصلي جالسا.
حتى إذا لم يبقَ من السورة إلا خمسين آية قام فقرأهن ثم ركع، يصلي جالسا لأنه ما عاد يتحمل القيام، لكن إذا ما بقي إلا خمسين آية فقط في السورة يقوم فيكملها قائما ثم يركع، إيش اللي كان قبل الخمسين آية؟ الحمد لله يا رب، الله يبلغنا يا رب، لأ بس شوف يعني تخيل أنه قام يصلي قاعدا إذا لم يبقَ إلا خمسين آية، السياق واضح أنه.
الذي يحكي هذا السياق، ترى الآن اللي يحكي السياق هي زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، أظن حفصة، أسلوبها يدل على إيش؟ هذا أسلوبها الآن، هذا كلامي هي اللي تعبر، يدل على إيش؟ هي في نفسها نفسيا يدل على أنها فعلا شايفة أنه الخمسين آية قليلة، أنها هي اللي عبرت بهذا الأسلوب، خمسين آية في حق النبي صلى الله عليه وسلم، يعني فيما تعودته من هديه صلى الله عليه وسلم، فهي تقول أنه كان يصلي جالسا فإذا بقي خمسين حتى أنها قالت إذا لم يبقَ إلا خمسين آية، ما بقي إلا خمسين، هذا تدل على أنه تعودت أن ترى النبي صلى الله عليه وسلم قائما ليلا طويلا.
ويعني لا أزال أرى بشكل بين وظاهر وقوي أن بيوتات النبي صلى الله عليه وسلم من أعظم دلائل نبوته، ما نقلته زوجاته عن حياته داخل بيته صلى الله عليه وسلم، ومن أعظم دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام، وأنه لم يكن في بيته إلا كما هو خارج بيته في دعوته وفيما يقوم به وفيما يدعو إليه.
بل يكون داخل بيته أكثر عبادة وتبتلا وانقطاعا، لأنه هو محل هو ظرف الليل وهو ظرف الانقطاع للعبادة، أظن يحتاج لنا جلسة من الجلسات نتكلم بس عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل، أنه فيها قصص فيها يعني أنت ترى سورة المزمل متمثلة أمامك في شخص النبي صلى الله عليه وسلم، هذي وتبتل إليه تبتيلا تشوف ايش ايش كانت، واتخذه وكيلا وفي ورتل القرآن ترتيلا، شيء عجيب يعني صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل هي مدرسة حقيقية، مدرسة في التعبد، مدرسة في التزود، مدرسة في مدرسة في كل معاني التعبد.
كل معاني التعبد، مدرسة عظيمة جدا جدا، لعل الله سبحانه وتعالى يمن علينا يوما فنتحدث أو نجلس يوما نتذاكر صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل، أشياء كثيرة يعني ليس هذا فقط.
على أية حال هذه جولة سريعة مع سورة المزمل، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، صلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد