طيب الحمد لله رب العالمين، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد، لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.
سورة الشورى سورة عظيمة جداً، سورة فيها تناسق واضح في الموضوعات، فيها معاني مركزية متكررة، وفيها ألفاظ وصفات متكررة، سواء فيما يتعلق بالله سبحانه وتعالى أو فيما يتعلق ببعض أصناف العباد. وسورة الشورى فيها معنى الوحدة، فيها معنى التوحيد، فيها معنى خلنا نقول التوحيد والوحدة، في تفريق بين الأمرين، التوحيد فيما يتعلق بالله، والوحدة فيما يتعلق بأمرين؛ فيما يتعلق بالمنهج اللي هو خلنا نقول الشريعة، وفيما يتعلق بأصحاب الشريعة بالمتدينين بهذه الشريعة. فهي سورة تدور على معنى الجمع الناتج عن التوحيد وعن وحدة الشريعة وعن وحدة أتباع الشريعة.
وبلا شك أن الرابط بين هذه الوحدة هو أن الله واحد، وأنه هو المدبر للكون وللسموات والأرض، وأنه بهذا التدبير أو بكونه هو المدبر لكل شيء هو الذي أنزل الشرع الذي ينبغي أن يتبع، وهو شرع واحد من حيث الأصل، ولذا ينبغي أن لا يتم التفرق على هذا الشرع، وإنما يتم البناء عليه، ولذلك أيضاً من لا يتبع هذا الشرع يكون ظالماً.
ولذلك وصف الظالمين مكرر في السورة، يعني وصف الكفار بأنهم ظالمون، واضح من السياق أن الظلم هنا ليس هو الظلم المقصود بالأساس أنه الظلم المتعدي، اللي هو الاعتداء على الناس، وإن كان قد أشير إلى هذا المعنى، لكن يبدو والله أعلم أن الظلم هو الظلم اللي هو وضع الشيء في غير موضعه. ولذلك نجد أن السورة فيها ذكر العدل في مقابل الحق، النص على العدل والميزان: اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ، وَأَمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُم، هذه كلها في هذه، فصار المقابل هو الظلم، الظلم، الظلم يعني ورد لفظ الظلم ووصف الكفار بالظالمين كثيراً في السورة مع أن السورة قصيرة. يعني سيأتي إن شاء الله، لكن العجيب في السورة هو التناسق هذا، أنه الله له ما في السماوات وما في الأرض، وهو العلي العظيم، وهو الذي خلق وكون ورزق، وهو نفسه سبحانه الذي أنزل الدين، وأنزل الوحي، وأنزل الشريعة.
وهذه الشريعة ليست خاصة بكم يا هذه الأمة، ولا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وإنما هي نفس المعنى الذي نزل على نوح، والذي نزل على إبراهيم وموسى وعيسى، ثم على محمد صلى الله عليه وسلم. ولذلك أول آية بعد الاستفتاح اللي هو حمعسق: كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ، ففي الوحدة كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك، ليس وحدك فقط، لاحظ معنى الوحدة، ها شوف معنى الوحدة أيضاً: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ، واضح المعنى تماماً، صح معنى الوحدة، ولذلك جاء ذم أهل الكتاب: وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ، يعني شوف لاحظ ذمهم على التفرق.
أما المعنى اللي هو خلنا نقول العلاقة بين كون الله سبحانه وتعالى هو خالق السماوات والأرض، وهو العليم العلي العظيم إلى آخره، وبين الوحي وبين التوحيد اللي هو التلازم بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، فهو أيضاً ظاهر في السورة، ولذلك ختام السورة إيش؟ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ، شف الربط الآن، هو صراط الذي له ما في السماوات وما في الأرض، أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ، واضح الربط بين الصراط والاستحقاق لله سبحانه وتعالى أن يكون هو من يهدي إلى هذا الصراط، وهو من الذي يقرر هذا الصراط وحده سبحانه وتعالى. واضح طيب، من الأمور اللافتة في السورة أنه بدأت خلنا نقول الآية الرابعة في البداية: لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، وآخر آية: لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ.
واضح معنى التوحيد والإفراد في هذا التركيب، صح لأنه ما قال إلى الله تصير الأمور، يعني ما قال الأمور تصير إلى الله، وإنما قال ألا إلى الله تصير الأمور، وهذا التقديم يفيد الاختصاص أو الحصر. هذه السورة من أولها إلى آخرها فيها التركيز على أن الله هو الذي يستحق وحده فيها، ولذلك كما قلت أن وصف القضية المخالفين لهذا المعنى بالظلم، أنه كأنه أنتم الظالمون لأنكم لم تبصروا أو لم تلتزموا بما ينبغي أن يفرد الله به، وهل أحد مثل الله سبحانه وتعالى حتى تشركوا معه أو حتى تشركوه بالله سبحانه وتعالى؟
لذلك تستطيع أن تقرأ الوحدة في هذه السورة بهذا المعنى، بهذا الاعتبار أن من أعظم الظلم أن تجعلوا مع الله شريكاً، في السورة كلها تمجيد وتعظيم لله، تمجيداً يشير إلى معنى استحقاقه وحده للعبادة، وليس فقط للعبادة اللي هي التعبدات المحضة، وإنما باستحقاقه لوحده أن يكون هو تحديداً -إن صح الوصف- راسم الصراط، وهو المقرر للدين، ولذلك تجد في هذه السورة: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ، وشف واضح تماماً هذا المعنى مكرر، تجد أيضاً إيش: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ، وتجد: أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ؟ وتجد: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ، واضح تقرير هذا المعنى بشكل متكرر.
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ إلى آخره، السورة مليئة بهذا المعنى، كم من المعاني المركزية في السورة وهي مرتبطة تماماً بهذي، يعني مرتبطة بهذا الجوهر اللي هو معنى الوحي، معنى الوحي يعني التركيز على قضية الوحي، وعلى أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو مبلغ، وعلى أن هذا الوحي مصدره هو الله سبحانه وتعالى، وعلى أن هذا الوحي ملزم، وهو أمر يجب على البشرية أن تلتزم بتفاصيل هذا الوحي؛ لماذا؟ لأنه من الله، والله هو الذي ومن صفاته المذكورة في هذه السورة، واضح التراتبية؟ فلأنه سبحانه وتعالى ممكن نعد سريعا بعض الصفات، لأنه العزيز الحكيم، ولأن له ما في السماوات وما في الأرض، ولأنه العلي العظيم، ولأن السماوات يكاد يتفطرن من فوقهن، ولأن الملائكة يسبحون بحمد ربهم، ولأنه الغفور الرحيم، ولأنه الحفيظ، ولأنه الولي، ولأنه يحيي الموتى، ولأنه على كل شيء قدير، ولأنه الله الذي يتوكل عليه وإليه ينيب المنيبون، وهذي كلها في الصفحة الأولى فقط من السورة.
ولأنه فاطر السماوات والأرض، ولأنه جعل للناس من أنفسهم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً، ولأنه ليس كمثله شيء، ولأنه السميع البصير، ولأن له مقاليد السماوات والأرض، ولأنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، ولأنه بكل شيء عليم، هذا الآن فقط في مقدمة الصفحة الثانية، واضح؟ فلأنه ولأنه ولأنه سبحانه وتعالى، فهو وحده الذي يرسم الطريق الذي ينبغي أن يتبعه الناس، وهو طريق ملزم لا خيار فيه، ولذلك تجد في هذه السورة: وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ يا محمد، والناس تبع لك، كما قلنا لأنه بهذه الصفات فهو وحده الذي يرسم الطريق، الدين، الشريعة، وهو الذي ينزل القرآن، وهو الذي ينزل القوانين الملزمة للبشر من حيث الاعتبار الديني، ولا ينبغي لأحد أن ينازع الله سبحانه وتعالى في هذه الصفوة وإلا فيكون ظالماً.
وهذا تصحيح كبير لمعنى ومفهوم الظلم، والقرآن يصحح هذا المعنى كثيراً، الظلم صفة مستبشعة الجميع يستبشعها، أليس كذلك؟ يعني البشر يستبشعون صفة الظلم، وحتى الظالم يتبرأ من أن يكون ظالماً، والمفسد يتبرأ من أن يكون مفسداً، فرعون كان يذبح الأطفال وكان يقول عن موسى: أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ، لكن أغلب الناس تنصرف أذهانهم حين يقال الظلم إلى أي نوع من الظلم؟ سوى التعدي على الناس، البغي على الآخرين، غمط الآخرين إلى آخره، هذا نوع من الظلم، لكن القرآن جاء ليصحح فيقول أن من يرسم طريقاً للناس يريد أن ينازع به طريق الله سبحانه وتعالى، وهو هذا الإنسان إنما هو مخلوق لله، وهو لا ليس عنده أي شيء من صفات الألوهية، ثم يريد أن يشرع للناس طريقاً ملزماً لهم كما أن الدين الذي أنزله الله ملزم للناس، فهذا من أعظم الظالمين، ولذلك: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ.
طيب مشرك بس ما اعتدى على أحد؟ لا هو ظلم عظيم، لأن الظلم واحدة من صوره الاعتداء على الآخرين، لكن أعظم من ذلك أن شوف: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. الآن السياق ما فيه اعتداء، صح؟ ما في الظلم اللي هو لا، وإن الظالمين لهم عذاب أليم، في نفس الآية اللي بعدها: تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا، إيش في آيات أخرى أيضاً فيها الظالمين في كثير، مثلاً: وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ، وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا إن الظالمين في عذاب مقيم.
طب نرجع للمعنى المركزي اللي هو الوحي، أول آية في السورة بعد الحروف المقطعة ما هي؟ كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ، وآخر السورة: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا، وقبلها: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا، وقبلها: اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ، وقبلها: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ أي بالوحي، وقبلها: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا، اللي هو وصى به الوحي، وهذي الآية يعني من الآيات العظيمة جداً في كتاب الله التي تلخص الشرائع: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى.
الآن هذي الأسماء من الأنبياء إيش الجامع بينها؟ لا هذي الأسماء تحديداً أولو العزم، ما وصى به نوحاً وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى والذي أوحينا إليك، تمام: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ، والإنابة صفة مذكورة في أكثر من موضع في هذه السورة، هنا يهدي إليه من ينيب، وقبل ذلك: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ، لذلك مركزية ذكر الوحي في السورة واضحة، وواضح في السورة أنه هذا الترابط أن ترى الوحي باعتباره صادراً أو باعتباره نازلاً من الله سبحانه وتعالى الذي له ما في السماوات وما في الأرض، والذي إليه تصير الأمور، فلا ينبغي أن يتبع شرع إلا شرعه، ولا دين إلا دينه، وحتى أنت يا محمد الذي نزل عليك هذا الوحي الذي أنت إلى آخره مما نعلم صفات النبي صلى الله عليه وسلم: إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ، هذه في السورة في الصفحة قبل الأخيرة: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ.
وأوضح من ذلك بمعنى احتياج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الوحي: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا، وإنك لتهدي اللي هي هداية إيش؟ إرشاد وليست هداية توفيق، أما نهدي به من نشاء من عبادنا هداية توفيق، وإنك لتهدي يا محمد عليه الصلاة والسلام إلى صراط مستقيم، وهذا الصراط المستقيم ترى هو صراط الله: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ.
لذلك أنت تقرأ في هذه السورة ستجد أنها محاطة بذكر الصفات الإلهية العظيمة، وأنه لهذا فهو الموحي، وهو المشرع، وهو الذي لا ينبغي لأحد أن ينازعه في الأمر، كما أنه لا ينازعه أحد في الخلق، وله سبحانه الخلق والأمر، فمن يعمل بخلاف ذلك فهو ظالم، والظالم له عذاب أليم وعذاب مقيم. ولذلك السورة هذه فيها النذارة والعذاب أكثر من البشارة، ومن اللطائف أنه عادة تعرف والنبي صلى الله عليه وسلم يوصف بأنه بشير ونذير، بشير ونذير، بشير ونذير صح؟ لكن في هذه السورة في أولها قال سبحانه وتعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ، شف لتنذر وتنذر، ما قال تبشر.
جيد وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه، ولذلك انظر في السورة نعم فيها ذكر للمؤمنين وجزائهم، لكن الأكثر فيها ذكر عذاب الظالمين، يعني مثلاً سريعا: وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، تمام. تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ، الآن هذه موضعان، ثم: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ، هذا ذكر للمؤمنين، ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات، طيب بعدين يأتينا الصفحة الأخيرة اللي قبل الخاتمة: وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ، وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَاءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ، اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُم مِّن.
ملجأ يومئذ وما لكم من نكير، فأين أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظًا إلى آخره. في السورة وإن كان فيها البشارة، لكن قبل ذلك عفواً أنا نسيت آية مهمة في النذارة: وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ. فواضح أنه الصورة فيها نذارة، طيب، وفي نفس الوقت من المعاني المكررة في السورة معنى الولاية، الولاية من الله سبحانه وتعالى؛ يعني فالله هو الولي، معنى ولاية الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين، وأنه من أراد وليًا أو أراد نصيرًا فلا يبحث عن غير الله سبحانه وتعالى؛ لأنه يعني سيضل وسيعجز، وستكون النتيجة يوم القيامة ما ذكر في الآية رقم ستة وأربعين: وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَاءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ. واضح، فانظروا معنى الولي كم هو مكرر في هذه السورة، وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ تمام طيب، أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ، هذه الآن ثلاث مرات، وأيضًا طيب هذه ثلاث مرات، وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، أها، وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ. طيب، وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ. ملاحظ كيف متكرر المعنى؟ طيب هل هناك أيضاً مرة أخرى؟ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَاءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ. المعنى متكرر، المعنى متكرر.
وكذلك من المعاني المتكررة معنى الرزق؛ أنه الله سبحانه وتعالى هو الذي بسط الرزق للعباد، هو الذي أعطاهم، هو الذي هو الذي، وكأن في هذا ربما إما إشارة أو ما يمكن أن يستنبط أنه الله سبحانه وتعالى كما أنه هو العظيم في ذاته، العزيز في ذاته، أنه كما أنه ذو الكبرياء والمجد والعظمة والجلال، فهو أيضاً الرحيم بعباده، الذي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا، الذي يَنشُرُ رَحْمَتَهُ، هو الولي سبحانه وتعالى. فإذا كان هو سبحانه وتعالى بهذه الصفات التي هي كمال في الذات وكرم في العطاء، فدينه الذي يشرعه وأوامره التي ينزلها إنما هي ممن هو عظيم عليم عزيز في ذاته، وهو رحيم بعباده، واضح، وهو غفور رحيم شكور. وبالتالي الدين الذي سيشرعه الذي شرعه الله سبحانه وتعالى إنما هو في هذا؛ يعني إنما هو مضلل بهذه الصفات التي ينبغي أن يفرح الإنسان بها، ويحفل بما مما جاء. ولذلك نجد الصفات الإلهية المتعلقة بالإعطاء الرحمة، عندنا مثلاً جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا، تمام؟ أنا ما أتكلم الآن عن الصفات الحمد التي يحمد الله عز وجل لكماله في ذاته فهي كثيرة في هذه السورة، لكن الآن فقط الشيء الفضل العطاء، كذلك هو هذه النتيجة أنه شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ، أنه الدين جاء ممن هذه صفاته سبحانه وتعالى، لكن مثلاً اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ. آية رقم تسعتاش، يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ. وأيضاً وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ، وأيضاً وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ، وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ، وأيضاً وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ، طبعاً بعدين وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ إن يشاء إلى آخره، بعدين يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ. فواضح أيضاً تكرار هذا المعنى بحيث أن الإنسان وهو يتلقى الأوامر الإلهية بالطاعة والاتباع لهذا الدين، هذا الأمر محاط أولاً بصفات المجد لله سبحانه وتعالى والعزة والعلم تحديداً والحكمة، وأيضاً هو محاط بصفات الإحسان والكرم وحسن التقدير لعباده وو إلى آخره، أقصد الأقدار، الأقدار اللطيفة التي يلطف بها ويلطف فيها بعباده سبحانه وتعالى. كل هذا يقول لك فلما لا تتبع؟ فلما لا تطيع؟ ومن الذي يستحق أن يطاع إذا لم تطع من هذه صفته؟ واضح القضية، نسيت آية مهمة جداً في المعنى في قضية الوحي، وأنه أنت يا محمد إنما أنت مبلغ؛ يعني الوحي من الله سبحانه وتعالى وهو الذي شرع، الآية العظيمة في آية أربعة وعشرين أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا، فَإِن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ، واضح أنه يعني فَإِن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ.
هذه السورة كلها تدور في فلك التمجيد والتعظيم لله والإحاطة والقدرة، وأنه لذلك هي السورة الوحيدة التي فيها لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ تعرفون لم ترد في القرآن إلا في هذا الموضع، وأنه ليس وأنتم تعلمون أنه نص لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ هو العنوان الأكبر في الأسماء والصفات، أليس كذلك؟ والعنوان الأكبر في الأسماء والصفات لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، فهي جاءت في هذه السورة، والجميل أنه مع كل ما جاء في هذه السورة من هذا التمجيد ربط دائماً بقضية فهو الذي يشرع، فهو الذي أو وصى من الدين بكذا وكذا، وهو الذي وليس لكم من دونه ولي، فاتخذوه فالله هو الولي، ولذلك يأتي فيها التوكل والإنابة كأعمال قلبية في بداية السورة، وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ.
ومن أجمع الآيات في القرآن برأيي والله أعلم وهي في هذه السورة وأيضاً فيها معنى التمجيد والتعظيم ومعنى الدين، جيد الآية رقم خمسطعش: فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ، الجمل تحس كل جملة مليئة بها بمعنى ضخم ومركزي، فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ، آية يعني جامعة، سبحان الله، تذكرني بالمعنى الذي برق لأبي بن كعب حين سأله النبي صلى الله عليه وسلم عن أعظم آية في القرآن، ولم يكن يعرف الجواب مسبقاً وإنما فكر فقال: اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وتعلمون تلك الآية كل جملة منها فيها معنى، يعني فيها معنى كذا متعلق بالله سبحانه وتعالى وجامع، حتى هذه الآية سبحان الله آية عجيبة في جمع المعنى، جمل آية الكرسي كم: اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ. هذي فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ. تسعة جمل أيضاً نفس نفس الجمل، نفس عدد الجمل في آية الكرسي، لكن آية الكرسي كلها عن الله سبحانه وتعالى، كلها عن الله سبحانه وتعالى، هنا هي عن الله سبحانه وتعالى ولكن واضح فيها أيضاً الأمر والنهي والشيء المتعلق بمخاطبة المشركين لأنه أُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُم وفيها لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ. يعني لا شك أنه الآية التي تكون متمحضة في الحديث عن الله وأسمائه وصفاته تكون أعظم خاصة بتلك الصفات الجوامع، وكل كتاب الله عظيم، ولكن ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم التفاوت في مراتب الآيات من حيث العظمة، لأنه قال أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ أعظم أكثر عظمة، لكن هذه الآية تحديداً هي من الآيات الجوامع العظيمة التي ممكن تعقد فيها مجالس، يعني طبعاً فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ، اختلف في لِذَٰلِكَ هل هي لام سببية يعني فلاجل ذلك فادع، فتكون ذلك عائدة على ايش؟ كلها لا، لا كلها اللي هي لأنه شرع لكم من الدين ما وصى ولأنهم تفرقوا ولأنهم في شك منه، بسبب ذلك كله فادع، والقول الآخر أنه لا فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ أي ادعوا إلى هذا المعنى، لهذا المعنى اللي هو ايش؟ ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك، واضح؟ يعني فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ إما لأجل ذلك فادعوا، أو فادعوا لهذا المعنى المذكور.
إذا قرأت السورة بهذه الاعتبارات المركزية من حيث المعاني لا شك أن سيكون فيها اتساق في نفس القارئ كبير جداً، وسيدرك كثير من الأمور المتعلقة بها، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في كتابه، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يزيدنا له تعظيماً وخشية، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد