تسجيل الدخول

مقاصد السور | سورة النجم

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، وصلي اللهم على رسول الله. هذا المجلس الرابع من مجالس مقاصد السور. كانت رحلتنا السابقة مع الإسراء، ومن عجائب الموافقات أنني اخترت هذه السورة التالية، وهي سورة النجم، ولم أنتبه إلا الآن عن علاقتها بسورة الإسراء؛ فالآن وأنا أتكلم انتبهت أنها متعلقة بسورة الإسراء تماماً؛ لأن سورة الإسراء تتكلم عن الإسراء، وسورة النجم فيها ذكر للمعراج.

وإنما اخترت سورة النجم لمعنى آخر، اخترت سورة النجم لمعنى آخر في مقدمة مقاصد سورة الإسراء ذكرت أن سبب اختياري لسورة الإسراء هي أنها متعلقة بشخص النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا شخصياً أحب الآيات التي فيها ما يرتبط بالنبي صلى الله عليه وسلم كشخص والخطاب الإلهي له، وسورة النجم أيضاً اخترتها لهذا المعنى؛ وهي أنها مرتبطة بحدث من أعظم الأحداث الذي حصل للنبي صلى الله عليه وسلم في حياته في مرحلة النبوة؛ حادثة المعراج، وحدث رؤية جبريل عليه السلام قبل حادثة المعراج.

سورة النجم سورة عجيبة، سورة عظيمة، سورة مهيبة لها هيبة، والآيات فيها سريعة، وألفاظها عميقة، وتشعر أنك منذ أن تبدأ بسورة النجم تدخل في رحلة كونية، وتتنقل من مكان إلى مكان؛ فتصعد إلى الأعلى ثم تنزل إلى الأسفل، تسير عبر التاريخ فترجع إلى نوح وعاد وثمود وقوم نوح وقوم عاد وقوم ثمود، تنظر في مراحل الإنسان؛ فتشعر أنك تنتقل من عالم إلى عالم، من عالم إلى عالم، من عالم إلى عالم بألفاظ سريعة وقوية وممتلئة جداً، وكأن الآيات تسحبك سحباً، تسحبك سحباً إلى أن تصل إلى فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا، فترغمك على السجود قصراً، كأن الآيات ترغمك على السجود قسراً؛ يعني أنت تمشي من وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى إلى أن تصل فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا، فتهوي ساجداً، وكأنك تهوي إذا عشت الآيات دون شعور، دون اختيار بأن تكف نفسك عن السجود.

وهذه أول سجدة نزلت في القرآن، وهذه السورة حين تلاها النبي صلى الله عليه وسلم على المشركين سجدوا، كما في البخاري أو في مسلم في الحديث الصحيح؛ تلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه السورة على المشركين فسجدوا، بل في البخاري أو في مسلم قال: فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد معه المشركون والجن والإنس. نعم هذا كلام ابن عباس أو ابن مسعود في الحديث الصحيح، فالصورة مهيبة؛ يعني قال غير رجل من قريش أخذ حفنة من تراب فوضعها على جبهته، وهو أمية بن خلف، فهذه السورة مهيبة جداً وعجيبة وعظيمة جداً، وكما قلت كلها هيبة وجلال، كلها هيبة وجلال.

من اللطيف في هذه السورة أنها مرتبطة بالسورة التي قبلها، إيش السورة اللي قبلها؟ سورة الطور، آخر آية في سورة الطور إيش؟ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ. وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى. سبحان الله، فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ، وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى. طيب، هذه السورة منذ أول آية تقرأها تسافر إلى الأعلى؛ يعني إلى أفق السماء، الآية في السورة ترى في كثير من آياتها تدور حول السماء، حول العلو، حول العلو بشكل عام. وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، النجم خلاص، أنت من أول آية والنجم، أنت صعدت، الطور وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وعندنا أيضاً وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى، لا زلت مصعداً.

وترى أيضاً وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى، نزلة، والنزلة لا تكون إلا من علو، وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى. عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى. فوق فوق! ولما تقرأ حديث المعراج تعرف أنه هذه عند السماء السابعة قوم، بعدين سدرة المنتهى، يعني أقصى شيء خلاص، عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى، والمنتهى إليها ينتهي ما صعد من أسفل، وإليها ينتهي ما نزل من أعلى، فيقبض منها ويقبض من يعني مكان الحد العلوي الذي لا يتجاوزه حتى الملائكة ما يتجاوزونه، هذه كلها الآن أنت تصعد بهذه السورة إلى تلك الآفاق.

وأيضاً وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا، وأيضاً وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا، وأيضاً وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى، والشعرى نجم، النجوم أبعد من الشمس طبعاً، أبعد كل النجوم أبعد من الشمس، نجم بعيد يعني. هذه الرحلة العلوية في سورة النجم رحلة واضحة، وفي المقابل تجد أن ختام السورة كأنه يقول لك: إن حق هذا العلو، أو أعلى ما في هذا العلو وهو الجبار سبحانه وتعالى، هو أن تنخفض وتركع وتذل وتسجد وتنخفض له، فحق من هذا شأنه سبحانه وتعالى، ومن خلق هذه الأكوان في مقابلك أنت أيها الضعيف الصغير، هو أن تضع جبهتك على الأرض ساجداً معترفاً بهذه العظمة وهذا الكبرياء.

واضح؟ السورة من المعالم التي فيها أيضاً قضية التعجيب والتهويل، فيها أشياء عجيبة من ناحية الألفاظ ومن ناحية الأساليب، يعني مثلاً لو -طبعاً أقصد العجيبة- أقصد الأشياء العجيبة سواء عجب في القوة، عجب في الغموض، عجب في الجلال، عجب بها تعجيب؛ مثلاً فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى، إيش اللي أوحى له بالضبط؟ ما تعرف بالضبط شو هو، صح؟ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى، إيش هو اللي يغشاه؟ طبعاً هذا كله مبين في الأحاديث، لكن شوف الأسلوب، أسلوب مخيف فخم معجب؛ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى. أوحى إلى عبده ما أوحى، وفي أيضاً إيش؟ فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى، لاحظ تكرر نفس الأسلوب.

أَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى، وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى. فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى. فيها تعجيب، فيها حيرة، فإذا قرأت الأحاديث التي تبين تلك الأمور يزداد عجبك، ويعني يرتجف قلبك اندهاشاً وتعظيماً وهيبة وجلالاً، شيء عجيب. حتى الألفاظ التي في الأحاديث عجيبة جداً، الألفاظ التي في الأحاديث التي تصف الأمور المتعلقة بهذه الآيات عجيبة وغريبة جداً؛ فمثلاً وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى، يعني رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل وهو بالأفق الأعلى، الحديث قال: رأى جبريل له ستمائة جناح ينتثر منها التهاويل من الدر والياقوت، تهاويل للألوان العجيبة من الدر والياقوت، منظر مهيب.

إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى، قال النبي صلى الله عليه وسلم -هذا في صحيح مسلم الآن- يصف السدرة تلك سدرة المنتهى، قال: ورقها -ورق السدر، وورق السدر الصغير تعرفوه- ورقها كآذان الفيلة، وثمرها كقلال هجر -تا القلة الكبيرة تمام- قال: وذلك قبل أن يغشاها من أمر الله ما غشي، فلما غشيها من أمر الله ما غشي لا يستطيع أحد أن يصفها، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى، لا يستطيع أحد أن يصفها. سورة النجم؛ عالم علوي مهيب، تسبح في الملكوت، تتكلم عن شيء آخر، بعد ما تسبح في هذا الملكوت العجيب العظيم، شيء مخيف يرجف له البدن والفؤاد، ترجع تلقاهم يعبدون اللات والعزى.

أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى، ترى هذا أسلوب تحقير، يعني هذيك يعني إحنا بأسلوبنا العامي هذيك حقتكم، عارف بالأسلوب العامي لما أجي أقول لك: إنه شايف أنت أغراضك هذه اللي أنت فرحان فيها؟ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى، هذه الآن جاءت بعد إيش؟ أفق الأعلى، ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى. شيء عارف لا يوصف يعني من العظمة والجلال، بعدين أفرأيتم اللات والعزى؟ اللات إيش هي؟ صخرة بيضاء في الطائف عليها ستر يعبدونه، والعزى شجرة في وادي نخلة يعبدونها، ومناة بالمشلل جهة قديد وثول. الآن جهة أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى؟ تلك إذاً قسمة ضيزى، أإن هي إلا أسماء، يا جهلة هذي لم تولد لم تخلق، اسمها اللات، أنتم سميتوها أنتم اللي سميتوها اللات، لا ومشتقين لها من اسم الله، اللات مشتقة من الله، ولذلك هنا يأتي في تفسير وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ أنه من صور الإلحاد في أسمائه أن يشتقوا لآلهتهم أسماء من أسماء الله، والعزى من العزيز، وبعضهم قال من المنان ما أذكر. أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى؟ تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى، إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُم. طبعاً تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى، إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُم، مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ.

إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى. في دائماً سورة النجم تلقى فيها هذا، أنه هؤلاء ما عندهم شيء، الدنيا ظن، ما في ولا شيء، وهنا العلم والوحي والنور والجلال والملكوت والعظمة، ولذلك يتكرر قضية الظن: وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى. إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى، وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا. طبعاً هنا الظن المقصود فيه ليس هو الظن بالاصطلاح الأصولي الخاص جيد؛ لأن الظن أن يكون مبني على قرائن وأدلة ولم يصل إلى حد اليقين، وإنما هو راجع، ليس هو المذموم هنا واضح، وإنما المقصود هنا الظن اللي هو زي كذا الرمية يعني خرس تخمين، يعني بكذا يتبعون للظن إنهم إلا يخرصون، هنا يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً.

طيب إيش النتيجة بعد أن تدرك الفرق الهائل بين ذلك العالم العلوي السماوي الرهيب الذي في سدرة المنتهى وبين هذا العالم المنحط الدوني الذي تعبد فيه الأحجار والأشجار؟ إيش المفترض يترتب على هذا؟ فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا. أعرض عنهم، ما يستحقون أن تلتفت إليهم أصلاً، فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ. افرحوا، هذا اللي هذا أقصى ما تصلونه يفرح بعلمكم. المفترض اليوم أن تنظر بنفس النظرة، إذا سبحت في عالم الملكوت السماوي ورأيت الأنوار، أنوار الوحي والهدى والعلم وعرفت وتشبعت بهذه الحقائق، ثم انتقلت إلى الدنيا، ماذا يعني أنه تقدمتم في بعض الأمور التقنية يعني إيش؟ إيش صار يعني ما الذي حصل؟ ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم، هذا أقصى ما وصلتم إليه، هذا يعني خلاص البشرية الآن لمن اخترعت لها كم اختراع يعني خلاص الآن البشرية اهتدت إلى سواء السبيل؟ طب مو شوفوا الانحطاط والسفل والانحدار والسقوط، حتى ما صرت تعرف ذكر من أنثى ولا رجال من امرأة، ولا عاد في عائلة، ولا عاد في شيء، ولا عاد في قيم، ولا ولا إلى آخره. والإنسان يقتل ليلاً نهاراً وتسفك الدماء، ولم نرى أحداً على مر التاريخ ولم نرى حالة على مر التاريخ يمكن بضغط زر أن تقتل فيها أمة من الأمم إلا مع اختراعاتكم هذه بالقنابل النووية وما أدري إيش، خلاص يعني أنتم مرة وصلتم إلى أعلى شيء في الحياة؟ ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم، هذا أقصى ما وصلوا إليه، هناك ما هو أعلى، هناك ما هو أجل، هناك ما هو أسمى، هناك ما هو وما هو.

فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَىٰ. نرجع مرة أخرى إلى السماء، لا بدنا نرجع من البداية للسماء، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وأنت تستمع لهذه الآية تذهب في قسم إلى أولئك المشركين، والقسم الآخر -وهو الأكثر أهمية بالنسبة لي- إلى قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يسمع هذه الآية، الوحي يقول له: لم تضل يا محمد وما غويت، أنت على الحق، اثبت لا عليك، فهذه وإن كان المخاطب بها أولئك المشركون إلا أنها حين تنزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم يكون لها ما يكون من الأثر. مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى. ما ضللت يا محمد، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى. وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى. وهنا أدخل عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى. جبريل علمه هذا الوحي، شديد القوى.

ذُو مِرَّةٍ، هنا أبحر المفسرون في تفسير "مرة"، فمنهم من حملها على معنى القوة، ومنهم من حملها على معنى الجمال، ومنهم من حملها على معنى الاستواء، ومنهم من حملها على معنى السلامة من العيوب، ولكنها في مجملها تدل على العظمة والكمال والتمام. ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى. وهذه أول مرة يرى فيها النبي صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته، على صورته. النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل على صورته مرتين، رآه مرتين؛ مرة في الأفق الأعلى وهو في الأرض النبي صلى الله عليه وسلم وجبريل كان في الأفق الأعلى، أول ما رآه كان في الأفق الأعلى، ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، اقترب جبريل فكاد أحد، ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، قاب يعني قدر قوس، القوس الذي يرمى فيه، فدنا جبريل من محمد صلى الله عليه وسلم حتى كان منه على قدر قريب جداً، قدر قوسين أو أدنى. ومنهم من قال إنه مقصود أنه كقدر موضع الوتر من القوس، وتر الحبل هذا اليوم، كَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى.

فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى، وهنا "عبده" محمول على عبد الله سبحانه وتعالى، أنه هو النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يكن الله سبحانه وتعالى قد ذكر هنا إلا أنه أحياناً يذكر.

الأمر أو القضية، الكلمة تُذكر بالضمير إلى شيء بالعادة إلى شيء ليس إلى شيء مذكور، وإنما إلى شيء معلوم أن الضمير هذا يعود إليه ولا ينصرف الذهن إلى غيره. واضح؟ مثل: مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ. إيش هي؟ الأرض، أم وين طيب ذكر الأرض؟ ما هي موجودة في الآية صح؟ إيش في بداية الآية؟ وَيَقُولُ اللَّهُ لِلنَّاسِ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ، وينها طيب الأرض؟ ما في. هم ظهرها خلاص هي اللي أنتم عارفينها.

في سورة ص قال: إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ. من هي اللي توارت بالحجاب؟ الشمس. طيب وين الشمس؟ ما هي مذكورة، من مذكور الشمس؟ توارت بالحجاب، خلاص أنتم عارفين إيش هي اللي توارت بالحجاب. مثل الحديث في البخاري أيضاً لما ذكر مواقيت الصلاة، قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي المغرب إذا وجبت. وجبت يعني سقطت، مش هي الشمس؟ خلاص أنتم عارفين.

فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ، عبد من؟ عبد الله. واضح، فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ. مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ. أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ. وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ. وهذي في ذلك المكان المهيب العظيم عند سدرة المنتهى، إذ كان محمد وجبريل عند سدرة المنتهى، عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ.

مَا زَاغَ الْبَصَرُ، بصر محمد صلى الله عليه وسلم، وَمَا طَغَىٰ. مَا زَاغَ حين أخبركم بما أخبركم، ترى لم يخبركم خبراً ناتجاً عن توهم أنه بصره زاغ، وَمَا طَغَىٰ هذي فيها أدب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام. لم يجاوز ببصره حيث أذن له أو حيث كان المقام يقتضي أن ينظر، مَا طَغَىٰ ببصره هو محمد صلى الله عليه وسلم، لم يرفع بصره إلى ما لا ينبغي أن يرفع إليه بصره. مَا طَغَىٰ، ما تجاوز.

مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ. لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ. وهذي الآية، لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ، تشعر أنها مليئة باليقين، مليئة بالسكينة والأمان والجلال والهيبة والعظمة. وكان هذا الزاد الإيماني العظيم للنبي صلى الله عليه وسلم ليتحمل المشاق بعد ذلك، ويتحمل الأهوال، ويتحمل ويتحمل. وقد كان من سنة الله سبحانه وتعالى أن يثبت أنبياءه، ويريهم من آياته، حتى يتحملوا ويكون لديهم من اليقين ما يزيد على يقين غيرهم، فيدفعهم إلى الصبر ما لا يكون عند غيرهم، ما لا يصبر عليه غيرهم.

قد مر معنا في سلسلة إبراهيم الذي وفى، وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا إلى آخره. وأول ما نبئ وأوحي إلى موسى عليه السلام، وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ؟ قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ. قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَىٰ. فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ. قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ. وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَىٰ. لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَىٰ.

لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ، وهذا محمد صلى الله عليه وسلم في سورة النجم. لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَىٰ، موسى عليه السلام في سورة طه. واضح، لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ، انتهى المشهد الأول المقطع الأول في السورة. تشعر أنك لو عشت مع الآيات فعلاً، تشعر أنك يعني في كم تقرأ هذه الآيات؟ هذا المقطع الأول دقيقة ونصف، يمكن دقيقة دقيقة ونص صح؟ الدقيقة أو الدقيقة والنصف هذه الدقيقتين، إذا فعلاً عشت معها بقلبك، تشعر أنك سافرت عبر الزمن، يعني بس أعرف أنك قطعت عقوداً من الزمن وأنت تسافر في هذه الأماكن.

فإذا رجعت، لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ، أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ. تحس أنك خرجت من هذا العالم الكبير، ورجعت إلى الإنسان البشري الجاهل الظالم المتعدي اللي يعبد الأشجار والأحجار. عارف، تحس أنك خرجت كذا من، خرجت من الأنوار وهذه الأسرار العجيبة، هبطت من السماء ونزلت إلى اللات والعزى هؤلاء اللي يعبدوهم، ومناة الثالثة الأخرى، أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَىٰ، وتلك إذاً قسمة ضيزى، إن هي إلا أسماء سميتموها، يسمون الملائكة تسمية الأنثى تمام.

ثم يأتي الكلام عن رحمة الله سبحانه وتعالى، الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ، إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ، هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ، فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ. وهنا ينتهي مقطع ثانٍ من مقاطع السورة.

المقطع الأخير كله متعلق بالإنسان، كله متعلق بالإنسان، هذا الإنسان الضعيف الذي للتو جاءت الآية التي تقول عن الرحمن العزيز الكبير المتعال: هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ. كان المفترض أن يكون هذا الإنسان في مقابل عظمة هذا الإله العظيم، أن تكون العلاقة هي الخضوع والطاعة والسجود إلى آخره. لا، الله سبحانه وتعالى يذكر لك الآن هذا الإنسان، فيذكر من نقصه وضعفه وطغيانه، ويذكر بعظمته سبحانه وجلاله وكبريائه، ثم يذكر سبحانه وتعالى إيش مصير الإنسان حين يخرج عن هذا الطريق؟

أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّىٰ، أول سورة على طول يعني تولى قبل أي شيء، أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّىٰ، وَأَعْطَىٰ قَلِيلًا وَأَكْدَىٰ، أعطى يعني من ماله، وأكدى قطع. بعضهم شبه الأكدى هذي قضية الصخرة، أنه اللي تعترض مثلاً حفر البئر، أنه يحفر البئر فيتعرض لصخرة فيقف ويترك، ما يكمل الحفر. أعطى قليلاً وأكدى، أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ. أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ. أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ. وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ. وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ. ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ. وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ.

السورة تشعر أنه فيها ميزة وهي أنه تشعر أنها مقاطع مقسمة، تصل بكل مقطع إلى الذروة، ثم تجد نهاية معينة تغلق المقطع، بعدين تروح معنى جديد، صح؟ النجم والأفق الأعلى، أَوْحَىٰ مَا أَوْحَىٰ، أَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ، سدرة المنتهى، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ، لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ، بعدين أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ، خلاص تقفل هذاك المشهد السماوي ورحت للمشهد الأرضي، هنا أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ، وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ، وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ.

هنا يعني كان الإنسان حديث عن الإنسان، ثم يغلق الحديث وينتقل الحديث عن الرحمن، وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ، وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ، وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا، وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ، وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَىٰ، وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ، وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَىٰ، وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَىٰ.

الآن أنت رجعت بعد ذكر الظن والعلم الذي فعله أولئك، الآن تصاعدت من جديد، صعدت من جديد إلى السماء إلى العظمة إلى الجلال، خلق الزوجين، أغنى وأقنى، رب الشعرى، يحيي ويميت. صعدت صعدت صعدت، ثم كأنك تنزل نزولاً حاداً. هذا النزول مصحوب بالقوارع والزواجر والصواعق، فهو ليس نزول طمأنينة، وإنما نزول هيبة وخوف وجلال وعظمة وكبرياء، نزول تنزل وأنت وجل، وأنت خائف. وأنت بعد ما وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَىٰ، أنت الآن فوق صاعد الحديث عن الله عن عظمته جلاله كبريائه.

الآن يأتي النزول، النزول المخيف إلى نهاية السورة إلى قبل الآية الأخيرة، وكأنها على النفس ضربات متتالية، صواعق سياط متوجهة إلى صميم الروح، ولذلك لم يجد المشركون أمام سماع تلك الزواجر والصواعق إلا أن يسجدوا رغماً عنهم، وإن كانوا مشركين. خلاص، هذا النزول ما عاد فيه، النزول من الآن من بعد وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَىٰ نزول مخيف مليء بالصواعق، ستجبرك في الأخير على الخضوع والسجود.

تنزل تنزل تنزل تنزل إلى أن تسجد، وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَىٰ، هذي أعلى شيء الآن في المشهد السابق، أقصد ختام المشهد السابق. يلا، انزل: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَىٰ. وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَىٰ. وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ. وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ. رفع بهم وأهوى بهم، فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ من الحجارة والعذاب. فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ. هَٰذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَىٰ. أَزِفَتِ الْآزِفَةُ. أَزِفَتِ الْآزِفَةُ، هذي تشعر أنها جرس الإنذار مخيفة، خلاص اقتربت، يعني كانت الصواعق صواعق، أَزِفَتِ الْآزِفَةُ، هذي تشعر أنها المزلزلة المدمرة الراجفة. لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ. أَفَمِنْ هَٰذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ، يعني هذا هو الشأن الذي ينبغي أن يقابل به هذه العظمة وهذه الرجفة وهذا الجلال؟ أَفَمِنْ هَٰذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ وَأَنتُمْ سَامِدُونَ.

فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا. إذا الإنسان هنا ما شعر أن قلبه يحمل جوارحه فيهوي بها إلى الأرض ساجداً، فليس عنده قلب، ليس عنده قلب. يعني فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا، ما الذي يمكن أن يكون خاتمة للسورة إلا السجود؟ أصلاً إيش ممكن يكون يعني بعد هذا الصعود فيما يتعلق بالعظمة الإلهية، ثم أَزِفَتِ الْآزِفَةُ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ، أَفَمِنْ هَٰذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ وَأَنتُمْ سَامِدُونَ. يا ربي أريد أن أفعل شيئاً، قل لي: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا.

فستجد أنك تسجد وجسمك كله قد استجاب لهذا الداعي الروحي وهذا الداعي القلبي، فتسجد لله خائفاً وجلاً. والسجود هنا، السجود هنا فيه معنى السكون والاطمئنان، وإلا فيه معنى سجود الخوف والعظمة والهيبة؟ الخوف والعظمة والهيبة صح، بس شوف مثلاً في آيات معينة تشعر أنه ذكر العبادة التي فيها، فيه معنى وإن كان فيه الخوف لكن فيه معنى السكون، فيه معنى الخشوع. أما السجود هنا يعني مثلاً: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ، هنا ساجداً، السجود اللي هنا في سورة الزمر إيش تشعر فيه؟ هل هو نفس سجود النجم؟ ما هو نفسه صح؟ أصلاً من الفسحة اللي في آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ، تشعر أن هذاك هذا اللي يصوره الله سبحانه وتعالى في هذه الآية، كأنك تسبح معه أول شيء في الليل، آنَاءَ اللَّيْلِ فيه سكون، وبعدين مرة خائف ومرة مرتاح، مرة راجٍ، وتشعر أن سجوده فيه من الأنس والمناجاة والرجاء صح، هاي في سورة الزمر.

أما هنا: أَفَمِنْ هَٰذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ وَأَنتُمْ سَامِدُونَ، فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا، ستسجد سجدة الهيبة والجلال والعظمة والخوف والخشية من الله سبحانه وتعالى، ليست السجود الذي فيه السكون والاطمئنان. واضح الفكرة، أنه السجود أنواع بحسب ما يقع في القلب، يعني سجدة الشكر ليست مثل سجدة النجم صح؟ سجدة الشكر وأنت تسجد وأنت وقلبك يرقص فرحاً وأنت تضع جبهتك على الأرض ستقول: لك الحمد يا ربي، وتشعر بالانشراح والانفساح وأنت تحمد الله سبحانه وتعالى. وهناك سجود المشفق الخائف.

فهذا السجود اللي في النجم هو سجود الخوف والهيبة والجلال والعظمة، تسجد لأجل هذا الداعي، ولذلك ذكر فيها وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ، يعني الموجب أمام هذا الوحي العظيم هو أن تسجدوا أو أن تبكوا ولا، ليس أن تضحكوا. وَأَنتُمْ سَامِدُونَ، كثير من المفسرين فسرها أنه يعني تستقبلونه بالغناء، تعرف كانوا يستهزئون، كانوا يستهزئون وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً.

واضح، هذه الصورة سبحان الله صورة عجيبة في هذا المعنى، صورة سورة الهيبة والجلال، سورة ملكوت السماوات، سورة القدرة الإلهية، سورة العظمة، سورة التخويف والزجر والقوة، سورة الخضوع، الخضوع لله سبحانه وتعالى. يعني هذا ما تيسر عرضه سريعاً فيما يتعلق بمقاصد سورة النجم، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.