الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، أما بعد: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا. سورة الفتح في صحيح البخاري من حديث مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لقد أنزلت علي الليلة سورة هي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، وهي إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا.
هذه السورة فيها معنى من المعاني التي في سورة الإسراء وفي سورة النجم. سبب الاختيار متعلق بشخص النبي صلى الله عليه وسلم، مرتبط بحدث متعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من أبرز المحركات التي تجعل الإنسان يختار هذه السور، بالإضافة إلى أن هذه السورة فيها معنى من المعاني التي نحتاجها اليوم كثيرا جدا؛ معنى الثبات على الإيمان، معنى تلمس حكمة الله سبحانه وتعالى ولو لم تظهر للمؤمن بشكل جيد، ولكن بالتسليم واتباع النبي صلى الله عليه وسلم يلتمس بركة هذا التسليم والاتباع ليأتي الفتح والخير.
هذه السورة من أسباب اختيارها السكينة، فهي سورة مليئة بالسكينة، مليئة بالسكينة، والإنسان المؤمن خاصة حين يسير في الطريق الذي يرجو فيه أن يحقق الآثار الحسنة للإسلام بإذن الله تعالى، هو يحتاج كثيرا إلى التثبيت الإلهي والسكينة، وإلا لما استطاع أن يسير. ألم يكن التثبيت وزيادة اليقين للأنبياء أمرا يذكره الله سبحانه وتعالى في بداية دعوتهم؟ أليس كذلك؟ لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى، وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. فهذه السورة سورة مليئة بمعاني تثبيت المؤمنين وإنزال السكينة عليهم نتيجة ما يقع في قلوبهم من التسليم واليقين والرضا بالله سبحانه وتعالى والتعهد لنصرة دينه سبحانه وتعالى. فالإنسان في طريقه إلى الله سبحانه وتعالى، في طريقه إلى تقديم عمل ينفع الله به الإسلام والمسلمين، يحتاج إلى تذكر معاني هذه السورة كثيرا.
هذه السورة كما قلت قال النبي صلى الله عليه وسلم فيها: هي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس. في رواية: أحب إلي من الدنيا وما فيها. ولم لا يقول؟ وكيف لا يقول النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وفيها لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا * وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا. كيف لا يقول ذلك وفيها معاني الرضا والسكينة والرحمة التي نزلت على الثلة التي رباها النبي صلى الله عليه وسلم؟ أليس فيها هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ؟ أليس فيها إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ؟ أليس فيها لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ، مو المؤمنين بشكل عام لا، المؤمنين اللي أنت ربيتهم الذين يبايعونك، أَوْ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ. أليس فيها مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا. فكيف لا تكون هذه السورة أحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الدنيا وما فيها وفيها كل هذا؟
هذه السورة فيها بث لمعاني نحتاجها اليوم كثيرا، وهي معاني حسن الظن بالله في نصر المؤمنين وفي نصر الإسلام والمسلمين، وفيها ذكر ما يؤديه الريب والنفاق إلى إساءة الظن بالله فيما يتعلق بنصرة الإسلام والمسلمين، فهي سورة كما يقال بالنسبة لواقعنا على الجرح؛ نحتاجها لنفهم، لنثبت، لنطمئن، لنحسن الظن بالله سبحانه وتعالى، ولنعلم ما الذي ينزل على المؤمنين إذا سلكوا الطريق الذي يحبه الله سبحانه وتعالى.
من المعاني المتكررة في السورة بشكل واضح معنى السكينة، كما قلت معنى السكينة واضح في السورة، معنى الثواب، معنى الإرضاء، معنى الرضا، معنى التأييد، معنى التثبيت، معنى تسجيل المعية للمؤمنين؛ المعية، الإحاطة، ومعية النصر والتأييد. هذا المعنى ليس أمرا سهلا أبدا. يعني أنت تخيل أنت الآن لما تسمع النعيم الذي يذكره الله سبحانه وتعالى للمؤمنين في الجنة، ألا تستأنس نفسك؟ يأنس قلبك وينشرح صدرك رجاءً؟ صح، رجاءً. طيب، كيف لو نزلت آيات من القرآن تقول: أنتم بأعيانكم رضي الله عنكم؟ إيش ممكن يكون من أثر هذه الآيات على النفس؟ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ، مو عموم المؤمنين، إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ. أرأيتم تلك الشجرة التي كان تحتها من كان من المؤمنين إذ بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم؟ أولئك أنزل الله عليهم رضوانه.
هذه السورة سورة إكرام، سورة رحمات تنزل، سورة رضا ينزل، سورة سكينة تحيط، سورة تغذية روحية وقلبية فيها الإشباع، إشباع الرضا، إشباع السكون، إشباع الاطمئنان، فهذا تستطيع أن تقول إنه هو المعنى الذي من أهم المعاني التي تتكرر حولها السورة، من أهم المعاني التي تتكرر حول هذه السورة. لذلك هي مليئة بالثناء على النبي صلى الله عليه وسلم والثناء على المؤمنين وذكر ما يترتب على الأعمال. طيب، إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. هذه السورة تؤكد بشكل واضح، بشكل مبين وبصورة لا يتطرق إليها الشك، أن الذي يعلم عواقب الأمور على ما هي عليه في كل حال هو الله سبحانه وتعالى، وأنك أنت كإنسان مؤمن من أدوارك المهمة لك أو عليك في حياتك دور التسليم، دور الاتباع، دور الطاعة، وأنك بهذا التسليم وبهذا الاتباع وبهذه الطاعة تأتيك الخيرات من رب العالمين التي لا تتوقعها، حتى إنه حين نزل قول الله إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا، قال من قال من الصحابة: أو فتح هو يا رسول الله؟ لأنه إيش المقصود؟ إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا مقصود الحديبية، فتحنا لك فتحا مبينا بصلح الحديبية أو بحادثة الحديبية، أيا كان، إن بعضهم قال هو بيعة العقبة، لكن حادثة الحديبية.
طيب، الصحابة حين وقع هذا العهد كانوا سعداء أم كانوا مقهورين؟ كانوا مقهورين، كانوا مقهورين، أليس كذلك؟ لأنهم رأوا أن في هذه البنود التي تم الاتفاق عليها فيها غضاضة على المسلمين، ولذلك قال عمر: يا رسول الله، ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال كما في الحديث الصحيح: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ عمر يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: علام نعطي الدنية في ديننا؟ هو رأى أن هذه الشروط فيها إجحاف كبير جدا. والقرآن دائما يعجبك من يثير في نفسك العجب من جهة كونه يؤكد لك دائما أنه وحي من الله سبحانه وتعالى، يأتيك بما لا تتوقع؛ يعني لكم أن تتخيلوا لو أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلق على هذا الحدث، حدث الحديبية، ماذا سيقول؟ لو أراد من عند نفسه أن يبين للصحابة، يتكلم مع الصحابة معلقا على حدث الحديبية، ماذا سيقول؟ أن الله معي، أن الله لن يخذلني، أن الله سينصرني، أحسن الظن بالله. لكن أن يكون أول كلمة يتم التعليق فيها على الحدث إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا، فهذا ليس من عند محمد صلى الله عليه وسلم، هذا من عند رب العالمين.
هذه مثل حادثة الإفك، قل لي ما الذي يمكن أن يعلق به النبي صلى الله عليه وسلم من عند نفسه على حادثة الإفك؟ فيقول: من يعذرني في رجل بلغني أذاه في أهلي؟ أليس كذلك؟ لكن أول كلمة تنزل في حادثة الإفك: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ، ما هذا؟ آخر ما يمكن أن يخطر على البال، صح؟ ونفس الشيء هنا في الحديبية، الحالة الجو، بعد طبعا تعرفوا أول شيء كانت الرغبة في الدخول، ثم حدث الصد عن الدخول، ثم حدث التفاوض، وفي حادث التفاوض قيل إن عثمان قتل، فتمت البيعة تحت الشجرة التي هي البيعة على ألا يفر المسلمون في القتال أو البيعة على الموت، في روايتان عن الصحابة، ثم حصل التفاوض بشكل تفصيلي وتم الصلح.
فآخر مشهد كان عند الصحابة في ذلك الحال هو مشهد التعب والإنهاك والإجهاد النفسي، أنه بعد هذا كله آخر شيء نسوي هذا الصلح الذي بنوده أنه من جاءنا منهم مسلما فلا نستقبله يرد إليهم، ومن جاءهم منا مرتدا، لا، وبنود. فماذا نفعل؟ هذا المشهد والنبي صلى الله عليه وسلم كان محزونا من حزن أصحابه الذي أدى إلى تأخرهم في نحر الهدي، هذا هو المشهد. أما القرآن لأنه من عند الله سبحانه وتعالى فالتعليق على هذا المشهد تعليق جاء من السماء، تعليق ليس من الأرض، تعليق ليس من ذلك الحد، ليس من تلك الأقطار، تعليق ليس من ذلك، من تلك المنطقة التي بين مكة والمدينة، التعليق أتى من السماء ممن يرى ممن يعلم الغيب ويقدره، فأول كلمة تنزل تعليقا على هذا الحدث، على خلاف المتوقع، على خلاف المنتظر، على خلاف الجو، على خلاف السحابة التي تغطي ذلك المشهد: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا. تصوروا النقلة الشعورية الهائلة جدا من الحزن إلى مو أنه خير، لأ، إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا، مو بس فتح، فتح مبين.
قدرتم تستوعبوا النقلة الهائلة هذه بين ما كان محاطا به المسلمون من أجواء وما بين هذه الآية التي نزلت من السماء على خلاف المشهد تماما: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا. ثم وكأن هذه السورة جاءت لغسل الأحزان، جاءت لغسل الأحزان، المشهد الذي كان مغطى بتلك السحابة، سحابة الأحزان، جاءت هذه السورة تبدده، تبدد هذه الأحزان آية على أثر آية على أثر آية على أثر آية، حتى صارت هذه السورة مؤنسة للنبي صلى الله عليه وسلم أولا، ثم مؤنسة للمؤمنين إيناساً عظيما جدا. هذا الإيناس حين ينزل على القلوب المؤمنة أَتظنون أنه ينسى؟ أَتظنون أنه يكون له الأثر العادي؟ لا.
أول إيناس، أول أثر من هذا الإيناس هو في النبي صلى الله عليه وسلم حين كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه يقولون يا رسول الله، يعني قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، هذه فين جاءت؟ سورة الفتح. قال: أفلا أكون عبدا شكورا؟ هذا أثر، أثر تلك المكرمة، وفي حنين إذ فر الناس لما جاءت هوازن عملت الكمين للمسلمين وانهمرت، انهمرت يعني هطلت وانهمرت الأسهم من كل صوب، من كل حدب وصوب على المسلمين. النداء الذي اخترق الأجواء ليعطف الصحابة مرة أخرى، كما وصف الراوي عطفة البقرة على أولادها، كان: يا أصحاب الشجرة، أو يا أصحاب السمرة، اللي نزل فيكم في سورة الفتح: لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ.
هذه المؤنسات والبشريات هي كذا، لها أثر، لها أثر في قلوب المؤمنين، وهذا الأثر أثر عملي. أليس كذلك؟ طيب، إذا أول ما يفاجئك من تعليق إلهي على المشهد أنه تعليق مفارق للجو الأرضي الذي كان موجودا. إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا * وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا. كأن المؤمنين حين يسمعون هذه الآيات يقولون: وهل لنا نصيب؟ وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا * هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. أي ولو أراد الله أن يحقق لكم النصر بدون هذه الشدائد التي مررتم بها لفعل، لأن له جنود السماوات والأرض، وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا، فالله سبحانه وتعالى يعلم ما الآثار التي تترتب على هذا البلاء وما الحسنات والفضائل التي تنبثق عن هذه المحنة. وهذه السورة: وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * لِّيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا * وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ. الآن المنافقون والمنافقات هم يشركون المشركات لهم ستين ألف صفة مذمومة، أليس كذلك؟ لكن هنا ماذا ذكر؟ أول شيء: الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ. ليش؟ لا بس لماذا اختير هذه الصفة؟ يعني ما علاقتها بالحدث؟
المفروض طيب هو ليس فقط هذا، وإن أو ربما لا يكون هذا، وإنما الأساس هو ما ذكر الله في بعد آيات قال: بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ. مشركين أنفسهم المنافقون الأعراب، طيب، وهذا القرآن تجد أنه يذكر من الصفات، وإن كان في صفات الموصوفين أشياء كثيرة، يذكر منها الشيء المناسب للحدث، الشيء المناسب بالسياق، فهناك بالنسبة للمؤمنين علم ما في قلوبهم من إيش؟ من الصدق وحسن الظن وإرادة الثبات، وعلم ما في قلوب الآخرين من سوء الظن، فجاء فيهم هذا النكاء: وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، في مقابل إيش؟ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ، رضي وغضب، رضي عن أولئك وغضب عن أولئك، وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا.
يرجع السياق إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكما قلت هذه السورة فيها الإكرام الإلهي للنبي صلى الله عليه وسلم: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِّتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً.
ثم انتقل المشهد إلى العلاقة بين النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في ذلك الحدث: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا.
وأنت تقرأ سورة الفتح تحاول أن تستشف ما الصفات التي جعلت الله سبحانه وتعالى يرضى عن أولئك الثلة. ما الصفات التي جعلت الله يرضى عنهم؟ يعني الله سبحانه وتعالى حين يسجل مشهداً في القرآن، مسجلاً إذا سجل مشهداً في القرآن مبيناً فيه إكرامه أو رضاه أو ثوابه لأصحاب هذا المشهد، ألا يكون هذا المشهد عند الله بمكان؟ أليس كذلك؟ يعني حين يذكر مشهداً بعينه، حدث من الأحداث التي حصلت بعينها فيذكرها الله في القرآن ويذكر معها ثوابه أو إكرامه، ألا يدل على أن هذا المشهد عند الله بمكان؟ حسناً، إذاً فالمؤمن الفقيه السالك إلى الله سبحانه وتعالى يتلمح في ثنايا هذه المشاهد التي سجلها الله سبحانه وتعالى وذكر معها إكرامه لأصحابها، يتلمح في ثنايا هذه المشاهد عناوين الرضا الإلهي. عناوين الرضا الإلهي، أين يكمن الرضا الإلهي؟ فأتتبع هذه العناوين. واضح أن إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا.
الآن ينتقل المشهد إلى أولئك الأعراب، أولئك المنافقون الذين قالوا لسان حالهم: أنتم يا أصحاب محمد للتو جاءت قريش إلى المدينة وقتلت سادتكم في أحد، ثم بعدها بعام جاءتكم مرة أخرى إلى المدينة وحاصرتكم داخل مدينتكم حتى ما استطعتم أن تخرجوا منها حتى خندقتم عليكم خندقاً، ثم أنتم الآن بعدها بسنة تذهبون إلى مكة هذه التي جاءت وحاصرتكم في عقر داركم؟ هل أنتم مجانين؟ اذهبوا اذهبوا إلى مكة لن تنقلبوا، لن تعودوا، سيقتلكم أولئك الذين أتوا إلى دياركم. هذا لسان حال المنافقين الأعراب الذين كانوا حول المدينة الذين قيل لهم: تعالوا تعالوا ألستم تنطقون بالإسلام؟ تعالوا انصروا رسول الله ذاهب إلى مكة، ولم يكن ذهاب قتال، لم يكن ذهاب قتال أساساً، لكن هكذا هي حال المنافق. خذوا قاعدة عامة وهذي قاعدة واضحة في القرآن وفي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم واضحة تماماً: المؤمن الصادق، الإيمان الصادق، الإيمان القوي يجب أن يكون شجاعاً، والمنافق لا بد أن يكون جباناً، منافق لا بد أن يكون جباناً، وهذا مستشف من قول النبي صلى الله عليه وسلم: الصدق طمأنينة والكذب ريبة. ريبة تجد دائماً، تخيل هو عنده وجهان، عنده ظاهر وباطن، مرة يمسك على هذا الوتر ومرة يمسك على هذا الوتر بحسب السياق، ألا يكون مثل هذا جباناً؟ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ، أيوا، يحسبون كل صيحة عليهم، جبناء، وهذا الحال الآن موجود، ليس بالضرورة أن يكون حال المنافقين نفاقاً أكبر، وإنما قد يكون أيضاً من حال من فيه شعبة من النفاق حتى ولو كان ينتسب إلى شيء من العلم أو الدعوة أو أياً كان، ويمكن أن يكون فيه شعبة من شعب النفاق.
فإذا جاءت المواطن التي فيها نصرة الله ونصرة رسوله صلى الله عليه وسلم ونصرة الدين ونصرة الحق تجد أن الموقف الأساسي الذي يتخذه وهو الموقف الوحيد الذي يتخذه دائماً وفي كل حال وفي كل حين هو الانسحاب، موهماً نفسه أنه قد ألبس هذا الانسحاب لباس الحكمة والعقل والحفاظ على المكتسبات و... إلى آخره. تجد أن المنافقين هنا جبناء، سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ طبعاً إذا رجعتم إليهم شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا. بل هذا هو الأساس.
ظننتم لجبنكم وخوفكم وهلع قلوبكم وعدم ثقتكم بربكم وعدم يقينكم وعدم إيمانكم وعدم تسليمكم وعدم وعدم وعدم ألا ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهلهم أبداً وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا. وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا. وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا. ثم يذكر الله مشهداً آخر من مشاهد المنافقين وسماتهم، وهذا المشهد متكرر وستراهم إن لم تره اليوم ستراه غداً لأن هذا المشهد، المشهد الأول للأعراب كان المنافقين هؤلاء كان مشهد قبل الحديبية، صح؟ أنه شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا، يعني عشان كذا ما رحنا معاكم، صح؟ طيب المنافق ما يستحي، المنافق متقلب، سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا بعد الحديبية، إذا رحتوا لغزوة ثانية أو شيء وقد رأوا قوتكم، وهنا يجي من علامات الفتح المبين هذا في الحديبية أنه أظهر قوة المؤمنين، لأنه قريش سيدة الجزيرة العربية التي كانت تغزو المدينة بعد سنة واحدة اعترفت أن النبي صلى الله عليه وسلم نداً لها، فعقدت المصالحة وكفت أيديها عن النبي صلى الله عليه وسلم وكان هذا من الفتح، ها؟ سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا، إيه شوفوا المنافقين كيف؟ ضروري نتبعكم، طب ما أنتم توكم تخلفتم لو كانت الحديبية، ضروري نتبعكم؟ أنه كانت واضحة أنه اللي بعدها فيها قوة، واضح أنه فيها غنائم، أما الأولى كانوا عارفين قالوا أكيد ما راحين نتبعكم، يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ، فسيقولون شوف شوف الجريمة، شوف الإجرام إيش؟ بَلْ تَحْسُدُونَنَا، ما تبغونا نروح معاكم الغزوة عشان تبغوا تستأثروا أنتم بالغنايم، ما تبغوا تعطونا فلتحسدوننا، بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا. ثم تأتي الفرصة لهم: قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ، اختلفوا، بعضهم قال هؤلاء القوم أولي بأس شديد هذا في قتال المرتدين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بني حنيفة تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ وبعضهم قال هوازن ما حدث في حنين، عموماً هي تتكلم عن حالة مستقبلية بعد الحديبية وبعد خيبر أيضاً، فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا. ثم يذكر الله سبحانه وتعالى العذر المسوغ شرعاً وهو ليس لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا.
ثم تأتي السكينة وتنزل مرة أخرى، ولكن هذه السكينة وهذا التأييد وهذه المعية ناتجة عن العلم الغيبي الإلهي ببواطن ما في قلبك، ببواطن ما كان في قلوبهم. ولما كان في قلوبهم صدق الثبات ونصرة الحق كان هذا جزاء هذا إنزال السكينة عليه، لذلك إذا كما قلنا قبل قليل إذا كان الإنسان يتلمح عناوين الرضا الإلهي، يتلمح عناوين الرضا الإلهي في المشاهد التي يسجلها الله في القرآن، فإن من أعظم عناوين الرضا الإلهي صدق القلب في الثبات في سبيل نصرة الحق والإسلام، هذا من أعظم عناوين الرضا الإلهي. من أعظم عناوين الرضا الإلهي التي يتلمحها الإنسان في المشاهد التي سجلها الله في القرآن هي صدق القلوب في الثبات على مبدأ نصرة الحق والإسلام ولو كان الحال صعباً ولو كان الحال بشكل عام حال إدبار. هنا لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ. لماذا رضي الله عنهم؟ ما موجب ذلك الرضا؟ وهذا الذي يقال هنا: تلمح عناوين الرضا الإلهي. ما موجبه؟ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ، هذا الموجب، علم ما في قلوبهم. طيب ما الذي كان في قلوبهم؟ لأنه قال إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، ما الذي كان في قلوبهم؟ مقام ذاك المقام كان مقام إيش؟ كان مقام معاهدة مع النبي صلى الله عليه وسلم على إرخاص الروح في سبيل نصرته لأنه رسول الله وفي سبيل إعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى. فلما صدقوا الله سبحانه وتعالى بقلوبهم قبل ألسنتهم وقبل أيديهم، لما صدقوا الله بقلوبهم كان الجزاء عن ذلك هو رضا الله سبحانه وتعالى عنهم. ولما كان كما ذكر الله في نفس السورة ما في قلوب أولئك المنافقين إنما هو سوء الظن بالله سبحانه وتعالى، كان الجزاء عليهم الذي ذكر في هذه السورة وغضب الله عليه ولعنه، أولئك رضي عنهم وقربهم وأنزل السكينة عليهم، وأولئك غضب عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم.
إذاً الثبات وقت الأزمات، الثبات لنصرة الله ورسوله، الثبات لإعلاء كلمة الله وقت الشدائد خاصة بصدق قلب ويقين وحسن ظن، هذا من أعظم ما يجلب الرضا الإلهي والمعية الإلهية الخاصة، فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا، بل وهو من أعظم أسباب النصر الدنيوي، النصر الإلهي لهم في الدنيا، لأنه أثابهم فتحاً قريباً اللي هو إيش؟ خيبر، كما يقول أكثر المفسرين أو كثير جداً من المفسرين هو خيبر، وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا، وكان هذا من سمات خيبر أنه غنمت فيها مغانم كثيرة، عائشة تقول رضي الله تعالى عنها: ما شبعنا من التمر إلا يوم خيبر، إلا حين فتحت خيبر، ورد المهاجرون كثيراً من عطاء الأنصار بعد خيبر لأنه أتتهم الخيرات، المهم وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا. وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَٰذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا.
من أعظم الأشياء التي يهدى إليها الإنسان المؤمن الموفق المسدد هو أن يتلمح كما تلمحنا عناوين الرضا الإلهي في القرآن أن نتلمح عناوين الهداية الإلهية مرة أخرى. من أعظم ما يوفق إليه الإنسان المؤمن أن يتلمح عناوين الهداية الإلهية في كتابه سبحانه وتعالى. عناوين الهداية أقصد بها موجبات الهداية، أين يذكر الله سبحانه وتعالى الصفات التي من فعلها فإنه يهدى؟ القرآن كله هدى أليس كذلك؟ ها، من أعظم الهدى الذي جاء في القرآن هو الدلالة على طريق الهدى وكشف معالم قبيل الوصول إلى الهداية الإلهية، هنا قال سبحانه وتعالى وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا. من أين جاء هذا الهدى؟ نتيجة الثبات، إعطاء القلب، إعطاء الصدق القلبي لله سبحانه وتعالى في نصرة الدين. طيب، إذاً وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا ثم قال وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا، ابن جرير الطبري يرجح هنا أنها فتح مكة، شوفوا كمية البركات والوعود الإلهية التي نزلت في هذي السورة، سورة مؤنسة مبشرة، تكاد تطير بالمؤمنين إلى آفاق السماء فرحاً واستبشاراً ويقيناً وأملاً، فاتحة للأمل إلى أبعد الدرجات. أول شيء سمت هذي التي هي في نظرهم نكبة، سمتها فتحاً، ثم قال أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا، وقال الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ، رأيتم تلك بيعتكم تلك كانت بيعة لله سبحانه وتعالى وَيَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، ثم رضي الله عنكم وأنزل السكينة في قلوبكم ووعدكم مغانم وأخرى لم تقدروا عليها أيضاً، وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا. يعني بركات، فتوحات، بشائر، مؤنسات بهذه السورة، لذلك كما قلت لكم أنه هذي السورة من أهم السور التي تسلي المؤمن السالك في طريق نصرة الدين خاصة في وقت الاضطراب وقت الإدبار وقت التقلبات وقت وقت إلى آخره.
وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا. سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا. وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا. لا يفوتني هنا مشهد من مشاهد الثبات المتعلق بالقصة وهو مشهد من الثبات النبوي، ثم مشهد ثبات أبي بكر الصديق، النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يتكلم عن قريش في تلك المرحلة، مرحلة المفاوضات، أنه كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول معنى الكلام إنه ما شأنهم؟ يعني ماذا يريدون؟ كأنه يقول: ألا يكفون عني فيخلون بيني وبين الناس، فإن يغلبوني، معنى الكلام إني فإن يغلبوني حصل لهم ما يريدون، يعني قريش تريد غلبة النبي صلى الله عليه وسلم، دعوني والناس، إن غلبوني حصل ما تريدون. طيب، ثم يقول النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لأقاتلنهم على هذا الأمر حتى تنفرد سالفتي، أو ينفذ الله أمره، أو لينفذن الله أمره. وهذي من أقوى كلمات الثبات التي أطلقها النبي صلى الله عليه وسلم، يعني لو أدى هذا إلى أن تطير رقبتي أو يطير رأسي بالقتل، والذي نفسي بيده لأقاتلنهم على هذا الأمر حتى تنفرد سالفتي ولينفذن الله أمره أو لينفذن الله أمره. هذا مشهد من مشاهد الثبات في تلك القصة تحديداً، ثم مشهد من مشاهد الثبات، مشهد ثبات أبي بكر لمن اضطربت الناس واضطربت القلوب، فجاء وقيل عمر يناقشه، فقال يا عمر: أليس رسول الله؟ على بالك؟ قال: فالزم غرزه فوالله إنه على الحق. هنا الإيمان الكبير العظيم الذي لم يلحقه أحداً من الصحابة، هنا يأتي أبو بكر، هنا يأتي أبو بكر الصديق. طيب، ثم يذكر الله سبحانه وتعالى حمية الجاهلية التي عند المشركين ويكشف الله شيئاً من الحكم التي لا تعلمونها أنتم أيها المؤمنون، قال: وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ، أولئك قوم مستضعفون كانوا في مكة يخفون إيمانهم، فلو أنكم أتيتم وقاتلتم لقتلتموهم مع قريش، فقد كانوا يخفون إيمانهم لاستضعافهم أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ، لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا، إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ. من أعظم عوامل الثبات لك يا مؤمن أن تعرف وتعلم وتدرك وتفهم محركات الأطراف الأخرى.
أنت ما الذي يحركك؟ كان الصحابة يعلمون كما علم الله ما في قلوبهم أن الذي حركهم هو إعلاء كلمة الله ونصرة الحق الذي يعلمون يقيناً أنه حق. أولئك الآخرون ما الذي حركهم؟ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، بس هذا الذي حركهم. وهنا جاء أيضاً لمن مسحوا أو قالوا لا نقبل أن تكتب محمد رسول الله وإنما اكتب محمد ابن عبد الله، فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ. هذي المرة الثالثة التي تذكر السكينة في هذه السورة، وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ اللي هي لا إله إلا الله، وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا، وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا.
ثم يأتي الآن آخر شيء يعني في أواخر السورة يعلق الله سبحانه وتعالى على قضية كانت سبباً لوجود الريب والاضطراب، ولكن يعني الإنسان يتلمس حكمة عظيمة في تأخير هذا البيان. الآن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أصحابه أنه رأى رؤيا أنهم يطوفون بالبيت ويعتمرون. تمام، خرج الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم في سنة الحديبية لأجل العمرة وساقوا معهم الهدي، والأمل كان هو الحادي بالنسبة لهم، كان هو إيش؟ تلك الرؤية، الذي كان يحدوهم حيث الأمل، الأمل الذي هو العمرة، وقد منعوا منها، فالحادي بالنسبة لديهم هو الرؤية التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم. فلما حبسوا عن البيت ولم يدخلوا قالوا: ألم يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى الرؤيا؟ بعد ما صارت المعاهدة وعمر بن الخطاب قال يا رسول الله، قال لأبي بكر قال ألم يبشرنا النبي صلى الله عليه وسلم برؤية دخول البيت؟ قال أبو بكر رضي الله عنه لعمر قال لك أنه العام؟ هل قال لك أنه هذي السنة ولا بشرك بس؟ ولمن راح للنبي صلى الله عليه وسلم عمر نفسه قال يا رسول الله ألم تبشرنا برؤية؟ قال: أو قلت لك أنه العام؟ نفس جواب أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه.
لكن الله سبحانه وتعالى يريد أن يذكر أولاً الحكمة من هذه القضية كلها قبل موضوع الرؤية، قبل موضوع الإشكال الذي حصل، ويذكر رضوانه عليهم، وأنت تلاحظ أن الله سبحانه وتعالى أثبت مشهد الثبات والصدق ورضا القلوب وثباتها، ولم يذكر مشهد التشتت والاضطراب الذي حصل، صح؟ مع أنه كان مشهداً عظيماً، وكأن ذلك المشهد من الثبات ماحٍ لما بعده، كأنه ماحٍ لما بعده. ومع ذلك الله سبحانه وتعالى أشار إشارة سريعة في آخر السورة فقال: لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا. وكما قلت هذه السورة تدور من المعاني المكررة فيها أن الله يعلم ما لا تعلمون، ويكشف لكم جوانب أنتم لا تدركونها، فهذا الذي رأيتموه حزناً ودنية في الدين هو فتح مبين، وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ، وإلى آخره، وهنا فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا. هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا.
ثم يأتي ختام السورة ذاكراً الطرفين الذين تدور السورة عليهم، اللي هو محمد صلى الله عليه وسلم ومن معه، وكأن ختام السورة لا يستحق أن يذكر فيه أولئك الآخرون، اللهم إلا من باب أنهم إنما يغاظون بهذه الفئة المؤمنة، فقال: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا. هذي الصفة الظاهرة، أما الباطن إيش؟ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا. ثم تأتي هذه الجملة التي هي من الجمل العجيبة العظيمة في كتاب الله سبحانه وتعالى، جملة فيها من الأسرار ما فيها، فيها من الجلال ما فيها، فيها من العظمة ما فيها، فيها من السكون والراحة والطمأنينة ما فيها: سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ. هذي الجملة فيها شيء عجيب جداً جداً جداً. السيما العلامة، جيد؟ وش المقصود بالعلامة هنا؟ علامة السجود، ما هي العلامة هنا؟ طبعاً معنوية وليست حسية، وإن كان يرى لها أثر حسي من بعض قسمات الوجه، طبعاً هي على كل الأحوال ليست العلامة التي تظهر في الجبهة من أثر السجود، وإنما سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ؛ هذه الآية تخبر بأن الساجدين سجوداً حقاً، يحقق به ما يريد الله من معاني الإسلام الحق والثبات والفهم واليقين، من يحقق هذا السجود يظهر هذا في وجهه. يظهر في وجهه الخشوع، يظهر في وجهه أثر الإيمان، يظهر في وجهه سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ. طيب، الآن الأثر من السجود، السجود فقط ولا السجود علامة على بوابة تدخل هذا الأثر؟ علامة صح؟ يعني سيماهم في وجوههم من أثر الإيمان العظيم الذي أدى بهم إلى الصلاة بكيفية معينة، فسجدوا بكيفية معينة، فحققوا أموراً معينة فأظهر هذا الأثر عليهم. ولكن إذا أردت أن تلتقط من المشهد الإيماني العام شيئاً يترك الأثر كمركز يترك الأثر في الوجه، فهو السجود. واضح؟ وكأن السجود هو المظلة التي تظلل معاني الإيمان.
وبالتالي لا شك ولا ريب أن المؤمنين يتفاوتون في معاني تحقيق السجود، يتفاوتون في الآثار التي تتحقق عن السجود بحسب حال سجودهم ذلك، فهنا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ؛ السجود له سر، وهذا السر يترك أثراً على حياة الإنسان بشكل عام حتى أنه يؤثر في وجه الساجد، فضلاً عن أن يؤثر في سلوكه، إذا وصل الأثر لأنه الوجه يبقى فيه آثار نورانية معنوية من السجود، فمن باب أولى أن يؤثر فيه العمل الذي يعمله الساجد. ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ، أي هذا أنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم إلى آخره. وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ. بعض الزروع لا يصلح أن تنشأ وحدها، وإلا لا تكن ثابتة، تنشأ الزرعة وينشأ حولها فروخ الزرع، فينشأ الزرع وينشأ حوله فروخه هذه بحيث أنها تعضده وتقوي من صلابة الزرعة نفسها، وإذا ظهر هذا المشهد فإن أصحاب المزارع يسرون لأنهم يرون أن حالة الزرع هذه إلى استمرار وثبات، أنها لن تتأثر بأي رياح أو أي أشياء يمكن أن تجتثها. وهذا المشهد هو مشهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فالزرعة هي النبي صلى الله عليه وسلم، وفروخ هذه الزرعة التي حوله التي تشد هذه الزرعة هي أصحابه، وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا. هذا التبشير بالصحابة في التوراة، أو أما التبشير بالصحابة في الإنجيل فهو أنهم كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ، أنهم زرع نبت حوله فروخه التي تعينه وتعضده، فهذا حال الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم مؤازرين له، كما قال حسان: "أمام محمد قد أزروه بكل مهند". قاضي الكعوب في وصف غزوة بدر قال: فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ. يغيظ الله بهذه الثلة المؤمنة الكفار، وهذا متكرر ومستمر، متى وجد المؤمنون الذين بهذه الصفات: ركعاً سجداً، يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، أشداء على الكفار، رحماء بينهم، في قلوبهم من الثبات والصدق والصبر ما فيها، فيهم حسن الظن بالله، متى ما وجد ذلك، فإن النتيجة هي غيظ الكفار.
يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ؛ هنا التقط الإمام مالك التقاطة وقال: إنه لا يغتاظ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد إلا كافر، ما يغتاظ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد إلا كافر. ثم قال: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا. سورة الفتح وما فيها، فتح وجنباتها رضا وسكينة وهداية ومغانم ومغفرة وأجر عظيم وجنات، ويزداد إيماناً، وَيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا، وإلى آخره من المبشرات المتتاليات في هذه السورة. وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد