تسجيل الدخول

مقاصد السور | سورة فاطر

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. اللهم لك الحمد، لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم لك الحمد فاطر السماوات والأرض، أنت الغني الحميد، سبحانك وبحمدك، لا إله إلا أنت. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.

اليوم سورة فاطر، من مقاصد السور سورة فاطر، إذا ذكرت إيش اللي يجي في ذهنك يعني؟ إيش أبرز معنى يرتسم في ذهنك إذا ذكرت سورة فاطر؟ الحديث عن ماذا سورة فاطر؟ أنواع المخلوقات. جيد، إيش في كمان؟ قرآن، لكن القرآن الحديث عن القرآن ليس كثيرا. سورة فاطر مليئة من أولها إلى آخرها وفي فواتحها وخواتيمها وفي أواسطها بالحديث عن الله سبحانه وتعالى.

سورة فاطر أصلا اسمها متعلق بالله سبحانه وتعالى، وتبتدأ بالحمد لله سبحانه وتعالى، وخاتمتها فيها اسم من أسماء الله سبحانه وتعالى، إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا، كذلك وفيها عدد من الآيات المختومة بالأسماء الحسنى. وفيها ذكر حتى ذكر المخلوقات مربوط تماما بالوصول إلى الله سبحانه وتعالى، حتى ذكر المخلوقات في سورة فاطر ذكر على سبيل أن يوصلك إلى الله سبحانه وتعالى، فهي متمحورة حول الحديث عن الله سبحانه وتعالى.

وفيها إشارات من بداية السورة تدل على بعض المعاني التي ستذكر في السورة في الحديث عن الله سبحانه وتعالى، فكأن الإجمال في بداية السورة سيأتي تفصيله في ثناياها، فالسورة افتتحت بـ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، كأنه فيه إشارة في هذه السورة إلى ذكر المخلوقات ودلالتها على الخالق سبحانه وتعالى، وبالفعل السورة مليئة بذكر المخلوقات ودلالتها على الخالق سبحانه وتعالى. جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا، فيها إشارة إلى إيش؟ يمكن فيها إشارة إلى الوحي، وين القرآن أن الملائكة هي التي تنزل بالوحي، جبريل عليه السلام هو الذي ينزل بالوحي، وهنا ذكر من صفاتهم صفة الرسل أنهم رسل، جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ، كما ذكر بعض من لديهم تأملات لطيفة في القرآن أنه هذه السورة مليئة بالإشارة إلى التنوع والاختلاف، مثنى وثلاث ورباع، وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ، وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ، وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ، وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ، وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ، إيش مختلف ألوانها؟ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ. واضح التنوع والاختلاف الكثير في السورة، مثنى وثلاث ورباع، يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ، إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا، وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.

لاحظوا أنا جالس أتكلم الآن نقطة معينة وهي أنه في بداية السورة في إجمال لبعض حديث عن الله وصفات الله سبحانه وتعالى التي سيأتي تفصيلها في ثنايا السورة. إيش هذه الآية؟ إيش استقيت منها؟ أن مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا، وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ، أنه فيها إيش الحديث عن ماذا في مقابل ماذا؟ مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا، وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ، الحديث عن ماذا في مقابل ماذا؟ عن غنى الله وقوته وعزته وكمال قدرته في مقابل عز المخلوق وفقره وعدم قدرته على شيء، وهذا المعنى واضح تماما في سورة فاطر، واضح في سورة فاطر. ألم يأتِ فيها يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ؟ ألم يأتِ فيها وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ؟ أليس كذلك؟ ألم يأتِ فيها مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا، ألم يأتِ فيها إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ، إلى آخره من الآيات التي تدل على هذا المعنى، التي تدل على هذا المعنى.

هذه في مقدمة السورة، مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، لا يزال الحديث عن الله. الآية الأولى في الحديث عن الله، والآية الثانية في الحديث عن الله، والآية الثالثة في الحديث عن الله سبحانه وتعالى، لكن كل وحدة منها من جهة أو من زاوية. هذه الآية الثالثة من أي زاوية؟ زاوية الإنعام. واضح، اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، وستجدون أن زاوية الإنعام مذكورة في هذه السورة بشكل واضح، واضح.

في الزاوية الأولى اللي هي التمجيد لله سبحانه وتعالى وذكر المخلوقات باعتبارها دالة عليه سبحانه، واضح في السورة، ثم الاستغناء والغنى الإلهي في مقابل الفقر البشري، الافتقار البشري، هذا المعنى الثاني، ثم معنى إيش؟ الإنعام والعطاء والرزق في مقابل جحود الإعراض، لأنه هنا حتى ختام السورة، إيش ختام الآية؟ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ، كيف تصرفون؟ فهذه الثلاثة معاني أو الثلاثة آيات اللي في بداية السورة برأيي أن فيها يعني خلنا نقول كثير من محاور السورة المذكورة في تفاصيلها. هذه السورة فيها يعني دعوني أذكر لكم معنى بعدين أذكر إيش اللي في السورة يغطي هذا المعنى.

سور القرآن من الجميل جدا أن نعيش معها بطريقة تعالج أحوالنا، بمعنى أنه بحسب الحال الذي يكون لديك تبحث عن سور القرآن ما يعالج ما تبحث عنه في ذلك الحال. مثلا المحزون لفراق ابن أو رفيق وصديق أو غربة من السور المناسبة له سورة يوسف. الذي يسير في طريق الدعوة إلى الله والإصلاح ويتعرض لابتلاءات من الأعداء من أصحاب الشر وأصحاب البغض للإسلام وهو يلتزم طريقة الثبات والصبر والتأله والتعبد والإخبات لله سبحانه وتعالى يقرأ بشكل عام يقرأ قصص الأنبياء، ومن جملتها سورة إبراهيم، سورة الأنبياء، سورة الأنبياء من أكثر السور المعينة في هذا المجال. سورة القصص خاصة إذا أراد أن يلاحظ ألطاف الله سبحانه وتعالى بعباده وأوليائه. هكذا سور القرآن.

سورة فاطر، تتذكرون قبل سورة فاطر لما تكلمت عن عدة سور في البداية قلت أتكلم عن شخص النبي صلى الله عليه وسلم، أحيانا بعض السور تروي شيئا من شوقك وظمأك تجاه النبي صلى الله عليه وسلم، مثلا سورة الأحزاب، سورة الإسراء، سورة النجم، سورة القلم، هذه كلها سور فيها مركزية للنبي صلى الله عليه وسلم، والضحى، فهذه السور أحيانا يفيض بك الشوق إلى المصطفى عليه الصلاة والسلام، فتقرأ مثل هذه السور فتجد فيها أنسا لك في هذا الشوق.

سورة فاطر من السور التي إذا أردت أن تسبح في فلك التأمل في صفات الله سبحانه وتعالى، في جلال الله، بعظمة الله، في قدرته، في قوته، في غناه سبحانه وتعالى، يعني إذا اشتقت للحديث عن الله سبحانه وتعالى فاقرأ سورة فاطر. إن اشتقت للحديث عن الله سبحانه وتعالى فاقرأ سورة فاطر. من المعاني التي تجذبني في سورة فاطر تحديدا ويمكن أن أقرأ سورة فاطر لأجلها هي تذكر فقر الخلق وأنه ليس بأيديهم شيء، وأنهم لا يردون شيئا من قضاء الله ولا يملكون نفعا ولا ضرا، وأنهم في غاية العجز أمام قدرة الله المطلقة، وأنهم لا يمتلكون حتى من معاني العزة شيئا إلا من عند الله سبحانه وتعالى. وهذا المعنى واضح في السورة، وفيه أيضا فرع من هذا، وهو أنه أصحاب السيئات وأصحاب الفساد والإفساد، أصحاب المكر بالليل والنهار لأجل إضعاف الدين والشريعة والمكر بعباد الله، هذه السورة من السور التي تؤنس في أنهم لا يملكون شيئا، وأن مكرهم وبال عليهم.

فمن المعاني التي تقصد سورة فاطر لأجلها معنى إظهار معنى افتقار الخلق وعدم قدرتهم على شيء، وأن جملة الماكرين منهم مكرهم ليس شيئا. تأملوا معي الآن الآيات التي تدل على هذا المعنى، واضحة في السورة تماما، السورة هذا المعنى حاضر فيها، معنى فقر الخلق وعدم قدرتهم على شيء، وأن الله هو القادر، وأن الماكرين منهم مكرهم لا يؤدي إلى شيء. أول ثاني آية: مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا، وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وأيضا: مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا، إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ، وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَٰئِكَ هُوَ يَبُورُ. وَمَكْرُ أُولَٰئِكَ هُوَ يَبُورُ. إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ، وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ. وقبلها: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ. واضح المعنى واضح، تكرار المعنى.

وبعدها: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ، إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ، وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ. وأيضا: قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ. واضح التركيز على هذا المعنى، واضح أنه من دون الله لا يملك شيئا، أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّنْهُ. وأيضا: اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ، فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ. وأيضا: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ. واضح تمركز المعنى هذا، واضح تمركز المعنى تماما.

فإذا اقرأ سورة فاطر إذا اشتقت للحديث عن الله وغناه وعزته وجلاله وإنعامه، واقرأ سورة فاطر إذا أردت تذكير نفسي بعجز الناس وفقرهم واحتياجهم وعدم قدرتهم على شيء، وأنهم لا يملكون شيئا ولا يملكون ضرا ولا نفعا، إلى آخره. ومن المعاني في سورة فاطر أيضا التي وإن كانت لم تتكرر كثيرا لكن مقدار ما ورد في سورة فاطر منها فيه لطافة وفيه أنس وفيه جمال وهو الحديث عن عاقبة المؤمنين، وعن فيه وصف للمؤمنين، سواء حتى وصفهم في الدنيا وصف جميل جدا، ربما لم يتكرر بهذه الطريقة إلا في أو لم يأتِ إلا في سورة فاطر، أتى معناه في القرآن لكن بهذا الوضوح لم يأتِ إلا في سورة فاطر. الجزاء المذكور للمؤمنين في سورة فاطر لطيف لطيف لطيف للغاية، جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ، وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ. هذه الآية فيها يمكن أن تدخل كما من السرور ومن الفأل ومن التثبيت على المؤمن الشيء العجيب بالنسبة لي، هذه الآية يعني من أكثر الآيات القرآنية مخاطبة للشعور، أنه سيأتي يوم، سيأتي يوم على أهل الجنة يقولون فيه وهم في الجنة: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ، كانت مرحلة في الدنيا فقط بكل ما فيها، أما في الجنة انتهى، إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ، الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ. هاتان الآيتان فيهما قدر من اللطافة ومخاطبة المؤمنين بشكل عجيب جدا.

التنوع والاختلاف في سورة فاطر ذكرته قبل قليل، ومن جملة التنوع والاختلاف في سورة فاطر، ولا أعلم أنه ورد في غير سورة فاطر بهذه الصراحة وهو من أهم المعاني في تنوع درجات المؤمنين في القرآن على الإطلاق: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا، فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ. الظالم لنفسه من هو؟ أول شيء هذه الثلاثة أقسام في أي صنف من الناس، يعني هل هي في أصناف متعددة أم في صنف واحد؟ الذين أورثوا الكتاب، اللي هم هذه في المؤمنين، هي ليست في مؤمنين وكفار، فالمؤمنون ثلاث درجات: منهم ظالم لنفسه، هذا ملتزم بالشريعة، ملتزم بالفرائض، قد يأتي بعض المستحبات، ولكن هو ظالم لنفسه، يقع في الذنوب والمعاصي، يقع في الذنوب والمعاصي ويفرط في كثير من الكمالات والمستحبات، ويفرط حتى ربما في بعض الواجبات، هذا الظالم لنفسه. ومنهم مقتصد، أرأيتم ذاك الصحابي الذي جاء للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق، دخل الجنة إن صدق. هذا المقتصد اللي هو إيش؟ الفرائض، هذه فرائض الحمد لله رب العالمين سأؤديها ولن أقع في المحرمات، يعني مو بس يؤدي الفرائض، نهى الله عن الظلم، عن الفحش، عن الكذب، عن العقوق، عن الغش، عن الربا، عن الخيانة، لن أقع في هذه الأشياء وسألتزم بالفرائض والحمد لله رب العالمين، لن أقوم الليل ولن أكثر من ذكر الله، ولن ولن إلى آخره، هذا المقتصد. ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله، ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ، جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا. طبعا التفريق بين مقامات المؤمنين ورد في أكثر من موضع في كتاب الله سبحانه وتعالى، فورد التفريق في سورة الواقعة بين أصحاب اليمين وبين المقربين السابقين، صح؟ أليس كذلك؟ حتى في ختام السورة: فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ. هذا إن كانوا من.

بالقسم الثالث حتى في سورة الإنسان: إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ. عِبَادُ اللَّهِ هذول المقربون، والأبرار دونهم، أنهم يشربون من كأس كان مزاجها كافورًا، تمزج بالعين هذه التي هي كافور، بينما هي لعباد الله صافية خالصة لا تمزج. هذي مثل في سورة المطففين: إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ * وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ. عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ، عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ. والأبرار، الأبرار واضح، فإن الأبرار، وإن الأبرار في سورة الإنسان وسورة المطففين يشربون كلهم، ذكر فيهم يشربون من شيء يمزج بشيء، وذاك الشيء يشرب به عباد الله. اللي هو، اللي هو طبعا الأصل أن يقال يشرب منه، صح ولا يقال يشرب به؟ هذا الأصل صح، ولكن ضمن الشرب فعل الإرواء، معنى الإرواء، ضمن معنى الإرواء، والإرواء يعدى به أليس كذلك؟ بالباء أليس كذلك؟ فعين يروى بها عباد الله، هذا المعنى المتضمن داخل فعل يشرب. واضح هذا تفريق بين الأبرار وبين المقربين.

واضح، فهذي السورة، هذي السورة فيها إشارة إلى أن هناك تفاوتاً في، إشارة إلى أن هناك تفاوتاً بين درجات المؤمنين، وأنه ينبغي على الإنسان أن يحقق الدرجات العليا. إيش في امتداح للمؤمنين الذي إذا التزم الإنسان به في هذه السورة فإنه يرجو أن يكون من السابقين؟ يعني خلنا نقول الصفة المركزية للمؤمنين التي ذكرت في هذه السورة إيش هي؟ لا هي ما هو في نفس الآية بالصورة في صفة مركزية كذا ذكرت في السورة للمؤمنين، يعني لأناس من المؤمنين، واضح أنهم متقدمين: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ. هذه مركزية في هذه السورة: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ. إذاً السورة هذه واضح أنها مليئة بذكر الاختلافات، ذكر اختلافات الأشياء، تنوع درجات. فهذا معنى مكرر وواضح فيها جداً، لا تكاد، لا تكاد تقلب آية على أثر آية إلا ترجع إلى المحور الأساسي للسورة اللي هو الحديث عن الله سبحانه وتعالى تماماً.

والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً، مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا، وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ، بعدين وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ، هذي كلها آيات ورا بعض. بعدين وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ، بعدين يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ، بعدين إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ، بعدين وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ. سورة تتحدث عن الله سبحانه وتعالى، وبقدر ما تتحدث عن الله وعظمته وغناه وعزته وكماله وعلمه واطلاعه، بقدر ما تقلل من قيمة المخلوقين وأنهم لا يملكون من نقير، أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ، إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ، مَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ، أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ، أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ، إلى آخره، وواضح تماماً أن السورة ترسخ هذين المعنيين على التوازي.

لفت انتباهي تكرار وصف الله سبحانه وتعالى في هذه السورة بالغفور، فجاء الغفور مع صفات أخرى لكن الغفور تكررت، فمثلاً: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ، لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ، وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ. ثلاث آيات واردة في حق المؤمنين صح؟ كلها ورد في حق المؤمنين. طب هل هي واردة في حق المؤمنين هكذا يعني وصف عام للمؤمنين، ولا في ذكر أفضلية وثواب وتقدم؟ أفضلية وثواب وتقدم صح، الأولى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ، والثانية: لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ، وكان قد وصفهم قبل ذلك بأنهم يتلون كتاب الله، ثم قال: إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ، والثالثة: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ.

وهذا فيه إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى، أو أن ما ينتظره المؤمن من الله سبحانه وتعالى مع عمله ومع جهده ومع اجتهاده هو أن يغفر لهم وأن يغفر له، يعني من لا يدرك هذا المعنى من العاملين فهو قد يضل الطريق وينحرف. يعني يجب أن يظل الإنسان مستصحباً معنى أنه كلما ترقى في الطريق أكثر، ازداد احتياجه إلى مغفرة الله سبحانه وتعالى، والذي يفهم الطريق إلى الله سبحانه وتعالى جيداً يدرك أن المغفرة أوسع بكثير من أن يكون المراد بها هو مجرد محو ذنب معين، أنه أنا أذنبت الآن ذنب فغفور يعني اغفر لي هذا الذنب فقط، وإنما هي تعني معانٍ كثيرة. واحدة من أهم المولدات للاستغفار ولطلب ما يرجى من اسم الله الغفور من الله سبحانه وتعالى باعتبار اسمه الغفور، من أعظم المولدات لطلب المغفرة عند المؤمن المتقدم العامل المحسن هو شهود عظمة الله وما ينبغي له، وشهود النقصان في التعبد الذي يقدمه الإنسان مهما فعل.

وهذا المعنى هل يتغير مع الزمن أو هو ثابت؟ ثابت، ولذلك سيظل المؤمن ملاحظاً لهذا المعنى، فيظل مستغفراً إلى أن يموت، واضح الفكرة؟ واضح. آخرون اختزلوا معنى الاستغفار وطلب المغفرة في الذنب المعين، يعني مو بس حتى التقصير العام، ذنب معين تمام؟ فهو يتذكر أو يطلب الله باسمه الغفور لما يقع في ذنب معين ومحدد، فرق كبير جداً بين الحالين. أول ما تسلم من الصلاة وقد انصرفت من عمل صالح، وإذا انتهيت من قيام الليل وأنت في السحر، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. يعني نفس المقصود أنه، ما هو من أذكار قيام الليل لكن هو الأسحار موضع عبادة أصلاً وذكر الاستغفار، الذي سيستغفر في السحر هم المتعبدون، الذين سيستغفرون إلا في الآخرون يغطون في نومهم، ومع ذلك جعل خاتمة الليل بالنسبة لهم هو استغفار.

النبي صلى الله عليه وسلم كان يعد له في المجلس الواحد سبعين أو مئة مرة يستغفر، النبي الذي قاتل ومعه ربيون كثير وأصيبوا في سبيل الله إصابات عظيمة، فما وهنوا وما ضعفوا وما استكانوا، وهم في هذه الحالة حال الثبات والصبر والمجالدة والمجاهدة، وما كان قولهم إلا أن قالوا: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا. هذا المشهد مشهد من أعجب المشاهد في القرآن الكريم على الإطلاق، على الإطلاق، أنهم أصيبوا في سبيل الله إصابة بالغة جداً جداً، لأن الله قال: فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا. نفى عنهم ثلاثة أشياء تدل على شدة ما لاقوا، والله يحب الصابرين. وما كان قولهم في هذه الحالة الشديدة التي صبروا فيها إلا أن قالوا: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا. نفس الشيء، فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ. وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. وكان هذي يعني مجمل الدعاء يعني. فالشاهد من الكلام أنه لفت انتباهي تكرار الغفور مع ذكر هذا الثواب، فهذا الثواب وإن تحقق فهو ليس لمحض العمل، وإنما هو مجموع إلى ذلك مغفرة الله سبحانه وتعالى. يعني نكتفي بهذا القدر، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.