تسجيل الدخول

مقاصد السور | سورة المدثر

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. اللهم لك الحمد، لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.

نستعين بالله ونستفتح مجلساً جديداً من مجالس مقاصد السور. وهذه الليلة وهذا المجلس سيكون مع سورة المدثر. وسورة المدثر ما يخفى عليكم أنها من أوائل ما نزل من كتاب الله سبحانه وتعالى.

السور التي نزلت في أول الوحي، في أول ما نزل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ينبغي أن يكون لها شأن خاص بالنسبة للإنسان المؤمن المصلح في هذا الزمن.

وذلك أن الحال اليوم يتطلب تجديداً وإحياءً على طريق النبي صلى الله عليه وسلم، وبقدر ما أوصى الله سبحانه وتعالى نبيه وأنبياءه في كتابه، فإن السائرين على طريق الأنبياء يحتاجون أن يقتدوا بالأنبياء بمثل الوصايا التي أوصاهم الله بها، مما ليس خاصاً بالأنبياء، وإنما هو متعلق بالقيام بشأن الدين. الآيات الأولى والسور الأولى التي نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ينبغي أن تكون محل عناية وانتباه: ما هي الوصايا التي أوصى الله بها النبي صلى الله عليه وسلم؟ كيف وجه الله نبيه لإقامة الدين؟ ما هي المعالم الأولى؟ ما هي الموضوعات التي يركز عليها؟ كيف يعالج المشكلة العامة التي كانت سائدة في وقتها؟ هذا كله من الأمور المهمة التي يحتاجها الإنسان المسلم المتبع لطريق النبي صلى الله عليه وسلم. هذه السورة ابتدأت بخطاب مباشر للنبي صلى الله عليه وسلم: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ۝ قُمْ فَأَنذِرْ، وهي قرينة سورة المزمل: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ۝ قُمْ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا. ولو تلاحظون أن كلتا السورتين بدأت بنفس الخطاب: يا أيها المزمل، المدثر، والآية الثانية: قم.

والآية الثانية: قم. ففي قم فأنذر، وفي قم قم الليل. يعني: يا أيها المزمل قم، يا أيها المدثر قم، يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً، يا أيها المدثر قم فأنذر. وهذان الموضعان وهاتان الآيتان أو هذه الآيات وهاتان السورتان وهذان القيامان بالنسبة للمصلح هما أركان مسيرته وأركان طريقه. القيام الأول: قيام يتزود منه ويتعبد به. والقيام الثاني: قيام يبلغ به ويقوم به بأعباء الدين.

فهما قيامان: يا أيها المزمل قم، ويا أيها المدثر قم. فهذان قيامان يحتاجهما المصلح المتبع لطريق النبي صلى الله عليه وسلم، وبقدر الإحسان في القيام الذاتي يكون التوفيق في القيام المتعدي. بقدر الإحسان في قم الليل إلا قليلاً وما يتعلق به من تعبد يكون الإحسان في قم فأنذر. وهذا يذكر بوصية الله لموسى عليه السلام في بداية دعوته، يذكر بوصية الله لموسى عليه السلام في بداية دعوته، إذ أنه سبحانه وتعالى أوصى موسى عليه السلام بهذين النوعين من القيام، بهذين النوعين من القيام، بطبيعة الحال ليس بلفظ القيام، وإنما بنفس المعنى، فقال الله لموسى عليه السلام: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى ۝ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي

وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ۝ إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ۝ فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى. ثم قال له ايش؟ اذهب بعد عدة آيات: اذهب إلى فرعون. فاوصاه الله بنفس الوصيتين أو بنفس دائرتي وصية النبي صلى الله عليه وسلم: أعبدني وأقم الصلاة لذكري، هذه تساوي ايش هناك؟ دائرة قم الليل إلا قليلاً أي هي القيام بالتعبد والتزود الذاتي بالنسبة للإنسان المصلح. واذهب إلى فرعون إنه طغى، هناك قم فأنذر. قم فأنذر. وأكثر ما يدخل الخلل على الإنسان المؤمن المسلم الذي يزعم أنه يتبع النبي صلى الله عليه وسلم وطريق الأنبياء هو من التقصير في أحد نوعي القيام.

فقد -وهذا على مسار تاريخ الأمة- تنحى طائفة أو اتجاه أو أناس إلى قم الليل إلا قليلاً، فيتجهون لناحية المحض ويغرقون فيه وينسون قم فأنذر. وبعكس ذلك، قد تهتم طائفة بالسياق الدعوي والاصلاحي وتصحيح المسار وتغيير الواقع وإلى آخره، ولكن قم الليل إلا قليلاً وأمثاله من الوصايا التعبدية تكون ضامرة، وبالتالي تلك الدعوة الأخرى تضمر -قد لا تضمر من حيث الحركة والنشاط، ولكنها تضمر من حيث محتوياتها التي ترضي الله سبحانه وتعالى، وقد تنحرف بوصلتها بقدر الانحراف في دائرة التزود الأولى. ولذلك من أراد أن يكون على طريق الأنبياء فليحرص على القيام بالدائرتين المذكورتين هنا: قم فأنذر. والإنذار هنا الذي ذكر في ثاني آية في السورة له صبغته على بقية السور، فهذه السورة سورة إنذار، سورة إنذار. نحن نتكلم عن مقاصد السور، هذه السورة واضح فيها الإنذار، يعني ليست سورة فيها ذكر العقاب والثواب وإن كان فيها إشارة للثواب، لكن الأساس، الأمر الأساسي فيها هو الإنذار.

والإنذار الذي في السورة إنذار قوي الوقع، قوي الوقع، ويعني شديد، سواء في تراكيبه وألفاظه، أو... وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته... في تراكيبه وألفاظه أو في محتوياته ومعانيه. يعني سيأتي هذا بشكل واضح بإذن الله تعالى في تفاصيل الآيات، كيف أن الإنذار سمة من سمات هذه السورة من أولها إلى آخره، سمة الإنذار: قُمْ فَأَنذِرْ. ثم جاءت التوصيات الالهية للنبي صلى الله عليه وسلم في دائرة قم الليل إلا قليلاً وأيضاً في دائرة قم فأنذر. يعني هذا المقطع الأول من السورة هو مقطع توصيات للنبي صلى الله عليه وسلم مباشرة وواضحة وسريعة: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ۝ قُمْ فَأَنذِرْ. وفي هاتين الآيتين: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ۝ قُمْ فَأَنذِرْ، إشارة إلى أن حياة الأنبياء لم تكن حياة الدعة والراحة، ولا حياة الأمان، وإنما كانت حياة فيها الجد والاجتهاد والبذل والعطاء. وهذا الخطاب: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، مقصود: قم فأنذر. وكأن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتلقى هاتين الآيتين كأنه يدرك أن سياقه ومقامه هو مقام الإنذار، وأن السياق العادي الذي يسير عليه الناس من جهة طبعهم البشري في الارتياح وما إلى ذلك سيكون صعباً في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، لن يكون على الطريقة المعتادة.

أقول: قد يفهم هذا من إشارة الآية، والله أعلم: قم فأنذر. ثم جاءت التوصيات: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ۝ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ۝ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ۝ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ۝ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ. توصيات متتابعة وسريعة وواضحة وقوية للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يحمل الأعباء. ولو تلاحظون هذه، تجدون أنها تغطي دوائر مختلفة: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، يا أيها المدثر قم فأنذر، وربك فكبر، ثم اختتمت بايش؟ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ. وربك، وهنا ولربك. طيب، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، كبره وحده.

وهذا التكبير لله سبحانه وتعالى، سواء أكان لفظياً فكان لفظياً بقولك الله أكبر، أو كان معنوياً، ومن جملة المعنوي أن يعبر عنه بالتكبير. فإذا قلت وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وقلت إن المعنى هنا أن تجعل الله في نفسك أكبر من كل شيء، فواحدة من آثار هذا الجعل أن تكبر الله بلسانك. بينما إذا كبر، إذا كان المصلح قد جعل الله في نفسه أكبر من كل شيء، فإن آثار هذا الإيمان بأن الله أكبر من كل شيء ستتمثل في أمور كثيرة، من جملتها التكبير اللفظي.

التكبير اللفظي، وفي هذا من الفائدة أن المصلح يحتاج في بداية دعوته أن يكون الله في قلبه أكبر من كل أحد وأكبر من كل شيء، وهذه قضية حتمية لازمة مهمة لا يمكن أن تصلح الطريق إلا بها. لا تصلح الطريق إلا بها، لأن الإنسان إذا لم يجعل الله أكبر في قلبه من كل شيء، إذا لم يجعل الله في قلبه أكبر من كل شيء، فانه قد يتنازل أو يعني يحصل عنده اختلال أثناء الطريق بأن تقفز بعض المعظمات البشرية فتقطع شيئا من الطريق. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ۝ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ. وهنا أكثر العلماء، أكثر المفسرين، حملوا التطهير هنا على التطهير المعنوي، والثياب هنا على الداخل، واستدلوا بكلام العرب المشهور في أنه يعني لم يلبس ثيابه على خدعة وإلى آخره، والبيت المشهور: إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه فكل رداء يرتديه جميل. وإلى آخره. ومنهم من رجح الظاهر: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ أي أن هذا حث على التطهير الحسي من النجاسات، وممن رجح هذا ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى وأشار أن القول الآخر هو قول جماهير السلف أو جمهور السلف. على أي حال، لا مانع من أن تحمل الآية على الوجهين، إن كان أحدهما بطريق الدلالة المباشرة والآخر الدلالة العامة: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ. وهذا فيه إشارة إلى أهمية التزكية الداخلية بالنسبة للمصلح، وأن يطهر باطنه. وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ. الرجز: الأصنام والأوثان، فاهجر. أنت تدعو إلى الله وتدعو إلى الحق، لابد أن يكون الباطل واضحاً أمامك وأن تهجره وتبتعد عنه، فلا يحصل ما حصل لبني إسرائيل من تلبيسهم الحق بالباطل.

والتباس الحق بالباطل هو من اعظم المفاسد التي يبينها القرآن، واتضاع وتميز الحق عن الباطل من أعظم المصالح. بل إن من سنن الله سبحانه وتعالى أنه قد يقدر بعض الابتلاءات ليتميز أهل الحق من الباطل، فقال سبحانه وتعالى بعد أن ذكر الابتلاءات في سورة آل عمران فيما يتعلق بغزوة أحد، قال سبحانه وتعالى: مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشَاءُ إلى آخره. وكذلك في سورة الأنفال فيما يتعلق بغزوة بدر. طيب، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ۝ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ۝ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ.

وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ. بعضهم قال: لا تمن على الله بعبادتك وتستكثر هذه العبادة. بعضهم قال: هذا فيما يتعلق بالناس، ولا تمنن عليهم بعطائك. ومن هنا التقط بعضهم معنى لطيفاً فقال: إن هذه الآية لم تحث النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة -وإن كانت تستصحب أن النبي صلى الله عليه وسلم بطبيعة الحال سيتصدق ويعطي- ولكن هذه أوصت ما بعد الصدقة. الآيات ليس فيها وتصدق، ولا تمنن يعني أنت ستتصدق ستتصدق، ولكن لا تمنن بهذه الصدقات التي تعطيها للناس تستكثر. وبعضهم قال: لا تمنن لتستكثر، لا تعطي عطاء تنتظر أن يرد إليك، إلى آخره. وهذا كله من الارشادات التزكوية الالهية للنبي صلى الله عليه وسلم، والتي بطبيعة الحال يأخذها المصلح المتبع للنبي صلى الله عليه وسلم، فيتبع امتثال النبي صلى الله عليه وسلم لها، ويا له من امتثال!

ويا له من امتثال، ويعني هذه قضية -خل نقول- محزنة ومؤلمة كثيرة بالنسبة لنا من ناحيتنا نحن، وهي أننا نعرف الوصايا ثم إذا رأينا امتثالنا سنجد أن فيه قدر كبير من التقصير، بينما هذه أم المزمل: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ۝ قُمْ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، هنا جاءت توصية تمام آخر آية في السورة كما في صحيح مسلم من حديث عائشة لم تنزل إلا بعد سنة من بداية السورة. جيد، فلما نزلت بعد سنة ايش كان فيها؟ إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك. هذا الامتثال قم الليل، هذه البداية، هذه التوصية بعد سنة نزلت: إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه.

فنحن نقول هذه التوصيات للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن نخاطب، تمام، بس انظر النبي صلى الله عليه وسلم كيف طبق هذه التوصيات وكيف عاش فيها حياته، هنا الشأن. وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ۝ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ۝ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ. وهذا توضيح من بداية الدعوة أن هذا الطريق سيتطلب صبر، سيتطلب الصبر. وليكن صبرك لله، تقصد بهذا الصبر وجه الله سبحانه وتعالى: وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ.

ثم انتقل الخطاب إلى عاقبة هذا الإنذار: قم فأنذر. وككما قلت، السورة كلها فيها سمة الإنذار. هذه السورة تقول للمشركين إن نتيجة تكذيبكم ونتيجة إعراضكم عن الإنذار عسرة، وهذه النتيجة يخبركم الله بها من الآن، آمنتم بها أو لم تؤمنوا، أنتم الذين لم تؤمنوا، لكن هي ستقع، والإنذار من الآن. ولذلك يأخذهم الله سبحانه وتعالى في هذا المشهد المستقبلي ثم يرجعهم إلى حياتهم ويقول لهم: افعلوا. وهذا الشأن شأن مهم في تحريك القلوب، وهو أن تخبر المدعو أو الإنسان بسوء العاقبة للطريق السيئ ثم ترجع فتخبره بأن لديه فرصة لتجاوز تلك العاقبة السيئة. فاعطاء الفرصة للانسان من اعظم اساليب الدعوة.

معظم أساليب الدعوة، يعني ما يصلح تأتي للإنسان حتى لو كان عنده فساد وشر، ما يصلح يعني تأتي تقول له: أنت هلكت، انتهى. فهنا إذا انتهى خلاص كل شيء، فليش أنا، ليش أستقيم؟ خلاص، مو خربانة يعني. فلأ، يجب أن الإنسان مهما كان مسرفاً أن يرجع إلى مربعه الحالي ويقال له: لديك فرصة، لديك فرصة. ولاحظوا هنا أن الله سبحانه وتعالى سيذكر هذا الإنذار ثم ستأتي إشارات إما مباشرة أو في ثنايا الآيات تلمس منها الفرصة، أنه لديكم الفرصة. طيب، هنا انتقال كما قلنا إلى المشهد الأخروي: فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ۝ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ۝ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ.

وآيات يوم القيامة في القرآن وأهوال يوم القيامة والنار وما فيها آيات عجيبة جداً. الإنسان لما يستمع إليها استماعاً مصغياً بقلب، سيدرك جيداً أن هذه المشاهد التي يتحدث الله عن، يتحدث الله عنها هي حق، بحق، ليست مشاهد مصطنعة ولا متخيلة. شيء تفصيلي دقيق عجيب تنقل فيه الأحوال النفسية الداخلية بأوجز عبارة وأقوى عبارة وأوضح عبارة، مع ربط بالدلائل والبراهين والمقدمات والنتائج، بحيث أن الذي يستمع يدرك جيداً أن هذا حق.

ثم بعد ذلك يريد أن يتبع أو لا يتبع هواه وإرادته وعزيمته، فالله سبحانه وتعالى يقول للمشركين هنا: إن يوما ما سيأتي سيمكر فيه، في الناقور ينفخ فيه في الصور، وذلك اليوم إذا جاء فهو يوم عسير، عسير على الكافرين غير يسير.

ثم يذكر الله سبحانه وتعالى آيات متعلقة بمشهد من مشاهد الدعوة المبكرة التي حصلت في مكة، فيقول: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا. وهذه ذرني مخيفة، مخيفة: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا. وهي تذكر بشيء في سورة المزمل، إيش إيش في سورة المزمل؟ في آية إذا ما وهمت قريبة من هذا المعنى، إيه: وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النِّعْمَةِ. لاحظ: ذرني، وذرني، وذرني والمكذبين. وهنا: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا، وهنا المقصود به الوليد بن المغيرة، الوليد بن المغيرة، وكان من سادات قريش، حتى إنه قيل يعني أقصد رؤية في السيرة، إنه لما بدأ يتغير الوليد بن المغيرة ويلين تجاه الحق، قال الملأ من قريش: إن هذا الرجل إذا أسلم، أسلم معه الوادي وادي مكة، فأدركوه، تدركوه، لا يسلم! هذا كان سيدا من ساداته. ولو لم تعرف أي خبر من أخبار السيرة، من هذه الآيات وحدها ستعلم أن له شأنا، اليس كذلك؟ لأن الله ذكر فيه عدة آيات ها، وذكر الله سبحانه وتعالى له أمورا متعددة تدل على مكانته فقال: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا. هذا من حيث الأصل أنه ترى في الأساس وحيدا وكذا، لكنه: وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا. كل شيء أعطي ويسر له، وثم يطمع أن أزيد؟ كلا إنه كان لآياتنا عنيدا. سأرهقه صعودا.

وهذه مخيفة أخرى، سينال مشقة لا مثيل لها وسيرهق من العذاب بما لا يحتمله. سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا، وهذا يذكر أيضا ببداية السورة لما قال بالايات قبل قليل: يوم عسير فذلك يومئذ يوم عسير. وهنا بشكل خاص له: سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا.

ثم يذكر الله سبحانه وتعالى حالة للوليد، وهي حالة عجيبة جدا، وفي نفس الوقت هي ليست خاصة به من حيث المعنى، فهذه حالة يمر بها كثير من المكذبين. الله سبحانه وتعالى يصف لنا وهذا المشهد عجيب عجيب إلى أبعد مدى، يصف لنا تعارض الإرادات النفسية الداخلية لدى الإنسان لما تتضح له الحقيقة وينازعها الهوى، وكيف أنه يحاول يكابر نفسه يكابر نفسه ويأطرها أطرا ويكرهها إكراها على ألا تستجيب لداعي الحق بمحاولة إصبغ صبغة الباطل على هذا الحق الذي يعلم أنه حق، ولكن يحاول أن يقنع نفسه أنه ليس حقا. شوف النبأ العظيم، أعطيني إياه يمكن ألقى الموضع بشكل سريع في تعليق جميل من دراز رحمه الله على تعليق جميل على هذا الموضوع، شف لي الطبعة الثانية غالبا يكون فيها فهرس الآيات، ما أعتقد أنه بدون فحص الآيات راح أجيبها بسرعة، لكن كان له تعليق جميل جدا على موقف موقف الوليد بن المغيرة، طب شف فهرس الآيات، شف هذه الآيات إذا كان عموما إذا وجدته سريعا كيف كيف النفس الداخلي نفس الإنسان من الداخل كيف تفر من الحقيقة، أيوه أظن هذا الموضوع، طيب هو في بداية ذكر موقف الوليد أولا، آه لا شوف شوف ابحث كمان بس أنا أذكر موقف الوليد في البداية طبعا هو الوليد تعرفوا موقف مستمعا للقرآن فلانا له ووصف القرآن بوصف عجيب، وهذا الموقف مهم أننا نعرفه ليش؟ لأنه الحالة النفسية الآن في حالة مكابرة، لما عرف أنه حق في حالة مكابرة.

إيش يقول دراز رحمه الله؟ يقول: فإذا أحببت أن تعرف للقرآن الكريم سبقه وبلوغه الغاية في هذا المضمار، وأنت بعد لم ترزق قوة الفصل بين درجات الكلام لتعرف كيف أنه واصل في البيان، فاعلم أنه لا سبيل لك إلى القضاء في هذا الشأن عن حس وخبرة، وإنما سبيلك أن تأخذ حكمه مسلما من أهله وتقنع فيه بشهادة العارفين به، وإذا يكون من حقك علينا أن نقدم لك مثالا من شهادتهم، فخذ الآن هذا المثال: جاء الوليد بن المغيرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قرأ عليه القرآن كأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال: يا عم، إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالا ليعطوك هو. شف الخبث! خبث أبي جهل يبغى يحاول يغري الوليد أنه ما يتبع، يقول له: يعني أنت رايح عند محمد صلى الله عليه وسلم تبغى مال؟ احنا نجمع له أكثر. هو بس ما قال له احنا نجمع له، قال له يعني لقد قررت بما أنه احنا نجمع الأكمال فقال: لقد علمت قريش أني من أكثرها مالا. قال: فقل فيه قولا يبلغ يبلغ أو يبلغ قومك أنك منكر له وكاره. قال: وماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم مني بالشعر، لا برجل ولا بقصيده ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه قوله الذي يقوله شيئا من هذا، ووالله إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وانه لمنير أعلاه مشرق أسفله، وانه ليعلو ولا يعلى، وانه ليحطم ما تحته.

هذا كلام الوليد في القرآن، آه أيوه إي خلاص خلاص لقيته في الحاشية هنا، هنا الآن هذا الآن وصف الوليد لما اتفق مع فطرته واستمع للكلام، الآن الوليد يريد أن يصف القرآن بغير هذا الوصف، أخذ يفكر ويقدر ويعيد النظر: ما الذي يقوله؟ ما الكلام الذي يمكن أن يقوله فيكون مناسبا وموافقا للواقع أو لما يظن أنه الواقع؟ فأخذ يفكر ويقدر ويفكر ويقدر، ثم كأن فكرة شخصت أمامه، وهذه الفكرة حين أراد أن يقررها الوليد عرف أنها ليست حق ليست حقا، عرف أنها ليست حقا وحاول أن يكابر نفسه ويدفعها، لما تمثلت هذه الفكرة وعرف أنها ليست حقا: عَبَسَ وَبَسَرَ، قطب جبينه كلح وجهه من إدراكه أن هذه الفكرة ليست حقا، لكن ما وجد حلا إلا أن ينفر ويستدبر كل هذا التفكير ويفر من الحقيقة التي تدور في داخله، ثم أدبر واستكبر فقال: إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرُ يُؤْثَرُ * إِنْ هَٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ. تمام؟ إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر؟ ثم قتل كيف قدر؟ ثم نظر ثم عبس وبسر. هذا كله لأجل المعاني الداخلية، وهذه التعبيرات الخارجية انعكاس عن الصراع الداخلي الذي يدور، ثم أدبر واستكبر فقال: إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرُ يُؤْثَرُ * إِنْ هَٰذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ، وكأنه يحاول يطرد الحقيقة عن نفسه قبل أن يقولها للآخرين.

انظر ماذا يقول دراز بعدين ذكر الآيات: فانظر تصوير القرآن يا شيخ الله يرحمه دراز، الناس اللي عندها بيان تعرف تعبر تختصر، شوف ايش يقول يقول: فانظر تصوير القرآن للجهد العنيف الذي بذله الرجل في إصدار حكمه الثاني، تمام؟ حكمه الأول: أن عليه لحلاوة. فانظر إلى الجهد العنيف تصوير القرآن الجهد العنيف الذي بذله الرجل في إصدار حكمه الثاني، حيث يقول: فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرُ يُؤْثَرُ. ومعنى هذا كله أنه كان يقاوم فطرته ويستكره نفسه على مخالفة وجدانه، وانه كان في ضيق بما يقول، وأخيرا استطاع أن يقول ما قال نزولا على إرادة قومه. وانظر الفرق بين هذا الحكم المصطنع وبين حكم العربية في قوله أول مرة: إنه يعلو وما يعلى وانه ليحطم ما تحته. كلام في غاية الجمال!

طيب، الآن هذا مشهد من مشاهد التكذيب التي وقعت لأحد المشركين وهي بطبيعة الحال ليست ليس هذه ليست هذه الصورة بشكل خاصة به وإنما يحدث لأمثاله شيء من هذه الصورة أن بطريقة أو بأخرى. يرجع الإنذار مرة أخرى نتيجة هذا التكذيب: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ. ثم التعظيم لهذه سقر هذه: وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ. والبشر هنا إيش المقصود بها؟ لا البشر، البشرة جلد قشر الجلد، ولواحة محرقة محرقة للبشر للبشر اللي هي الجلود، فهذه سقر لواحة للبشر. عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ.

ثم يبين الله سبحانه وتعالى مشهدا من مشاهد الهروب من الحقيقة أيضا كما كان في مشهد الوليد الذي هرب من الحقيقة الكامن في نفسه، ولكن هذه مرة في مشهد جماعي لعدد من المشركين، أنهم حين سمعوا أن الملائكة الذين على جهنم تسعة عشر خزنة، قالوا ذهبوا من المعنى الأساسي الذي هو تخويف والتهويل والعذاب وجهنم وما فيها وأن هؤلاء الملائكة غلاظ شداد، وأخذوا يتهكمون بالعدد وصاروا يقولوا: يعني تسعة عشر ما تقدروا عليهم؟ فإذا احنا نتقاسم التسعة عشر، فواحد قال: اكفوني اثنين، وأنا أخذ السبعة عشر، وهكذا. المكذب يعني إيش؟ يعني يتجاوز الحقائق، فأخذوا يستهزئون بهذا بهذا المعنى. طبعا هؤلاء ليس هؤلاء التسعة عشر ليسوا كل من هم على النار من الملائكة، ليس كل منهم على النار، لذلك في نفس الآية الآية التالية: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ.

ثم قال الله سبحانه وتعالى تعليقا على هذا المشهد التكذيبي: وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً، هؤلاء القائمين عليها والقائمون عليها. وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لماذا لموافقة هذا العدد ما عندهم وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ.

الآن في عدة دروس من هذه الآية: الدرس الأول هو أن الأمر الواحد القضية الواحدة الحقيقة الواحدة هي بعينها تكون لأناس سببا لزيادة الإيمان واليقين، وهي بعينها تكون لأناس سببا للضلال والسقوط. فهذا العدد الذي ذكره الله للملائكة لخزنة جهنم قال فيه سبحانه: ليزداد الذين آمنوا إيمانا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب، ونفس هذه هذه الحقيقة هي بسببها قال المشرക്കാർ أو فيما يتعلق بها قال المشركون: ماذا أراد الله بهذا مثلا؟ كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء.

وهذا يؤكد لنا حقيقة واضحة في كتاب الله سبحانه وتعالى، ألا وهي أن وجود مصدر الحق والوجود المصدر المعرفي الصحيح لا يساوي الاهتداء بذلك المصدر ولا الاستجابة لذلك المصدر، فوجود الحق لا يعين الاستجابة للحق. وهذه الحقيقة واضحة في كتاب الله، وتتعجب أن كثيرا أو بعضا من الناس لا لا يفهمون هذه الحقيقة، فأذكر قبل فترة حصل لي نقاش مع أحد الشباب وربما بعضكم حضره، فكان يقول: يعني لو كان الإسلام حقا لماذا لا يؤمن به الناس بقية الناس؟ هذا لا يستلزم هذا! وجود الحق لا يستلزم الإيمان به، بل أحيانا وجود الحق يؤدي إلى زيادة الباطل، زيادة أهل الباطل في بطلانهم، زيادة أصحاب النوايا الفاسدة في فسادهم، والله سبحانه وتعالى يقول عن اليهود: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ. لاحظ: وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ايش؟ طُغْيَانًا وَكُفْرًا.

فالشأن كل الشأن بعد هداية الله وتوفيقه في الاستعداد القلبي لاتباع الحق وتحمل تكاليف هذا الاتباع. ولذلك لا نضحك على الناس حين ندعوهم إلى الله سبحانه وتعالى بأننا نقول: إذا آمن إذا يعني أقصد التزمت بدين الله سبحانه وتعالى واتبعت ما أمر الله إلى آخره أنه يعني لن لن يترتب على هذا الإيمان إلا كل تسهيل وتيسير، لا لا! يجب أن يدرك الإنسان أن الحق له تكليف وله تبعات، وكلما ازداد الإنسان فيه ازداد ازدادت هذه النتائج ولذلك جاءت المقدمة في هذه السورة: وَرَبِّكَ.

فاصل هذا الدرس الأول من هذه الآية الطويلة.

الدرس الثاني من هذه الآية الطويلة هو أن من المقاصد المقاصد التي ينبغي على المؤمن تحقيقها أن يقصد إلى ذكر الأدلة التي تزيد الإيمان واليقين، لأن الله قال سبحانه في هذه الآية: وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ. فذكر الله هذا ليكون من حكمة هذا الذكر أن أن يستيقن الذين أوتوا الكتاب بأن يروا الدليل الذي يوجب اليقين، ويزداد الذين آمنوا إيمانا. لذلك العناية بذكر الأدلة والبراهين التي تؤدي إلى اليقين هو منهج رباني منهج رباني ينبغي أن يسعى الإنسان للقيام به ولتحقيقه.

ثم بعد نهاية هذا هذه الآية قال الله سبحانه وتعالى: كَلَّا وَالْقَمَرِ * وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ * إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ * نَذِيرًا لِلْبَشَرِ. لاحظوا مرة أخرى من مقاصد السورة: الإنذار. هذا يمكن ثالث عودة لقضية الإنذار أو رابع عودة لقضية الإنذار في السورة: إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ، إنها لإحدى الأمور العظائم الكبيرة: نَذِيرًا لِلْبَشَرِ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ. وهذا إيش إيش هذه الآية؟ أيوه اللي ذكرته في بداية السورة أنه الله سبحانه وتعالى يذكر لك المشهد في العذاب ثم يرجع فيعطيك الفرصة هذه الفرصة: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ.

أرأيتم أيها المشركون كل ما ذكر من العذاب والإنذار في هذه السورة هو ليس نتيجة حتمية لأعيانكم إذا استدركتم أمركم، فهذا العذاب فهذا الإنذار هو تحذير لأنه هو حق، فأنت حين تنذر أحدا أنت منت جالس تخلي السوداوية في حياتي، أنت ما اخترعت هذا الإنذار، أنت أنت جالس تحذره من شيء موجود موجود. أنت حين تقول للإنسان: لا تفعل كذا، هذا لا هذا لا يرضي الله سبحانه وتعالى هذا سبب للعذاب الكاحلات تنكد، أنا ما أنا أنا ما اخترعت لك هذا العذاب، أنا مو أنا فاضي وجيت لا أنا جالس أكلمك عن حق، هذا شيء موجود هذا شيء موجود، أنا محسن إليك بنصيحتي. وترى الإنسان المصلح لما يعرف نفسه بهذا المعنى ترى يصبر على على كثير من الأذى.

يعني أنت لا تعتبر نفسك أنك أنت مجرد مكلف وتحاول، لا لا، أنت اعتبر نفسك أنك محسن، كأنك جاي إلى واحد صغير وتبغى تقول له: ما يصلح، ترى فيك يعني حيوانات مفترسة هنا ممكن تجيك الحين بالليل، تعال معايا. فيقول لك: أنت ما تبغاني؟ الأب، ما تبغون؟ يا مو أنا ما أبغاك تلعب يا ابن الحلال بس هنا ما يصلح لك، أنت أصلا، مدري ايش، تمام؟ هي نفس الفكرة. تجي الناس في لهوهم ولعبهم مستغرقين غارقين، تدري ايش تقول لهم؟ اتقوا الله، انتبهوا، أنت أصلا ما تبغاه أنت، يا أخي انقلع أنت حياتك مقفلة خليك، تمام؟ تقول له: يا أبو الشباب أنا ما أبغى أنكد عليك، أنا ما بقول لك شيء بس أنا بقول لك هو في خطر حقيقي، أنا ما قلت لك شيء بعدين، أنا قلت لك أبغى فلوس؟ قلت لك أحتاج شيء؟ قلت لك كشر؟ لا تضحك، لا تفرح؟ ما قلت لك شيء، أنا ايش قلت لك؟

نفس الشيء أنت، أنت فتاة، أنت الآن فتاة تقولي انك أنت انسانة مسلمة أنت غير محجبة، آآ هي ما هي لابسة حجاب كذا خارجة بملابسها فتجي وحدة تكلمها تقول له: يعني اتق الله البسي حجاب، ليه ليه؟ يعني أنت تتوقع انه يعني حجابنا لمن أكلمك عنه، هل تتوقعي لأنه أنا ذوقي في الملابس كذا فانا مو عاجبني الذوق هذا فأنا أبغاك؟ لا لا، لا هو الفكرة أن الله سبحانه وتعالى أمرنا بهذا، أجي أقول لك ما أمر الله به، انتهينا، ففنفس الشيء الإنذار، الإنذار ليس تعطيلا لحقوق الناس وإنما هو في الحقيقة إرشاد لهم لما يصلحهم، بما يصلحهم، لما يعلي من شأنهم، لما يزكيهم.

آآ أنت حين ترى الانسان منغمسا في الشهوات والملذات انغماسا تاما لا ينتهض لحاله ولا نفسه، أنت الصورة التي أمامك التي تظهر أمامك هي صورة الحيوان، صورة الحيوان. وهذا وهذه الصورة ذكرها الله سبحانه وتعالى فقال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ، نعم، كما تأكل الأنعام. ايش ايش الفرق بين انسان لا يعمل شيئا إلا مثل ما تعمل الحيوانات وبينه وبين الحيوانات، ايش الفرق؟ على أية حال هذا الإنذار هو خير للبشر، قال الله سبحانه وتعالى: نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ، لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّطَ أَوْ يَتَأَخَّرَ، كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ. النتيجة التي ستترتب على هذا الإنذار هي أنك ستجد أثر ما عملت، إن خيرا فنعيم وراحة وسرور وطمأنينة، وإن شرا فشقاء وعذاب وعسر، كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ. فهنا أصحاب اليمين قد وجدوا نتيجة أعمالهم، وأما أولئك فمرهونون محبوسون نتيجة أعمالهم السيئة، إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ.

طيب، الآن يوم القيامة والجنة والنار هي ليست مجرد الله سبحانه وتعالى يذكر فيها فقط الناحية الحسية، وإنما فيها معاني معنوية كثيرة جدا ومن جملة المعاني المعنوية موضوع الحوارات والنقاشات التي تحدث داخل الجنة بين أهلها وداخل النار بين أهلها وبين الطرفين، وبين الطرفين. ويا لتلك الحوارات ويا لتلك المشاهد! ويا لتلك الحوارات ويا لتلك المشاهد! من جملة ما يحدث من النقاش أن أهل الجنة يتساءلون فيما بينهم عن سبب دخول أولئك النار ويسألون أهل النار: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ، وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ. لاحظوا مركزية هذه الأشياء، مركزية هذه الأشياء، هذه الأشياء هي التي جعلتهم يدخلون النار، لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ. مقابلها بالنسبة للمسلم ايش؟ الصلاة والزكاة، ويمكن أن تقول القيام بحق الخالق وحق المخلوق. لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ. وهذا من أعظم أسرار الهلاك، الغفلة، اللعب، الكلام، مقابلة الحقائق بالهرج الفاضي، نخوض مع الخائضين نستهزئ نتكلم غافلون، وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ. اليقين هنا هو الموت، كقول الله سبحانه وتعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ، وكقول النبي صلى الله عليه وسلم: أما هو فقد جاءه اليقين. وتسمية الموت باليقين تسمية مهيبة، تسمية مهيبة يعني لاحظوا بل ليس الموت اليقيني، لا اليقين خلاص صار من من ألقاب الموت اليقين، حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ.

وحالة ابتداء الإنسان وحالة نهاية الإنسان، هاتان الحالتان فيهما تركيز في الخطاب القرآني والاستدلال والتذكير على الإنسان المكذب والمستكبر بحالته الأولى وبحالته الأخيرة. وتركيزك أنت أيها الداعي أو المصلح على هاتين النقطتين من أهم ما ينبغي أن يكون، والله سبحانه وتعالى هنا قال عن الوليد: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا، هذه بداية المشهد، وفي سورة الإنسان: هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، وفي سورة مريم: وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا، أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْئًا، وفي سورة يس: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ.

وهذا ليس خاصا بخطاب المشركين، وإنما لنا نحن المسلمين ونصيحة خاصة لنفسي وللشباب ولمن يستمع من الجميع، من كل من يشاهد هذه الحلقة: اجعلوا من أهم نقاط والمراحل التي تتذكرونها طول ما أنتم أحياء مرحلة الخلق الأول. تذكر حالك أنت، ليس حال غيرك، حالك أنت أنك كنت قبل فترة يسيرة، سنوات، كنت في حال ليس ليس الحالة التي أنت عليها الآن، كنت لا تعقل، لا تسمع، توسخ على نفسك، ما تقدر تاكل ولا تلبس ولا تدبر أمورك ولمصالحك، بل المرحلة التي قبلها حتى أمك لا تستطيع أن تقدم لك الطعام، وإنما قد مد الله سبحانه وتعالى بينك وبينها بحبل في داخل بطنها يصلك منه الغذاء، ثم بعدين خرجت وتطورت في نشأة بعد نشأة حتى وصلت إلى إلى سنك هذه التي صرت فيها تعقل وتسمع.

لا تنسى هذا المشهد، لا تنسى هذا المشهد، فإذا مررت عليه في القرآن لا تعتقد أنه للمشركين فقط، الذي لا لا، أنه بس في إنكار البعث وأثبات البعث، لا، أنت لا تنسى هذا المشهد، فغدا لما تكثر المكتسبات وتنتفخ قليلا، تمام، وأحيانا كثيرا ينتفخ الإنسان ينتفخ ينتفخ ينتفخ جدا، بس خد نفس وبس تذكر بالله معايا كذا خمس دقائق نتذكر ايش كنا، هذا التذكر يجعلك في حالة ضعف دائم، حالة ضعف دائم، وأنك ما تجاوز بنفسك أعلى من مداها، فأنت مخلوق ضعيف نماك الله ورباك الله ودبرك الله سبحانه وتعالى حتى وصلت إلى هذه الحال، فمهلا ولا تتكبر.

وهذا يجعلك تؤمن بأن الله سبحانه وتعالى حق، لأنك تعلم أنك لم تنمى ولم تربى إلا من آآ إله عظيم، عزيز، قدير، ليس بقدرة هؤلاء البشر أن يحدثوا مثل هذا، فهذا التذكر مهم جدا، وفي نفس الوقت أيضا تذكر الحالة الأخرى وهي الموت ومغادرة الحياة مغادرة الدنيا، اليقين الذي قاله الله سبحانه وتعالى هنا، هذا من أهم ما ينبغي على المسلم أن يتذكره، فإنه إذا تذكره أعانه هذا على استصلاح نفسه. نحن كائنات بشرية لنا أهواء وشهوات ونحب أن نطيع أهواءنا، أليس كذلك؟ ما الذي يزعك عن اتباع هواك؟ القضية المركزية، أو من أهم القضايا المركزية التي تعينك على ذلك تذكر الآخرة، وأن لقاء الله حق وأن ما أنت فيه تكليف ومرحلة عبور وستنتقل منها، وهذا فيه خير كثير وكبير جدا.

وكنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ، فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ. طيب، أيضا الرجوع مرة أخرى إلى الدنيا، ما دام أن هذه حالهم: فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ. هنا في معنى أنا أسجل اعترافي قبل أن أذكره أنني عاجز عن وصفه، ربما ذكرته في واحد من المجالس، يحتاج الواحد يعني بس طويل وما أقدر يعني، لا صعب انك تصل إلى إلى إيصال هذا المعنى تحديدا، وهو أن المشاهد أو الأحوال التي يذكرها الله سبحانه وتعالى عن النار وأهل النار هي في درجة من اليقين أن الله سبحانه وتعالى يذكر الدلالة منها وكأنها وقعت، ويستدل بها على المكذبين وكأنهم رأوا المشهد، مع أنهم مكذبون.

الله سبحانه وتعالى لما ذكر المشهد هذا، مشهد أهل النار والحوار بين أهل الجنة والنار، ها وأن أهل النار، وأنتم تقرؤون هذه الآيات كأنكم تستمعون إليهم وهم داخل النار يقولون: لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ، ثم يقول الله لهم: فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ. يعني هذا المشهد حق ومن درجة القوة والثبات في كونه حقا أنه يستدل بآثاره ونتائجه وكأنه وقع، يعني كأنك تقول كأنك تقول لشخص إن ها هنا في هذا الطريق الذي تسير فيه من سار قبلك وهذا الذي صار قبلك قد وقع في مهلكة في هذا الطريق وهي مهلكة لازمة لكل من يسير في هذا الطريق تمام، ثم ثم تأخذ به وتريه آثار هذه الهلكة، أما انسان ميت ولا أيا كان من آثار هذه الهلكة، ثم تتركه فيسير في هذا الطريق فتقول له: مالك عن تذكرة معرض وقد رأيت ما أريتك من فساد هذا الطريق؟ لكن هذا الذي تقوله أنت، هذا قد وقع وأنت توصل الصورة إليه أنه وقع وتريه أنه وقع.

أما المشهد الذي في النار الذي يذكر الله لم يقع بعد، ولكن من من درجة ما هو يقيني يستدل الله به على المشركين وكأنه وقع، فيقول لهم بعد هذا المشهد: فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ. بل ليس فقط من باب التذكير وإنما حتى من باب إثبات الحقائق العامة، فيقول الله سبحانه وتعالى في سورة المؤمنون بعد أن ذكر عذاب أهل النار ثم قال: وَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وارِدُونَ، لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا. طب هل هذا المشهد حاصل ولا لا؟ ما حصل، ولكن هذه مرحلة متقدمة في يقينية هذا المشهد، يعني مرحلة متقدمة جدا أنه هذا المشهد وصل إلى قدر من الثبات واليقينية ما يستدل بآثاره معرفيا، حتى إنه مما يدل على بطلان ألوهية أولئك أنهم لو كانوا آلهة الحق إن كان ما دخلوا النار، طب هم دخلوها ولا ما دخلوها؟ لم يأتي بعد مشهد دخول النار، ولكن ذاك مشهد في غاية الثبات في يقينيته حتى كأنه وقع، بل ووقع وقوعا يقال للمكذب بسببه: لو كان إلهك الباطل إلها لما دخل النار.

وهنا بعد أن يذكر الله بعد أن يذكر الله سبحانه وتعالى هذا المشهد يقول للمشركين: فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ، كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ. ليش فرت؟ يعني أقصد كأن في أذى، كأن في ضرب، كأن في قتال، كأن في تذكير، ليش تفر؟ ليش تفر؟ طيب، الله سبحانه وتعالى يبين لك هذا المشهد، من الذي كان يذكرهم؟ النبي صلى الله عليه وسلم، تمام، الذي لن تبلغ شيئا من حكمته ولطفه وبيانه وتمااام؟ وهم ليسوا فقط لم يستجيبوا وإنما يشفع له، فروا، فروا.

فما بالنا نحن نستنكر فرار كثير من الناس عن الحقائق الثابتة ونتضجر من هذا، وكأن هذا المشهد لم يحصل لنبي الله صلى الله عليه وسلم، وكأن هذا المشهد لم يحصل لنوح عليه السلام وقد دعاهم ليلا ونهارا، سرا وجهارا، وأعلن لهم وأسر لهم ها، وايش كانوا يسووه؟ وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ، ايش سووا؟ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ، طيب يكفي، لا، وايش كمان؟ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ، ويكفي، طب ايش كمان؟ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا، ثماني دعوتهم جهارا، ثماني أعلنت لهم وأصررت لهم بسرعة، فما بالنا بعد ذلك نقول والله لم نجد أثرا؟ اصبر حبيبي، هذا لا يعني أنك خطأ، أهم شيء تكون قد أديت ما عليك، لا تكن قد سلكت طريقا فيه فتنة وفيه شر وفيه حياد عن الطريق فأنت تتحمل النتيجة، ولا تكن فاسدا في عملك ويخالف عملك قولك فتكون فتنة لمن أمامك بحيث أنه يرد الحق النظري الذي معك بسبب الباطل العملي الذي أنت عليه، ولذلك الأنبياء كانوا أول الناس عملا بما يدعون إليه، وكان امتثالهم العملي لقولهم النظري من أعظم أسباب الحجة لمن يريد أن يتبع الحق، من يريد أن يتبع الحق، وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ؟ هذا النظر، وَفِيكُمْ رَسُولُهُ؟ وهذا النموذج العملي.

هؤلاء يفرون من التذكرة كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ، بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً. وهذا معنى مكرر في القرآن، وهو تعنت أصحاب الباطل في اشتراطات الأدلة التي يؤمنون بها، وهذا موجود إلى اليوم، حتى ترى في النقاشات الإلحادية المعاصرة موجود اليوم بعض الملحدين لما تجي تقول له طب أنت ايش تبغى تؤمن؟ فوري يقول لك أنا مثلا، آآ هذا حقيقي صار يعني، أنه مثلا أنا التفت إلى السماء، يعني في نفس اللحظة النجوم تكتب كلمة معينة، تتشكل بطريقة معينة حتى أنا أؤمن، وهكذا، بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً.

الحقائق لا تأتي مفصلة على ذوق كل إنسان، وإنما الإيمان بها فيه قدر من التكليف، وهذا التكليف من وجوه، واحد منها أن فيه مخالفة هوى، وبالتالي هو يعلم أنه لو استجاب لهذه الحقيقة فلها ضرائب وفواتير من مخالفة الهوى. والأمر الآخر أن فيها قدرا من الإيمان بالغيب والاستدلال بما هو ظاهر على ما وراء ذلك والتسليم والإيمان للحقائق الإلهية. آآ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً، كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ.

وعدم الخوف من الآخرة يبين الله سبحانه وتعالى أنه بوابة من بوابات الطغيان، أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ بالجزاء، ما عليك يوم الدين ها، أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ بالجزاء والحساب؟ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ، وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا إلى آخره.

وهنا كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ فمن أعظم أسباب عدم الانقياد والتكذيب هو عدم الخوف من الآخرة، وبطبيعة الحال خوف منها فرع عن الإيمان بها.

كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ هذا الكتاب العزيز تذكرة، تذكير وإرشاد، تذكير وإنذار وتحذير وموعظة، فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ، نرجع لإيش أيضاً فرصة وما أجملها وأبردها على النفس بعد هذا الإنذار والشدة وكأنك وقد رسم لك مشهد العذاب الذي أمامك ثم تتاح لك الفرصة، فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فمن شاء ذكره وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وهذا كله تحت مشيئة الله سبحانه وتعالى.

هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ أهل التقوى أهل أن يتقى فالله ذو الجلال وذو العظمة وذو الكمال وهو الخالق وهو الذي أنزل الكتب وارسل الرسل بشارة ونذارة وهو الذي وهو الذي فهو أهل أن يتقى، فهو أهل أن يتقى، هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ وهو أهل أن يغفر ذنب المستغفر ويتوب على من يتوب.

ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا حسن الفهم لكتابه وحسن العمل بما نتعلم وأن يجعل هذا القرآن حجة لنا لا علينا، ونسأله سبحانه بأنه غفور رحيم الذي لا إله إلا هو أن يتجاوز عنا وأن يغفر لنا ذنوبنا وأن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.