تسجيل الدخول

معالجة القرآن لنفوس المصلحين ١٢ | سورة النور ٠٣

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم لك الحمد ولا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيات على نفسك. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما يا رب العالمين. معالجة القرآن لنفوس المصلحين، المجلس الحادي عشر. أخذنا ستة مجالس لسورة آل عمران، ثم أخذنا مجلسين امتحنا، ثم مجلسين النور، وهذا الحادي عشر في النور أيضا، ولكنه مجلس قصير ومختصر بإذن الله تعالى. وبعد ذلك، إن شاء الله، ننتقل في اللقاء القادم إلى سورة أخرى غير سورة النور.

أنا كان في بالي أني أتعلق على موضعين في سورة النور غير حادثة الإفك، ولكن الآن ارتئيت أن أتعلق على موضع واحد، وهو الموضع الأخير في السورة، وهو قول الله سبحانه وتعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.

لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِشُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝ أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُُم بِمَا عَمِلُوا ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.

هذه الآية أو هذه الآيات في ختام السورة هي من ضمن الآيات القرآنية المعالجة لنفوس المصلحين. وهناك مواقف تحدث في وقت النبي صلى الله عليه وسلم، ويحدث فيها بعض الخطأ وبعض الإشكال فيما يتعلق بحق النبي صلى الله عليه وسلم، فيأتي القرآن ليعالج ما حدث، وتكون المعالجة فيها دروس وعبر، وليس فقط تصحيحا لخطأ واحد أو معين.

هنا هذا المقام الذي عالج الله سبحانه وتعالى فيه نفوس المصلحين هو مقام ما كان يعمله بعض الناس حين يكونون مع النبي صلى الله عليه وسلم، من أنهم يذهبون وهم في مكان جامع، في مثل مثلا سفر على غزو أو شيء، أو مقام جمع النبي صلى الله عليه وسلم فيه الناس، فيذهبون أو ينصرفون من هذا المقام الذي جمعهم فيه النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يستأذنوا.

وبعضهم -وهؤلاء الذين عندهم هذه الصفة الثانية، هذه من المنافقين- يتسللون متخفين، وكأنهم يريدون أن يسجلوا من ضمن الحضور تسجيلا معنويا، يعني أنهم حضروا، ثم يتهربون أو يهربون من مثل هذه المقامات الجامعة.

فجاء القرآن ليصحح نفوس المصلحين، يعالج نفوس المصلحين في قضية قد يتهاون فيها البعض أو لا ينتبه إليها، ويؤسس لقضية مركزية في الإسلام من أكبر القضايا المركزية، وهي أن البركة والخير والشأن في اتباع هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، وأن الضلال والذاب والفتنة والإشكال في مخالفة أمره.

ولما كانت هذه الآيات في هذا السياق، كان أعظم المصلحين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يتذكر هذه الآيات بشكل جيد، وكان قد استعملها في مقام من مقامات الإشكال التي حصلت، وهو أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه.

الله سبحانه وتعالى يقول في هذه الآيات والجملة المركزية في معالجة نفوس المصلحين في هذه الآيات هي قوله سبحانه وتعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.

الفتنة تكون في الدين غالبا، تمام؟ حتى تعرف الإام أحمد قال: تدري من الفتنة؟ الفتنة الشرك. والفتنة هنا تفسر لك كثيرا من الانحرافات التي تراها اليوم.

هناك انحرافات تجدها عند أناس ممن يأخذ اسم الدين، ويكون انحرافه عقوبة، الله جعله في فتنة، والسبب في ذلك هو أنه غير معظم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.

هذه الآية كانت مركزية عند أئمة المسلمين الأوائل، وبنوا عليها منهجية في التعامل أصلا مع الدين والشريعة.

ولذلك، كما في صحيح البخاري، لما حصلت -خلنا نقول- خلاف وسوء تفاهم كما بالاصطلاح المعاصر بين أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وبين فاطمة ابنة النبي صلى الله عليه وسلم، فيما ترك النبي صلى الله عليه وسلم، وكان فاطمة أتت إلى أبي بكر الصديق تطلبه ميراثها من أبيها النبي صلى الله عليه وسلم.

أبو بكر الصديق لو خُلي ورغبته المجردة لأعطى فاطمة ميراثها وأضعافه، طيب، لكنه سمع من النبي صلى الله عليه وسلم قولا لا يزال يتردد في أذنيه، وهو: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة، وهذا مخصص لعموم قول الله سبحانه وتعالى -إيش؟-: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ، إلى آخر الآيات.

فكانت فاطمة رضي الله عنها تحاج أبا بكر وتطلب منه ميراثها بناء على الحكم الشرعي العام في انتقال التركة إلى الأبناء، وأبو بكر الصديق لا يستطيع أن يعطيها خشية أن يخالف الأمر النبوي.

ولذلك هو في البخاري قال: والله لقرابة رسول الله أحب إلي أن أصل من قرابتي. طيب، وين الشاهد؟ وهو الجملة المركزية العظيمة الكبيرة المخيفة التي قالها أبو بكر الصديق، والتي تفسر لماذا كان أبو بكر أبا بكر؟ لماذا بلغ تلك المنزلة؟

تفسر لك -وهذه المفارقة- أولئك كانوا أصحاب عمل ونصرة دين ومال، وكانوا لا ينزعون عنهم ثياب الخوف، ما ينزعون ثياب الخوف. وهذا موافق لما ذكر قبل قليل في قضية الخوف، وأنه الصالح يخاف، بينما سبحان الله تجد الإنسان كلما قل عمله واغتر تجد أنه يأمن يأمن أكثر ويغتر.

ماذا قال أبو بكر؟ قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة، وإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ.

هذا مين؟ أبو بكر الصديق يقول: واني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ. لماذا قال هذا؟ قالها بناء على هذه الآية: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ، ها، فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ، فتنة هذه هي قوله إيش؟ أزيغ.

وكذلك الإمام أحمد قال لما كان من أعظم من أكبر المعظمين للسنة والاستدلال بها وتقديمها، كان يتكلم بلغة فيها شدة في هذه القضية، فيقول معلقا هذا يقول: أتدرى ما الفتنة؟ ها، في سياق احتجاج وإثبات، الفتنة الشرك، إني أخشى إذا رددت شيئا من أمره أن يهلك، أو كما قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

الآيات هذه تؤسس في نفوس المصلحين مركزية اتباع أمر النبي صلى الله عليه وسلم وخطورة مخالفته.

وإذا تأملت في تاريخ العقائد والتراث الإسلامي وتاريخ الأقوال والتيارات والاتجاهات العقدية المشكلة التي نشأت في التراث الإسلامي، تجد أن واحدا من أهم أسباب انحرافها هو عدم جعل كلام النبي صلى الله عليه وسلم مركزيا، وعدم بناء العقائد والتصورات عليهم، واتخاذ أصول منهجية وعقدية خارجة عن نطاق الوحي، ومحاكمة الوحي إليها.

مثل ما يفعل الناس اليوم، يحاكمون الوحي إلى ثقافة غالبة، أنه هل هذا إنساني ولا مو إنساني؟ هل هذا مدري إيش ولا مو مدري إيش؟ هل هذا كذا؟ هذه نفس الشيء الآن، يعني يستمد تصوراته الأساسية عن القيم والأخلاق والمظلات الحاكمة بناء على ثقافة أخرى.

ثم يأتي فيقول -يعني- أصلا الدين جاء لهذا المعنى، أصلا تقفو النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، والاشياء الأخرى إيش يسوي فيها؟ يا يقول لك أحد يا -يعني- غير قطعية، يا يردها، يا يؤولها، يا يسوي لها أي شي.

حين يكون في نفوس المصلحين مركزية: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ، وحين يكون في نفوسهم مركزية قول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، تكون -خلنا نقول- البناء الذي يبنونه والطريق الذي يسيرون عليه هو الطريق المؤسس على أولوية الوحي. هذا يعتبر الدرس الأول من هذه الآيات، وهو الدرس المركزي.

الدرس الثاني هو أن الظاهر انعكاس للباطن، والله سبحانه وتعالى لا يجعل الاكتفاء عند الإنسان المؤمن أنه يكتفي بما في قلبه من المحبة، لابد أن يكون الظاهر متسقا مع ما في قلبك.

فهنا الله سبحانه وتعالى ينهاهم عن أشياء ظاهرة، فيقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. الآن، يؤمنون بالله، هذا عمل ظاهر ولا باطن؟ باطن. طيب، إيش العلامة اللي على الإيمان هنا؟ الاستئذان، تمام؟ هنا علامة استئناس.

طيب، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، شوف كيف الربط. طيب، ما ذكر أن التهوين من شأن الظاهر ومن دلالته على الباطن يعتبر شيء خطير في تحول التصورات في السياق الإسلامي.

نفس الشيء: لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا، دعاء المناداة النداء، لا تنادوا النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ما ينادي بعضكم بعضا في الأسماء: يا أبا القاسم، يا محمد، نادوه: يا رسول الله، يا نبي الله، وهذا من احترامه وتقديره عليه الصلاة والسلام.

فكان هنا هنا في هذه الآيات الله سبحانه وتعالى يخاطب الصحابة الذين كانوا في وقت النبي صلى الله عليه وسلم: لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا.

طيب، إذا الدرس الثاني هو أن الظاهر علامة على الباطن، وأن الله سبحانه وتعالى يبني في نفوس المؤمنين أن الإيمان بالله ورسوله في القلب لا يكفي، وإنما المفترض أن يفيض الباطن على الظاهر بلوازمه ونتائجه، فإذا كان الإيمان فيه تعظيم ومحبة وو، فليظهر أثر ذلك في بعض القضايا.

الدرس الثالث هو أن المصلح وإن كان صالحا وإن كان مؤمنا قد يحتاج إلى بعض التوجيهات والإرشادات التفصيلية المباشرة في بعض القضايا الأدبية.

الكثير من المخاطبين بهذه الآيات لم يكن -يعني- لم يكونوا غير محبين للنبي صلى الله عليه وسلم أو غير مؤمنين به، وإنما ربما كان ينقصهم بعض -يعني- ربما كان ينقصهم بعض أو يحتاجون إلى بعض الإرشاد توجيه، خاصة وأن بعض القضايا المرتبطة بحق النبي صلى الله عليه وسلم كان النبي صلى الله عليه وسلم يستحي أن يقولها، خاصة في مثلا في القضايا الاجتماعية.

مثلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ۚ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ ۖ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ.

وهنا الله سبحانه وتعالى يرشد المؤمنين يقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.

لاحظوا هنا الآية تتكلم أصلا عن شيء موجود، تتكلم عن أن المؤمنين هذا عملهم، زين؟ لكن ربما ينقص بعض -خلنا نقول- من ليسوا في دائرة الدائرة المركزية من أصحاب رسول الله من الذين اخذوا عنه الأدب والعلم.

وإنما تعرف أن المدينة كانت تجمع الناس من أشتات وأطياف وإلى آخره، فكانوا يحتاجون إلى توجيه في بعض مثل هذه القضايا، ولو كان لديهم أصل الإيمان بالله ورسوله وأصل المحبة لله والرسول.

الدرس الرابع -احنا اخذنا كم؟ ثلاثة، اربعة، ثمانية- طيب، الدرس الرابع هو في استحباب أن يكون لدى المصلح -خلنا نقول- زيادة في المكافأة أو في الخير لمن يقدم الخير من الناس الصالحة أو من أهل الإيمان أو من الطلاب أو -يعني- من يمكن أن يوصف بذلك أو بقريب من ذلك، وذلك أن الله سبحانه وتعالى قال: فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ.

وهذه من الخير الذي يضاف للإنسان نتيجة أدبه ونتيجة احترامه ونتيجة تقديره ونتيجة عمله الصالح، أنه يؤذن له، ويزاد على ذلك أن يستغفر له.

الدرس الخامس من دروس هاتين الآيتين: أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم -خلنا نقول- تعظيم المصطفى عليه الصلاة والسلام على درجات، وأن عدم -خلنا نقول- إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم حقه أيضا على مراتب مختلفة.

والإنسان يحرص على أن يحقق الدرجات العالية في تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وفي احترامه وفي محبته وفي اتباع سنته، ويحذر من التهاون في هذه القضية، ولا يقول إنه في بعضها من باب الكمال ليست من الدرجة العليا، لأن الله سبحانه وتعالى قد وصف بعض مقامات عدم الاحترام، أو خلنا نقول بعض مقامات التجاوز حتى لو من غير شعور أحيانا في حق النبي صلى الله عليه وسلم، جعل هذا من الأسباب التي توجب عقوبات شديدة جدا، عقوبات شديدة جدا.

وأخطر عقوبة ربما ذكرت في القرآن لهذا المعنى: هبوط العمل. كما في سورة الحجرات: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ.

وأنتم لتشعرون. الدرس السادس وهو متعلق بهذا المعنى، وهو أنَّه إذا كان القرآن قد شدد في قضية الاستئذان أمام المصطفى صلى الله عليه وسلم إذا كان الناس معه على أمر جامع، وإذا كان الله قد شدد تشديدا عظيما على قضية رفع الصوت أمام النبي صلى الله عليه وسلم، فمن باب أولى أن يكون التشديد والتغليظ على من اتخذ منهجاً قدمه على منهج النبي صلى الله عليه وسلم، أو اعتبر في الواقع العملي سنته هي لا تعدو أن تكون شيئا تكميليا، وإنما يحتاجه الناس هو شيء آخر، ولذلك كان يستدل بعض العلماء بهذه الآيات على هذا المعنى مثل ابن القيم رحمه الله، كان يقول: إذا كان هذا قد نزل فيمن رفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف بمن رفع مذهبه وأقواله وآراءه فوق ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام.

لذلك نحن اليوم نحتاج إلى أن نراجع تأسيساتنا التصورية بناء على المنهج النبوي، ولنعتبر أن هذا مما يدخل في المعنى الاعتباري العام لقول الله سبحانه وتعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ، يعني تعرف يعني أحيانا مثل في قول الله سبحانه وتعالى فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، والرد الرسول بعد وفاته يكون بالرد إلى سنته وهكذا مثل ابن القيم يعمم هذه الآية أنه لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا ترفعوا آرائكم وأقوالكم فوق سنته.

فإن الإنسان يعتبر ولو بالمعنى العام في الدخول في مثل هذه الآيات في أنه كونه يعني يعظم سنة النبي صلى الله عليه وسلم، يعتبرها مكانا للبناء الأولي في لبناء المركزيات والتصورات وما إلى هنالك هو من جملة احترام المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومن جملة محبته ومن جملة تعظيمه ومن جملة الإيمان بغناء ما جاء به عليه الصلاة والسلام.

وأكتفي بهذه الدروس الستة من هاتين الآيتين، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يرزقنا حب المصطفى عليه الصلاة والسلام وحب سنته واتباعه والدفاع عنه وعن ميراثه عليه الصلاة والسلام، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.