تسجيل الدخول

معالجة القرآن لنفوس المصلحين ١٧ | سورة الأنفال ٥

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى، الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله الذي له الحكم في الأولى والآخرة وله الملك سبحانه وبحمده.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إbrahim وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك، إنك حميد مجيد.

أما بعد، فهذا مجلس جديد من مجالس معالجة القرآن لنفوس المصلحين، وللتذكير فإن هذه المجالس تنطلق من مظلة عامة وهي أن القرآن اعتنى بمعالجة نفوس المصلحين ودواخلها وتأسيسها وبنائها أكثر من حديثه ومعالجته للوسائل الإصلاحية الخارجية، ونحن اليوم خاصة في ظل ضيق كثير من الوسائل أن تكون صالحة في ظل اختلال موازين القوى وما إلى ذلك، فإن إعادة بناء النفوس المؤمنة والمصلحة هو من أهم ما ينبغي ومن أهم واجبات الوقت.

في هذه المرحلة وصلناها في المجالس إلى سورة الأنفال، وأخذنا في الأنفال عدة مجالس، وكما سبق الحديث عنه أن مواطن الصراع بين الحق والباطل هي من أكثر المواطن التي تبتلى فيها النفوس وتختبر وتستخرج كوامنها ودواخلها، ولذلك في هذه السلسلة سنمر أكثر ما نمر على الآيات التي أو المتعلقة بأحداث في الجهاد في وقت النبي صلى الله عليه وسلم من مثل آل عمران وقد ابتدأنا بها وتناولينا الآيات المتعلقة بغزوة أحد في ستة مجالس.

وكذلك سورة الأنفال، وكذلك إن شاء الله سيأتي، ستأتي مجالس مع سورة التوبة وكذلك سورة الأحزاب، وهذه وأمثال هذه السور والآيات.

اليوم عندنا من قول الله سبحانه وتعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَىٰ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ ۚ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَٰكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَان مَّفْعُولًا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ. إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا ۖ وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ ۗ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ. وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ۗ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ.

الآيات الأخيرة هذه تذكركم بأي آية في سورة الأنفال أيضا تشبهها في المعنى في سورة الأنفال نفسها في آية أخرى تذكر بهذا المعنى؟ صح، إيش؟ لا، وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكَافِرِينَ، ليحق الحق ويبطل الباطل، باطل.

وهنا: وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ وَلِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ، هذي كلها في نفس المعنى.

طيب، هذه الآيات فيها دروس عظيمة للمصلحين، دروس عظيمة للمؤمنين، وفيها معالجات، فيها فهم لسنة الله سبحانه وتعالى وأفعاله وتدبيره لعباده المؤمنين، وما يتعلق قضايا الحق أو الصراع بين الحق والباطل من جهة تقدير الله سبحانه وتعالى.

الآن: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ، هذه تفصيل لأي آية؟ يا سلام، يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ۖ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ، يعني هي متصلة بها، سواء قلت تفصيلا أو أيا كان هي متصلة بها.

والدرس الأول المستفاد من هذه الآية هو أن التشريعات في الإسلام، التشريعات في الإسلام هذي الآن آية تشريع أليس كذلك؟ فان لله خمسه وللرسول وذي القربى إلى آخره.

التشريعات في الإسلام لا تأتي على شكل قوانين جامدة وكأنها مواد دستورية معينة هكذا تعرض عرضا وتسرد سردا، وإنما التشريع في الإسلام والقوانين في الإسلام لا تنفك أبدا في عرضها عن معنى الإيمان، وأن الإيمان هو السبب الأساسي لامتثال هذه القوانين والتشريعات.

وهذا فارق كبير، فارق كبير بين السد القانوني العام وبين القوانين في الإسلام، ولاجل ذلك ليست كل القوانين في الإسلام يجب أن تؤخذ بمعنى فهم الحكمة منها وفهم العلة أو فهم الفائدة أو فهم وإن كانت وإن كانت هذه الشريعة جاءت لتحقيق المصالح ودرء المفاسد، لكن الباعث للامتثال لا يتوقف على فهم الحكمة، وإنما المعنى الباعث للامتثال هو معنى الانقياد والتسليم لله سبحانه وتعالى.

ولذلك، ولذلك بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى تفصيل الغنائم هنا قال ايش؟ إِن كُنتُمْ آمَنتُم، وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وذكر الأصناف ثم قال: إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ.

وهذا التأسيس مهم جدا، وهو الباعث الأساسي لامتثال الباعث الأساس للامتثال للقوانين والتشريعات التي شرعها الله هو حياة القلب وأيمانه وتصديقه واستحضاره لمراقبة الله سبحانه وتعالى.

ولذلك نجد في سورة البقرة حين ذكر الله سبحانه وتعالى أحكام الخطبة والطلاق وما إلى ذلك، قال سبحانه وتعالى: وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ ۚ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذكُرُونَهُنَّ أولا حتى أو أكننتم في أنفسكم، هذه هذي يعني لا علاقة لها أو لا اتصال فيها بقضية القوانين الوضعية أنه ما الذي تضمر في نفسك وما الذي تمام؟ أما الإسلام يأتي حتى ليحكم القضايا الداخلية، أَوْ أَكْنَنتُم فِي أَنفُسِكُمْ ۚ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا ۚ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ.

الآن هذه التشريعات ثم: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ.

لذلك التشريعات في الإسلام لا ينبغي أن تفك أبدا عن الناحية الإيمانية، وبالتالي بقدر إحياء الإيمان في النفوس والاستجابة لله ومبدأ الانقياد والتسليم بقدر ما ينعكس هذا في الواقع في واقع المسلمين على التزامهم التشريع، ثم تأتي بعد ذلك الحدود لتكون ضابطة لحالات الانفلات وحالات المخالفة.

وهذا منه يعلم خطأ من يظن أن إقامة الشريعة إنما تبدأ وتكون وإنما يساق الناس بقضية الحدود، ويرتبط في الذهن أن إقامة الشريعة هي في قطع الأيدي وفي الرجم وما إلى ذلك، وهذه من الشريعة وجاءت بها، ولكن الناس لا يقادون بمثل هذا، هذه تأتي فرع عن الاستجابة الأصلية.

ولذلك إذا كان هدفك حقا أن تقيم الشريعة فلتحرص أول ما تحرص على أن تحيي الإيمان في نفوس الناس، وأن تقودهم وتسوقهم بسياقة التسليم والانقياد لله سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك سترى انعكاس هذا على التزامهم بما أمر الله وابتعادهم عما حرم الله.

ثم هناك من النفوس من ستغلبها أهواءها وستتبع وسوسة الشيطان، وهؤلاء قاموا عليهم الحد، هؤلاء يقام عليهم الحد، طبعا هذا أنا أتكلم بشكل منهجي عام، التفاصيل المتعلقة بها هذا أمر آخر، متى وكيف وإلى آخره؟ هذا أمر آخر.

لكن كتأسيس منهجي في فهم الحكمة وموافقة دعوة الأنبياء هو في هذا المعنى، وهذا المعنى كما قلت لكم، هذا المعنى من يتأمل في كتاب الله سبحانه وتعالى يجد أنه معنى مركزي، وهو ربط الاستجابة في التشريعات والقوانين الإسلامية بقضية الإيمان والخوف من الله والخوف من عذابه والمعنى الداخلي المؤسس لذلك، وأنت ترى من نفسك أنه متى ما زاد إيمانك انعكس هذا على استجابتك العملية في التزام بالاوامر وفي الابتعاد عن النواهي، ومتى ما ضمر الإيمان في قلبك و لحقتك رياح الوحشة والجفاء والجفاف وجدت انعكاس هذا على قلة عملك العملي وعلى ربما تهاونك واسترسالك في بعض الحدود.

لذلك هذه تفصيل الغنائم: إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ. إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

طيب، وهذا فيه حديث أطول من ذلك بكثير، لكن نكتفي بهذا.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا، شفير الوادي هنا الاقرب إلى المدينة، وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَىٰ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ، الركب اللي هو القافلة التي خرج المسلمون أصلا لأجلها، اللي هو كانت مع العير التي كانت مع أبي سفيان، أَسْفَلَ مِنكُمْ أي جهة البحر، جهة البحر طبعا ربما من نافلة القول القول بأن جغرافيا المنطقة تلك هي أسفل من حيث الارتفاع من منطقة بدر اللي هي جهة الوادي.

الركب أَسْفَلَ مِنكُمْ، وعموما العرب أصلا تستعمل استعمالات أسفل وأعلى، أعلى أعلى أعلى من كذا أو أعلى كذا، عموما هذه استعمالات الركب، ركب أبي سفيان كان أسفل من الاجتماع أو منطقة الاجتماع يرحمك الله بين المسلمين والكافرين، والمسلمون خرجوا لأجل ذلك الركب.

والموقع الآن ليس فيه ذلك الركب، فهذا سبب الذكر، ذكر الركب هنا: وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ، أي أن القضية كلها إنما يدبرها الله سبحانه وتعالى ويقدرها ليحصر هذا الاجتماع بينكم وبين المشركين ذوي الشوكة والبأس، وأن يحصل هذا القتال الذي هو من أعظم الصور التي تظهر الصراع بين الحق والباطل، ومن أعظم الوسائل التي يعلى فيها الحق على الباطل.

هذه إرادة الله التي قدر لها سبحانه ودبر لها حتى تحصل بهذا الشكل وبهذه الطريقة، وهي لم تكن في حسبانكم ولا في إرادتكم، بل: وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ، وقدر الله من الوسائل ما أزى المسلمين أزا ليشاركوا أو ليقعوا في هذا في هذا الموقع، والا لربما لم تحصل مثل هذه الواقعة.

ومن هذه الوسائل أن الله سبحانه وتعالى أرى نبيه عليه الصلاة والسلام رؤيا في منامه أن عدد المشركين قليل، فقص النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه هذه الرؤية وكان، وهذا طبعا فيه فائدة حتى في الرؤى، أن الرؤيا قد تأتي على خلاف الواقع، هي رؤيا منام قد تأتي على خلاف الواقع، ويكون فيها تحذير أو إغراء للحث على فعل ما أو للكف عن فعل ما.

طيب هنا فائدة لطيفة ذكرها بعض العلماء في اثر ثبات القائد على الجند، وذلك أنه ذكر أن أول من يستبشر بهذه الرؤية هو النبي صلى الله عليه وسلم، فرؤية النبي صلى الله عليه وسلم العدو قليلا سينعكس عليه بالبشر والاطمئنان والانشراح، وهذا بدوره سينعكس على المسلمين أيضا ارتياح برؤية النبي صلى الله عليه وسلم ومتهللا مستبشرا منشرحا.

طيب: وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَٰكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَان مَّفْعُولًا.

وهذا الدرس الثاني من هذا في هذا المجلس وهو أن المؤمنين في سيرهم والتزامهم بما أمر الله سبحانه وتعالى وسعيهم في الإصلاح وللتمكين لدين الله سبحانه وتعالى لا ولن تقع الأحداث التي يسعون لها أو يخططون لها أو لن تكون المراحل على وفق بالضرورة على وفق ما يسعى ويخطط له الإنسان المصلح بكل تفصيل، لأن الله سبحانه وتعالى مطلع وشاهد، وكما أن لك إرادة في نصرة دين الله فإرادة الله في نصرة دينه أعلى وأقوى وهي الغالبة، ولأن علم الله مطلق ولأن علم الله متعلق الغيب والشهادة، ولأن علم الله سبحانه وتعالى متعلق بالماضي وبالمستقبل والحاضر، فإن الله قد يقدر لدينه ولعباده المصلحين من الأقدار ما لم يكن بالحسبان أو في الحسبان، ليس في التخطيط ولا في الاعتبار ولا في الحسبان لأجل أن ايش؟ يظهر الله دينه ويعز جنده ويعلي كلمته.

واضح؟ فإذا يعني هذا ايش الفائدة منها؟ الفائدة منها أنت أيها المصلح إنما تسعى للعمل لدين الله سبحانه وتعالى ولنصرته وللتمكين له، ثم بعد ذلك قد تقع بعض الأحداث والأمور على خلاف حساباتك، فلا تكره ما يقع طالما أنك ملتزم، فقد يكون ما وقع هو تقدير وتدبير من الله سبحانه وتعالى إعلاء كلمته وإعزاز جنده سبحانه وتعالى.

الدرس الثالث وهو في قول الله سبحانه وتعالى: لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ.

هذا الدرس الثالث فيه فائدة مهمة، ألا وهي أن وجود الحق وقوته وانتصاره على الباطل من حجج الله سبحانه وتعالى على خلقه، من حجج الله سبحانه وتعالى على خلقه، ولأجل ذلك من الرحمة بالخلق أن يظهر الحق وأن يقوى وأن يقمع الباطل، ولذلك فإن قول الله سبحانه وتعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلعَالَمِينَ.

من صور هذه الرحمة القتال يوم بدر وقتل رؤوس المشركين في ذلك اليوم، وهذا من أعظم صور الرحمة من وجوه، منها أن أولئك كانوا هم السبب الأكبر في إضلال المستضعفين وفي منعهم من الإيمان، وبالتالي حين يدخلون النار التي هي العذاب الحقيقي والخلود في ذلك العذاب سيتحاج الضعفاء والمستكبرون، وسيقول الضعفاء الذين استكبروا: إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ، وسيقول وسيتبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت النساب إلى آخره، الآيات القرآنية في عرض الحوار بين المقدمين والمؤخرين بين القادة والجند: قَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا.

لذلك من الرحمة بهؤلاء الضعفاء حتى لا يلجوا ذلك العذاب الأشد أن يبعد أولئك المجرمون والظلمة والمتجبرون والمتكبرون المفسدون في الأرض المضلون للخلق، أن يبعدوا عن أن يكونوا هم المانعين لضعفاء الخلق.

ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسل إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام قال: فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، ف لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ.

أما وقد رأيتم، وقد رأيتم هلاك الباطل وانتصار الحق بالرغم من قلة عدد أهل الحق وقلة عتادهم وانتصر اهل الحق وغلبوكم وعلو عليكم، فبعد ذلك قد قامت البينة، ويهلك حينئذ من يهلك.

عن بينة ويحيى حينئذ من حيا عن بينة، فهذه بينة فوق البينة الأولى التي هي لا هذي هذي البينة التي هي علاء الحق، هذي البينة الثانية. البينة الأولى ما هي؟ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّتِينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ، هذه البينة الأولى، وما جاء معه من الكتاب والهدى. البينة الثانية هي ما يظهر الله، أو ما يظهر من إعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى على يد هذا الرسول، وانتصاره على أهل الباطل. هذه بينة فوق البينة، وزيادة في ظهور الحق، وزيادة في قطع العذر عن المشركين.

ولذلك، وبعكسه وبعكسه، فإن من أعظم صور الفتنة، ومن أعظم صور الضلال، ومن أعظم صور التباس الحق بين الحق والباطل، هو أن يكون الحق ضعيفاً وأن يكون الباطل مستعلياً، أن يكون حملة الحق ضعفاء وأن يكون حملة الباطل أقوياء، أن يكون حملة الحق مضطربين متعاندين متذبذبين خوارين متماوتين، وأن يكون حملة الباطل على جلد وصبر وقوة وبأس، هذه فتنة.

ولذلك، في قول الله سبحانه وتعالى: رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا، ما معنى ها وفي للذين ظلموا أيضاً؟ لماذا كان أو ما صورة أن يكون أولئك المؤمنون فتنة للذين كفروا أو للذين ظلموا؟ أن يظهر عليهم، أن يظهر عليهم الكفار، فيكون بذلك فتنة بأن يظنوا أنهم إنما ظهروا عليهم لأنهم على حق، فهذه صورة من صور الفتنة، صورة من صور الفتنة.

ولذلك، إذا اعتز صاحب الحق ولو كان ضعيفاً من حيث الملابسات المادية، لكنه كان عزيزاً ثابتاً شامخاً صابراً، فإن هذا زيادة على كونه عملاً صالحاً ذاتياً فردياً متعلقاً به من حيث اعتزازه هو إسلامه، إلا أنه أيضاً عمل صالح متعدٍ في تمثيل الحق وإظهاره وإزالة الفتنة عنه.

فهنا يقول الله سبحانه وتعالى: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَ عَن بَيِّنَةٍ. ومن صور هذه البينة، ومن أهم ما يدخل فيها في هذه الآية والله تعالى أعلم، هو أن أهل الحق قد ظهروا عليكم يا أهل الباطل في مقام لم تكن الموجبات المادية أو الأسباب المادية فيه موجبة لظهور الحق، ولكن الحق ظهر، وهذا من الأدلة على أنه حق، وهذا من أدلته على أنه حق.

والدرس الرابع المستفاد من هذه الآيات هو أن التمييز بين الحق والباطل، وبين أهل الحق وأهل الباطل، واقامة الحجج للتفريق بين هؤلاء وهؤلاء، هو من مرادات الله ومحابه سبحانه وتعالى. فان مما يحب الله سبحانه وتعالى أن يكون الحق متميزاً عن الباطل، وأن مما يكره الله سبحانه وتعالى، وذم لأجله بني إسرائيل كثيراً، أنهم يلبسون الحق بالباطل.

ولبس الحق بالباطل له أكثر من صورة، أكثر من صورة. فمن جملة هذه صور أن يلبس أو ليلبس الملبس بين الحق والباطل من الناحية النظرية، فيطرح أطروحات فيها حق وفيها باطل ويخلط بينهما، ومن الصور أن يلتمس الحق والباطل من الناحية العملية، أعني من حيث التباس أهل الحق بأهل الباطل، فهذا أيضاً من الصور.

وهذا الالتباس لا يكون بمجرد المخالطة، لا يكون بمجرد المخالطة، فان شراء المؤمن من الكافر وشراء الكافر من المؤمن في بيع أو شراء أو ما إلى ذلك، هذا لا يؤدي إلى الالتباس بين اهل الحق وأهل الباطل. فان هذه معاملات دنيوية لا يظهر فيها هذا الالتماس، لكن هذا يظهر بالموالاة والمعاداة، يظهر بالاصطفاء والتقريب وما إلى ذلك.

ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ، إلا تفعلواه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير، أي إلا توقع التمييز بين الكفار والمؤمنين فيكون الكفار بعضهم أولياء بعض والمؤمنون بعضهم أولياء بعض، وإلا حصل من عدم هذا التمييز فتنة وفساد كبير.

وإذا كنا اليوم في عالم أكثر ما يؤثر فيه هو الأفكار، هو الأفكار، هذا المعطى الأول، المعطى الثاني، وكانت هذه الأفكار وكان من سمات هذا العصر الذي نعيش فيه أنه عصر اللعب بالمصطلحات وتغيير المفاهيم وتسمية الأشياء بغير مسمياتها، فان من أعظم الواجبات وأظهر المتطلبات على أهل الإيمان أن يفكوا هذا الالتباس بين الحق والباطل، وأن يعيدوا تسمية الأمور بمسمياتها، وأن يقشع أو يسهم في قشع غمامة الأفكار الباطلة المهيمنة على كثير من الأحوال والوقائع والأحداث، مصدقات الإسلامية، كثير من الأفكار العلمانية، كان من الأفكار الغربية، كثير من الأشياء التي دخلت في مفاهيم الناس تحتاج إلى فرز.

هذا الفرز ليس متطلباً من المتطلبات الفكرية، هذا الفرز موافق لما يحب الله سبحانه وتعالى من التمييز بين الحق والباطل في صورته الأولى التي هي ايش؟ من ناحية الأفكار والمعاني والناحية النظرية، وأيضاً من الصورة الأخرى اللي هي صورة الحملة، هذه أيضاً لها يعني صورتها ولها تفاصيلها.

لكن تمييزه بين الحق والباطل في مثل هذه المعاني هو من أبهر ومن أهم الواجبات، وهذا التمييز وإن كان واجباً في كل وقت، إلا أنه في وقتنا أوجب، وإذا كان في وقتنا أوجب وكان ما يستحق أن يوصف بأنه أوجب في هذا الوقت، فان هذا من أوجب الأولويات، من أوجب الأولويات.

وليس هذا فقط خاصاً بالأفكار العلمانية، وإنما هناك كثير من الأفكار التي تعد من الباطل فيها التباس في واقع الناس، في واقع لمن؟ فلا صلاح لأحوال المسلمين ولا إمكان لأن ينتهضوا وينبعثوا ويديروا العجلة مرة أخرى إلا إذا صفا المصدر الذي يستقون منه الأفكار.

وآآ حتى تدور العجلة بشكل آآ صحيح. طيب، وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ۗ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ. وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا ۖ وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ ۗ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ.

درس كم؟ الدرس الخامس هو أن للأعداء وللأسباب المادية هيبة في النفوس، هيبة في النفوس قد تؤدي إلى التنازع والفشل والتأخر والتذبذب. فهنا الله سبحانه وتعالى يقول يذكر أنه أرى النبي صلى الله عليه وسلم أن الاعداء الذين سيلتقي بهم قليل العدد، وانه لو أراه اياهم على كثرتهم لفشلتم ولتنازعتم في الامر، لادى هذا إلى إلى مشكلات ستواجه ذلك الفريق من اهل الحق.

وهذا من أو في كتاب الله سبحانه وتعالى، ومن الله سبحانه وتعالى فيه خلنا نقول يعني الفائدة التي نستفيدها الوعي بأحوال النفوس وأحوالها، والوعي بالطبيعة البشرية، ولو كان هذا الإنسان من أهل الحق ومن المقاتلمين في سبيل الله. ومن أعظم ما ميز المدرسة النبوية عن كثير من المدارس التي تنتسب الى النبي صلى الله عليه وسلم انها مدرسة مراعية للنفوس، قريبة منها، يعلم بها النبي صلى الله عليه وسلم أحوال أصحابه وما يتعلق بهم، وليس معناه هذا انه يغير يعني يكيف الدين على النفوس، وانما معناه الوعي بتنزيل هذا الدين على هذه النفوس.

بل إن التشريع في ذاته أنزله الله سبحانه وتعالى على كيفية روعي فيها أحوال الناس وقبولهم ولينهم للحق، وتهيئتهم لذلك. ولذلك فإن الدرس المستفاد هنا هو أهمية أن يعي المصلح وهو يخاطب الناس، وأن يعي المربي وهو يهيئ الناس ويربيهم، أن يعي أحوالهم والملابسات، والملابسات خلنا نقول الجواذب، المنازع النفسية المؤثرة فيهم في عرف كيف يتحدث ومتى يتحدث وبما يتحدث، ويسوس الناس سياسة صالحة يراعي فيها الحق، يراعي فيها كيفية تلقي الخلق لهذا الحق، يرحمك الله.

ومن أمثلة ما قال النبي صلى الله عليه وسلم حين قيل له: ألا نقتل عبدالله بن أُبيّ بن سلول وقد أثخن في المسلمين من جهة الكيد والمكر؟ فقال: لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، يقتل أصحابه، مع أن في قتله مصلحة وهو كان منافقاً، ولكن في قتله مفسدة أخرى. عرفت هذه المفسدة من معرفة النبي صلى الله عليه وسلم بالناس ووعيه بأحوالهم ووعيه بأحوالهم.

وكذلك في عدم هدم النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة وإعادة هدم الكعبة وإعادة بنيانها وبنائها مرة أخرى لأن أهل مكة كانوا حديثي عهد بكفر، فكان ذلك ربما يكون فتنة لهم وسبباً في تركهم الإسلام، فترك النبي صلى الله عليه وسلم هذا الإجراء، ترك النبي صلى الله عليه وسلم هذا الإجراء.

فهنا أيضاً هذا يستفاد من هذا أن الله سبحانه وتعالى راعى نفوس المؤمنين، فقدر الله تلك الرؤيا لنبيه صلى الله عليه وسلم ليكون من أسبابها تجاوز المشكلة النفسية التي ربما وقعت في المؤمنين إذا علموا أن الأعداء كثر أو رأوا الأعداء، فجاءت تلك الرؤية معالجة لهذا العارض الذي يقع في النفوس. ونأخذ من هذا التقدير الإلهي والتدبير الإلهي مراعاة النفوس في الخطاب وفي آآ يعني خلنا نقول ميادين الصراع بين الحق والباطل.

الدرس السادس هو أن الرؤيا أن الرؤية من جند الله سبحانه وتعالى، وأن الرؤيا سبب من الأسباب حتى في سياقات الصراع بين الحق والباطل، والنبي صلى الله عليه وسلم هو النبي صلى الله عليه وسلم الذي يوحى إليه، ومع ذلك كان من جملة ما يقدر الله له من وسائل في آآ نصرته وفي تأييد الرؤيا التي يريها الله سبحانه وتعالى إياهم، ومن جملة الاهتمام بهذا المعنى أن الله ذكر هذا في القرآن. فهاتان صورتان: الصورة الأولى أنه بالفعل كان ذلك أوحى الله على النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق الرؤيا أراه تلك الرؤيا، ثم ذكر الله هذا المشهد في القرآن الكريم، فهذان أمران يؤكدان مثل هذا المعنى. ومثل ذلك وإن كان لم يذكر في القرآن إلا أنه فيه الصورة الأولى وهي أنه وقعت الرؤيا عموماً في يوجد امثلة من يتأمل اه في في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم سيجد اه أمثلة في مثل هذا المعنى كانت الرؤيا فيها سواء للنبي صلى الله عليه وسلم أو حتى لأصحابه آآ فيها لها دخل في سياق المدرسة النبوية وفي سياق الحركة الإصلاحية في وقت النبي صلى الله عليه وسلم مع وجود الوحي، مع وجود الوحي.

فإذا غاب الوحي، غاب الوحي اه تكون الرؤيا من جملة ما يعني يؤيد الله سبحانه وتعالى به المؤمنين الصالحين الصادقين، وهذا طبعا له حدوده وضوابطه وآآ منهجياته، لان الناس فيه بين فريق مغال وبين فريق جاف، والحق فيما بين ذلك والصواب في التوسط آآ بينهما.

آآ والدرس كم الاخير؟ ها؟ والدرس السابع والأخير، الدرس السابع والأخير في هذه الآيات هو أن الله سبحانه وتعالى يؤيد عباده المؤمنين وينصرهم ويدبر لهم ويقدر من دقائق التفاصيل ما يكون سنداً لهم وإظهاراً لهم ولدينه سبحانه وتعالى، وأن العمدة في ذلك العمدة في حصول ذلك هي أن يكون المؤمنون على استقامة حقيقية، وأن يكون المؤمنون على عمل صالح ينصرون فيه وبه دين الله سبحانه وتعالى ويعملون لأجله.

فإذا كانوا إذا كانوا كذلك فليبشروا بعون الله وتوفيقه ومدده، فان الله سبحانه وتعالى لا يخذل جنده ولا يخذل من ينصره ولا يخذل من يحيا لأجل دينه، ومن يعيش لإلاعي كلمته لا بنية صالحة فقط حتى يوصف بأنه كذلك، وإنما بتطويع الحياة ومنهجه فيها لتكون موافقة لمعالم مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المجالات.

فإذا كان حال المسلمين كذلك فليبشروا بعون الله وتوفيقه ومدده وتأييده وتسديده ونصره وما إلى ذلك من جملة تدبير لله لعباده المؤمنين. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يغفر لنا ولكم، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.