الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، يا أهلاً وسهلاً ومرحباً.
هذا اللقاء العاشر من سلسلة لقاءات معالجة القرآن لنفوس المصلحين، الست اللقاءات الأولى كانت مع سورة آل عمران، اللقاء الثامن كان مع سورة الممتحنة، وهذا اللقاء العاشر -التاسع كان ابتدأنا بسورة النور- وهذا العاشر وكما قلت، سورة النور ستستغرق عدة جلسات، ليست السورة كاملة وإنما المقاطع المقصودة في هذه السلسلة.
آه كنا قد أخذنا في اللقاء السابق ما يتعلق بحادثة الإفك وقرأنا الحديث كاملاً، وكيف القرآن عالج نفوس المصلحين في قضية الشائعات؛ التثبت وإحسان الظن وما إلى ذلك. واليوم تتمة الآيات، آآ آخر آية وصلنا إليها في اللقاء السابق كانت: وَاللَّهُ لَكُمُ ٱلْآيَاتِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. الآية الثامنة عشرة، اليوم البداية معها، قول الله سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تِشَيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.
إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والاخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون. آآ هذه الآية أولاً من حيث المعنى المقصود بها: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة، إيش المقصود يحبون أن تشيع الفاحشة؟ إيه يعني يحبون أن تشيع الفاحشة التي من مثلي ما قيل في عائشة رضي الله عنها، أن يشيع مثل هذا الكلام وأن ينشر، فسواء أسهموا فيه أو مجرد أحبوا وأرادوا وتمنوا أن آآ يشيع مثل هذا، لهم عذاب أليم في الدنيا والاخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون.
قد الدروس اللي المصلحين المستفادة من هذه الآية أكثر من درس؛ الدرس الأول آآ أن الإنسان أن الإنسان قد يعاقب على إرادته الفاسدة ولو لم يخرج هذه الإرادة إلى العمل، قد يحاسب على إرادته الفاسدة ولو لم يخرج هذه الإرادة إلى العمل، وآآ هذا يختلف عن الخواطر وما يحدث الإنسان به نفسه مما لا يتحول إلى إرادة جازمة وعزيمة تظهر آثارها، ولذلك الله سبحانه وتعالى في مثل هذا السياق يحذر الإنسان يحذر المؤمنين يحذر المصلحين أنه ما ينبغي آآ آآ الانتباه منه وعدم الوقوع فيه ليس مجرد يعني إشاعة الأخبار التي في هذا السياق أو قذف المحصنات وقذف المؤمنات، بل يجب أن تخرجوا من قلوبكم القابلية لمحبة مثل هذه الأعمال، وأن يكون هناك حاجز بينكم وبين إشاعة مثل هذه آآ آآ الأمور.
على أن هذا الخطاب يعني آآ أكثر ما يتوجه إلى المنافقين، لكن يستفيد المؤمن آآ مثل هذا المعنى آآ من هذه الآية. آآ الدرس الثاني هو أن آآ الخطاب الذي يعالج المصلحين يجب أن يعني يتعاوره الترغيب والترهيب، آآ في الترهيب والتحذير من العذاب يجب أن لا ينفك عن الخطاب الذي يواجه أو يوجه للناس، وهذه الآية فيها توجيه الترهيب، فلا تظنوا أن آآ إشاعة مثل هذا الكلام آآ أن أن عقوبته فقط في الدنيا اللي هي بالحد حد القذف، وإنما كذلك في الآخرة، والعذاب هذا عذاب أليم.
ولا أجل ذلك آآ يحتاج الإنسان المؤمن أحياناً إلى هذا الترهيب آآ حتى آآ يرفع عنه ستار الغفلة، أحياناً ترى مع طول الأمد والزمن آآ ترتخي ستائر الغفلة على قلب الإنسان، فربما يقع في بعض الذنوب والمعاصي التي لم يكن ليقع فيها في بداية آآ توجهه وفي حرارة الإيمان، تعرفون حرارة الإيمان تحرق ستر الغفلة تحرق ستر الغفلة لا تبقيها، لكن مع طول الأمد وطول العهد ومع آآ يعني آآ تراكم المتعلقات والعوائق والعوالق يمكن للإنسان أن يغفل فيقع ويتراخى فيما لم يكن في فيه من شأنه التراخي.
واحدة من سبل إزالة مثل هذه الحجب الترهيب وليس فقط الترغيب بالجنة أو الثواب، فالإنسان المؤمن يذكر أحياناً يخوف بالعقاب، ألا تخاف عقاب الله سبحانه وتعالى؟ وهذه يا جماعة ترى من الأمور المهمة جداً على أن التبشير مركزي في خطاب القرآن وقد ذكر هذا مراراً، لكن كذلك الترهيب هو من الأمور التي يجب أن لا تنفك. كان من الأمور آآ المنتشرة عند السلف الصالح آآ وجود الشعور الخوف حتى عند العباد، ولذلك آآ تعرفون من العبارات الشائعة عند بعض الكبار المتعبدين من السلف أنه آآ انما أخشى آآ قال: والله ما أخشى ذنوبي وإنما أخشى سوء الختام، وكانوا يخافون من سوء الخاتمة ويخافون أن يخذل الإنسان بسبب ذنوبه ويخافون من هكذا آآ قضايا.
يعني آآ لا ينبغي أنه الإنسان بمجرد أنه يعني انتظم في طريق علم وبناء ودعوة وما إلى ذلك أن هو يعني يأخذ شق التبشير والترغيب وينسى الشق الآخر الذي فيه آآ العقوبة والتهديد والترهيب وما إلى ذلك، الإنسان يتوازن وينتبه ولا آآ يرخي ستر الغفلة آآ فإن هذا مما يمكن أن آآ يفاجئ الإنسان أو يفاجئ به الإنسان في نتائجه.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَّشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
هذه الآية فيها دروس كثيرة للمصلحين؛ الدرس الأول آآ أهمية أن يبصر المؤمن أعداءه وبمنافذ الشر التي يمكن أن تؤثر على طريقه، فالله سبحانه وتعالى وقد ذكر هذه الذنوب والمعاصي وذكر هذه هذه الإشكالية التي حصلت في حادثة الإفك آآ أشار الله سبحانه وتعالى إلى مصدر من مصادر آآ توليد أو مصدر من المصادر التي يمكن أن تفتح نوافذاً لهذا الشر، وهو الشيطان، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعْوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، ومن يتبع خطوات الشيطان فانه يأمر بالفحشاء والمنكر.
وقبل قليل إيش كانت الآية؟ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ، وهنا يقول: وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ. مهم جداً أن الإنسان يبصر بمنافذ الشر التي يمكن أن يلج منها آآ أو تدخل منها سيول الشر عليه، أي واحد منها؟ الشيطان.
الدرس الثاني هو أن من المهم أن يبصر المؤمن آآ بالوسائل التفصيلية للشر، الوسائل التفصيلية التي يمكن أن تؤثر عليه، وذلك أن الله سبحانه وتعالى هنا ذكر آآ أو وصف وسوسة الشيطان أو مكره بالخطوات بالخطوات، وهذا فيه تأسيس أن يتبصر الإنسان بمبدأ كبير من أكبر المبادئ التي يتعامل بها الشيطان مع الخلق، ألا وهو مبدأ التدرج، مبدأ التدرج، وأن الشيطان لديه رؤية استراتيجية في إغواء الخلق، ليست القضية هي آآ أنه مجرد وسوسة بقضية ما، قد يرمي طعماً ويريد ما وراءه وما بعده والخطوات التي آآ تترتب عليه. لذلك الله سبحانه وتعالى يحذر المؤمنين من خطوات الشيطان، وقد تكلم العلماء في بيان هذه الخطوات وتفاصيلها ودرجاتها آآ وتذكرون في مدارج السالكين مر معنا آآ خطوات الكيف أن الشيطان يبدأ بمحاولة آآ يعني أقصد أعلى ما يريد أن يصل إليه الشرك فإذا لم يستطع ينتقل إلى الكبائر وما إليها، فإذا لم يستطع ينتقل إلى الصغائر، فإذا لم يستطع ننتقل إلى آآ فضول إيه اللي هي تقسي القلوب وما إلى ذلك، وإن كان أصلاً ضحاً، بعدين إذا ما استطاع فإنه ينتقل إلى آآ تقديم المفضول على الفاضل، وهذا كله من بصر العلماء بهذه الخطوات.
على أن الله سبحانه وتعالى قد ذكر لنا هذا الأصل فقال: لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ. فالمستفيد المصلح يستفيد من هذا الخطاب أنه مهم أن يبصر الإنسان في خطابه المنافذ التي يمكن أن يدخل منها الشر والوسائل المتخذة من هذه المنافذ، فالمنفذ هنا الشيطان ووسيلته هي الخطوات، جيد.
طيب آآ الدرس الثالث هو آآ من المهم من المهم أيضاً أن آآ يوجه أو يتضمن خطاب الإنسان الإصلاحي ذكر المآلات الفاسدة لما يحذر منه لما يحذر منه، فالله سبحانه وتعالى ذكر هنا مآل اتباع خطوات الشيطان أو مآل اتباع الشيطان ألا وهو أن آآ أن مآله أن يقع في دوائر الفساد والفحشاء والمنكر، فإن الشيطان إنما يأمر بذلك وإنما يريد للوصول إلى ذلك. وهذا قد تكرر في كتاب الله سبحانه وتعالى، فقد جاء في سورة البقرة: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ، وفي موضع قبله في سورة البقرة آآ أيضاً إيش في؟ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ، إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ، لاحظوا يأمركم بالسوء والفحشاء، الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، وهنا: وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ.
وآآ هذا مهم جداً أن يفهم، يعني يحذر الإنسان من الشيء، يعني شوف الله سبحانه وتعالى ذكر ثلاثة أمور في هذه الآية: أولاً البوابة التي هي الشيطان، الوسيلة التي تدخل من هذه البوابة التي هي وما قال، وثالثاً مآل الانقياد لهذا لهذا الفساد، وذكر هذه الأمور الثلاثة في سياق تحذير الإنسان المؤمن أو المصلح، هذا من أعظم الأمور التي يمكن أن يبنى بها الإنسان.
جid هذي هذي منهجية يعني الإنسان يصير عليها دائماً؛ أن تذكر مصدر الشر والوسائل التي يتخذها هذا المصدر والمآلات التي يمكن أن تترتب على هذا المصدر، وهذا كله في قول الله سبحانه وتعالى: لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ.
مم الفائدة الرابعة أو الدرس الرابع والأخير من هذه الآية هو أن الله سبحانه وتعالى يربي المؤمنين ويربي المصلحين على آآ الانتباه إلى أن من نجا من مواطن الزلل ومن ثبت في مواطن التذبذب فإنما ذلك من فضل الله سبحانه وتعالى عليه، وذلك أن الله سبحانه وتعالى قال هنا: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَّشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.
سبق أن هذه الآية نزلت في أبو بكر الصديق، وقد حلف أن يقطع النفقة عن مسطح آآ ابن أثاثة، وذلك أنه كان ممن ولج أو وقع فيما وقع فيه آآ الهالكون فيه من المنافقين في آآ الكلام في عائشة، وإن كان قد زل بعض المؤمنين في هذا في هذه المهلكة ولكن لم يكونوا بدافع المنافقين، وإنما آآ ممن تهاون في نقل الشائعات وتأثر بها وما إلى ذلك، آآ كان في حقهم بعض هذا الخطاب. أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لم يضرب مسطحاً، وإنما الذي قال إنه قضى عنه قطع عنه النفقة التي كان يعطي.
آآ هذه الآية تقول: وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ لا يحلف أولُو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا. هذه الآية عجيبة جداً وفيها دروس متعددة؛ الدرس الأول هو آآ ضرورة تفرقة المصلح بين آآ أن بين الناس أو مقامات الناس الواقعين في خطأ معين، وإن اشتركوا في عين هذا الخطأ ونفس هذا الخطأ، إلا أنه ينبغي أن يلاحظ المحركات التي حركت كل واحد منهم، ولا يحكم على الجميع بحكم واحد وإن كان قد حكم عليهم جميعاً بأنهم بهذا الفعل، وذلك أن الآية هذي لم تأتي في حق المنافقين آآ الذين أشاعوا الفاحشة آآ عمداً وطعنوا في عائشة رضي الله تعالى عنها آآ يعني إرادة الفساد الإفساد يتخلخل هذا المجتمع المؤمن وأن يطعن في كذا، لم لم تأتي الآيات في هذا، وإنما أتت في أناس من المؤمنين الذين وصفهم الله هنا فقال: أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ هم آآ فلا فلا يعني إيش؟ لا يجعل آآ يعني لا تجعلوا هذا الذي وقع منهم وإن كان سيئاً وفاسداً، لا تجعلوه سبباً لهذا، وهذا فيه تأسيس للتفريق بين الواقعين في الفساد وإن كانوا وقعوا في صورة واحدة من الفساد.
وهذا فيه أيضاً قول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا، وراعنا هذه أخذوها من اليهود كانوا يقولونها، وآآ سماها الله سبحانه وتعالى في خطاب اليهود طعناً في الدين، واما في سياق المؤمنين لم تكن طعناً في الدين، وإنما قال: من الذين هادوا يحرفون الكلمة عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بالسنتهم وطعنا في الدين. إيه إيه، فاما اما المؤمنون فقد كانوا يقولون وكانوا آآ يقولونها بهذه بهذا اللفظ ولكن بارادة آآ معناه الباهر، بينما اليهود كانوا يريدون المعنى الآخر، فوجهم الله سبحانه وتعالى لعدم مجابهة أولئك.
فهذا فيه أيضاً تأسيس لقضية التفريق، وكذلك في تراث علماء المسلمين عندهم دائماً قاعدة مشهورة، وهي أن النصوص الوعيد وحتى الحكم على الإنسان بالكفر إنما آآ يعني يختلف فيه الناس وإن اشترك الحكم العام في أن هذا الفعل كفر مثلاً، ولكن نزول الحكم أو تنزيل الحكم بالكفر على الأعيان يتطلب تحقق الشروط وانتفاء الموانع، وهذا يختلف باختلاف الأشخاص. وهذا فيه تطبيق لمبدأ التفريق بين الواقعين في نفس العمل، فقد يكفر بعض الناس أو يحكم عليه بالكفر في عمل ما، ويعمل الآخر نفس العمل ولا يكفر بعينه آآ لوجود مانع من آآ الموانع التي آآ يعني.
تكون سبباً في عدم تنزيل هذا الحكم، وهذا كلام له تفصيل آخر، لكن هذه الآية فيها هذا التفريق. الدرس الثاني هو أن الهجرة في سبيل الله لها قيمة كبيرة ولها عند الله سبحانه وتعالى مكان.
حفظ قيمة العمل السابق للإنسان في المبدأ الإسلامي أو في النص القرآني أو في الوحي. وأنتم تعلمون كما مر في سورة الممتحنة أن حاطب بن أبي بلتعة قد عمل عملاً عظيماً في شأن أخبار المشركين. وكان النبي صلى الله عليه وسلم حفظ له سابقته في بدر فقال: وما يدريكم لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم. وهنا حفظت السابقة، وكان من أهل بدر أيضاً حفظت السابقة له، وقال الله سبحانه وتعالى: وَلَا يَأْتِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا.
طبعا صعبة جداً، صعبة جداً، لكن كان بالامكان لمن ينزع النزعة الغضبية عنه أن يدرك الفرق بين الزلة وإن كانت كبيرة وبين إرادة السوء، وكان ذلك واضحاً في تلك المرحلة. واضح الفكرة؟ طيب.
مم. الدرس الثالث المستفاد من هذه الآيات أو من هذه الآية تحديداً هو أن تربية المصلح أو المؤمن على أن يكون معيار طلبه لمغفرة الله وعفوه عالياً هو من أعظم ما يمكن أن يؤسس في نفوس المصلحين، ومن أعظم ما يمكن أن يقودهم إلى مخالفة الهوى أو النفس وتحقيق المعالي. وذلك أن الله سبحانه وتعالى قاد المؤمنين هنا بهذه الآية بمحرك معين وهو ايش؟ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ.
فإذا لم يكن هذا المعيار عالياً جداً أصلاً في نفوس المصلحين، فلم يكن هذا ليحرك ليس أنه لا يرغب أن يغفر الله له، ولكن يقول: يغفر الله لي بأمور أخرى يعني جيد. أما هذا الأمر فهو شديد، لكن لما كان عند أبي بكر الصديق رضي الله عنه هذا غاية الطموح، كانت هذه الآية كفيلة في أن تحركه لأن يخالف نفسه في هذه القضية ويرجع النفقة لمسطح الذي خاض في من خاض في عرض ابنته عائشة رضي الله تعالى عنها، وقال: بلى والله أحب أن يغفر الله لي، وعفا عن مسطاح.
وهذا مقام لا ينال بالكلمات ولا ينال بالمحاضرات ولا ينال بأسطر أو كتابات أو أوراق بيضاء تسودها بما شئت من السطور، وإنما هذا ينال تلك النفوس العالية العظيمة جداً التي استطاعت أو التي اختارها الله سبحانه وتعالى لتكون مع نبيه عليه الصلاة والسلام وخاصة أبو بكر الصديق.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ. وهذه الآية من الآيات المؤسسة لمكانة المرأة وحمايتها في الإسلام. ويعني لما تستعرض النص النبوي الحديث الصحيح الذي يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيه: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ. السبع الموبقات يعني هذه من أعظم ما حرم في الإسلام على الإطلاق.
وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أصلاً سماها موبقات وعدها سبع بحيث أنه تنتبه وتحفظها، تنتبه إليها. وعدها وسماها موبقات، وابتدائها بالشرك بالله، الشرك بالله أول واحد منها، وعد من هذه السبع وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا يعني فيه حماية كبيرة لجناب، خلنا نقول مكانة المرأة في الإسلام، أن لا يمسها أحد فيتهم نزاهتها وعفتها ويطعن في عرضها.
يعني هذا السور، هذه أسوار تبنى، الكلام في المرأة سوء أسوار، يعني القذف لا يجوز كذلك في حق الرجل، وكل القضية معروفة حكماً وحدوداً على ذلك، لكن جاءت الآية بهذا الخطاب وبهذا التنبيه في ذلك تأسيس كبير جداً لمثل هذه القضية. وفي الآية بعض الدروس الأخرى لغويا وما إلى ذلك.
يعني الغافلات هنا وصف خرج مخرج غالب الترجمة، خرج غالب، فلو لم تكن غافلة أيضاً الحكم نازل على هذه المسألة، لكن عموماً هذا ما تيسر عرضه في هذا اللقاء المختصر، لأنه هناك المفترض لقاء آخر الآن ما نبغى نعطل الغرفة عشانه. جزاکم الله خير والله يعطيكم العافية والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ أحمد السيد