تسجيل الدخول

الدرس الأول (أهمية علم أصول الفقه)

حسن بخاريالشيخ حسن بخاري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بعد صلاة العشاء بعون الله وتوفيقه نستأنف جلسة أسبوعية تتدارس فيها علم أصول الفقه، هذا العلم الشريف الجليل الآتي ذكر التنويه به وشأنه ومكانته بين العلوم الشرعية. فالمقام مقام شكر على فضل وتوفيق إلهي جليل، أن ساقنا وإياكم لمثل هذا المجلس في رحاب بيته الحرام. فنعم عظيمة والله لي ولكم، وتوفيق إلهي كبير يحيط بي وبكم، أن جعلنا الله تعالى جالسين في حلقة من حلق العلم في رحاب بيته الحرام.

فإذا كانت الأمة كافة تقصد بيت الله العتيق، ويأتون إليه من كل فج عميق يشهدون عبادة يتقربون بها إلى ربهم، فهم بين طائف ومصل وراكع وساجد ومعتمر وحاج وذاكر لله تعالى وقارئ للقرآن، فليس كل أولئك بأوفر حظا منا معشر طلبة العلم. يا أما الإنسان ركبهم في حلق العلم يتدارسون كتاب الله ويتلونه ويتعلمون أحكامه، وهم بين ذاك وذاك يتقلبون بين أفانين الشريعة وعلومها، يتدارسون المسائل، ويتعلمون الأحكام، ويتفقهون في دين الله.

فطلب العلم ليس مجرد عمل عظيم يؤجر عليه صاحبه، ولا هو فقط بالمرتبة العظيمة التي أعلَى الله عز وجل مكانة أهلها بين العباد وخصهم بشرف عظيم يوم التلاق، لكنه فوق ذلك كله عبادة، طلب العلم في ذاته عبادة يؤجر بها صاحبها. ولذلك قلت: إن الطائفين والقائمين والركع السجود القاصدين بيت الله الحرام ليسوا بأوفر حظا منا لأجل التعبد لله إذا كان أحدنا ها هنا حول سارية يتحلق، قد ثنى ركبته، وأخرج قلمه وورقته، وجلس يحفظ من المسائل، ويسطر من الفوائد، ويقرأ من المتون وكتب العلم ما كتب الله له، ليس بالخاسر أجرا وصاحبه حول الكعبة يطوف وذاك يسعى بين الصفا والمروة؛ لأن كل أولئك متعبد لله، وطالب العلم واحد من أولئك.

وبهذا فانه يحسن بنا أن نتذكر وأن نذكر بأن هذه نعمة أن يسر الله عز وجل لنا أسبابها وفتح لنا أبوابها، ما كل من جلس ها هنا ابتغى أجرا حصله، ولا من قصد أمرا عظيما بكل سهولة ناله أيضا وتيسرت له أسبابه، لكنه بفضل وتوفيق من الله عز وجل. فحري بنا أن نستشعر مثل هذا المعنى وأن نتلمحه، وأن أحدنا إذ جلس في مثل هذه المجالس وغيرها يبتغي علما ويطلب منزلة رفيعة في منازل العلم فانه عابد لله. ولذلك صح عن الإمام الزهري محمد بن شهاب رحمه الله، صح عنه قوله: ما عبد الله بمثل الفقه في الدين، يقصد أن التفقه في الدين في ذاته عبادة.

بل بالغ رحمه الله حتى قال: ما عبد الله بمثل الفقه في الدين. يقصد رحمه الله أنه لن يتقرب عبد عبادة أرفع درجة ولا اسمى مكانة من التفقه في دين الله. ليس يقصد أن التفقه في دين الله أسمى مرتبة من الصلاة والصيام والزكاة وسائر أحكام الإسلام وأركانه، لكنه يريد أن تلك -وهو أركان الإسلام وأمهاته العظام وأركانه الكبار- لا يؤتى صاحبها إليها، لا يتأتى لصاحبها الوصول إليها إلا بالعلم. فإذا كانت أحكام الشريعة وأصولها وفروعها والعبادات التي يتقرب بها العبد إلى ربه متوقفة على حصول العلم بها وتمام العناية بها، فإن ذلك يدل على شرف عظيم للعلم ومسلكه وأصحابه.

ليس المقام -أيها الكرام- مقام تعداد لفضل العلم وشرفه وما أعد الله لأهله، لكنه مقام تذكير بنعمة يسر الله عز وجل لنا أسبابها، وفتح لنا سبلها وأبوابها، واختارنا من بين كثير كثير من عباده ممن تنقضي أوقاتهم وتتصرف أعمارهم على غير هدى ولا سبيل علم ولا دراية ولا قربة من الله عز وجل. اشعروا -رعاكم الله- أن أحدكم إذ جلس ها هنا مثل هذا المجلس أن أناسا كثيرين حرموا مثل هذه الخيرات والبركات قصدا أو بغير قصد، لكن هذه اللحظة التي تجلس فيها في رحاب بيت الله وفي أروقة المسجد الحرام تطلب علما وتتعلم مسألة وتتفقه حكما من أحكام الشريعة، تذكر في الوقت ذاته أن عددا كبيرا من الخليقة لا زාල تائها، أما يضيع حظ نفسه بفوات واجب، أو بمواقعة معصية، أو في محرم. فمن الذي عصمك وتركهم؟ ومن الذي سلك بك هذا السبيل وحرمهم؟ فهو فضل إلهي وتوفيق رباني يستدعي منا استشعارا وحمدا وثناء متتابعا.

فلله الحمد أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، له الحمد سبحانه وتعالى على ما أولى من النعم وأسبغ من الفضائل والخيرات والكرم، ونسأله سبحانه أن يوزعنا شكر هذه النعم التي أنعم بها علينا وعلى والدينا، وأن نعمل صالحا يرضاه ربنا وأن يدخلنا برحمته في عباده الصالحين. والمقام ذاته -أحبتي الكرام- هو مقام شكر وثناء ودعاء لمن كان سببا في مثل ترتيب هذه اللقاءات ومجالس العلم وحلقها في رحاب بيت الله الحرام؛ إدارة التوجيه والإرشاد في المسجد الحرام مشكورة، وهي تمثل الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، وعلى رأسها معالي الشيخ الدكتور الأستاذ عبد الرحمن السديس -وفقه الله- الذي ما فتئ يحرك مجالس العلم ويسعى في هذا الحراك العلمي الشرعي المبارك في أروقة المسجد الحرام.

ويذكر -وفقه الله- في كل عام أن هذا توجه شديد من ولاة أمر هذه البلاد إحياء لرسالة المسجد الحرام وإعادة لدوره المناط به ورسالته التي عبق بها عبر التاريخ الطويل ليكون منارة؛ فما أراد الله جل جلاله لما قال: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فحق لكل قاصد للبيت الحرام طائفا أو مصليا أو معتمرا أو حاجا أو عابرا، حقه أن يجد حظه من الهداية فيما قصده وما أتى إليه من أجله، وما الهدى إلا المبثوث في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم. وذلك كله علم الشريعة الذي يتناثر أهله وحملته ورافعه لوائه بين أروقة وسواري هذا المسجد الحرام المبارك.

المقام مقام شكر وحث ودعاء لمن كان سببا في مثل هذا أن يعظم الله لهم الأجر والثواب، وأن يكتب لهم عظيم ما قصدوا في مثل هذه المطالب العظيمة. هذا المجلس مستفتح للقاءات متتابعة بعون الله، آثرت أن يكون لقاؤه الأول الذي بين أيديكم الليلة متناولا لرُؤوس من المسائل التي نستفتح بها إضاءات تريد لنا الضرب فيما نستقبل من لقاءات، ونرتسم فيها معالم نمشي بها على خطى واضحة. هذا المجلس يراد له أن يكون مجلسا يتدارس فيه الجالسون مسائل علم أصول الفقه، وسيأتي عما قريب ذكر حقيقته وماهيته وما يتعلق به.

لكن هذا العلم -أعني أصول الفقه- من العلوم التي يعز على أصحابها تحصيلها إلا بجهد وتعب ومشقة، وذلك لسمو مكانته وارتفاعه بين رتب علوم الشريعة نظرا إلى عظيم مقصده وعظيم مأخذه بين أدلة الشريعة وأحكامها. لكننا إذ نتحدث عن هذا، يجدر بنا ألا نتجاوز نقطة هي من الأهمية بمكان، وحري بنا أن تكون أول النقاط التي نستفتح بها الحديث في مثل هذا المجلس الذي نسأل الله تعالى أن يعمه بالبركة والفضل والأجر والجزاء، النقطة التي لا يجوز تجاوزها ولا إغفالها والبدء بغيرها قبلها، وهي الحديث عما يجب أن نحله في صدورنا من مقاصد، وأن نستصحبه من نوايا؛ فإن هذا مطلب عظيم يجب التأكيد عليه والتواصي به.

فلئن كان أحد ما ابتغى علما، وطلب مسألة، وحصل شيئا كثيرا أفاض الله به عليه، فانه قبل ذلك كله يجدر به أن يتفقد نيته التي بعثته وقصده الذي أخرجه من بيته حتى جاء فجلس، والنية التي احتوشته حتى رضي أن يقعد هذا المقعد ويفرغ نفسه من الشواغل؛ هذا مطلب تفقد النوايا والبحث عما في القلوب من المقاصد والأمور التي جعلت أحدنا يأتي الليلة هذا المكان ويجلس هذا المجلس وقد عزم أن يستمر أو يتتابع، فيجب تفقد هذا والعناية به.

ورحم الله البخاري حين استفتح صحيحه بالحديث العظيم: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فكانت سنة سلفية ماضية في التذكير بهذا الأصل العظيم، وأن يبحث أحدنا فيما داخل أضلاع صدره من قصد بكل عمل يتوجه إليه. فكلما عظم العمل وارتفعت مكانته وعظم قدره، وجب أن يحصل صاحبها من صفاء النية وخلوص المقصد بقدر ذلك العمل عظمة وجلالة ومكانة.

كذلك حديث الإمام مسلم في صحيحه رحمه الله، لما ذكر عليه الصلاة والسلام أول من تسعر بهم النار، فذكر أنهم ثلاثة أصناف -أجارنا الله وإياكم- فذكر منهم القارئ للقرآن والمجاهد والمتصدق بماله. فلما يؤتى بصاحب القرآن ويؤمر بحسابه وعقابه، فيقول: يا رب، قرأت فيك القرآن، فيقال: كذبت، إنما قرأت ليقال عنك قارئ. ويقال للمجاهد: كذبت، إنما قاتلت ليقال عنك جريء، ويقال للمتصدق: كذبت، إنما أنفقت ليقال عنك جواد، فيؤمر بهم فيسحبون على وجوههم في النار.

تأملوا معي لفظ الحديث الذي ذكر فيه عليه الصلاة والسلام أن هؤلاء الثلاثة ليسوا من أهل النار فحسب، ولا ممن يدخلونها ويصلون سعيرها فحسب، بل قال: هم أول من تسعر بهم النار. فالأولوية ها هنا محل توقف ونظر؛ أن يكونوا من أوائل من يدخل جهنم -أجارنا الله وإياكم- ثم جعلهم وقوداً لها وحطباً لها، فتسعر على أجسادهم نار جهنم. ولو نظرت إلى ما اقترفوه وعظيم ما أتوه، فليس بدرجة الفواحش والكبائر والآثام التي ينغمس فيها أربابها. أين أهل الزنا؟ وأين أهل الكبائر؟ وأين أرباب الربا؟ وأين أصحاب العقوق وآكل الحرام وأين الظلمة؟ هؤلاء ذكر لهم من عظيم العذاب وأليم العقاب ما كثر في النصوص الشرعية.

لكن الذي يوقفنك حقيقة؛ أن يكون هؤلاء الذين وقفوا على ثلاثة من أبواب الخير والعبادة والأجر، لكن المقاصد لما خالفت عظيم العمل، ولم يحظ صاحبها بصفاء النية والإخلاص لله، لم يكن جزاؤه خسارة الثواب فقط، ولم يكن عقابه الحرمان من الأجر الذي يترتب على ذلك العمل فقط، ولم يكن عقابه أيضاً العذاب الذي يعاقب به كل من عصى الله فأتى باباً وأتى مسألة من غير بابها فقط، لكنه ارتقى درجات حتى بلغ أن يكونوا أول من تسعر بهم النار.

فالذي يجب على طلبة العلم أن يقفوا ملياً أمام مثل هذا الحديث، وأن الذي قرأ القرآن والذي جاهد والذي تصدق قد أتوا أبواباً عظيمة في الدين؛ الجهاد هو ذروة سنام الإسلام، والصدقة التي تطفئ غضب الرب ويربيها الله عز وجل لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه، ويستظل بظل صدقته يوم القيامة، وقراءة القرآن وما أعد الله لأهله من الدرجات العلى والمكانة الرفيعة والارتقاء في درجات الجنان ولهم من الفضل والمكانة والأجر ما ليس لغيره من أهل الإسلام.

هذه الأبواب العظيمة على شرف مقدارها وعظيم مكانتها لما أتاها أصحابها من غير أبوابها؛ فطلب العلم ليرتفع على الناس، وقرأ القرآن ليفخر به بين الناس، وتصدق لينال ثناء الناس، وجاهد لينال محمدة بين الناس، كل أولئك خسروا أعمالهم فانقلبت سوءاً. وشاهدنا من هذا كله أن العمل العظيم كلما ارتفعت مكانته، وأن العبادة كلما ارتقت درجتها في أعمال الإسلام مرتبة عظيمة، كان خطر فقدان الإخلاص فيها أعظم.

كلما كانت العبادة أعظم مكانة وأشرف منزلة، كان عقاب فقدان الإخلاص فيها أعظم من غيرها؛ العمل كلما عظمت مكانته عظم ثوابه وعظم جزاؤه وتضاعف صاحبه في الأجر والمثوبة عند الله، فإذا ابتغاه من غير وجهه كان كالمستخف بحرمات الله وكالمتساهل بشعائر الله الذي لا يلقي لها بالاً، فيأتي باباً عظيماً في قراءة القرآن فيجعله لغير الله، ويأتي باباً عظيماً كالصدقة فيجعلها لغير الله، ويأتي باباً عظيماً كالجهاد فيجعلها لغير الله، فكان عقابهم ما مر ذكره في الحديث.

يؤكد علينا أن طلب العلم الذي تضافرت الأدلة على شرفه ومكانته ومنزلته وما أعد الله لأهله، أنه حقيقة على أهله أن يكونوا أعظم الناس تفقداً لنواياهم، وأحظى الناس بتحقيق الإخلاص لله في العمل الذي هم بصدد تحصيله. طلب العلم نتحدث عنه جملة، ونحن نتحدث عن مجلسنا هذا الذي أكرمنا الله بالاجتماع في رحاب بيته الحرام؛ أحدنا قصد هذا المجلس وأتاه وفرغ نفسه وتهيأ له، وعزم على أن يستفيد في كل مجلس يحضر فيه ويحصل فيه فائدة ومسألة.

معنى تفقد النوايا وتحصيل الإخلاص أمران اثنان في الجملة؛ أولهما أن يحظى بتصفية قصده من كل أمر لا يراد به وجه الله، فلا يريد بذلك محمدة ولا ثناء ولا سمعة ولا ليقال عنه طالب علم، ولا ليلتقي برفقته فيجلسون هذا المجلس فينظر بعضهم إلى بعض ويحسد في أنظارهم طالب علم يتأبط كتابه ويحضر ويمسك بقلمه ولا يزال حريصاً يسأل ويجيب. كل هذا من سمات طلبة العلم، لكن أن يتحول ذلك إلى قصد يجعل صاحبه يحرص على الطلب والاتيان والمجيء والسؤال والجواب من أجل البروز والظهور بين الأقران وأن يحمده الناس على ذلك، هذا شيء من فقدان الإخلاص.

فأول معنيين تحصيل الإخلاص وتفقد النوايا هو تصفيتها وهو تنقيتها من الشوائب، وعدم دخول شيء من الحظوظ الدنيوية؛ لا رياء ولا سمعة ولا طلب محمدة ولا شهادة ولا شيء من الحظوظ التي امتهنها أصحابها لما أهانوا العلم فلم يقصدوه من بابه العظيم. طلب العلم كان ولا يزال شرفاً وتاجا على رؤوس أهله يقصدونه لارتفاع المكانة والدرجة وما أعد الله لأهله. اطلب العلم خالصاً لوجه الله تمل ما رتب الله من الأجر والثواب لأهل العلم، ومما رتبه الله لأهله علو المكانة وشرف الدرجة ورفعة المنزلة في الدنيا قبل الآخرة.

أخلص نيتك لله، طلبك بالعلم وتحصيلك إياه يرفعك الله نجما في سماء العالمين بين الناس، غير ما يكون لك في الدار الآخرة من الرفعة والدرجة والمكانة العالية. ومهما ابتغيت رفعة بطريق أنت تقصده بقدميك؛ تطلب العلم وتحصل الشهادات وتحفظ المتون ليقال عنك في مجالس طلبة العلم فلان كذا وفلان كذا، ويذكرك الناس وتكون معلوماً مشهوراً بين طلبة العلم وفي أوساطهم، وأحرص على إراز ذاتك وإظهار اسمك في كل محفل ومجلس ومقعد علم لتذكر بين الناس، جرب ما قدر الله لك ذلك، ستكون أخسر الناس بما قصدته من العلو والدرجة، فتكون خاسراً منطفئاً مخبوءاً لا يدري عنك أحد.

فالمقصود أن الرفعة التي يظفر بها أهل العلم إنما يحصلونها بما يكتبه الله لهم من علو ومكانة ورفعة قدر، لكن أن يقصد صاحب العلم بعلمه رفعة القدر، فهذا لم يعد طلب العلم عنده في حقه لم يعد تاجا يلبسه فوق رأسه، بل غدا نعالاً ينتعله في رجليه -أكرمكم الله- ليحقق به ما يصلون به إلى الدنيء من المطالب والمراتب التي يربأ أهل العلم عن الوقوع في مثلها.

أما الأمر الآخر العظيم الذي نقصده بالإخلاص وتصحيح النوايا وتصفية المقاصد واستحضار هذا المعنى الكبير، فهو أن يستحضر أحدنا في هذا السبيل؛ وهو طلب العلم، الفضائل والأجور، وما رتب الشرع على مثل هذا العمل من الأجر والثواب والجزاء. فهذا جزء مما يحقق المقاصد ويصحح الإخلاص ويحققه في قلوب أصحابه، وهذا يقال في كل عبادة؛ في الصلاة والصيام وقراءة القرآن والذكر والصدقة وطلب العلم.

واحد من هذه الأبواب مما يفقده كثير من أرباب العمل الصالح مع إخلاصهم وعدم دخول الرياء في أعمالهم، مما يفقدونه أنهم لا يحضرون كثيراً من مآخذ الثواب والترغيب والجزاء وما ذكر في فضائل العمل الذي هم بصدده. فترى صاحب القرآن مثلاً يحفظ القرآن في الحلقات ويغشى المجالس ويأتي المساجد ويثني ركبتيه، ويكتب في أرباب القاصدين للمساجد والمرابطين في الحلقات ومن شهد المجالس، أنه مع استمراء العمل وادمانه ينقلب عنده إلى شيء من العادة، ثم يفقد كثيراً من استحضار ما رتب على ذلك من الثواب والأجر.

ينسى أنه يجلس في حلقة من حلق القرآن في بيت من بيوت الله تحفه الملائكة وتنزه السكينة وتغشاه الرحمة ويذكره الله فيمن عنده، يغفل أيضاً أن كل آية جلس يقرأها تسجل له بعدد حروفها حسنات، والحسنة بعشر أمثالها، فلا يحصي كم يقوم من مقعده ذلك وقد جلس نصف ساعة أو ساعة أو أكثر، ليس يحصي كم سجل في صحيفته من الحسنات ولو قدر أن تكون شيئاً محسوساً يجمعه في أكياس لما استطاع ما حملها بعد الانصراف! قل مثل ذلك في طلب العلم، وما كتب الله لأربابه وما أعده لأصحابه وما رفع له من الدرجة والمكانة العالية الرفيعة.

هذا جزء يحتاج طلبة العلم إلى استحضاره، ولربما ارتقى بعضنا في طلب العلم فتجاوز مسألة ذكر فضائل طلب العلم وتحصيله وما جاءت النصوص الشرعية بفضله ومكانته، لكنه يحتاج دوماً إلى التذكير والتذاكر، وأن يتذكر شرف العلم وفضله ومكانته، لأن ذلك.

مما يكمل له نيته ويحصر به تمام مقصده؛ فهو يطرد عنه الملل، ويبعد عنه الشيطان، ويجدد له النشاط، ويببعث عنده تجديد الإخلاص بتحصيل كل فضل من الفضائل. جرب أن تخرج من دارك، أو تتجه من مكانك إلى حلقة من حلق العلم، ويقودك ملء شعورك بأنك تشهد مجلساً يرفعك الله به منزلة، وأنك تحضر عملاً وتؤدي عبادة هي من أشرف العبادات وأحبها إلى الله، وأنك تغدو في سبيل الله حتى ترجع من طلبك للعلم، وأنك بذلك تنال أجر المجاهدين في سبيل الله بطلبك للعلم وتحصيله.

وأنك بذلك أيضاً يبلغ الله بك مرتبة تكون عالية، ويرتقي بك إلى من أرفع الله درجتهم وأعلى مكانتهم: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ. وتدخل في من فاخر الله بهم في كتابه وأعلى درجتهم وأعلى منزلتهم: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ؟

من استحضر طالب العلم في كل مرة يتوجه فيها إلى مجلس علم، أو يفتح كتاباً يقرؤه، أو يذاكر مسألة حصلها، أو يحفظ متناً يدرسه، كلما استحضر في كل مجلس، في كل يوم، في كل دخول وخروج واستحضر الفضائل، تجدد عنده النشاط، وارتفعت الهمة، وتحقق الإخلاص، وابتعد عنه وطردت عنه السامة والملل، ولا يزال متتابعا في الخطى بتوفيق الله حتى يتم الله له ما يريد من قصده في تحصيل العلم وطلبه.

ثم حديثنا عن هذا الأمر الكبير: طلب العلم وتحصيله يتحقق في مراتب ثلاثة بحسب تحصيل الفائدة التي يحصلها طالب العلم. فأدناها مرتبة: أن يحصل طالب العلم بطلبه للعلم خروجه من الجهل، وأداءه للعبادة لربه على بصيرة. العبادة التي خلقنا من أجلها معشر العباد: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. خلقنا للعبادة.

فوظيفتك في الحياة عبادة الله، تاجراً كنت أو طبيباً أو فلاحاً أو مزارعاً أو رب أسرة، عالماً أو جاهلاً، أمياً أو مثقفاً، أياً كنت في الحياة، عبد الله؛ خلقك الله لعبادته هذه وظيفتك الأساس. يبقى أن تمارس مهنة ما في الحياة ترتزق بها وتكتسب حلالاً وتتأكد منها أنت وأولادك هذه مسألة أخرى، تعيش حياتك على أي نحو تراه ملائماً لك وأوفق لظروفك، هذه مسألة ثانويّة، لكن ألا نغفل عن القصد الكبير وهو أنه خلقنا الله لعبادته.

فإذا أدى العبد حق العبادة الواجبة عليه لله سبحانه وتعالى فليعش حياته بعد ذلك ما يشاء، لكن العبادة وهي المقصود الأعظم من إيجادنا معشر العباد ومن خلقنا في هذه الحياة إنما يصل إليها العباد عن طريق العلم، فلن يعبد الله الذي ما شرع ولا يوصل إلى مرضاة الله إلا بالطريق الذي سلك لنا سبيلاً، ولن تفتح الجنة أبوابها إلا بالطريق الموصل إليها.

فالعبادة صلاة كانت أو صياما أو معاملة، فحياتنا كلها وهي عبادة لا تؤدى إلا على طريق بينة ولا يؤدى مفهوم العبادة فيها صحيح إلا عن علم وبصيرة، فهذا يؤكد لك شرف العلم الذي نحتاجه. فأدنى درجات العلم في تحصيله هو خروج أحدنا من الجهل، ألا يخطئ في عبادة بربه، ألا ينحرف في مساره الطويل إلى الله عز وجل وهو المقصود بالوصول إلى الجنة، فالانحراف سببه الجهل وعدم الدراية والخطأ في ثنايا الطريق فينحرف يمنة ويسرة، فيأتي العلم ليحقّق لصاحبه البقاء في المسار الصحيح.

هذه أدنى درجات العلم من حيث الفائدة وارتفاع الجهل عن صاحبه وعبادته لربه على بصيرة. فإذا ارتقى مرتبة أخرى وصل إلى درجة أرفع من هذه وأشرف، فإنه يحصل من العلم ليس القدر الذي تصح به عبادته فقط، بل يزيد على ذلك من مسائل العلم ما يقربه إلى الله، ما يرقق قلبه، ما يعرفه بربه، ما يزرع الخشية في فؤاده، ما يجعله قريبا من الله مسارعا إلى الخيرات سباقا إلى الصالحات.

ثم لا يزال يستقي من مسائل العلم ما هو ليس بحاجة إليه اليوم، لكنه قد يحتاج إليه، فإذا احتاج إليه وجد نفسه عالما بالمسألة عارفا بأحكامها، كرجل ما سافر قط فيقول: أنا لا أحتاج إلى دراسة أحكام السفر وما يتعلق بالمسافر وعشت حياتي ولا زلت حبيس البيت لا أجاوز المسجد والبيت وما بينهما، فمثل هذا إذا أراد أن يتفقه أن يتعلم أحكام المسافر وما يترتب عليه في صيامه وفي صلاته وفي طهوره وما بين ذلك من مسائل والأحكام، فإنه قدر متعلق بما زاد عن حاجته في عبادته لربه.

لكنه سيحصل قدرا من مسائل ما تحتاج إليها وجدها حاضرا، فهو أرفع درجة من الجاهل الذي ما فقه ولا تعلم، فاذا وقع في المسألة احتار وبحث سأل وربما بادر وتجرأ وتسرع فأخطأ في العبادة وأتى بها على غير وجهها، ولا شك أن هذا أرفع درجة من الأول.

أما الدرجة الثالثة: فطلاب العلم وحملته ورافع رايته ومن ندبوا أنفسهم لطلب العلم وتحصيله، ومن كان سمتهم في هذه الحياة ووظيفتهم وطريقهم الذي اختاروه وسلكوه ويسر الله لهم أسبابه طلب العلم، فلا يعرف إلا بطلب العلم ولا يصنف إلا في عداد طلاب العلم، ولا يشرف بين الناس إلا أنه طالب علم، فمثل هؤلاء يحملون من مسائل العلم ويتفقهون في الشريعة، ويستجمعون من المسائل ما فوق حاجتهم بأضعاف مضاعفة.

لكنهم يتفقهون لأمور عدة، أولها: شرف العلم في ذاته وما أعد الله لأصحابه، ثانيها: أنهم قبول لله عز وجل بهذا العلم، ثالثها: أنهم يرغبون بعلمهم هذا الذي يتوسعون في تحصيله أن يكونوا بل ضلال خير، وأن يكونوا منارة هدى في الأمة، فيسألهم الناس إذا جهلوا، ويهتدون بهم إذا احتاروا، ويفزعون بهم عند ظلمات الجهل وعدمه، فكان ارباب العلم ولا يزالون نجوم الأمة في سمائها المظلمة، بهم يهتدي الناس في الظلمات وبهم يسيرون بنور العلم، قبيح الهدى فهم حملة الهداية، بل يكفيهم شرفا أنهم ورثة الأنبياء وخلفاء الرسالة.

هذه الوراثة العظيمة وراثة النبوة وخلافة الرسل لا تؤتى بوحي، لأن الوحي انقطع بانقطاع حياة النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه مستمر ما استمر أهل العلم في تحصيل العلم، فإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فحملة العلم ورثة أنبياء، وذاك أسمى المراتب وأشفى المناصب ولا شك.

صح في الأثر عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه أتى السوق ذات يوم عشية بعد العصر، فوجدهم يبيعين ويشترون وفي صخب الأسواق كما هو المعتاد، فندبهم وصاحبهم وقال: أنتم ها هنا تشتغلون في التجارة والصف والبيع والشراء، وميراث النبي صلى الله عليه وسلم وتركته تقسم في المسجد -يقصد المسجد النبوي-، فهرع أصحاب السوق وأقفلوا الدكاكين وانطلقوا يحفون الخطى باتجاه المسجد يبحثون عن تركة رسول الله عليه الصلاة والسلام.

ولا يدرون أهي آنية أم ملابس أم دنانير أو دراهم؟ وقد قال لهم إن تركة رسول الله عليه الصلاة والسلام توزع في المسجد، فانطلقوا مسرعين، فما رأوا شيئاً، وإنما رأوا حلق علم ومجالس قرآن، فاستغربوا وسألوه رضي الله عنه الشركة التي قصدت وما نرى شيئاً، فقال: ها هي تركة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا العلم الذي ينكر ويدرس ويتحلق أصحابه حول المجالس هو ميراث محمد صلى الله عليه وسلم.

واستشهد رضي الله عنه بالحديث: فإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ أخذ بنواصل.

وإذا فقهنا أيها الأحبة الكرام أن مراتب العلم من حيث تحصيله ثلاثة، فإن درجات العلم الشرعي في المراتب هي أيضاً تنقسم إلى درجات بحسب ما يحتاج إليه المسلم، وما ينبني في العلم بعضه على بعض، فكلما كان العلم أصلاً في هذه كانت الحاجة إليه أعظم، وكلما كانت المسألة تحصل بأدنى سبيل ولا تتجاوز معرفة حكمها بالدليل كانت أقل رتبة من غيرها.

أعني بذلك أن أصول مسائل العلم أهم بالتحصيل وأولى بالدراية؛ لأنها أصول للعلم، بمعنى أن إدراك ما فوقها من أهل العلم متوقف على تحصيلها، وأن الشرف في الدرجات العالية المرتفعة متوقف على تحصيل المراتب الأولى ولا شك، فمراتب العلم وهي درجات يسبقها الأصول أصول العلوم الشرعية؛ لأنها بناء متتابع تبنى عليه فروع الشريعة الباسقة المتناثرة وظلالها الوارثة، وطالب العلم وهو حريص على طلب العلم وتحصيله ينفر به أن يلتفت بعناية إلى هذا المأخذ.

أقول هذا الكلام لأننا بصدد الحديث عن العلم الذي اتفقنا على الجلوس له ومدارسة مسائله وأحكامه وهو علم أصول الفقه.

فإنه من أصول العلوم، وهو كصُّرة كما تلاحظون؛ أصول الفقه. والمقصود بذلك أن الفقه، الذي هو معرفة الحل والحرام وما أوجب الله تعالى علينا معشر العباد وما حرم وما ندبنا إليه وما كرهه وما أباحه، كل ذلك هو مسائل.

وعلم الفقه جملة، فالفقه لأي كتاب تفتحه، ابتدأ من الطهارة والصلاة والصيام والزكاة والحج، مروراً بالمعاملات من بيع وشراء ورهن وإجارة وكفالة وحوالة ومصانعة ومزارعة وربا وصرف ونحو ذلك، فانتهاء بأحكام الأسرة من نكاح وصلاة ونفقات ورضاع، ثم الجنايات والحدود والقصاص. هذه كلها يدرس فيها الفقيه وطالب العلم في كل باب من الأبواب، مثلاً: ما الذي يجوز فيه؟ وما الذي لا يجوز؟ ما شروطه؟ وما الذي يغبي العبادة فاسداً؟ ومتى تصح؟ وما الأركان الواجب تحصيلها؟ ما الدليل على صحة هذا العمل؟ ما الدليل على اشتراط هذا الشرط؟ هذا هو الفقه. ولا شك أنه من أشرف العلوم وأجلها، لأنه يبصرك بما يريد الله منك أيها العبد، وبماذا تعبد الله في كل باب من أبواب الحياة؟

فإذا كان الفقه بهذه المرتبة العظيمة، وهو أشبه بالخارطة التي تقودك إلى الجنة، وأشبه بالطريق الذي تسلكه حتى تعرف على أي خطوة تضع قدميك في هذه الحياة؛ هذا الفقه الذي هو خارطة حياة باختصار شديد، خارطة حياة لكل المسلمين. فمتى احتراج أي خطوة يخطوها نظر في الفقه، فعرف أين يضع قدميه، لينأى بنفسه يعني الحرام، ويتجافى عن المكروهات والمحظورات، وليبتعد عن حدود الله خشية غشيانها والوقوع فيها، وليأت الأمر الذي أحب الله ويسابق إلى الخيرات.

هذا الفقه، على شرفه وعظيم منزلته ومكانته، يحتاج إلى علم يبنى عليه وأصول له، وهو ما اصطلح العلماء بأصول الفقه. إذاً الأصول الفقه هو العلم الذي يبنى عليه الفقه. إذاً هو بوابة وقاعدة وأساس، صاحبها يحصل فيها أصولاً وقواعد وأسساً يبنى عليها الفقه. فلن يكون الفقيه فقيهاً ولم يوصف بالفقه حتى يعرف حقيقة أصول هذا العلم وكيف بني. فإذا أتقن الأصول وأسس القواعد فارتفع عنده البناء وحصل مسائل الفقه، صح أن يسمى فقيهاً.

ليس كل من فقه مسألة وتعلمها سمي فقيهاً، ما أقل الناس علماً ومن يوصفون بالجهالة وعدم الدراية وأرباب الحرف ومن لا شأن لهم في طلب العلم وتحصيله. هو يعرف أن الوضوء شرط لصحة الصلاة، ويعرف أن الصلاة تفتتح بتكبيرة الإحرام وتنتهي بالتسليم، ويعرف أن كل ركعة في الصلاة فيها ركوع وسجودان، ولم يسمى أحد بذلك فقيهاً وهو يعرف هذه الأحكام. فمجرد معرفة هذه الأحكام، وهي من الفقه، لا تجعل صاحبها فقيهاً. بل أعلى ذلك درجة؛ من عرف الحكم وعرف الدليل، وصار يربط بين الحكم ودليل يقول هذا جائز والدليل كذا، ويقول إن مما ينقض الوضوء مس الذكر والدليل كذا، فإذا أجابه المخالف عرف الجواب. هذا الذي شم رائحة الفقه، ارتقى قليلاً عن مجرد الحكم ومعرفته بالدليل، وعرف وجه الاستنباط، ثم استدل واستطاع أن يصل إلى كيف دل الحديث أو دلت الآية على أن هذا الحكم واجب أو حرام، هذا هو الفقه الذي حصله صاحبه بناء على معرفة لأصول هذا العلم.

وقبل ذكر المسائل التي نحتاج إلى تعريفها في سياق هذا العلم، أصول الفقه وكيف يحصله صاحبه؟ دعونا نبدأ نضرب أمثلة بما يحصله صاحبه في علم الأصول وما الذي يتوخاه في دراسته وما الذي يسير فيه حتى يرتقي إلى أعلى درجاته. علم أصول الفقه أيها الكرام إن لم يرتكز على شيئين عظيمين؛ الأول منهما هو البحث في الأدلة الشرعية وتعلمها ومعرفتها ومعرفة أنواعها، ونقصد بالأدلة كل مصدر جعلته الشريعة مكاناً لأخذ الدليل منه وبناء الحكم عليه.

فنحن معشر المسلمين في عباداتنا ومعاملاتنا لسنا أمة عقلانية، ولا تعبدوا الله عز وجل عن انقطاع وعدم صلة بالشريعة. نحن أمة شرعية، نرتبط بدين الله أمة ربانية، كما أوجبه الله لنا وما حرمه وما شرعه نسير وفقه. حياتنا كلها، حياتنا كلها وليست أبواب العبادات فقط، حياتنا كلها يجب أن تكون وفق هذا منهاج الكبير، أنه ليس شيء من حياتنا خارج عن ديننا معشر العباد.

هذه نظرة أساس نحتاج إلى تأصيلها وتقربرها بيقين؛ نحن لسنا مسلمين في المساجد، وفي أركان الإسلام صيام وصلاة وزكاة وحج، ليس هذا فقط، نحن مسلمون حتى في تعاملنا مع زوجاتنا وفي تربيتنا إلى أولادنا وفي أسواقنا بيعاً وشراءً وفي تعاملنا مع الخلق أخذاً وعطاءً. نحن مسلمون، يعني أننا أصحاب دين يحكم تصرفاتنا كلها في الحياة بلا استثناء، ليس شيء من حياتنا خارج عن ذلك.

تأمل قول الله لنبيه عليه الصلاة والسلام: قُل إنَّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له. الصلاة والنسك عبادتان جليتان واضحتان، لكن أن يقول: ومحياي؛ تتوسع الدائرة وتخرج عن مفهوم العبادة الضيقة، التي هي عبادة تتوجه فيها إلى الله صلاة أو صيام أو زكاة أو حج. الحياة، محياك، نومك في الحياة جزء منه، لبسك للثياب، تناولك للطعام والشراب، زينتك ومظهرك وهيئتك، وكل ما تتخذه في الساعة التي تلبس والثوب الذي تختار والقماش الذي تنتقي الحذاء الذي تنتعل أكرمك الله والدابة التي تركبها والبيت الذي تسكنه، الأثاث الذي نستعمل هذا من حياتك. الله يقول: ومحياي ومماتي لله. كيف يكون لله؟ لن يكون إلا بأن تنزله وفق شريعة الله.

عجيب، وهل في حياتنا في الطعام والشراب واللباس والثياب والأثاث والمراكب وسائر التعاملات، هل لله عز وجل في كل ذلك في حياتنا أحكام تتعلق بنا ويجب أن نوقع حياتنا وخطواتنا في الحياة وفقها؟ الجواب: نعم. وهذا مفهومنا أيها المسلمون؛ عباداتنا أوسع من المفهوم الضيق. دعك من المقولة الرومانية الهالكة لما صاروا دعماً لله لله ودعماً لقيصر لقيصر، كانوا يعيشون حياتهم على أن العبادة التي تؤديها في الكنيسة اجعلها لله ودعنا لقيصر لقيصر، وتجارتك ما ينظمها لك ربك وحاكمك وأميرك وإمامك هذه خالصة له، أنت تعبده فيه وتتوجه فيها وفق مراده هو، فقصدوا شيئين في الحياة ففصلوا العبادة عن سائر مناحي الحياة. هذه جاءت يعني مرة من قرون وعاشت عليها أجيال وتربت عليها أمم، فجاء الإسلام فأسس المفهوم المناقض لهذا تماماً، فجعل الحياة كلها لله، بل جاء الذم لمن يأخذ هذا من يتبنى هذا المفهوم في التصامم النحلي بينما هو عبادة وما ليس بعبادة.

قال الله تعالى رداً على أهل الكتاب: أَفتُؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض؟ إذاً هو سمت لليهود والنصارى وعاشوا حياتهم بعد للكتاب المقدس على هذه الازدواجية المقيتة، يعبد الله في الكنيسة من أحسن ما يكون، فإذا جاء يوم الأحد توجه إلى الكنيسة وأدى الصلوات وقرأ الأذكار والدعوات، خرج ثم يزني ويسرق سائر الأسبوع ويأكل الربا ويواقع المحرمات، فهو عابد صالح من العباد الصالحين قال مع الكنيسة تكون لأحد هذا. فصام الإسلام ازدواجية فاسدة، فليس العبد في الإسلام عبداً إذا أتى المسجد وصلى ثم هو يأكل الربا ويظلم الناس ويخشى الحرام، هذه ليست هدية صادقة، هذا من مفهوم الضيق للحياة، أن تظن أن العبادة هي ما تؤدى بين جدران المسجد، فاذا خرجت انقطع مفهومها عنك.

ولذلك أيضاً لما جاء أهل النفاق واستمرت معهم هذه النظرية الفاسدة واستمروا عليها جاء الذنب أيضاً لهؤلاء، يقول الله تعالى: الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم. أرأيت بهذا الوصف القبيح ارتداد على الأدبار واتباع ما سوى الشيطان ما الذي أتوه؟ ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر. فمفهوم أن تأخذ من الدين بعضاً وتترك بعضاً آخر هذا مفهوم فاسد عاشه أهل النفاق فجاء الذنب الوعيد، وعاشه أهل الكتاب فجاء ذنب الوعيد قال: ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم.

كيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم؟ ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله. إذاً هذا مسلك يسخطه الله جل جلاله، ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم، فيرضى المسلم أن يعيش حياته

مبنية على هذا المعتقد الفاسد، أن جزءا من حياته يكون لله؛ يصلي ويصوم ويزكي ويحج، ثم في التجارة بيع وشراء، يا أخي اجعلتم للدين في كل مسألة في الحياة حكما؟

الجواب: نعم؛ لأننا أمة مسلمة، وشعارنا: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. بل قال أهل التفسير: ليس العجيب أن تكون الحياة لله، إنما العجب أن يكون الممات وهو ممات أن يكون لله، الممات الذي هو نهاية الحياة وسكون الجسد وانتهاء الرصيد من العمل أن يكون أيضا لله، هذا هو المفهوم العجيب.

بمعنى أنك وأنت عبد صدقني لا تملك لنفسك شيئا، ولا تستقل في حياتك بقرار بمنأى عن شريعة الله ودين الله. نحن مسلمون، ويجب أن نعيش هذا المفهوم بتقرير واضح بين لا لبس فيه ولا غبش. ولهذا فمن جميل قول الشافعي رحمه الله في صدر كتاب الرسالة يقول رحمه الله: وليس تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدلالة على سبيل الهدى فيها.

يقول: وليس تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدلالة على سبيل الهدى فيها. بمعنى أنه مهما ما عاش العبد في أي زمان ومكان، وما تقلبت ظروف الحياة واستجدت النوازل، وأتى الناس من الحياة أبوابا ما كان لأسلافهم عهد بها، لا تظن أنك خرجت عن نطاق الشريعة، وأنك تجاوزت حدود الزمان والمكان، وأن القرآن الذي نزل قبل أربعة عشر قرنا ليس يغنيك اليوم، وأن السنة المحمدية بميراثها الضخم لا تفي بحاجات الناس اليوم.

أبدا، في الشريعة كليات وأصول وقواعد مطردة تفي بحاجات الناس في كل زمان ومكان. نعود إلى مفهومنا الأساس، فإذا كانت حياتنا كلها يجب أن تكون مبنية على مرضاة الله، ووفق شريعة الله ومراد الله عز وجل، فإن هؤلاء ينبعون أصل كبير عظيم، وهو كيف يستقي المسلم أن تكون حياته بهذا الإطار الكبير غير خارجة في جزء من جزئياته، لو صغيرة ولا كبيرة، غير خارجة عن نطاق الشريعة الضخم؟

والجواب: أن علماً كأصول الفقه يؤصل لصاحبه إذا ما أححسن تحصيله وأتقن أداءه، يؤسس عنده هذا الأمر الكبير الذي هو بأمس الحاجة إليه. كيف؟ من طريق مدارسة أمرين؛ أحدهما: الأدلة الشرعية كما قلت، وهذا أحد جانبي وركني ومحوري علم أصول الفقه، الأدلة الشرعية. فيعلمك هذا العلم وتدرس فيه الأدلة التي جعلتها الشريعة مصدرا لاستقاء الأحكام منها.

فيعلمك الأصول أن القرآن مصدر تشريع، وأن السنة دليل، وأن إجماع الأمة دليل، وأن القياس الصحيح بشروطه دليل، وأن قول الصحابي الذي لا يخالف في المسائل المجتهد فيها دليل، وربما استطردوا فقالوا: شرع من قبلنا، وسد الذرائع، والمصالح المرسلة، وأشباه ذلك. فهذا هو الركن الأول من ركني علم الأصول، وهو الأدلة الشرعية، فيتعلم فيه الطالب كل مكان وكل مصدر جعلته الشريعة مصدرا لبناء الأحكام دليلا يستدل به.

ولا شك أن هذا من تأصيل العلم في مكانه الأعظم، أن تعرف أدلة الشريعة أين هي؟ وإذا ما أردت أن تبحث عن حكم فإنك تقلب جنبات هذه الأدلة تبحث عن مراده، لعلك تجد الدليل في القرآن أو في السنة أو في غيرهما من الأدلة. أما المحور الثاني والشطر الآخر والصلب الآخر لعلم أصول الفقه، فهو طريقة الاستدلال، أوجه الاستنباط، دلالات الألفاظ، عبر بما شئت.

فهذه الأدلة تجد في داخلها الدليل، فإن تنتزع الحكم من ذلك الدليل يحتاج إلى أمر آخر تتعلمه؛ كيف يدل الدليل على وجوب ذا، أو حرمة ذاك، أو مشروعية هذا، أو عدم مشروعيته؟ وهنا يأتي دور هذا العلم ليعلمك الملكة والآلة والقواعد والطرق التي من خلالها تقف أمام الآية فتقول: أنا أفرم منها أن الله يأمرنا بكذا وينهانا عن كذا، وتقف أمام الحديث فتقول: المراد من الحديث قوله صلى الله عليه وسلم كذا فهو يأمر بكذا وينهى عن كذا.

وبالتالي من خلال القواعد التي تعلمت وأنت تطبقها على النصوص والادلة تستطيع الوصول إلى الحكم المراد، فتقول: دل الحديث على الإباحة أو على الحرمة أو على عدم الجواز. هذه المسألة فيما أقصد من العناية: استنباط الأحكام من الدليل. هذا مشوار طويل وهو صنعة الفقيه، حاجة الفقيه بالدرجة الأولى أن يكون صاحب صنعة يستطيع معها التعامل مع النصوص الشرعية.

التعامل مع النصوص الشرعية باب جلي، باب شريف، باب ضخم، باب خطر، باب حذر؛ لأنك تتعامل مع كلام الله وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام، ثم تزعم أنك تفهم مراده ومراد رسوله عليه الصلاة والسلام، ثم تقول: حكم الله هو حكم رسوله صلى الله عليه وسلم كذا. هذا باب خطير يحمل صاحبه على الاحتراس والاستعداد الكافي والتهيب التام وأخذ العدة الكافية لأن يبلغ هذا المبلغ الكبير.

ومن هنا تبرز جلالة علم كأصول الفقه؛ لأنه يسلح صاحبه ويهيئه ويعده ليقف أمام كلام الله وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام فيقول للأمة: حكم الله كذا، وحكم رسوله كذا. هي جرأة إن لم يبلغ صاحبها مبلغها بحق واقتدار، فهو من الكبائر في أبواب الشريعة القول على الله بغير علم. ما الكبائر؟ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ.

يقول ابن القيم: رتبت الآية الكبائر بحسب عظمها وكبرها بدءا من الأصغر فالأكبر. وفهم منها رحمه الله أن القول على الله بغير علم أشد حرمة من الشرك بالله؛ يقول: لأن الشرك وقع فيه أربابه إلا من القول على الله بغير علم. قالوا: الله ثالث ثلاثة فأشركوا. قالوا: لله ولد فأشركوا. قالوا: الله عز وجل كذا فأشركوا. يقول: ما وقع الشرك في الشرك إلا من بوابة القول على الله بغير علم.

فعد القول على الله بغير علم أكبر الكبائر في الشريعة على الإطلاق؛ لأنه الكفر وأساسه، ولانه مدخله وبوابته الذي دخل منه أرباب الكفر على الكفر عياذا بالله. والمقصود يا كرام أن وقوف المجتهد وقوف الفقيه وطالب العلم أمام الدليل الشرعي لينتزع منه الحكم فيقول: هذا حلال وهذا حرام، هذه مرتبة شريفة. فعلم أصول الفقه هو الذي يصاحبه ويعده.

أريد فقط يا إخوة أن نتبين أننا أمام علم كبير عظيم، ندب علماؤنا الأبرار رحمة الله عليهم، نددوا أعمارهم وسخروا حياتهم في إرساء قواعد هذا العلم وتدوين مؤلفاته وتقريبه للناس، الناس كيف كيف يتفقهون في شريعة الله وكيف يستنبطون؟

فرق يا كرام، فرق كبير كما بين السماء والأرض بين أن تدرس المسائل وتتعلم الأحكام مباشرة، فتعرف ما الذي يجوز وما الذي لا يجوز وتنصرف، تعود من مجلس قضيت فيه ساعة أو نحوها وقد تعلمت مسألتين، ثلاثا، خمسا، عشرا، أكثر أو أقل، فتعود وأنت شاعر أنك تعلمت مسألة. فرق بين هذا وبين أن لا تتعلم المسألة ولا تصل إلى الحكم، لكنك تتعلم الآلة التي توصلك إلى الحكم، والطريقة التي تستنبط منها الحكم، والطريقة التي تسلكه لتكون ممن يأخذ الحكم مباشرة من الدليل أو يفهمنه من الدليل أو يتعامل معه تعامل العلماء المجتهدين، فرق كبير.

ومن ذلك أصبح هذا العلم أصبح العلم بعيداً عن أيدي كثير من طلبة العلم، أنهم لا يلتمسون فيه ثمرة قريبة، ولا يرون فيه ثمرة عاجلة، فيستبطئون ذلك ويستأخرون الطريق، فيلتمسون الطريق الأقرب، لكنه ولا شك الأكثر الأكثر تفويتا لما هم بحاجة إليه ما هو أعظم وأجل؛ لأنه يمكن أن تقول كالتالي: من حفظ فقها؟ من تعلم الفقه؟ يا أخي بل من حفظ كتابا من كتب الفقه؟ هب أن حفظ أكبر كتب الفقه؛ حفظ المغني لابن قدامة واستظهره وصار يقرأه كالفاتحة، ثم ماذا؟

هل تعده فقيها من فقهاء الأمة؟ هو أبدا، أمام أصغر نازلة من النوازل المعاصرة التي تمر بالناس اليوم في المسائل الطبية والعمليات الجراحية أو الاقتصادية المالية وما جد في حياة الناس والمسائل السياسية، هو واقف عاجز تماما؛ لأنه لم يملك من الأصول والآلة التي تعينه على تصور المسألة وتكييفها والحكم عليها.

فتبين لك أن الفقيه حقا هو من أتقن هذا العلم وحصله، ثم إذا هذا من المصائب والفروع تمكنت عنده الآلة، لكن طلب العلم بمعزل طلب الفقه بمعزل عن الأصول لا ينشئ فقيها، ينشئ ينشئ حافظ مسائل.

نعم ينشئ حافظ متون، ينشئ حافظ فقه، لكنه ليس الفقيه الذي يكون في الأمة ركناً شديداً تأوي إليه في النوازل والمستجدات المعاصرة، وليس هو الذي تحتاجه الأمة إذا ما اجتمعت واتفقت واجتمع فقهاؤها نناقش مسألة من النوازل ليعرفوا حكم الله تعالى فيها، ما الذي يفتون به الأمة للاتيان أو الترك، بالاقتراب أو بالابتعاد؟

فعادت المسألة إلى بيان أصل كبير، أن علماً في أصول الفقه يحتاجه الناس دليل وأدلة وأنت تعرف طريقة الاستنباط: ما الحكم؟ فينشئ عندك فقيهاً. إذا مارس هذا العلم وحصله واتقنه، ثم استمر تتابع في تنمية هذه الملكة واستخدامها، عاد فقيهاً فيما بعد، هو الذي تحتاجه الأمة في النوازل والمستجدات.

حتى تقف على طرف من أمثلة ذلك والأمثلة كثيرة، إن فقهاء الشريعة ناقشوا كثيراً من المسائل واختلفوا في كثير من الأحكام، وما اختلافهم إلا عائدة إلى هذا العلم بأصوله الكثيرة. يعني دعنا نضرب مثلاً عملياً لما يستعمله الناس اليوم في أشهر أكل لحم الإبل: هل ينقض الوضوء أو لا ينقضه؟

من لم يتفقه ويؤصل هذا العلم بأصوله، غاية ما يعلمه ما تعلمه في المدرسة، أو ما نشأ عليه في الأسرة، أو ما يتعامل به المجتمع، أو المذهب الفقهي السائد في البلد. فإن كان حنبلياً قالوا: أكل لحم الإبل ينقض الوضوء، فإذا أكله توضأ وصلى.

وإذا التقى درجة حفظ الحديث الوارد في هذا، وهو أنه لما سئل عليه الصلاة والسلام عن أكل لحم الإبل ينقض الوضوء؟ قال: نعم. فلما سئل عن الغنم قال: توضأوا إن شئتم. فقال: فرق عليه الصلاة والسلام بين الإبل والغنم فخيرة الغنم وأوجبت الإبل، فدل على أنه ينقض الوضوء. هذا وقف عنده.

وغير الحنابلة ممن تفقه في مذهب من المذاهب أو درس المسألة يقولون: لا ما ينقض، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر: كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار.

من درس هذا العلم واتقن القواعد، يأتي ويتأمل بطريقة مختلفة عما يقرر هكذا سطحياً وجرداً ومجرد استئناس ومعرفة للدليل. فسيقول: أمامي حديثان، أحدهما يقول فيه جابر رضي الله عنه والحديث الصحيح: كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار. يعني أي لحم طبق على النار فكان آخر الأمرين الذي حفظه الصحابة عنه صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء منه.

ولحوم الإبل داخل فيه أو غير داخل؟ لأن الصيغة عموم ترك الوضوء مما، وهذه إحدى صيغ العموم عند الأصوليين، أي من كل شيء مسته النار، ويدخل فيه لحم الإبل لأنه عام. فما الذي ساعمله مع الحديث الآخر الذي أوجب فيه صلى الله عليه وسلم الوضوء من لحم الإبل؟

فييكون الجواب أن الوضوء من لحم الإبل خاص، نص خاص ذكر فيه لحم الإبل فأمر بالوضوء منه، وحديث جابر في ظاهره المعارضة وأنه يعارضه، فتحمل العموم على الخصوص، وتقول: سنخصص العموم مما مست النار إلا لحم الإبل، مما مست النار إلا لحم الإبل. لم؟ لأن الإبل جاء فيه دليل خاص فاستثنيناه من ذلك كالعموم.

هذه الطريقة التي اختصرت فيها الكلام في جملتين هي أكثر من باب في الأصول، باب العموم لتعرف الصيغ والأدلة وماذا تدل عليه، وباب الخصوص وتعرف صيغه والموقف منه، ثم باب التعارض والجمع بين الأدلة وكيف تعمل بين نص عام وآخر خاص وما المخرج منهما، وأن تجمع بين الدليلين هو أولى عند أهل العلم من أن تأخذ بأحدهما وتترك الآخر.

فمن أخذ بحديث جابر ترك الوضوء مما مست النار كان بذلك تاركاً لحديث الأمر بنقض الوضوء من لحم الإبل أو بالتوضأ من أكل لحم الإبل. الجمع بينهما يقتضي أن تتوضأ من لحم الإبل وأن لا تتوضأ من لحم الغنم والدجاج والبقر وسائر ما مسته النار، وأنت بهكذا جمعت بين الدليلين.

هذا مثال يسير جداً لتقف على نمط من أنماط التعامل الذي يمارسه الأصولي في التعامل مع الدليل والنظر وهو يتفقه. هذا ولا شك يعطيك لذة وأنت تدرس مسائل العلم، ويعطيك حلاوة وتشعر أنك تجاوزت مرحلة استقاء الحكم من المفتي: يا شيخ ما حكم كذا جائز غير جائز والدليل كذا؟ أخذته وانصرفت، وشعرت أنك بذلك في عداد العوام ما فقهت، لكنك محتاج إلى حكم فسألت فافتيت فعملت.

لكن أن تعلو على ذلك درجة فتعرف مصدر الحكم ودليله والموقف، دليل معاذ هل درجة أعلى؟ أضرب لكم مثالاً آخر، مر جمهور العلماء بتحريم الرجوع في الهبة، إذا وهب الواهب هبة أو أهدى هدية حرم عليه الرجوع فيها، لقوله صلى الله عليه وسلم العائد في هبته كالعائد في قيئه، وفي اللفظ الآخر كالكلب يقي ثم يعود في قيئه.

هذا التشبيه القبيح الذي شبه فيه النبي صلى الله عليه وسلم العائد في هبته، أن تعطي إنساناً هدية عطراً أو قلماً ثم تعود وتطرد منه إرجاع ما وهبته إياه. قال عليه الصلاة والسلام: العائد في هبته كالعائد في قيئه. كمن تقيأ أكرمكم الله ثم أكل قيئه مرة أخرى. هذا التشبيه البشع القبيح الذي تنفر منه النفوس استدل منه العلماء على تحريم الرجوع في الهبة.

ودليل التحريم عندهم هذا التشبيه القبيح المنفر الذي شعر أن به صلى الله عليه وسلم ألا يقرب أحدنا مثل هذا الصنيع، بل شبهوه في اللفظ الآخر قال كالكلب يقيثم يعود في قيئه. فيما ذهب الشافعي رحمه الله فيما نقل عنه إلى أن الرجوع في الهبة غير محرم، وغاية ما فيه الكراهة، لكنه ليس محرماً.

ودليله يقول: أنا رأيت إلى الحديث ما حرم النبي صلى الله عليه وسلم الفعل إنما شبهه بالكلب، والتشبيه يقتضي مساواة المشبه به، أفيحرم على الكلب أن يأكل قيئه؟ لا ما يحرم، فكذلك من صنع مثله، غير أنه فعل دنيء تنفر منه النفوس وسيستقبح، فإذا فعله الإنسان ما حرم لكنه دناءة أخلاق وهو نوع من الانحطاط في التعامل لا يأباه كرام النفوس وأصحاب الشيم.

هذا المسلك الذي رأيته هو نموذج من عشرات ومئات النماذج في تراثنا الفقهي الضخم الذي كان يمارس فيه الفقهاء الفقه على حقيقته وأصوله، بالتعامل مع أوجه الاستنباط وطرق الدلالات. اقول هذا ميدان رحب كبير يتعلمه طالب العلم في هذه مدارس الأصول وكتب الأصول وعلم أصول الفقه.

فهو يتعلم كيف يتعامل مع الدليل، وكيف يتعامل إذا تعارضت أمامه الأدلة فيجمع بين الدليلين، وكيف يخلص من إشكال واجهه أمامه إلى سائر ما يتعامل معه من أدلة في مختلف المواقف المختلفة. جزء كبير من خلاف الفقهاء في المذاهب الأربعة وغيرها يعود إلى هذا الباب الكبير من أبواب دلالات الألفاظ وكيفية أحكام من الأدلة.

لان مسار الفقه عليه ومداره عليه ورياحه تدور عليه ومحوره يقوم عليه، الدليل ربما كان واحداً بين الفقهاء واختلفوا في الاستنباط، واختلفوا في الموقف من الدليل وتعاملوا معه بأكثر من طريقة، فقائل بالجواز وآخر بالمنع. من أين جاء هذا؟ جاء من هذا العلم الكبير طرق الاستنباط الذي يتعلمه الفقيه من أصول الفقه.

أعود فأقول هذا التمثيل اليسير الموجز وهذا المثال العجل اردت منه فقط أن نقف على أنموذج ومثال يكشف لنا عن دور مثل هذا العلم، وهو الأصول، في تنمية الملكة وفي النظر إلى ما يحتاج إليه الفقيه وهو يتعامل مع الأدلة. وقبل ذلك وكله أن يتصور ويتحقق من شرف المكانة التي تبوأها.

والله يا إخوة لو لم يكن لو لم يكن في علم كاصول الفقه شرف إلا أن أبلغ بصاحبها أن يكون من أ فهم الناس بمراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، فكفى به شرفاً. هذا العلم هو الذي يأخذ بيديه إلى فهم النصوص، وإلى تقليدها على كل الأوجه المرادة، ومعرفة الأحكام وطرقها.

لأن أهل هذا العلم أعني الأصوليين قد ابحروا في دلالات الألفاظ، فصاروا يتعاملون مع الأمر وعلى ماذا يدل. فالأمر إذا جاء عقب استئذان فما دلالته؟ وعقب أمر فما دلالته؟ وإذا عقب نهياً فما دلالته؟ وإذا جاء في غير ذلك فما دلالته؟ وهل يراد بالامر غير الطلب؟ ثم تجاوزوا هذا إلى السياق بجملته، الكلمة في الجملة والجملة في الصيام، بل إلى أبعد من هذا إلى.

الحرف في الكلمة وعلى ماذا يدل؟ هذا الإبحار العميق في دلالات النصوص الشرعية هو الحقيقة جزء من تعظيم علمائنا لنصوص الشريعة، التعظيم الذي يتعامل فيه مع النص بملء حواسه سمعاً وبصراً وذوقاً وحساً؛ إنه يتعامل مع كلام الحكيم الخبير، مع نص وصفه الله جل جلاله بأنه فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ أُحْكِمَتْ، مفصل ومحكم وخبير. تتعامل مع نص مقدس نزل من فوق سبع سماوات، كيف تتعامل معه؟

فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. اختلف الفقهاء في دلالة الباء في قوله: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ. هل الباء للإلصاق أو للتبعيض؟ وهل يكفي في مسح الرأس في الوضوء مسح بعضه أم لابد من مسحه كله؟

أرأيت إلى الدقة وإلى الجزئيَّات اليسيرة التي تبلغ بصاحبه دقة النظر إلى معنى الحرف والكلمة وأنه يوسعه بحثاً، وتفتح الصفحات في كتب الفقهاء يناقشون هذه الباء على ماذا يدل؟ من ناقش في دلالة حرف، فما ظنك بموقفه من دلالة الكلمة؟ ومن دلالة الجملة؟ لا شك أن علماً كالصول يندب طالب العلم فيه نفسه، والله يبلغ به مع الأيام مبلغاً عظيماً.

فيه امتلاك لشعور العظمة أمام النص الشرعي؛ ستتعامل مع نص ليس ككلام البشر، وإنك تحترمه وتقدسه وتهابه، ثم تقلبه على كل الأوجه. فيستنبطون من النص دلالة، دلالة مفهوم موافق ومخالف، أولى ومساوي. يا اخي ما جعلوا مدخلاً للنص إلا وتعاملوا معه، يستدلون به من كل الوجوه؛ من يمينه وعن شماله ومن فوق وتحت، وما يدل عليه صراحة وما يدل بالمضمون وما يدل بالمخالف، وماذا لو لم يذكر في النص وماذا كانت الدلالة؟ وإذا أشار أو أومأ إلى علة فما المقصود منها؟ وكيف نستفيد منها؟

كل ذلك هو في ثنايا العلم الكبير البحر المتلاطم أمواجه، علم أصول الفقه. ما اردت إلا أن نتصور طرفاً من سعة هذا العلم وجلالة قدره، لا زلت أقول لو لم يكن فيه من منزلة إلا أن يبلغ بصاحبه فهماً لمراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، والله لكفى به شرفاً أن تعيش بين الأنام، أن تمحي بينهم، وأن تتنقل بينهم عبداً تفهم عن الله مراده، وفهم مراد نبيه صلى الله عليه وسلم.

فأخبرني بالله من أشرف منك عند الله؟ ومن أعلى منزلة منك عند الله؟ ومن أقرب منك إلى الله وقد فهم المراد وعرف المقصود وعرف ما الذي يريده ربه منه وما الذي لا يريده؟ ثم وبعد ذلك يدل الناس ويعلمهم الأحكام ويفتيهم إذا سألوا، ويدلهم إذا احتاجوا إلى المعرفة. هذا شرف كبير ما يتبوأه إلا من رقى الله عز وجل بمرتبته من فقهاء الأمة وعلمائها.

أخيراً أحبتي الكرام، أختم بذكري هل المسلك الذي سنتبعه في لقاءاتنا المقبلة، وقد اه يعني ألقيت إضاءة ولمّاحة سريعة على تصور يعني مجمل هذا العلم ومعالمه. اللقاء المقبل بعون الله تعالى سنجعله في تفصيل جزئيات هذا العلم وتفصيل أحكامه بتصور أكثر شمولاً، يتناول فيه هذا العلم ومباحثه ومسائله مع ضرب المثال، ليس لتعلم المسائل والأبواب والقواعد لا، لكنه للتعريف.

لا زلنا في مرحلة التعريف بالعلم، التطرق إلى معرفة موقعه أيضاً بين العلوم الشرعية ومرتبته وما حاجة طالب العلم اليه؟ ما الذي سيفيده منه؟ سنتناول أيضاً في درسنا المقبل إن أحيانا الله تعالى وإياكم على خير وعافية، فنتناول المراحل التي نشأ بها علم الأصول وكيف ارتقى؟ فكيف كانوا الصحابة يعيشون هذا العلم؟ وكيف كانوا يطبقونه؟ ثم ما الذي حصل بعدهم؟ كيف أصبح علماً مستقلاً؟ كيف صنفت فيه الكتب؟ المراحل في عصرنا هذا، أين وقع علم الأصول بين علوم الشريعة؟ ما موقعه بين طلبة العلم؟ أي اهتمام يحظى به هذا العلم اليوم في أوساط طلاب العلم؟ هذا كله سيكون في لقائنا المقبل بإذن الله تعالى.

سأل كثير من الإخوة الحريصين عن الكتاب الذي سيدرس وعن الطريقة التي سنسلكها، وإيضاحاً لهذا علي أن أقول إن الأسابيع المقبلة الثلاثة أو الأربعة القادمة بعون الله فيما يحصل بيننا وبين الفصل الدراسي الأول الذي سيبتدأ على الأقل لطلاب الجامعة في العشرة الأيام الأخيرة من صفر تقريباً، نحن نتكلم على قرابة ثلاثة أسابيع، هذه إلى حين موعد الاختبارات سنجعلها لهذه المقدمات الممهدات على غرار لقاء الليلة، شيء من التعريف بالتفصيل مراحل هذا العلم طرق تحصيله منهجيته وآليته، بحيث لا نشرع في كتاب إلا وقد تكون عند أحدنا المدخل الكافي الذي يعينه على دراسة هذا العلم والخوض في مسائله مباشرة.

فيما بعد ذلك إن أحيانا الله وابتدأنا مع مطلع الفصل الدراسي الثاني ليكون الناس قد عادوا المسافر من سفره والمؤجج من إجازته وانتظمت الأمور وعاد الناس إلى رحالهم سالمين، نستأنف إن شاء الله تعالى درساً فالكتب التي وضعت لتدريس هذا العلم، لندخل مباشرة في مدارسة مسائله. والى ذلك الوقت سنمر من خلال اللقاءات المقبلة لنقرر كتاباً ملائماً لهذا، لكن الفكرة في الجملة متوجهة إلى أن نختار من بعض الكتب القصيرة في موضوعها المحدودة في حجمها الذي يسعنا الانتهاء منه في لقاءات محددة، فلعلنا نختار بعض المتون ونقول مسبقا قبل البدء في أننا سنبدأ في الكتاب الفلاني الذي سيحتاج منا إن شاء الله تعالى سبعة أسابيع لا أكثر، فنكون متفقين من البدء أننا سنبتدئ بكتاب نحتاج فيه خمسة لقاءات أو سبعة أو عشرة، ونكون فاهمين البداية أن هذا الكتاب سيقسم على عشرة مجالس، أولها اليوم وآخره بعد شهرين ونصف إن شاء الله.

فيتبين لأحدنا أن هذا الدرس محدود سينتهي، فإذا فرغنا شرعنا في شيء آخر على المنوال ذاته، أرجو أن يسر الله عز وجل وأتم علينا توفيقه وفضله ونعمته أن نكون خلال الفصل الثاني قد انهينا أكثر من كتاب على طريقة الدروس المتتابعة سلفاً حجم كل كتاب وعدد المجالس المخصصة له، فمن يسر الله له حضور جميعها فخير وبركة، ومن لم يسعه الوقت أو حالت بيني وبينهم ضيوف فقد حضر درساً وفاته الآخر، هو خير من أن يحضر جزءاً من درس ويفوته بعض، وخير من أن نستمر في كتبهم طوال آآ قبل الشهور والايام والسنوات ولا يتم الكتاب إلا بعد مجالس طويلة، فيحيى من حيا ويموت من مات، ويدرك البعض ما أدرك ويفوت ما فات، لكن هذا الإيجاز أراه أوفق، فمن يسر الله واستمرت المسائل على خير لعلنا نشرع في مسلك آخر بطرق تعاطي هذا العلم فيه تبويب غير الذي درج عليه الأصوليون في الكتب والتصنيف.

اللقاءات المقبلة إن شاء الله سنستأنفها بعد صلاة العشاء، سيستغرق اللقاء ساعة أجتهد لا أجاوزها من السابعة والنصف إذا انتهت الصلاة إلى الثامنة والنصف إن شاء الله، نخصص بعدها نصف ساعة لأسئلة إن وجد وللنقاش إذا كان هناك شيء من ذلك، بحيث نحتهي بعون الله تعالى التاسعة أو قبيلها كما هو الحال الليلة، يعود أحدنا إلى منزله يدرك عشاءه وأسرته من غير ضغط ولا شيء يلوم به نفسه على جلوس مجلس كهذا ثرثر فيه الأستاذ كثيراً وما فهم إلا قليلاً. أسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد.

يسأل يقول وكتاب السيرة الذي هو في درس الخميس هذا أيضاً سيستأنف إن شاء الله مع مطلع الفصل الثاني، وسنستغرق الأسابيع المقبلة في مقدمات حول أهمية سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام ومعالمها وأهميتها في حياة المسلم وكيف يتعاطاها وآثار ذلك وثماره. أسأل الله لي ولكم علماً نافعاً وعملاً صالحاً يقربنا إليه، والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.