الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، ملء السماوات وملء الأرض وما بينهما وملء ما شاء ربنا من شيء بعد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله وصفيه وخليله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله بيته وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد أيها الإخوة الكرام، فهذا هو ثاني المجالس في هذا الدرس الذي افتتح في الأسبوع المنصرم، وموضوعه تدارس علم أصول الفقه، والمجلس السابق قد اشتمل على مقدمة فيها الحديث عن فضل العلم جملة، ومرتبة علم الأصول من علوم الشريعة ومكانتها، وشيء ما عن التصور العام لحدود هذا العلم وأبْعاده وماهيته وأثره أيضاً في اختلاف الفقهاء.
ولا يزال حديثنا موصولاً في هذه المقدمات التي اتفقنا أن تستمر في مداخلة وتمهيد حتى منتهى هذا الفصل الدراسي، ثم نستأنف بعده كتاباً نتفق عليه ليكون محل درس ونقرر فيما بعده إن شاء الله، فاستكمالاً لحديثنا الليلة بما سبق، نحن نتحدث عن نشأة هذا العلم وتاريخه وكيف كان هذا علماً قائماً بحد ذاته، وهذا يستدعي إلى أن نذكر بآخر ما مضى في الجلسة السابقة، وهو الحديث عن محوري علم أصول الفقه وأساسيه، وهما الحديث عن الأدلة الشرعية والدلالات.
فهذان هما صلب علم أصول الفقه وهما المحوران الكبيران الرئيسان لعلم الأصول، الحديث عن الأدلة الشرعية بمعنى البحث عن الدليل الذي هو مصدر للتشريع، وهنا تنقسم الأدلة عند أرباب الأصول إلى أدلة متفق عليها وأدلة مختلف فيها، فالمتفق عليها الكتاب والسنة والإجماع والقياس، والمختلف فيها ما عدا ذلك، ويدخل فيه جملة من الأدلة كقول الصحابي وشرع من قبلنا وسد الذرائع والمصالح المرسلة ونحو ذلك من عداد الأدلة المختلف فيها.
هذا هو المحور الأول من محوري علم الأصول، أما المحور الثاني فهو كيفية الاستنباط من الدليل وكيفية استنباط الحكم وكيفية الاستفادة من الدليل وقواعد الاستنباط وطرق الاستدلال والالفاظ الوارده في نصوص الكتاب والسنة، فهذان المحوران الكبيران تدور عليهما مسائل علم الأصول، ثم يأتي في ختام مباحث علم الأصول ما يعنون له الأصوليون بقولهم الاجتهاد والتقليد أو الاستفتاء والإفتاء والمفتي، فهذه التتمات والتبعات وليست من صلب علم الأصول، لكنها أُدرجت باعتبار أن المشتغل بعلم الأصول هو المجتهد، وهو وظيفته الاشتغال بالأدلة والنظر فيها، فجعل تتمة الحديث عن الاجتهاد والتقليد ومسائل الإفتاء والاستفتاء وصفة المفتي وما إلى ذلك، وليست من صلب علم الأصول، لكنها لما كانت تتعلق بالمجتهد استدعى ذلك حديثهم عن صفاته وشروطه والمسائل المتعلقة به.
نشرع الليلة بعون الله أيها الإخوة الكرام في الحديث عن نشأة هذا العلم وكيفية تحوله من ملكة كان يتعامل بها الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين إلى أن أصبح علماً مسوراً في الكتب، مدوناً في المؤلفات، يدرس في الحلق ويتلقى عن أهل العلم، فأول ذلك حفظكم الله الحديث عن هذا العلم كسائر العلوم الشرعية زمن الصحابة في عصر النبوة، لما كان الصحابة يعيشون صدر الإسلام والوحي ينزل والنبي صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم يتلقون عنه الشريعة والعقيدة والآداب والأخلاق والأحكام وسائر أبواب الإسلام والديانة.
فكانوا يتلقون هذا الدين منه مباشرة عليه الصلاة والسلام ولم يكن بينه وبينهم واسطة، فكانوا يأخذون الدين غضاً طرياً وكانوا في ذلك كله منضبطين بجملة من القواعد، ثم استحالت تلك فيما بعد إلى علوم واستحالت إلى مصنفات وأخرجت في شكل مدونات ومؤلفات يتلقاها أهل العلم ويحرصون على تحصيلها، الشان في ذلك كله شان الفقه، هل ترى كتاباً من كتب الفقه كان مدوناً زمن الصحابة أو كانوا يتعاطونه في مجالس كهذه أو حلقات يحضرون فيها ليطلبوا مسائل الطهارة والصلاة والصيام والزكاة؟ الجواب لا، لكنه كان علماً مبثوثاً في كل خطوة من خطواته مع رسول الله عليه الصلاه والسلام، يسافرون معه فيعرض لهم مسألة في الصلاة وأخرى في الطهارة وثالثة في الصيام ورابعة وخامسة وعاشرة، حجوا معه صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فعرض له من المسائل في كل أبواب الشريعة تقريبا بلا استثناء، وهم في ذلك كله يتلقون أحكام الدين وينقلونها للأجيال اللاحقة بعدهم.
قل مثل ذلك في علم التفسير وهو معرفة دلالة الآيات القرآنية ومراد كلام الله عز وجل في كتابه العظيم، ما كان أيضاً درساً يحصل ولا حلقة يحضرها الصحابة ليتلقوا فيها أصول التفسير أو قواعده ولا حتى تفسير الآيات، لكن الوحي ينزل والقوم عرب فيفهمون دلالة الآية فإن أشكال عليهم سألوا وربما ابتهم النبي صلى الله عليه وسلم بسؤال وربما جاء الوحي مبيناً معنى آية أو فسر عليه الصلاة والسلام الدلالة من آية ما، وهكذا فكانت حصيلة علمهم بالتفسير هي المجالس المتتابعة هي صحبتهم لرسول الله عليه الصلاة والسلام جملة وتفصيلا في سفره وحضره في حربه وسلمه.
هكذا القول أيها الكرام في شان علم أصول الفقه، كان علماً مبثوثاً يحصله الصحابة رضي الله عنهم، وكانوا في كل شؤونهم وأحوالهم ودخولهم وخروجهم وقيامهم وقعودهم مع النبي عليه الصلاه والسلام كانوا يحصلون ذلك العلم كله خطوة بخطوة، غير أنه يمكن أن تقول إن علم الأصول لما كان علما يحصله الناس من خلال الاستناد والرجوع إلى قواعد تضبط طريقة الفهم والاستنباط وتضبط طريقة أخذ الحكم من الدليل وكيفية التعامل مع النص ربما ما كان هذا بشكل واضح، لكنه أيضاً موجود، أريد القول أريد القول إن الصحابة رضي الله عنهم في تعاملهم مع مسائل هذا العلم الذي ندرسه في الكتب وفي المتون والذي دونه أهل العلم كان حاضراً في حياة الصحابة رضي الله عنهم، وكان موجوداً بينهم رضي الله عنهم أجمعين على مستويين اثنين.
الأول كان شيئاً يتلقونه من رسول الله عليه الصلاة والسلام يدلهم فيه على شيء من مسائل هذا العلم الذي بوب له العلماء فيما بعد، كان يلقنهم كان يضرب لهم مثالاً كان يعلمهم عليه الصلاة والسلام كيف يتعاملون مع أدلة الأحكام أو مع قواعد الاستنباط، والضرب الثاني أو المستوى الثاني الذي كان الصحابة يعيشون فيه علم الأصول زمن حياتهم مع النبي عليه الصلاة والسلام في عصر التشريع فهي المحاولات التي كانوا يجتهدون فيها في فهم النص، فمنهم مصيب ومنهم مخطئ والنبي عليه الصلاة والسلام يقود ذلك كله يصوب ويخطئ ويبين لهم الراجح والمرجوح ويدلهم على الطريق المسلوك، فكانوا في ذلك أيضاً يمارسون ما نسميه بعلم الأصول.
قبل أن أضرب الأمثلة على هذا المقام يجب أن نقول أيضاً حتى تتضح الصورة بتمامها، الحديث عن علم الأصول كما قلت يشتمل على محورين وركن أثنين أدلة ودلالات، الأدلة الحديث فيها عن مصادر اخذ الأحكام، هل يمكن أن تقول إن الصحابة رضي الله عنهم زمن النبي عليه الصلاة والسلام ما كانوا يحتاجون إلى البحث والنظر والعمل في مجالات الأدلة الشرعية؟ يمكن أن تقول إلى حد كبير، لأن الأدلة ما كانت في عصرهم أربعة، ما كان إلا كتاب وسنة.
أين الإجماع؟ لا محل له زمن النبوة، لما؟ لأن الإجماع إنما محله انعقاد الاتفاق بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، أما أن تقول إن الإجماع أفاق الناس والنبي عليه الصلاة والسلام حاضر وهو موجود بين أظهرهم والوحي ينزل ثم أنت تبحث عن شيء يجمع عليه الناس والوحي ينزل أبداً، الإجماع إنما محله بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، سقط دليل إذا من الأدلة زمن الصحابة.
فأين القياس؟ هل كانوا يقيسون أو هل كان القياس دليلاً والوحي ينزل؟ الجواب أيضاً لا، كيف تستخدم القياس والوحي ينزل؟ يعني غاية ما يمكن أن يعجز عنه أحدهم أو يستفسر إذا أشكال عليه أمراً من يذهب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام أو يسأله وربما بادر فقام بأمر ما ثم يأتي فيسأل النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا أيضاً أمثلته كثيرة، نأخذ لها مثالين اثنين.
الأول فعل الصحابي الذي فهم من قول الله عز وجل وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ، فاتخذ عقالين أحدهما أسود والآخر أبيض فجعلهما تحت وسادته، فكان إذا أمسى في ليلة من ليالي رمضان ينتظر الصبح حتى يتبين له لون الأبيض من الأسود.
فيعتبر هذا انتهاء لجواز الطعام والشراب، لأن الله قال: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ. فكان اجتهادا منه رضي الله عنه، فلما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بين له عدم صحة طريقته في الفهم، وأنه ليس المراد الخيط الحسي أن تأتي بخيط أبيض وآخر أسود وتجعلهما بجوار بعض، فإذا تبين أحدهما لونا عن الآخر اعتبرت هذا منتهى الليل، إنما المراد طلوع الفجر.
فق فقال له مداعبا عليه الصلاة والسلام: إن وسادك إذا لعريض، يعني إذا كانت وسادتك تحتمل أن تجعل تحتها عقالين واحد أسود وواحد أبيض إذا وسادتك عريضة، نوع من المداعبة فيها الإشارة إلى عدم صحة الطريقة في الاستنباط. هذا مثال كان الصحابة رضي الله عنهم أحيانا كما قلت لك يمارسون شيئا من محاولة الفهم للنص أو ومحاولة التطبيق للدليل، فيعلم النبي عليه الصلاة والسلام بذلك فيصوب.
وأما ما عداه فالإجماع ليس محله زمن التنزيل، ولا القياس كذلك. فإن قال قائل وقد قاس الصحابة أو قاس بعض الصحابه زمن النبي عليه الصلاة والسلام؟ فالجواب أن القياس وإن وقع منهم فإنهم يعرضونه على رسول الله عليه الصلاة والسلام، ما أقره وما وافقه فهو المقبول وما رفضه فهو مرفوض، فلم تعد الحجة في القياس لأنه قياس بل في موافقة النبي عليه الصلاة والسلام، وموافقته إقرار، والاقرار حجة لأنه لون من ألوان السنة.
نعود فنقول: إذا كانت الأدلة في زمنهم دليلان التي يأخذون منها الأحكام، إما كتاب وإما سنة، وأحدهم إذا اشكل عليه شيء سأل هذه الأدلة، فهل يمكن أن تقول إن الصحابة رضي الله عنهم ما كانوا يجتهدون ولا كان لهم محاولة، وأنهم كانوا عالة على رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكلما وجدوا شيئا أو يحتاج إلى حكم أَتَوْهُ فاستفسروا أو بعثوا من يسأل؟
الجواب: لا، ليس كذلك، لأنهم كانوا أيضا يجتهدون، فيبقى المحور الآخر وهو الدلالات، طريقة الاستنباط من النص، التعامل مع الألفاظ الشرعية في الأدلة من كتاب وسنة، ما موقف الصحابة؟ هل كانوا يتعاملون معها وفق قواعد منضبطة؟ الجواب: نعم، هي ملكات. لاحظ معي أن الصحابة قوم عرب والقران نزل بلغتهم، وآيات القرآن تِشير بوضوح لاعتبار جانب اللسان العربي في التعامل مع الأدلة: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ.
فالقوم عرب والقران عربي، فكان ينزل باللغة التي يستعملون، فإذا نزل الوحي وفهموا النص عملوا به، فهموه طبقوه استنبطوا الحكم نفذوه، فكانوا ما يحتاجون إلى شيء من العنت في فهم النص أو التعلم لقواعد في جزء من هذا كان ملكة، إذا بحكم سليقتهم العربية الفصيحة التي ما كانوا يحتاجون فيها إلى ما يقعد لهم طرق الاستنباط، فكانت هذه بطبيعة اللغه التي يمتلكون، وهم ارباب الفصاحه وقمه اللسان فيها، فكانوا لا يجدون عنتا في هذا.
ومع ذلك كانت هناك أمور النبي عليه الصلاة والسلام كان يدله فيها على بعض طرق الاستنباط ودلالات الألفاظ، فكانت جزءا منها ملكة، أقصد الآن علم الأصول في حياة الصحابة جزء منه ملكة، لأنه لسان عربي ودلالات الألفاظ عام وخاص وأمر ونهي ومطلق ومقيد، كل هذا يعود إلى قواعد العرب في استعمالها ولغتها، والصحابة رضي الله عنهم أصحاب هذه اللغة.
وجزء منه من علم الأصول الذي كان موجودا لدى الصحابة رضي الله عنهم هو شيء من الممارسة العملية وتلقين النبي صلى الله عليه وسلم لهم إياها وتصحيح وتصويب وتخطئة وبيان ما يصح وما لا يصح، فتكتمل معك الجزان اكتمل معك الجانبان اللذان يقومان وجود علم الأصول في حياة الصحابة رضي الله عنهم، إذا ثبت أنهم كانوا يتعاملون وستاتيك الأمثله عما قريب، وأنهم كانوا يطبقون عددا من القواعد التي جعلها العلماء فيما بعد على شكل مسائل في علم الأصول يوببون لها ويشرحون ويضربون لها الأمثلة.
ما مدى قولي بعضهم يعني نحن نقول الصحابة في زمن التنزيل والوحي ينزل القرآن ينزل والنبي عليه الصلاة والسلام بينهم، هل كانوا مع ذلك في غير حاجة إلى الاجتهاد؟ ما كان بهم حاجة يعني قارن بين هذا وبين المقولة السائده المشهورة الاجتهاد مع النص؟ هل صحيح أن الصحابة بحكم توفر النص الحاضر بين أيديهم بنوعيه الكتاب والسنة، النبي عليه الصلاة والسلام حي والقران ينزل، هل كانوا لا يجتهدون لأنه اجتهاد مع النص؟
بعض الناس يفهم من قولنا لا اجتهاد مع النص أنه يعني أنت تبقى مكتف اليدين، وطالما النص موجود وحاضر فإذا لا دور لك ولا حاجة إلى عقلك ولا اجتهادك ولا فكرك. قولهم اجتهاد مع النص هو لون خاص من الاجتهاد، ويريدون به القياس. الاجتهاد مع النص يعني لست بحاجة أن تبحث عن دليل والنص موجود، لكن مع وجود النص فنحن بحاجة إلى اجتهاد، أي اجتهاد؟ اجتهاد لفهم النص، اجتهاد لاستنباط الحكم من النص.
وهذا ما كان واقعا في حياة الصحابة، كانوا يجتهدون في فهم النصوص وربما تفاوتوا في فهم النص الواحد، تفاوت فهمهم واستنباطهم وتعاملهم لاختلاف أنظارهم وموقفهم من النص. الآن سنضرب أمثلة لواقع تطبيق الصحابة رضي الله عنهم لشيء من هذه الاستنباطات والقواعد التي كانوا يمارسون بها تطبيق فهمهم رضي الله عنهم لتلك النصوص الشرعية.
لما نزل قول الله سبحانه وتعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ. شق على الصحابة، ووجه المشقة فيه ما يمكن أن تعبر عنه باللغة الأصولية المعاصرة كالتالي: الآيتان فيهما صيغة عموم في قوله: من، يعني أي انسان يعمل، وفيه أيضا صيغة عموم أخرى في قوله: مثقال ذرة، مثقال ذرة، والذرة أصغر ما يعبر عنه في الجرم المحسوس في لغة العرب.
فأي انسان يعمل أي شيء قليل صغير جدا مثقال الذرة من الخير يجده ومن الشر كذلك، ومثقال ذرة جاءت في سياق الشرط فهي تفيد العموم أيضا. هذه الآن قواعد أصولية معاصرة يعنون لها هكذا ويعبر عنها هكذا فكانت حاضرة عندهم. شق ذلك عليهم لأنهم فهموا هذا الفهم، أن الآية فيها صيغة عموم في جنس المكلفين: من يعمل، وفيها عموم في جنس العمل أيا كان صغيرا أو كبيرا وأن الجزاء مترتب عليه.
ولذلك شق عليهم، شق عليهم لأنهم رضي الله عنهم مع بالغ تقاهم وعظيم صلاحهم وقوة إيمانهم إلا أنهم كانوا يهضمون أنفسهم في جنب الله ويحتقرون في ذات الله أعمالهم، كان يأخذ نفسه مأخذ الجد والعزم بأعلى الرتب ويرى نفسه مقصرا، فخافوا على أنفسهم وهم من يصدق فيهم قول الله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ.
شق ذلك عليهم، فلما عرضوا ما شق عليهم على النبي عليه الصلاة والسلام فرحوا بنزول آية أخرى تخفف عنهم ذلك الحرج والمشقة التي خافوا منها خوفا شديدا، وهي ختام سورة البقرة: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ، رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا إلى آخر الآية.
فوجدوا في الآية متسعا لأن الله تجاوز عن الخطا وتجاوز عن النسيان، وأن الله غفر وعفى ولم يؤاخذ، واستجاب لهم دعاءهم: رَبَّنَا وَلَا تُحْمِلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا، قال الله: قد فعلت، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم، فخفف ذلك عليهم.
فهل ترى مثل هذا الفهم وتعاملهم وكلامهم مع النبي عليه الصلاة والسلام إلا تطبيقا عمليا لجمله من قواعد الأصول اليوم الأصوليون يعنون لها ويضربون لها أمثلة؟
هذا مثال. مثال آخر أيضا في ذات السياق فيما يتعلق بفهم لنصوص القرآن، لما نزل قوله تعالى: فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ. أيضا شق ذلك عليهم، الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون. فقالوا: يا رسول الله، وأينا لم يظلم نفسه؟
قبل أن تقرأ سؤالهم، حاول أن تقف على الفهم الذي فهموه من الآية، فوجهوا من خلاله السؤال. هم فهموا كالتالي: الذين آمنوا بصيغة العموم في اسم الموصول كل من دخل في الايمان ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، والظلم ها هنا نكرة ووقع في سياق النفي فأفاد العموم.
إيمانهم أي صورة من صور الظلم، قليلا كان أو كثيرا، عظيما كان أو حقيرا، هذا القيد الذي خصص به الذين آمنوا هذا قيد الآن؛ إذا: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن. لو كانت الآية: الذين آمنوا أولئك لهم الأمن، لطار بها فرحا لانها تشمل كل مؤمن. فلما جاء القيد وخصص ذلك العموم، الذين آمنوا، وقيده بصنف من اهل الإيمان وهو من اتصف بوصف ها: ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، كان الوصف هذا أولا مضيقا لدائرة العموم من جهة، وممثلا على وصف دقيق حساس من جهة أخرى، وهو انتفاء التباس بالظلم في أي صورة من صوره، قليلا كان أو كثيرا.
فخشي الصحابه رضي الله عنهم ألا يدخلوا في الآية، فاذا ما دخلوا في الآية خسروا ما فيها: الأمن المرتب عليها، والهدايه التي وصف الله بها أصحابها. فشق ذلك عليهم، قالوا: يا رسول الله، وأينا لم يظلم نفسه؟ فرأيت كيف فهموا؟ هذا هو الذي يقال باللغة الأصولية هو تطبيق عملي. لا زلت أقول القوم عرب ويفهمون اللغة أكثر مما نتعلمه نحن بالقواعد وبالأساليب وبالدراسة.
والسلام مجيبا لهم: ليس ذلك. يعني ليس المراد ما فهمتم من عموم الظلم بكل صوره، وأنه يشترط في من يريد تحصيل الأمان المذكور في الآية ألا يكون قد واقع شيئا من الظلم مفهومه العام الواسع الذي فهموه. ثم صرفهم إلى نص آخر فسر فيه الظلم، وهو قول لقمان لابنه: يَبُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. فمعنى الآية: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بشرك؛ لان الظلم هو الشرك. ففسر لهم الظلم الوارد في النص بالظلم الوارد في آية أخرى، ففسر لهم قرآنا بقران، وأزال عنهم الإشكال، وزاح عنهم الغم الذي اعتراهم من خشية ما فهموا من النص بعمومه.
إذا فهمهم في البدايه قبل الجواب كان سديدا أو خطا؟ كان صوابا، ما خطاهم عليه الصلاه والسلام، لكنه بين لهم أن المراد بالظلم ليس العموم الذي تبادر إلى أذهانهم، لكنه جنس من الظلم. وأنه حمل الظلم لا على مفهومه العام بل على جنس منه، على نوع منه، وهو الظلم الذي يظلم فيه العبد نفسه بالشرك مع الله سبحانه وتعالى. وهذا الظلم الذي هو الشرك يقابل الإيمان الواردة في الآية: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، أي بشرك. فجعل الظلم الواردة في الآية في مقابل الإيمان، والذي يقابل الإيمان هو الشرك، وليس المراد الاعتداء على الحقوق أو أكل أموال الناس بالباطل أو الاعتداء على أعراض الناس أو أموالهم أو دماشهم، كل ذلك ظلم، لكن الآية كما فسرها النبي عليه الصلاه والسلام يراد بها الشرك.
إذا هذا تطبيق عملي. والصحابه رضي الله عنهم فهموا نصا، ثم انظر كيف جاء فعرضوا إشكالهم وعرضوا على النبي عليه الصلاه والسلام ما فهموا، وصوب لهم الفهم، وأبان لهم المحمل الصحيح في النص. ما هذا؟ هذا تطبيق عملي. إذا هل درس الصحابه اصول الفقه؟ هل تعلموه؟ الجواب: لا. كان سليقة، كان ملكة، كان شيئا يتعاملون كما لو سأل مبتدئ في طالب في في في علم النحو، طالب علم فقال: هل كان الصحابه يعرفون النحو وهل كانوا يقيمون الإعراب إقامة سليمة لا ينحنون؟ الجواب: نعم، لانهم عرب اقحاح فصحاء، فكانوا إذا تكلموا تكلموا بلا تكلف، وكان أحدهم يقيم اللغة. فما كان علما يتعلم، لكنه كان شيئا يعيشونه. فالصحابي أصحاب لغة، ثم اكتسبوا مع ذلك معاصرته للوحي ومعايشته للنبي عليه الصلاه والسلام. فماذا يعني هذا؟ يعني هذا مزيدا من الفهم في النصوص الشرعية والتعامل مع كلام الله وكلام رسوله عليه الصلاه والسلام. فكما رايت قد يفهمون شيئا فيصوبون فيه.
الغاية من الأمثله أيضا على ذلك في فهمهم رضي الله عنهم حديث عائشه رضي الله عنها كما في الصحيح، لما سمعت قول النبي صلى الله عليه وسلم: من نوقش الحساب عذب. قالت عائشه رضي الله عنها: يا رسول الله، أوليس قد قال الله تعالى: فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا؟ قال: ليس ذلك، انما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب يهلك.
تعال معي إلى فهم عائشه رضي الله عنها لما سمعته صلى الله عليه وسلم يقول: من نوقش الحساب عذب. فهمت عموما يشمل كل من يتعرض للحساب يوم القيامة انه صاحب عذاب، كل من يتعرض للحساب يوم القيامة فهو معذب. من نوقش الحساب عذب، صيغة العم كما يقولون باللغة الأصولية المعاصرة من اسم مبهم يفيد العموم، فأفادت ترتب الجزاء بمناقشة الحساب، ترتب عليه الجزاء في الشرط، فعل الشرط من نوقش، والجواب عذب. فيترتب الجواب في الشرط على كل من اتصف بمناقشة الحساب. فهمت هذا العموم، فاستشعرت معارضته لنص آخر في كتاب الله: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا. فحصل عندها إشكال، فأدركت رضي الله عنها أن صنفا من الحساب في كتاب الله موصوف بأنه يسير، والحساب اليسير هل يسمى عذابا؟ فهذا منشا الاشكال عندها رضي الله عنها.
إذا هذا فهم، وهذا فهم في درجة راقية من درجات الفهم عند الأصوليين وهو الجمع بين النصوص ومقابلة نص بنص آخر يبدو في ظاهره التعارض. ولا يقوى العالم ولا الفقيه ولا المجتهد الوصول إلى هذه الدرجة إلا إذا استجمع النصوص وتصفحها واحتواها وقلبها ثم عرف كيف ينزل كل نص منزلته. إذا استشكال عائشه رضي الله عنها ليس قلة فهم، بل قوة في الفهم وبلوغ للدرجة العالية فيه. ثم استشكلت هذا فعرضت إشكالها على النبي عليه الصلاه والسلام قائلة: يا رسول الله، أوليس قد قال الله تعالى: فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا؟
طبعا هي ما تكلمت ولا شرحت وجه الإشكال لانها فاهمة والنبي عليه الصلاه والسلام يفهم وجه الإشكال، فاختصرت في هاتين الجملتين في سماعها للحديث وفي قراءتها للآية، اختصرت وجه الفهم وطريقة الاستنباط ووجه المعارضة والإشكال، وفهم النبي عليه الصلاه والسلام الإشكال الوارد عندها. فالخلاصة أن كل من نوقش الحساب يعذب، مع ورود نص آخر يقول إن صنفا من أهل الحساب يوم القيامة حسابهم يسير، فكيف تعمل بالحساب اليسير مع العموم الوارد في قوله: من نوقش الحساب عذب؟
فأجاب عليه الصلاه والسلام بقوله: إنما ذلك العرض. يعني الآية التي قراتها أفادت العرض، الذي هو عرض العباد على عرض الأعمال على العباد يوم القيامة، عرض الصحائف. فمجرد العرض أن تعرض عليك صحيفتك وترى ما فيها من غير نقاش، أن تعرض عليك صحيفتك وترى ما فيها ثم يعفو الله عنك ويأذن لك بالانصراف إلى الجنة، فهذا هو الحساب اليسير. قال: إنما ذلك العرض، أن يكرمنا الله عز وجل فيكون حسابنا يوم القيامة مقتصرا على عرض العمل دون المناقشة. يعني دون أن يسالك الله يا عبدي فعلت كذا وأحصيت عليك كذا واقترفت كذا ووقعت كذا وصنعت كذا، إذا عفيت من هذا النقاش واقتصر أمرك على عرض العمل، فهذا هو الحساب اليسير نسال الله تعالى أن نكون من أهله.
أما النقاش، يعني من دخل دائرة النقاش وجاء السؤال عنه، فذاك العذاب كما قال عليه الصلاه والسلام: من نوقش الحساب عذب. ثم أكد لها ذلك بقوله: إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب يهلك. ليش يهلك؟ لما يهلك؟ لانه لا حجة، خلاص لا عذر اليوم، الكلام على وقائع اقترفها العبد ثم هي مثبتة في صحيفته، أنه لم يمحوها باستغفار ولا توبة، أنه لم يكفرها بعمل صالح. إذا لقي الله في صحيفته قبائل وذنوب ومعاصي لا عذر له فيها، ولو كان له عذر لمحت لتجاوز الله عنها، فمناط الهلاك كما قال النبي عليه الصلاه والسلام.
خذ مثالا آخر من لون آخر في تطبيق هذه الأمثله في تطبيق القواعد في الفهم والاستنباط مع النبي عليه الصلاه والسلام بين يدي الصحابة رضي الله عنهم. جاء أعرابي يحمل هما إلى النبي عليه الصلاه والسلام، يشكو أن امرأته ولدت له غلاما أسود، فاستشر ذلك وتعاظم الأمر في نفسه، والأمر منطو في طياته على شيء من التهمه، أنه أبيض وزوجته بيضاء فكيف أتاه الولد الأسود؟ فهو متضمن لشيء من التهمه التي ما باح بها الرجل ولا صرح، لكنه اقتصر على قوله: يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلاما
أَسْوَدُ، نُقْطَةُ انْتَهَتِ الْجُمْلَةُ وَالْكُلُّ يَفْهَمُ، وَالصَّحَابَةُ فَهِمُوا، وَالنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَهِمَ، فَأَرَادَ أَنْ يُجِيبَهُ بِمَسْأَلَةٍ بَسِيطَةٍ جِدّاً وَسَهْلَةٍ وَوَاضِحَةٍ، أَنَّ اخْتِلَافَ الْأَلْوَانِ فِي الْأَنْسَابِ وَارِدٌ، وَأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ اخْتِلَافُ لَوْنِ أَحَدِ الْأَوْلَادِ فِي الْأُسْرَةِ بِسَبَبِ وُجُودِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي السُّلَالَةِ فِي الْأَجْدَادِ قَرِيباً كَانُوا أَوْ بَعِيداً.
وَأَنَّ هَذَا ثَابِتٌ وَالنَّاسُ مُتَعَارَفٌ عَلَى هَذَا وَيَفْهَمُونَ وَيَجِدُونَ هَذَا، لَكِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَتَقَبَّلُ وَبَعْضُهُمْ لَا يَقَبْلُ، خُصُوصاً إِذَا كَانَ الْجَدُّ الَّذِي يَحْمِلُ هَذَا اللَّوْنَ جَدّاً بَعِيداً مَا أَدْرَكَتْهُ الْأَجْيَالُ، يَعْنِي لَا جِيلُ الْأَبْنَاءِ وَلَا الْآبَاءُ، فَرُبَّمَا كَانَ هَذَا خَفِيّاً، فَاسْتَشْهَدُوا ذَلِكَ وَاسْتَبْشَرُوا.
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَاماً أَسْوَدَ. كَانَ بِالِاخْتِصَارِ أَنْ يَقُولَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَهُ: رُبَّمَا نَزَعَهُ عِرْقٌ، وَكَانَ هَذَا كَافِياً فِي الْجَوَابِ، لَكِنَّهُ عَمِلَهُ بِطَرِيقَةٍ أُخْرَى لِيَكُونَ أَدْعَى لِفَهْمِهِ. قَالَ لَهُ مُحَاوِراً: هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ: حُمْرٌ، وَالْحُمْرُ عِنْدَ الْعَرَبِ هُوَ الْبَيَاضُ الشَّدِيدُ، يَعْنِي إِبِلُهُ بِيضٌ. قَالَ: هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ هَلْ فِيهَا فِي إِبِلِكَ هَلْ فِيهَا جَمَلٌ فِيهِ سَوَادٌ مُخْتَلِفُ اللَّوْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَأَنَّى أَتَاهُ ذَلِكَ؟ مِنْ أَيْنَ جَاءَ هَذَا الْجَمَلُ الْأَسْوَدُ مِنْ بَيْنِ هَذَا الْقَطِيعِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِلَّا الْجِمَالُ الْبِيضُ؟ قَالَ: لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ.
فَفَهِمَ الرَّجُلُ أَنَّ هَذَا فِي الطَّبْعِ مَرْكُوزٌ وَالنَّاسُ تُدْرِكُ هَذَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَهَذَا أَيْضاً لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ. هَذِهِ الطَّرِيقَةُ فِي الِاسْتِدْلَالِ مُشَابَهَةُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ وَإِعْطَاؤُهُ حُكْمَهُ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْوَصْفِ هُوَ الْقِيَاسُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ، هُوَ الْقِيَاسُ، الْقِيَاسُ أَنْ تُسَوِّيَ بَيْنَ أَصْلٍ وَفَرْعٍ فِي حُكْمٍ لِوَصْفٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا.
سَوَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالْإِبِلِ فِي إِعْطَائِهِ حُكْمَ جَوَازِ اخْتِلَافِ اللَّوْنِ مِنْ بَابِ لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ، وَالْوَصْفُ الْمُشْتَرَكُ كَوْنُ هَذَا وَارِداً فِي السُّلَالَاتِ فِي الْكَائِنَاتِ الْحَيَّةِ انْتِقَالَ الصِّفَاتِ الْوِرَاثِيَّةِ كَمَا يَقُولُ أَرْبَابُ الطِّبِّ وَعِلْمِ الْأَحْيَاءِ؛ صِفَاتٌ سَائِدَةٌ وَصِفَاتٌ مُتَنَحِّيَةٌ قَدْ تَكُونُ الصِّفَةُ غَائِبَةً فَتَحْضُرُ فِي جِيلٍ وَتَغِيبُ فِي أَجْيَالٍ، لَكِنَّهَا تَكُونُ مَوْجُودَةً بِمَعْنَى أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عِنْدَ جِيلِ الْأَبْنَاءِ وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ، فَرُبَّمَا يَأْتِي فِي جِيلِ الْأَحْفَادِ وَأَحْفَادِ الْأَحْفَادِ فَتَظْهَرُ هَذِهِ الصِّفَةُ، لَيْسَ لِأَنَّهَا جَاءَتْ مِنْ فَرَاغٍ بَلْ هِيَ مَحْمُولَةٌ فِي الْجِينَاتِ كَمَا يَقُولُونَ، هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهَا.
لِكَوْنِ سُلَالَاتِ الْكَائِنَاتِ الْحَيَّةِ فِي الْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ تَحْمِلُ الْوَصْفَ ذَاتَهُ فِي طَرِيقَةِ التَّلْقِيحِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَانْتِقَالِ الصِّفَاتِ وَتَكْوِينِ النُّطْفَةِ إِلَى آخِرِهِ، هَذَا هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ فَسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ. هَذِهِ الطَّرِيقَةُ يُمْكِنُ أَنْ تَقُولَ: كَانَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُخَاطِبُ الرَّجُلَ عَلَى قَدْرِ عَقْلِهِ وَفَهْمِهِ فِيمَا يَعِيشُ فِي بَادِيَتِهِ مِنْ تَرْبِيَةِ الْإِبِلِ، وَضَرَبَ لَهُ مِثَالاً قَرِيباً يَكُونُ أَدْعَى لِإِزَالَةِ الشَّكِّ الَّذِي عَلِقَ فِي قَلْبِهِ فَجَاءَ يَشْتَكِي.
وَيُمْكِنُ أَيْضاً أَنْ تَقُولَ: هُوَ كَانَ أَيْضاً تَقْرِيراً شَرْعِيّاً لِمَبْدَأٍ مِنْ مَبَادِئِ التَّعَامُلِ مَعَ النُّصُوصِ، وَهُوَ إِعْمَالُ الْعَقْلِ فِي إِعْطَاءِ الْأَحْكَامِ، فِي إِعْطَاءِ الْأَشْيَاءِ الْمُسْتَوِيَةِ فِي أَوْصَافِهَا أَحْكَاماً مُتَّفِقَةً، هَذَا الَّذِي قَرَّرَهُ الْأُصُولِيُّونَ، ثُمَّ شَرَعُوا الْحَدِيثَ عَنْ بَابِ الْقِيَاسِ، وَإِذَا جَاءَ الْأُصُولِيُّونَ يَتَكَلَّمُونَ فِي الْقِيَاسِ وَيَضْرِبُونَ لَهُ أَمْثِلَةً.
يَسْتَدِلُّونَ بِوُقُوعِ الْقِيَاسِ زَمَنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَلْ مِنْهُ مُبَاشَرَةً عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَيَقُولُونَ: هَذَا تَطْبِيقٌ عَمَلِيٌّ لِلْقِيَاسِ، تَمَاماً لَمَّا قَالَ لَهُمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهُوَ يُعَدِّدُ لَهُمْ أَبْوَابَ الْخَيْرِ وَالْأَجْرِ: وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ.
كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ فِي الْجَوَابِ: نَعَمْ. لَمَّا قَالُوا: أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ كَانَ الْجَوَابُ الْكَافِي نَعَمْ، لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ وَالْمُجِيبَ هُوَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَأَنْتَ تَتَلَقَّى وَحْياً، لَكِنَّ ماذا تَفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ أَرَأَيْتُمْ؟ وَيَأْخُذُ الْجَوَابَ نَعَمْ ثُمَّ يَقُولُ لَهُمْ فَكَذَلِكَ، أَلَيْسَ هَذَا تَلْقِيناً؟ أَلَيْسَ هَذَا تَعْلِيماً؟ أَلَيْسَ هَذَا تَوَسُّعَةً لِمَدَارِ الِاسْتِنْبَاطِ تَرَبَّى عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ فَتَكَوَّنَتِ الْمَلَكَةُ؟ فَجُزْءٌ مِنَ الْمَلَكَةِ كَانَ لُغَةً سَلِيقَةً عِنْدَهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِهَا وَيَفْهَمُ بِهَا النُّصُوصَ، وَالْجُزْءُ الْآخَرُ كَانَ تَنْمِيَةً.
كَمْ مَوْقِفٍ حَكَيْنَاهُ الْآنَ وَالنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُطَبِّقُ مَعَهُمْ وَيَتَكَلَّمُ مَعَهُمْ وَيُجِيبُهُمْ ثُمَّ يَعْمَلُ لَهُمْ هَذِهِ الْأَمْثِلَةَ وَتَكُونُ عِنْدَهُمْ شَوَاهِدَ حَيَّةً؟ أَلَا تَنْتَظِرُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَتَكَوَّنَ لَدَى الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَُّ عَنْهُمْ فِي أَفْهَامِ وَفِي تَعَامُلِهِمْ وَاسْتِنْبَاطِهِمْ قَدْرٌ كَبِيرٌ مِنَ الْفَهْمِ وَالْإِدْرَاكِ الْعَمِيقِ لِلنُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ؟ الْجَوَابُ بَلَى، وَلِهَذَا كَانُوا أَفْقَهَ الْأُمَّةِ كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَانُوا أَفْقَهَ الْأُمَّةِ وَأَعْمَقَهَا عِلْماً وَأَبَرَّهَا قُلُوباً، إِلَى آخِرِ مَا وَصَفَهُمْ بِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
مِثَالٌ أَخِيرٌ فِي عَقِبِ غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ لَمَّا اتَّجَهَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِحِصَارِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَجَّهَ الصَّحَابَةَ وَقَدْ عَادُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ فِي الْمَدِينَةِ وَاسْتَنْفَرَ لِلْخُرُوجِ إِلَى حُصُونِ بَنِي قُرَيْظَةَ قَائِلاً: لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ. وَالْحَدِيثُ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ رِوَايَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ الظُّهْرَ ظُهْرٌ أَوْ عَصْرٌ.
الشَّاهِدُ هُنَا نَهْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُمْ أَلَّا يُصَلُّوا الْفَرْضَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَبَيْنَمَا كَانُوا فِي الطَّرِيقِ أَدْرَكَتْهُمُ الصَّلَاةُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَم يُرِدْ مِنَّا تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ فَنُصَلِّي هَاهُنَا أَدْرَكَتْهُمْ فِي الطَّرِيقِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ لَا نُصَلِّي حَتَّى نَبْلُغَ بَنِي قُرَيْظَةَ. فِي رَأْيِكُمْ، أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ؟ يَعْنِي هَلْ كَانَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ كَانَ يُرِيدُ فَقَطِ الِاسْتِعْجَالَ وَالتَّحَرُّكَ الْفَوْرِيَّ الْمُبَاشِرَ وَلَمْ يُرِدْ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ وَالْحِفَاظَ عَلَى وَقْتِهَا أَمْرٌ لَا يَتَغَيَّرُ وَلَا يَخْتَلِفُ وَأَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي التَّحَرُّكِ، أَوْ أَرَادَ حَقِيقَةَ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ وَلَوْ أَدْرَكَتْهُمْ حَتَّى يُصَلُّوا بَنِي قُرَيْظَةَ التَّأْخِيرَ الَّذِي لَا يُخْرِجُ عَنِ الْوَقْتِ طَبْعاً؟
التَّأْخِيرُ الَّذِي لَا يُخْرِجُهَا عَنْ وَقْتِهَا، هَلْ أَرَادَ الِاسْتِعْجَالَ فَقَطْ مَعَ بَقَاءِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا أَثْنَاءَ الطَّرِيقِ، أَوْ أَرَادَ حَقِيقَةَ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ إِلَى إِدْرَاكِ بَنِي قُرَيْظَةَ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَمْراً مَقْصُوداً عِنْدَهُ؟ الصَّحَابَةُ انْقَسَمُوا طَائِفَتَيْنِ؛ طَائِفَةٌ فَهِمَتْ هَكَذَا، وَطَائِفَةٌ فَهِمَتْ هَكَذَا. فِي رَأْيِكُمْ، أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَصْوَبُ وَأَقْرَبُ؟
الْأُولَى الَّذِي هُوَ أَنَّهُ أَرَادَ الِاسْتِعْجَالَ وَلَمْ يُرِدْ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ؟ هَا الْأُولَى، طَيِّبٌ، فِي أَحَدٌ يُرَشِّحُ الثَّانِيَةَ؟ الثَّانِيَةُ، وَحْدَكَ، اثْنَانِ، ثَلَاثَةٌ، أَرْبَعَةٌ. طَيِّبٌ، تَصَاحَبُوا تَصَاحُبًا وَكُونُوا كَالصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
لَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرُهُمْ وَلَاحِظْ لَاحِظْ هَذَا الِاجْتِهَادَ لَمَّا وَقَعَ مِنْهُمْ وَوَقَعَ وَانْقَضَى اجْتَهَدُوا. فَطَائِفَةٌ لَاحِظْ أَنَّهُمْ يَتَعَامَلُونَ مَعَ نَصٍّ وَاحِدٍ وَاجْتَهَدُوا فَاخْتَلَفَ اجْتَهَادُهُمْ فِي فَهْمِ النَّصِّ الْوَاحِدِ. فَلَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ وَقَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ سُؤَالِي هُوَ: كَيْفَ بَلَغَهُ؟ جَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: أَصْحَابُكَ فَعَلُوا كَذَا وَكَذَا، أَوْ هُمُ الصَّحَابَةُ ذَهَبُوا وَتَكَلَّمُوا.
طَيِّبٌ، لِمَاذَا ذَهَبُوا وَتَكَلَّمُوا؟ يَعْنِي حَاوِلْ أَنْ تَقْرَأَ مَا وَرَاءَ النَّصِّ، لِمَاذَا ذَهَبُوا وَتَكَلَّمُوا وَحَكَوْا لَهُ مَا حَصَلَ مِنْ خِلَافٍ بَيْنَهُمْ؟ كَانَ رَغْبَةً فِي التَّعَلُّمِ هُمُ، الْأَمْرُ انْقَضَى، صَلَّى مَنْ صَلَّى فِي الطَّرِيقِ وَصَلَّى مَنْ صَلَّى لَمَّا وَصَلَ، لَكِنْ أَرَادُوا أَنْ يَتَعَلَّمُوا مُسْتَقْبَلًا كَيْفَ يَصْنَعُونَ إِذَا وَاجَهَهُمْ مِثْلُ هَذَا النَّصِّ، أَلَيْسَ هَذَا دَرْساً فِي الْأُصُولِ يَتَعَلَّمُونَهُ: كَيْفَ نَفَهْمُ قَوْلَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَطَائِفَةٌ فَعَلْتُ كَذَا وَطَائِفَةٌ، احْكُمْ بَيْنَنَا وَانْظُرْ مَنِ الصَّوَابُ.
مَا أَرَادُوا بِالْمَحَاكَمَةِ أَنَّهُ يَحْكُمُ عَلَى بَعْضٍ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ، فَالْجَمِيعُ صَلَّى فِي الْوَقْتِ وَلَنْ يُعِيدَ أَحَدٌ، لَكِنْ أَرَادُوا التَّعَلُّمَ وَكَيْفَ يَكُونُ أَحَدُهُمْ أَقْرَبَ إِلَى مُمَارَسَةِ الْمَنْطِقِ الصَّحِيحِ وَالْمَنْهَجِ الصَّحِيحِ لَوْ تَكَرَّرَتِ الْوَاقِعَةُ فَيَكُونُ عِنْدَهُمْ مُسْتَنَدٌ. فَلَمْ يُخْطِئْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَداً وَلَمْ يُعَنِّفْ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ عَلَى حِسَابِ أُخْرَى، يَعْنِي صَوَّبَ الْفَرِيقَيْنِ.
صَوَّبَ الْفَرِيقَيْنِ: مَنِ اعْتَمَرَ مَنِ اعْتَمَدَ عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ: لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ، هَذَا نَهْيٌ صَرِيحٌ حَتَّى لَوْ أَدْرَكَتْكَ فِي الطَّرِيقِ لَا تُصَلِّ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ. طَيِّبٌ، الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ عَلَى مَاذَا اعْتَمَدُوا؟ يَعْنِي هَذَا وَاضِحٌ، اعْتَمَدُوا عَلَى صَرِيحِ اللَّفْظِ. الثَّانِي عَلَى مَاذَا اعْتَمَدُوا؟ هَا لَمَّا لَمَّا قَالُوا بَلْ نُصَلِّي، قَالُوا لَا يَعْنِي نُصَلِّي فِي الطَّرِيقِ خَالَفُوا هَكَذَا الْأَمْرَ صَرَاحَةً خَالَفُوا النَّصَّ؟ لَا، هُمْ نَظَرُوا إِلَى الْمَعْنَى.
هم لم يهملوا اللفظ، قالوا: اللفظ هذا يراد به معنى أهم من ظاهر اللفظ. المعنى الأهم ما هو؟ المبادرة والاستعجال والفورية والتحرك نحو بني قريظة، وهذا قد وقع، تحركنا لكن أدركتنا الصلاة. إذاً، طائفة غلبت جانب اللفظ والوقوف عند ظاهره ودلالته، وطائفة غلبت النظر إلى جانب المعنى والحكمة المقصودة من اللفظ، وهذان مسلكان يحتاجهما الفقيه، لا أن يقتصر على ظاهر اللفظ المجرد فحسب، ولا أن يقتصر على الإيغال في المعنى الذي ربما يُعْب بسببه ظاهر اللفظ. فمن جميل تعليق كلام ابن القيم رحمه الله لما ساق هذا الحديث، فذكر أن الطائفتين من الصحابة اجتهدت واختلفا في استنباط الحكم وفي التعامل مع النص، وكل منهما سلك مسلكاً، قال رحمه الله: فهؤلاء سلف أرباب الظواهر، وهؤلاء سلف أرباب المعالم. يعني أرباب الظواهر أصحاب المذهب الظاهر الذين قد يجمدون أحياناً على ظاهر اللفظ دون النظر إلى معناه ولا علته ولا حكمه، يقول: فهؤلاء سلف أرباب الظاهر، يعني لهم في الصحابة سلف، ومن ينظر إلى المعنى والتعليل ويتعمق فيه ثم يقوى عنده المعنى ليكون أقوى من ظاهر اللفظ في سياق مقبول طبعاً، يقول: فهؤلاء سلف أرباب المعاني. والنبي عليه الصلاة والسلام كما ترى صوب الطائفتين، فمن ثم كان المسلكان مقبولين عند الفقهاء، الذي هو الأخذ بظاهر اللفظ متى قوي ولم يقوى المعنى على تجاوزه أو تخطيه، أو ربما كان النظر إلى المعنى هو الأقوى من خلال جمع النصوص الواردة، وأن تكون العلة أو المقصد أعظم في المراعاة واعتبار الحكم بنائه عليه.
المقصود بذلك يا كرام أمثلة متعددة لم يتسع المقام، وقد انتهى وقتنا المخصص، لن يتسع لعرض ما كان الصحابة يعيشونه من تطبيق عملي، أردت فقط إثبات قضية مهمة وهي أن تطبيق الأصول علماً، ذي قواعد، علماً ذا قواعد وطرق استنباط ودلالات وفهم، كان موجوداً في حياة الصحابة زمن النبي عليه الصلاة والسلام. وكان موجوداً لأن جزءاً منه كان سليقة باللسان العربي الذي يمتلكونه، وجزءاً منه كان تربية من النبي عليه الصلاة والسلام يلقنهم فيها مبادئ الاستنباط، ويصرفهم فيها مآخذ أخذ الحكم من الدليل، فاجتمع هذا إلى هذا، فتكون القدر الكبير من الفهم والملكة التي أهلت الصحابة رضي الله عنهم أن يكونوا بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام فقهاء بالمصطلح الكامل، بمعنى أنهم يقوون على استنباط الأحكام للمسائل التي لم يكن لها ذكر لا في القرآن ولا في السنة. وأنهم قدروا منذ اليوم الأول من وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، قدروا على أن يتخذوا المواقف الصحيحة ويستنبطوا الأحكام الصحيحة، وأن يكونوا مجتهدين تمام الاجتهاد. أقول منذ اليوم الأول، فما مات النبي عليه الصلاة والسلام إلا وقد اجتمعوا يتناقشون في مسألة الاستخلاف، ثم انتهى أمرهم إلى أبي بكر، أترى هذا إلا اجتهاداً؟ ثم أخروا دفنه عليه الصلاة والسلام، ثم ابتدأ أبو بكر رضي الله عنه بتنفيذ المهام، أنفذ جيش أسامة واختلف الصحابه ينفذ أو ما ينفذ، فكانوا على رأيين، وكل رأي أبدى مأخذه في الاجتهاد، ثم صاروا إلى إنفاذه رغم ما بلغوا من ارتداد الناس في الجزيرة عن الإسلام وامتناعهم عن أداء الزكاة، فرأوا في بعث جيش أسامة قوة للإسلام وظهوراً له، إلى آخر ما هنالك: حرب المرتدين، جمع مصحف، مسائل هي نوازل، كل ذلك حصل في غضون سنتين في خلافة أبي بكر رضي الله عنه. قضايا كبرى في الأمة، لكنها وجدت في أوساط الصحابة عقولاً فقيهة غاية الفقه، تمتلك من آلة الاستنباط وقوة النظر في الدليل والجمع بين الأدلة والوصول إلى الحكم الشرعي الصحيح كل ما تحتاجه الأمة آنذاك.
إذاً، وجود النبي عليه الصلاة والسلام بين أظهرهم والوحي ينزل ما جعلهم عالة يتكففون الأحكام الشرعية ولا ينتظرون نزول الوحي في كل نازلة، لكنهم كانت تنمى عندهم ملكة الاستنباط والفهم، فعاشوا مع النبي عليه الصلاة والسلام زمناً تقوت عندهم الآلة، ومع ذلك فبعضهم أفقه من بعض، وبعضهم أعلم بالشريعه والحلال والحرام من بعض، وبعضهم أدق في قوة النظر والاستنباط من بعض. لما يقول عليه الصلاة والسلام: وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل. ويقول عليه الصلاة والسلام: يُقدم، يقدم العلماء يوم القيامة، يتقدمهم معاذ برِتْوَة، فهو إمام العلماء في الحشر يوم القيامة. هذه شهاده له بفقه عظيم وأمامه ومعرفه بالحلال والحرام. في السياق ذاته، يأتي بعض الصحابه الكبار في الفقه أمثال ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، ويبلغون القمة في الاستنباط والتعامل مع المسائل النوازل، فكانوا بذلك يعملون كل شيء. القصة العجيبة في ابن مسعود لما استُفتي وهو في الكوفة عن امرأة مات عنها زوجها قبل أن يفرض لها صداقاً ولم يدخل بها، فما لها وما عليها؟ فاستشر الأمر، تصفح آيات القرآن والأحاديث التي يعرفها من السنة، فإذا فيها إما امرأة مطلقة قبل الدخول، أو امرأة مطلقة بعد الدخول، أو امرأة ميت عنها زوجها بعد الدخول، لكن ما في هذا الوصف المجمع: تزوجها، لم يدخل بها، لم يحدد الله مهرا ثم مات، فلا دخول ولا تسمية مهر ولا هو طلاق هو موت. لو تصفحت آيات البقرة وآيات الأحزاب: وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُوهُنَّ، إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، وآية الوفاة، وفاه تتحدث عما بعد الدخول.
فاستشر الأمر رضي الله عنه، وبقي ثلاثة أيام ينظر في المسألة ويقلب النظر فيها، فلما طال عليهم الأمر جاؤوه، فألحوا عليه في الجواب، فاجتهد رضي الله عنه فقال: أرى أن لها مهر نسائها، لا وكس ولا شطط، ولها الميراث وعليها العدة. فقضى بثلاثة أشياء: مهر المثل، وأنها تعتد، وأن لها الميراث. فجمع من الأحكام ما اجتهد فيه، وراه أليق بوصفها من الجمع بين النصوص المذكورة في شأن النساء مطلقات وأرامل ومدخول بها وغير مدخول بها. فما أتم جملته حتى قام أحد الحضور فقال: أشهد أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في بروع بنت واشق بمثل ما قضيت. والله غاية في العجب أن يبلغ بشر باجتهاده وفقهه ونظره المجرد أن يطابق حكماً شرعياً منصوصاً بالوحي، حكم النبي عليه الصلاة والسلام. ابن مسعود ما أطل على الحديث ولا يدري عنه، قاله اجتهاداً. فتعجب، أي فقه هذا؟ وأي اجتهاد بشري يملك من التوفيق والسداد أن يصيب حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتجاوزه مقدار شعرة؟ فيذكر أن ابن مسعود فرح بذلك فرحاً عظيماً، بل يذكر عنه في المبالغة يقول: إنه ما فرح بعد فرحه بالإسلام بمثل هذا الموقف، لأنه يدل على إمامة عظيمة، وأن يبلغ بفقه مرتبة النص الشرعي المنصوص، هذا غاية في في الاجتهاد والتوفيق.
أريد أن أقول إن الصحابة متفاوُتون في الفقه وفي الفتيا والاستنباط، ومع ذلك فكانوا مدرسة عظيمة تخرجوا فيها من رحاب النبوة على يدي رسول الله عليه الصلاة والسلام، يتعلمون القرآن والسنة ويستنبطون منهما، ويسددهم عليه الصلاة والسلام في كل ذلك، حتى تكونت لهم آلة الاجتهاد الكاملة. والحديث في الجلسة المقبلة إن شاء الله هو تتابع لما وقفنا عنده الليله، وهو ماذا بعد هذه المرحلة من اجتهاد الصحابة زمن النبوة، وكيف كانوا بعد ذلك، ثم كيف انتقل هذا العلم الموروث في الصدور إلى التابعين فمن بعدهم، ثم كيف استحال ذلك مصنفات؟ والله تعالى أعلم.
يقول في قصة بني قريظة: لم يرجح أحد الرايين؟ الجواب لا، صوب، صوب الفريقين. ولو رجح إحدى الطائفتين لكان قفلاً للمسلك الآخر، وهذا من، يعني يعني محل عناية وانتباه، لو صوب إحدى الطائفتين لكان حكماً على الأخرى بالخطأ، ولو حكم على إحداهما بالخطأ لكان قفلاً لأحد المسلكين العظيمين في الفقه؛ أما التعامل مع ظاهر اللفظ، أو الاعتبار بالمعاني والعلل، وهلم جرا بالسوية تماماً. أم، ما يرجح أحدهما على الآخر إن كنت تسأل عن الواقعة نفسها في قصة بني قريظة، انتهى، وصلوا يا حبيبي، ما عاد في فائدة ترجح الآن أو ما ترجح. إن كنت تقصد الأصل: أي القاعدتين هي أقرب إلى الصواب؟ هو الاعتبار بظاهر اللفظ أم الاعتبار بالمعنى والعله الأجمل عليها اللفظ؟ فهذا متسع وبحر لا ساحل له، فنص عن النص الآخر يختلف، والحكم المستنبط من أحد النصوص يختلف عن الآخر تماماً، فربما كان أحد النصوص فيه من قوه اللفظ وصراحته.
والقرائن المجتمعة فيه التي لا تجعل لك متسعاً لتجاوز ظاهر اللفظ، وربما كان في بعض النصوص من المعنى يشتمل عليه اللفظ والحكمة والمقصد الكبير العظيم الذي يحملك على أن تتجاوز قدراً من اللفظ مراعاة لمعنى أعظم ومقصد أكبر، فالمسألة غير مطردة.
وففتح هذا الباب على يد رسول الله عليه الصلاة والسلام هو الذي فتح باب التأمل والاستنباط. الفقهاء يقول: أعد تعريف القياس، أنا ما عرفته حتى أعيده، يأتي في درسه إن شاء الله، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ حسن بخاري