تسجيل الدخول

الدرس الخامس (ما بعد رسالة الشافعي)

حسن بخاريالشيخ حسن بخاري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء ربنا من شيء بعد. أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آل بيته وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد، أيها الإخوة المباركون؛ فكان حديثنا في المجلس المنصرم ونحن نتحدث عن مراحل مسيرة علم الأصول في الأمة، ابتداءً من الحديث عن تكوين هذا العلم في ملكة الصحابة رضوان الله عليهم، وتعهد النبي صلى الله عليه واله وسلم لهذا العلم الذي استقر في ملكاتهم، وتعهده عليه الصلاة والسلام له بالنماء والتنقيح والتنمية والتربية في مواقف وشواهد مضى تعدادها.

ثم آل الأمر إلى تكون هذا الجيل من الصحابة رضي الله عنهم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم على قدر كبير من المكنة والدراية والالمام بهذا العلم الجليل، الذي كان يقودهم إلى فقه الاستنباط والتعامل مع الأدلة واستخراج الأحكام الملائمة للنوازل التي كانت تبر بالأمة آنذاك. فكان من اعظم توفيق الله جل جلاله لأولئك الفئة المؤمنة من الصحابة رضوان الله عليهم أن هيأهم الله عز وجل للأخذ بركاب الأمة وسفينه المجتمع نحو صراط الله المستقيم.

واستمر الأمر كذلك فيما بعد جيل الصحابة رضي الله عنهم حين استقرت بهم المقامات في مدن الإسلام بمكة والمدينة في الحجاز، أو في الكوفة والبصره بالعراق، أو بالشام، أو بعدد من أقطار الإسلام في مصر واليمن ونحوها. فاستقر المقام بعدد من الصحابة الفقهاء رضي الله عنهم في تلك المدن والاقاليم والاقطار، فأخذ عنهم تلاميذهم وطلابهم وأبنائهم.

وتناقل هذا العلم الذي استقر في صدورهم رواية ومجالسة وصحبه وطول ملازمة. انتقل هذا العلم الشريف الجليل مع العلوم الشرعية التي كانت تنقل آنذاك كما هو الشأن في رواية الحديث وقراءة القرآن وسائر العلوم الشرعية.

ثم استقر بنا الحديث في الدرس الماضي الأخير عند رسالة الإام الشافعي رحمه الله تعالى رحمة واسعة باعتباره اللبنة الأولى في بناء التأليف في علم أصول الفقه. وكان منعطفاً تاريخياً في مسيرة علم أصول الفقه في تاريخ أمة الإسلام أن انتقل هذا العلم من كونه ملكة، ومن كونه أسلوباً يمارس ومنهجاً يتبناه الفقيه عقلاً وفكراً وتاملات استنباط، أن يتحول من هذا المسار إلى مسار فيه تصنيف في كتب وإخراج لتلك القواعد والمناهج على صيغة عبارات وقواعد تقرا وتدرس وتدون وتصنف.

فكان صنيع الإمام الشافعي رحمه الله تعالى صنيعاً يأخذ بعلم الأصول نحو مسار التأليف، ومن هنا بدأت مسائل علم الأصول تأخذ طريقها في التصنيف المعتبر وتدوين الكتب كما هو في علوم الإسلام الأخرى. ومن بعد الشافعي لك أن تقول إن علم الأصول قد اخذ منحى جديداً يسير فيه باتجاه نمو التأليف في كل العلوم، كما حصل أيضاً في علم أصول الفقه.

فبعد الشافعي رحمه الله نحن أمام مرحلة أخرى لعلم الأصول أخذت تنمو باتجاه تأليف الكتب والرسائل، واتجاهات الأصوليين والفقهاء وتحديد مناهجهم ومذاهبهم في هذا السبيل. لقاء الليلة يتكلم عما بعد الرسالة للشافعي؛ كيف أضحى علم الأصول علماً ذا مصنفات ومؤلفات مستقلة، تاخذ مسارها الزمني والمنهجي والعلمي، وكثير من الأبعاد الآخر تأخذ مسارها في هذا الطريق، حتى أصبحنا اليوم أمام ثروة علمية كبيرة ومكتبة أصولية ضخمة متنوعة المراجع والمصادر مختلفة المذاهب والاتجاهات. هذه الثروة الكبيرة جاءت نتاج تسلسل زمني تاريخي مع نضج علمي يتناقله علماء الأمة والمتخصصون في هذا الباب أصولاً وفقهاً جيلاً بعد جيل.

الحديث عما بعد رسالة الشافعي يوقفنا أمام نقاط ثلاثة أو أربعة أرجو أن يتسع لها مجلس الليلة إن شاء الله تعالى. وأول ذلك هو الحديث عن المرحلة التي تلت تأليف الإمام الشافعي رحمه الله تعالى لكتابه العظيم الرسالة. وقد كان الحديث فيه شيء من الاستفاضة في المجلس المنصرم عن الشافعي رحمه الله تعالى في شخصه وعقليته ونمائه وتكوينه، وعن رسالته التي ضمنها جملاً وصولاً كباراً من علم الأصول واستعرضنا شيئاً من نماذج أسلوبه وكلامه رحمه الله.

الشافعي رحمه الله في ذلك الزمن أنت تتحدث عن القرن الثاني الهجري ووفاة الشافعي رحمه الله على رأس المئة الثالثة في 204 يقودك إلى الحديث عن هذا العلم في القرن الثالث كيف هو. والمصنفات في ذلك الزمن في القرن الثالث لا تعدو أن تكون رسائل موجزة مختصرة، وعادة ما تحمل عنواناً واحداً أو باباً واحداً أو مسألة من مسائل الأصول.

يمكن القول كالتالي: إن القرن الثالث الذي بدأ إبراز مسائل الأصول فيه على شكل كتابة في رسالة الشافعي، حمل أهل العلم على التتابع في التأليف والتدوين والكتابة في قضايا الأصول، لكنها لم تكن على هيئة كتاب تجمع فيه مسائل علم الأصول بقدر ما كانت تأليفاً في مسائل جزئية. فتجد رسالة مثلاً في حجية خبر الواحد، وأخرى في الاجماع، وثالثة في القياس، ورابعة وخامسة وسادسة. فما كانت المدونات والمصنفات آنذاك تحمل الشمول الأصولي في التأليف ولا تحمل الابواب المتنوعة، كانت أشبه برسائل. وهذا النوع من الصنيع العلمي ملائم تماماً للمرحلة التي يمر بها التأليف؛ أنت في بداية التدوين والتصنيف.

ولهذا قلنا إن من أجل مزايا رسالة الشافعي أن مع اعتباره اللبنة الأولى والبنية التي صنف فيها العلم، إلا أنه أخذ منحى الشمول والتوسع على غير العادة في تدوين العلوم، فكانت هذه إحدى جوانب التميز وبداعة رسالة الشافعي رحمه الله.

أُلفت هذه الرسائل على شكل مختصرات ومسائل جزئية، وفي الغالب ارتبط التدوين في هذه الرسائل الجزئية والقضايا الأصولية الفرعية، ارتبط بتبني منهج أو الرد على منهج. يعني من يتامل في عناوين الرسائل في القرن الثالث الهجري التي تتناول القضايا الأصولية مثل الاحتجاج بخبر الواحد، أو حجية الإجماع، أو الاحتجاج بالقياس، كانت تنطلق من تأسيس منهج أو الرد على منهج.

كانت تلك المرحلة مرحلة معروفة بظهور الفرق المنتسبة للإسلام ونمائها، وكتابة علمائها التصنيف فيه للانتصار للمذهب، كالأشاعرة والجهمية وكثير من الفرق التي تنتسب للإسلام. فكان التصنيف في هذه الرسائل والقضايا الجزئية نوعاً من الانتصار لمنهج أو الرد على منهج. فمن ألف من أهل السنة في رسائل بعنوان خبر الواحد، كان المقصود فيه بالدرجة الأولى الرد على المعتزلة القائلين بعدم الاحتجاج به لأنه ظني، ولا يصبح الاحتجاج بالمصادر والأدلة الظنية في قضايا تحتاج إلى قطع ويقين.

ومن ألف في القياس، إما أن يكون من أصحاب المذهب الظاهري الذين لا يروا حجيته فيفرض رسالة في عدم الاحتجاج بالقياس واعتباره دليلاً باطلاً واتباعاً للهوى وإجلاء على الشريعة وتمرداً عليها وفرضاً للدين بالاهواء، أو أن يكون المصنف من الجمهور من المذاهب الأربعة وغيرهم ويقصد به الرد على مذهب الظاهرية في عدم الاحتجاج بالقياس.

المقصود أن الرسائل في هذا القرن كانت محدودة وجزئية وأخذت هذه السمات في الغالب. استمر الوضع كذلك حتى حل القرن الرابع الهجري، القرن الرابع بعد الثلاثمائة، وهنا بدأت تاخذ هذه المصنفات التأليف المتكامل. ظهرت أولى المحاولات أو بعض المحاولات التي صنف فيها علم الأصول على شكل كتاب متكامل يجمع أبواب الأصول المتتابعة، فظهر كتاب الفصول للإمام أبي بكر الجصاص الرازي الحنفي المتوفى سنة 370 للهجرة. وكانت قبله وبعده محاولات متعددة بهذا الاتجاه تأليف متكامل، إذاً أنت في القرن الرابع تجاوزت القرن الثالث لتقف أمام مصنفات أصولية متكاملة إلى حد كبير تجمع أبواب الأصول. هذا السمت أضحى سمة لمدونات في علم الأصول في القرن الرابع الهجري.

هذا العنصر هو الذي يمكن أن يكون يعني أن يكون عنوانه هو نشأة علم الأصول أو بدايات التأليف فيه ما بين القرن الثالث والرابع الهجري على هذا النحو.

أما النقطة التالية فهو الحديث عن ما بعد هذه المرحلة، وهما القرنان الخامس والسادس الهجريين، والحديث فيهما حديث عن الطور الذهبي أو المرحلة الذهبيه للتدوين في علم الأصول، التي صنفت فيها أمهات كتب علم الأصول ومراجعه الكبار وأصوله المعتمده في هذا الفن عند ارباب الفقه والاصول. القرن الخامس والسادس الهجريان شهدا أنضاج مسائل علم الأصول والتدوين المتكامل فيه الذي يشمل أبواب الأصول بابا بابا.

وترتيباً منهجياً، وإخراج كتب تتناول علم الأصول من أوله إلى آخره، فشملت محاولات متعددة، وحسبك أن الكتب الأربعة التي تعد أركان علم أصول الفقه عند المتخصصين هي من نتاج هذه المرحلة من تاريخ الآلة وتحديداً القرن الخامس منها على وجه التعيين. الأربعة الكتب هي: الكتاب الأول كتاب العمد للقاضي عبد الجبار الهمداني المعتزلي، والكتاب الثاني لتلميذه القاضي أبو الحسين البصري المعتزلي المعتمد، والكتاب الثالث هو كتاب البرهان لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني رحمه الله تعالى، والكتاب الرابع هو المستصفى لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي رحم الله الجميع.

فالكتب الأربعة العمد والمعتمد والبرهان والمستصفى هي من نتاج هذا القرن؛ القرن الخامس، وإذا استثنيت الغزالي المتوفى في خمسمائة وخمسة فهو في رأس المئة السادسة. الكتب الأربعة هذه كانت من نتاج هذه المرحلة، ولما يقول المؤرخون للعلوم إن هذه الكتب الأربعة هي أركان علم الأصول، فتنظر فيها فإذا هي من نتاج هذا القرن، فأنت أمام القرن الذي ألقى بأركان هذا العلم.

وبعيدا عن الحديث عن سبب اختيار هذه الكتب الأربعة لتكون أركان العلم، فإن الناظر فيها يجدها في تلك المرحلة حيث لم يسبقها تصنيف بهذا الشكل، فهي إذا نتاج معتبر، وهي أيضا محاولة علمية قيمة لهؤلاء الأئمة الكبار ألفوا الكتب هذه على نحو يشمل أبواب الأصول، يجمع الاقوال، يورد الأدلة، يجمع الخلاف، يناقش، يرجح، يخرج برأي معتمد. فأنت أمام كتاب موسوعي يتناول المسائل الأصولية بشمول أولا، يتناول المذاهب المختلفة حول المسألة الواحدة ثانيا، يورد الأدلة لكل مذهب مع مناقشته ثالثا، يرجح مذهبه فيما يراه راجحا ولو خرج خارج حدود مذهبه الفقهي الذي ينتمي إليه.

إمام الحرمين الشافعي، الأربعة شافعية: قاضي عبد الجبار، وأبو الحسين، وإمام الحرمين، والغزالي، الأربعة شافعية، لكنهم في كتبهم يرجحون مسائل يخالفون بها المذهب الشافعي. إذاً هي محاولة ناضجة تماماً، يتكلمون في تقعيد مسائل، وفي تأسيس اصول، وإبداء أقوال، والاحتجاج لها، والانتصار للرأي الراجح. هذا الذي جعل الكتب الأربعة منارات في التأليف الأصولي في تلك المرحلة، ولما نقول ذلك الكلام لأنك تجد التأليف الأصولي فيما بعد هذه المرحلة كان متأثرا إلى حد كبير بهذه الكتب، فإما أن يحذو حذوها، وإما أن يشرحها، وإما أن يجعلها أصلاً يعتمد عليه، وإما أن يتبع طريقته في الترتيب مع أن الأربعة لا تشبه بعضها.

فكتاب العمد للقاضي عبد الجبار المحاولة الأولى، وبالمناسبة العمد ليس بين أيدينا اليوم، هو جزء يسير متواجد والباقي مفقود، وتلميذه القاضي أبو الحسين شرح جزءا منه موجود بين أيدينا واسمه شرح العمد، ألف أبو الحسين المعتمد، فكان تأليفاً جديداً بين أيدي الناس يخالف طريقة الشافعي في الرسالة، له منهجه المعتمد الذي يسير عليه، طريقته الخاصة به في ترتيب المسائل، في عرض الخلاف، في إيراد الأدلة، في الانتصار للرأي الراجح.

جاء إمام الحرمين في البرهان فخالف ذلك تماما، وعرض الكتاب بطريقة مختلفة، وعرض المسائل الأصولية بشمول واستيعاب على طريقة مختلفة تماما. إمام الحرمين صاحب لغة أدبية راقية، شاعر أديب فصيح بليغ، فكتابه في الأصول كأنك تقرا في قطعه من المقامات الأدبية، وهو في صلب مسائل علم الأصول يعرض المسألة ويناقش ويرجح، إلا أن بعض ألفاظه تبلغ من فصاحتها أن تستعصي على طلاب العلم إلا الرجوع إلى المعاجم من بالغ فصاحتها وروعة سموها الأدبي الذي يسوق بها العبارة على لغة غير معتودة عند الأصوليين، فأصبح الكتاب أيضاً معلما مستقلاً بمعالمه المتباينة تماماً عن الكتب المؤلفة في هذا الباب.

جاء الغزالي رحمه الله وهو تلميذ للجويني، فلاحظ أبو الحسين تلميذ القاضي عبد الجبار، والغزالي تلميذ لإمام الحرمين، ولم تلحظ تأثر التلميذ بشيخه في التصنيف ولا في التاريخ، فصار مستصفى الغزالي أيضاً معلماً مستقلاً في التأليف الأصولي، خالف شيخه في الترتيب والتبويب، خالفه في الترجيح في المسائل، صار مساراً مخالفا. ولذلك أقول أصبحت الكتب الأربعة من الكتب المعتمدة، ويهم طالب العلم الذي يتخصص في الأصول أو يدرسه أن يكون على دراية بمكانة هذه الكتب الأربعة وأن تكون مراجع يحسن به الرجوع إليها؛ لأنها تمثل جذور التأليف الأصولي المتكامل.

أنت لما تقرا كتابا متأخرا في القرن الثامن، التاسع، العاشر الهجري، أي كتاب في الأصول على أي مذهب من المذاهب، من الخطأ المنهجي ألا يكون لك ارتباط بالرجوع إلى هذه الكتب التي هي جذور تلك المسائل والخلافات، فإن ترجع إليها لتقف على بدايات الأقوال ونشأتها وإيراد الأقوال فيها، فتجد عند المتأخرين إما مزيد عرض في الأدلة، أو مناقشة للتعريفات، أو خلافا في الترجيح، لكن اصول المسائل وجذورها في الخلافات التي تحكى من الأصوليين في الغالب هي دائرة بين هذه الكتب الأربعة لا تخرج عنها.

الحديث عن هذه الكتب الأربعة كما قلت في أركان علم الأصول كانت من نتاج هذين القرنين، والخامس منهما على وجه التحديد، ثم السادس يأتي تباعاً باعتباره مرحلة متصلة، كان هذان القرنان مرحلة الانفجار في التأليف الأصولي والنضج المتكامل وإخراج الثروة التصنيفية الكبيرة في علم الأصول خلال هذين القرنين من الزمان. هل يمكن أن تقول إنه لم يبق لمن يأتي بعد هذين القرنين مزيد في أن يبذله في التصنيف في الأصول أو يضيفه؟ الجواب إلى حد كبير كان نعم؛ لأن المحاولات التي أتت بعد لم تخرج عن هذه المسارات وعلى هذه الأطر.

إذاً هذا هو الحديث عن القرنين الخامس والسادس الهجريين وما كان فيهما من نتاج أصولي كبير معتبر تكاملت فيه المصنفات، ظهرت فيه اصول هذه العلوم. كوني لم أسم كتبا أخرى كانت من نتاج هذا القرن لا يعني عدم أهميتها، لكنني أقول ما اعتبره المتخصصون في الفن عمداً وأركان وأصولاً، وإلا فإنه لا يجوز لمن يتحدث عن تاريخ علم الأصول ونشأته أن يغفل تسمية كتاب التقريب والارشاد للقاضي أبي بكر الباقلاني، وهو من أرباب القرن الخامس أيضاً، لا يمكن تخطيه؛ لأن التقريب والارشاد لأبي بكر الباقلاني فوق كونه سابقاً على هذه الكتب متقدماً عليها وهو قرين للقاضي عبد الجبار، نحن رتبنا: قاضي عبد الجبار، القاضي أبو الحسين، إمام الحرمين، الإام الغزالي، هؤلاء الأربعة على الترتيب هكذا في تاريخ وفياتهم.

يكون القاضي أبو بكر الباقلاني برتبة القاضي عبد الجبار، وهو قرينه ومعاكسه وكان في زمن واحد، غير أن هذا معتزلي وهذا أشعري، والإمام أبو بكر الباقلاني من أفاضل أهل السنة الذين انتصبوا للرد على المعتزلة، وكتابه الانتصار للقرآن احتج فيه احتجاجاً عظيماً بالغاً. أحد أئمة الإسلام الحقيقة علماً وفقهاً وتصنيفاً كبيراً، الإمام الباقلاني كان يجله شيخ الإسلام أيما إجلال، وإذا جاء إلى ذكره وعرض له فإنه يقف أمامه باحترام كبير وتقدير، رغم سلوكه طريقة أبي الحسن الأشعري رحمه الله في تقرير مذاهب الاعتقاد، إلا أن نتاجه العلمي يجبر كل أئمة الإسلام على اختلاف مشاربهم إجلال علم الرجل تقدير مكانته رحمه الله عليه.

القاضي أبو بكر الباقلاني كان من أوائل من أرسى علم الأصول في كتابه التقريب والإرشاد، ثم صنف التقريب والإرشاد على درجات ثلاثة: التقريب والإرشاد الصغير، التقريب والإرشاد الأوسط، التقريب والإرشاد الكبير. في الثلاث الكتب، بالثلاث المراحل، طبعا هو صنفها اختصاراً وتوسّطاً وتوسّعاً. تقريب الإرشاد الكبير الحاوي للخلاف والأدلة والترجيح أبان فيه الإمام الباقلاني عن سعة علم، عن عظيم اطلاع، عن قوة حجة، عن علم غزير ومكنة ليست باليسيرة في علم أصول الفقه، لكن الذي يجعل المتخصصين يتجاوزون الحديث عن التقريب والإرشاد للباقلاني رحمه الله أنه مفقود بين أيدينا اليوم وليس منه شي، لا الصغير ولا الأوسط ولا الكبير، الموجود منه شيئان أو محاولتان حافظت على شيء من بقايا التقريب والإرشاد للباقلاني.

أول هذين هو جزء يسير من التقريب والارشاد الصغير موجود، ليس الأوسط ولا الكبير، بعض أبواب الكتاب الصغير لا يعدو ثلث الكتاب مطبوع في ثلاثة أجزاء، فهذا الصغير وثلثه مطبوع في ثلاثة أجزاء، فلو اكتمل الصغير كم يكون، فالأوسط كيف يكون، والكبير كيف يكون؟ هذا الموجود فقط الذي طبع في ثلاثة أجزاء.

الجهد الثاني الذي حافظ على شيء من نتائج الإمام الباقلاني في التقريب والإرشاد هو كتاب التلخيص لإمام الحرمين صاحب البرهان، أن لخص التقريب والإرشاد في كتاب أسماه التلخيص، وعمد فيه إلى اختيار أصول المسائل.

وشيء من الأدلة وشيء من الترجيح، أراد أن يلخص التقريب والإرشاد، ولعله اختصر أو لخص الكتاب الصغير؛ التلخيص مطبوع في جزئين، فهذا هو الباقي من التقريب والإرشاد للباقلاني. ورغم قلة هذا الباب مما بين أيدينا من التقريب والإرشاد، إلا أنه يبهرك بسعة علمه وإمامته رحمه الله.

خلاصة القول؛ الحديث عن القرن الخامس والسادس الهجري في الأصول، والحديث عن القرن الذهبي، عن طور النضج والتكامل الأصولي في التصنيف والتبويب والمسائل، وأراد الأدلة والترجيح وحكاية الخلاف إلى آخره. هذا القرن الخامس والسادس الهجري استقر عليه التصنيف الأصولي على هذا المنحى؛ تكاملت فيه المسائل، اجتمعت فيه الأقوال، كونت فيه الأدلة، ورجح المصنفون حسب مذاهبهم واتجاهاتهم.

النقطة التالية أو الثالثة هي الحديث عن القرن السابع فما بعد، والحديث عن القرن السابع وما بعد باعتباره أيضاً جاء عقد هذه المرحلة التي استقرت فيها كتب الأصول وأرسيت فيه الأعمدة التي صنفت فيها هذه الكتب التي سبقت الإشارة إليها. الحديث عن القرن السابع يجعلنا نتكلم عن كتابين اثنين لا ثالث لهما؛ هما المحصول للإمام الرازي محمد بن عمر فخر الدين، وكتاب الإحكام في أصول الأحكام للإمام أبي الحسن الآمدي رحمهما الله تعالى. المحصول للرازي والإحكام للآمدي هي مرحلة أخرى من مراحل التصنيف في علم الأصول.

وإنما اكتسب هذان الكتابان مكانة معتبرة عند الأصوليين باعتبار أن كل ما جاء من جهد أصولي بعد هذين الكتابين هو دائر حولهما في الجمله، أو سالك طريقة أحدهما في الجملة، بل يمكن أن تقول بلا مبالغة إن المؤلفين في الأصول بعد هذين الكتابين، بعد القرن السابع، سلكوا أحد المسارين: أما مسار المحصول للرازي، أو مسار الإحكام للآمدي.

ماذا أقصد بالمسار؟ اتخاذ الكتاب أصلاً يسير المصنف على ضوئه، فإما يختصر، وإما يشرح، وإما يلخص، وإما يعني يخصص كتاباً على طريقة أحد الكتابين؛ المحصول أو الإحكام. فالذي حصل أن محصول الرازي جمع ما سبق من الكتب التي صنفت، بل يقول بعض من يترجم له أن الرازي رحمه الله لما جاء يؤلف المحصول كان يحفظ الكتب الأربعة عن ظهر قلب؛ كان يحفظ العمد والمعتمد والبرهان والمستصفى يحفظه كما يحفظ القرآن.

فلما كان يكتب كان يستحضر ما فيها من أقوال وأدلة ومذاهب، وكان قد جمع طرق الأربعة وجمع منها خليطاً وصبه في قالب كتابه المحصول. فالناظر على المحصول كأنه يقف على عصارة تلك الكتب الأربعة وما فيها، ليس بالضروره أن يكون مقيداً بالكتب الأربعة لكن المقصود أن الرجل أحاط بها، وكان إلمامه القوي مؤهلاً له لأن يكتب كتاباً يكون جامعاً مستوعباً ما سبق، فيه بصمته الخاصة به وفيه نفسه الذي يميزه رحمه الله عن غيره من الأصوليين.

فصار كتاب المحصول للرازي يعني، إن صح التعبير، فتنة للأصوليين ممن جاء بعده، فصاروا أما يختصرون المحصول أو يكتبون حوله. فالأعمال العلمية المتتابعة عن المحصول كثيرة جداً ظهرت من عصره، يعني هناك من شرح المحصول في عصره، وهناك من لخصه، الملخصات كثيرة وشروح المحصول كثيرة.

الذي يهمنا أن مختصرات المحصول في أكثر من كتاب: اختصره القرافي في تنقيح الفصول، اختصره تاج الدين الأرموي في الحاصل، اختصره سراج الدين الأرموي في التحصيل. إذاً، حاصل وتحصيل وتنقيح الفصول كل الثلاثة وغيرها أن الكتب كانت تختصر محصول الرازي.

ثم ماذا؟ ثم جاء المختصر الذي أصبح مرجعاً لطلاب العلم يحفظونه ويدرسون في المدارس الإسلامية آنذاك وفي المعاهد، ويقرر لهم ويشرح: مختصر منهاج البيضاوي رحمه الله والمسمى منهاج الوصول في علم الأصول. ماذا صنع البيضاوي؟ اختصر مختصرات المحصول الحاصل والتحصيل، فجمع منهما كتاباً مختصراً على طريقة المتون؛ العبارات الموجزة، والإيجاز في عرض الخلاف والأدلة ويترك التفاصيل للشراح.

أصبح طلاب العلم آنذاك يحفظون منهاج البيضاوي ويدرسونه، ويكون هو الكتاب المعتمد المقرر في المدارس والمعاهد الإسلامية شرقاً وغرباً، وصار من يدرس علم الأصول لابد أن يحفظ منهاج البيضاوي وعليه أن يستوعب شروحه. كثرت شروح منهاج البيضاوي كثرة بالغة، صار القرن الثامن والتاسع والعاشر وما بعد يصنف الأصوليون شروحاً على مختصر منهاج البيضاوي. ولهذا قلت إن المحصول للرازي أصبح أحد المسارين الذين يسلك عليهما المصنفون في الأصول.

إذاً، هذا محصول الرازي لما مر بمختصرات انتهى إلى عصارة في مختصر منهاج البيضاوي، وأصبح المنهاج كتاباً يحفظ ويدرس، كثرت الشروح. إذاً، شراح المنهاج للبيضاوي هم في الحقيقة يدورون حول أي محور؟ حول المحصول للرازي، لأنه أصله وخلاصة ما في الرازي، والمحصول من المسائل هي في منهاج البيضاوي، وأدلته والخلافات والمذاهب المذكورة وترتيبه وتبويبه هو الموجود في منهاج البيضاوي.

الكتاب الآخر هو الإحكام للآمدي، وهو الآخر أيضاً حظي بانتشار كبير بسبب مختصره الذي اختصره الإمام ابن الحاجب أبو عمرو عثمان بن أبي بكر. اختصر أحكام الآمدي في مختصره المشهور منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل. اختصر أحكام الآمدي على طريقة البيضاوي الذي اختصر مختصرات المحصول، هذا جاء واختصر أحكام الآمدي على طريقة المتون أيضاً؛ عبارات موجزة وتقليل في الأدلة ويترك التوسع للشراح.

فصنف ابن الحاجب رحمه الله مختصره وسماه منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل، اختصر فيه أحكام الآمدي. والآمدي كما قلت لك، يعني هو ومحصول الرازي في القرن السابع منارتان كبيرتان في التدوين الأصولي.

لما اختصر الإمام ابن الحاجب الإحكام في منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل، عاد فاختصر المختصر، يعني مختصر ما اسمه منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل، ابن الحاجب نفسه عاد فاختصر المختصر وسماه مختصر المنتهى. الكتاب اسمه منتهى السول والأمل، اختصره فسماه مختصر المنتهى، وهو الموجود بين أيدي طلبة العلم لما يقولون مختصر ابن الحاجب أو قال ابن الحاجب في مختصره يقصدون الصغير؛ هو السائر وهو المنتشر وهو الشائع بين أيدي طلبة العلم، والذي أيضاً مرت فترة من الفترات يحفظه طلبة العلم المتخصصون بالأصول.

كثرت أيضاً جداً شروح ابن الحاجب، شروح مختصر ابن الحاجب حتى أنها أكثر عدداً من شروح مختصر البيضاوي. فلما تكثر شروح المتن تدل على ماذا؟ على إقبال طلبة العلم عليه، وعلى الإقبال في المدارس والمعاهد عليه، وعلى اشتغال الأصوليين به. حقيقة مختصر ابن الحاجب من بعد القرن الثامن والتاسع والعاشر وما بعد هو الكتاب المنتشر؛ من يدرس من الأصوليين كتاباً في الأصول يدرس مختصر ابن الحاجب مع أحد شروحه.

كثرت شروحه جداً ومخطوطاته الموجودة في مكتبات الإسلام شرقاً وغرباً متناثرة في تنوع المؤلفين والمصنفين، يشرح الكتاب مالكي وشافعي وحنبلي على اختلاف المذاهب، إلى أن أصبح كتاباً معتبراً. هذا الذي جعل أحكام الآمدي بالمكانة المعتبرة.

إذاً، أنت أمام مختصرين كبيرين كثر اشتغال طلاب العلم بهما: أولهما مختصر منهاج البيضاوي اختصر فيه المحصول ومختصرات الرازي، والمختصر الثاني هو مختصر المنتهى لابن الحاجب اختصر فيه مختصره الذي اختصره من الإحكام، ولهذا سماه مختصر المنتهى. وإذا جاء الأصوليون يعزون إلى ابن الحاجب فإذا قالوا قال في المختصر الكبير يقصدون الأول الذي اختصره بداية من الإحكام، وإذا قالوا المختصر وأطلقوا فالمراد به الصغير وهو مختصر المنتهى.

على كل، نحن أمام مختصرين كبيرين كما قلت لك صار طلاب العلم في الأصول يحفظونه ويدرسون الشروح والحواشي؛ كثرت شروح الكتابين وكثرت الحواشي وكثر اشتغال طلاب العلم بهما. هذا الذي جعلني أقول إن من جاء بعد المحصول للرازي والإحكام للآمدي أصبح يسير في أحد هذين المحورين، لأن شغلهم في النهاية أما على منهاج البيضاوي وأما على مختصر ابن الحاجب، وأحدهما يرجع للمحصول والثاني يرجع إلى الإحكام، فلهذا يكاد ينحصر جهد الأصوليين فيما بعد حول هذين المختصرين وما حولهما من شروح.

لاحظ معي أني أتكلم عن القرن السابع فما بعد، وهو الموصوف له في تاريخ علوم الإسلام بقرون الركود والانحطاط والجمود، التي صارت فيه العلوم كلها -الحديث والفقه والتفسير- نحو الاختصارات والحواشي، وعدم التجديد فيه وعدم التصنيف المستقل الذي يبدي مساراً مستقلاً مغايراً لما قبل. ولهذا صار أهل العلم آنذاك على النظم وعلى الشروح وعلى الحواشي وعلى الاختصارات والتعليقات، والاقتصار على هذه الجهود العلمية ليس استقلاباً، لكنه الحديث عن سمت التصنيف والتدوين العلمي في سائر العلوم.

الإسلام في تلك المراحل. ظل الأمر كذلك حتى جاء السبكي في القرن الثامن، وكان ممن ساهم في شرح هذين المختصرين. للسبكي شرح على مختصر منهاج البيضاوي، أكمل فيه صنيع والده رحمه الله في الأبهاج؛ تقي الدين السبكي فجاء فأكمل التاج صنع والده، واكتمل كتاب الأبهاج في شرح المنهاج، أي منهاج البيضاوي. ثم ابن السبكي نفسه شرح أيضاً مختصر ابن الحاجب وسماه رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب.

إذاً، شرح مختصرين فوجد نفسه قد استوعب الكتابين اللذين يدور عليهما شغل الدارسين للأصول في تلك المرحلة، شرح هذا الكتاب وشرح هذا الكتاب بهما ألزاماً جيداً. فشجعه هذا على أن ينشئ مختصراً جديداً في الأصول أسماه جمع الجوامع للإمام ابن السبكي رحمه الله. فأقول: هذا ناتج متسلسل حتى تعرف كيف صارت المسألة؛ جمع الجوامع للسبكي، وقد شرح مختصر ابن الحاجب، وشرح مختصر المنهاج البيضاوي. أقول: أهله ذلك لأن يكتب استقلولاً ويصنف مختصره اللطيف البديع في عبارات محدودة وفي ألفاظ معدودة، صنف جمع الجوامع.

جمع الجوامع للسبكي المتوفى 771 للهجرة، أنت في أخريات القرن الثامن الآن. ابن السبكي لما ألف جمع الجوامع يمكن أن تقول إنه الكتاب الذي غطى على منهاج البيضاوي وعلى مختصر ابن الحاجب إلى حد ما، يعني لم يقصي مختصر ابن الحاجب فلا يزال شغل طلبة العلم عليه، ولم يغطِ إذا تماماً منهاج البيضاوي فلا يزال شغل الناس عليه، لكنه أصبح إضافة جديدة وأصبح شغل طلبة العلم الدارسين للأصول حول هذه الكتب الثلاثة. فتجد طلاب العلم إما يدرسون مختصر المنهاج أو مختصر ابن الحاجب أو جمع الجوامع للسبكي.

إلى وقت قريب كانت مدارس الإسلام الكبرى ومعاهدهم العظمى مثل الأزهر في مصر يدرسون جمع الجوامع للطلاب المتخصصين في المراحل العليا، بل ويحفظونه حفظاً عن ظهر قلب، ومشايخ الأزهر القدماء يحفظونه كفاتحة. وصار عندهم هذا من لوازم الدراسة في المراحل العليا في الأزهر: أن يحفظ الطالب كتاب جمع الجوامع لابن السبكي ويتقنه، فيأخذ شرحه على أيدي الشيوخ والعلماء آنذاك، فيكون متقناً لمسائل علم الأصول.

هذا بإيجاز شديد الحديث عن مسيرة علم الأصول وكتبه ومناهجه ومراجعه الكبار خلال هذه المرحلة. سريعا عرضت لها فيما بعد رسالة الشافعي؛ لما تقف أمام هذا النتاج العلمي الكبير فأنت تحدث عن مسار نشأ بعد الإمام الشافعي رحمه الله. كل ما تم ذكره الآن في الدقائق السابقة هو الحديث عن تطوير ونشأة علم الأصول عبر القرون. الحديث بتوقف وتفصيل يقتضي مدداً زمنية غير متاحة؛ يعني لا نريد أن نتحدث عن القرن الثالث والرابع بإسهاب، ثم الخامس والسادس بإسهاب، ثم السابع، ونتحدث عن كل كتاب من هذه الكتب بشيء من التفصيل والحديث عن مزاياه ومحتواه وكيف كان منحيناً جديداً في مسيرة التدوين في علم الأصول.

الذي يهمني الآن أن تقف على أشبه بخريطة موجزة صغيرة جدا تحكي لك مسيرة التأليف في علم الأصول، وكيف أن الشافعي رحمه الله لما افتتح الباب توالى الناس من بعده على شكل مصنفات في رسائل موجزة، ثم شيئاً فشيئاً بدا يتكامل هذا التأليف في القرن الرابع، ثم تكامل تماماً ونضج في القرن الخامس والسادس، ثم آلت المسائل إلى مراجع معتمدة يرجع إليها الناس، وصار المحصول للرازي، والمحصول للأمدي.

ثم عادت في عصور الركود والجمود إلى البحث عن المختصرات، فاختصرت هذه الكتب الكبار، وصارت هي مرجع الناس: حفظ المختصر ودراسته والاعتماد على شروحه، وكثرت هذه الشروح. بالتالي، الموجود اليوم في مدارس المسلمين ومعاهدهم وجامعاتهم وكلياتهم شيء لا يخرج عما ذكر؛ فأما أن تدرس بعض تلك المختصرات كجمع الجوامع أو مختصر ابن الحاجب يدرس دراسة واعية مفصلة يحفظه الطالب أو لا يحفظه، أو يحفظ متناً متعلقاً به ويدرس عليه بعض الشروح، أو ربما كان التوجه نحو اختيار كتاب معتمد يخدم المذهب الذي يدرس فيه الفن.

فإذا كان البلد مثلاً حنفياً تدرس بعض متون الكتب الحنفية في الأصول، وتعتمد إما يدرس أصول السرخس مثلاً أو بعض المختصرات كمختصر المنار للنسفي وشروحه المعتبرة عندهم. وإذا كان المذهب مالكياً اعتمدوا على مختصر ابن الحاجب أو على تنقيح الفصول للقرافي وشرحه ومن تلاه. وإذا كان المذهب حنابلة يعمدون إلى بعض كتب الحنابلة كروضة الناظر لابن قدامة أو مختصر ابن اللحام وغيرها من الكتب التي تخدم المذهب. وإذا كان المذهب شافعياً درسوا إما جمع الجوامع أو منهاج البيضاوي أو غيره من الكتب التي تخدم المذهب.

خلاصة القول: أن هذه المسيرة في علم الأصول والتوالي في التصنيف فيها على هذا النحو جعل مسيرة العلم والتدوين والتطوير فيه تخرج بمكتبة حافلة في المصنفات الأصولية؛ شيء منها بالتصنيف المستقل ابتداءً، وشيء منها بما يخدم هذه الكتب، وشيء منها بالاختصار، وشيء منها بشروح تلك المختصرات. فتنوعت أساليب المصنفين في علم الأصول حتى أصبحت أمام أبواب كبيرة متعددة من علم الأصول.

فيأتي السؤال المهم: طالب العلم لما يريد أن يدرس علماً كأصول الفقه، من أين يبدأ؟ وكيف يسير؟ وكيف يترقى ويواصل؟ وإلى أي ينتهي؟ والجواب: أن من تصور نشأة هذا العلم بهذا الإيجاز المختصر الذي أوردته قبل قليل يجعله يبتدئ من حيث حاول العلماء أن يضعوا المسارات التي تعين المبتدئ، وهو العناية بالمختصرات المسائل المعدودة التي تصور لك مسائل العلم وأصول أبوابه الكبار، وكيف تبتدئ منها لتكون الخطوات المتتالية معينة لك على الترقي.

لا ينصح المبتدئ بأن يقذف مباشرة إلى تلك الكتب الكبار؛ يعني مبتدئ لا يصلح له أن يدخل مباشرة على محصول الرازي يدرسه، ولا برهان الجويني، ولا مستصفى الغزالي، ولا أحكام الأمدي؛ لأنه سيتعب وربما ما وجد القدرة الكافيه على الفهم والاستيعاب فيكل وينقطع، وربما ترك الدراسة وعاد من غير فائدة كبيرة. لكن الخطوة الأولى هي التي تعينه في فهم التصصور الكامل لمسائل هذا العلم؛ يأخذ من كل باب قدراً.

إذا جاء للأدلة يدرسها بإيجاز: الكتاب، السنة، الإجماع، القياس، ولا يدخل في تفصيلات المسائل الأصولية الدقيقة في كل باب. إذا جاء للدلالات يدرس مسائل يسيرة في العام والخاص، الأمر والنهي، المطلق والمقيد، الناسخ والمنسوخ؛ يأخذ التعريفات، يتصور هذه المصطلحات، ما مرادها؟ يقف على أصول المسائل الكبار في كل مصطلح: صيغ العموم، أنواع التخصيص، أبرز أمثلته. يدخل الأمر والنهي بعض أمهات مسائل دلالات الأمر والنهي: دلالة الأمر المطلق، دلالته على الزمن، دلالته على العدد، تناوله لبعض الدلائل التي تؤثر فيه كما إذا كان بعد حظر أو بعد سؤال أو بعد استئذان إلى آخره.

فشيء من المسائل مع ضرب الأمثلة يعلم على تصور محتوى مسائل هذا العلم وما تتضمنه أبوابه وفصوله. فإذا أتم الدراسة على بعض المختصرات على هذا النحو، بعض الكتب الموجزة التي تصور له العلم إجمالاً وتقرب له المصطلحات، فيصبح ويمسي يعرف: ما معنى مجمل ومبين عند الأصوليين؟ ما هو النسخ؟ ما هي مسالك العلة المعتبرة؟ ما طرق دفع التعارض عندهم بين الأدلة الشرعية؟ ما معنى قولهم حجية قول الصحابي وما أبرز المذاهب فيه؟ ما هو المذهب المعتمد في المصالح المرسلة؟ ما مذهبه من الاستحسان وما القول الصحيح فيه؟

هكذا يقف على أصول المصطلحات، يعرف أولاً إيش دلالة هذا المصطلح، وفي الجمله المذاهب فيه ما هي؟ وفي الجملة أيضاً أبرز الأقوال الراجحة في القضية أو الأدلة المعتمدة فيه. إذا أتم كتاباً بهذا النحو، مختصراً معدوداً يمر به على جملة أبواب الأصول، يقف فيها على تعريف المصطلحات، على أمثله واضحات لها، خرج بقدر كبير نعتبره الخطوة الأساس في هذه المرحلة.

لا يحسن به أن يتوسع في بعض الكتب التي تسهب إما في التعريفات أو في ذكر الأدلة والخلافات أو في ذكر الأقوال والمذاهب التي تخرج به عن تصور المسألة فيتيه، وفي هذا يحتاج إلى ضبط ضبط أولي. فإذا أتم دراسة كتاب على هذا النحو فإن المرحلة التالية تساعده على أن يرتقي إلى درجة أوسع. الدرجة الأوسع الآن أمامه عدة خيارات: إما أن يعمد إلى شيء من المختصرات التي مر ذكرها، منهاج البيضاوي، جمع الجوامع، مختصر ابن الحاجب مع شيء من الشروح التي تتسم بسهولة العبارة ولا تغلق قارئها ولا تغلق عليه أيضاً منافذها؛ فإذا أتمها ذا أيضاً فهو الآن بساعة تامة على أن.

يكون قادراً على قراءة الكتب الموسعة. لا باس في أثناء المرحلة الثانية وهو يدرس بعض المختصرات التي هو الآن لا يريد فيها أخذ التصورات، والآن يريد تأسيس التوسع والإدراك للمذاهب في المسائل والأدلة والترجيح.

هو بهذا الصدد الآن حسبه أن يمسك كتاباً يدرس على نوعه أو على منهاجه. في هذه المرحلة لا باس أن يعود شيء من البحث والمراجعة لبعض الكتب؛ على سبيل المثال: كان يدرس مسألة الزيادة على النص هل هي نسخ أو لا؟ ومرت به الأقوال في القضية وفق كتاب يدرسه، كان يدرس بجمع الجوامع، أو كان يدرس بمختصر ابن حاجب، مرت به المسألة، لا باس في هذه المرحلة أن يعود إلى المستصفى مثلاً، يقف على ما قرره الغزالي في مسألة الزيادة على النص، أو يعود مثلاً إلى المعتمد للحسن فيرى ما قرره، إلى المحصول للرازي فيقف على سرد الأدلة والأقوال والخلافات.

لا باس أن يكتب بحثاً في صور المطلق مع المقيد واجتماعها، وأن الأربعة التي تذكر اختصاراً، الصور الأربع لاجتماع المطلق مع المقيد؛ اتحاد السبب والحكم أو اختلافهما، أو اتحادهما في أحد واختلافهما في الآخر، أن الصور الأربع هي على الإجمال وأن تفصيلات تصل إلى سبعة في بعض الكتب الموسعة بالأمثلة، فيحرر. ولا باس أن يبحث بالرجوع للكتب الموسعة.

بهذا يكون قد حقق أمرين مهمين: الأول: الدراسة الموسعة المؤسسة لمسائل هذا العلم بالوقوف على خلافاته، على أدلته، على الترجيح الذي يكون عنده الملكة الكافية لقوة النظر في الأدلة، وفي الأصول، وفي القواعد، وفي الدلالات. وأما المسألة الثانية التي يكتسبها فهي رجوعه إلى تلك الكتب الكبار، والفهم التعامل معها واكتسابه أيضاً طريقة مصنفيها ومنهجهم في تقرير المسألة وتصويرها وإدارة الخلاف فيها وترجيحها، ليخرج بتصور عام.

يقول مثلاً: يغلب على الآمدي في كتاب الأحكام التوقف عندما يناقش الأدلة والأقوال، وهذا صحيح، يغلب على الآمدي العناية بالحدود والتعريفات، ويطيل النفس فيها ويفرد صفحات متعددة فقط لتحرير العبارة في التعريف المختار لما يعرف العام، الأمر، النسخ، القياس، الإجماع، وهذا صحيح.

يقول: يغلب على الرازي في المحصول عنايته باستيعاب كل ما يمكن أن يكون دليلاً على القول ولو لم يكن من أدلة أصحاب المذهب؛ يعني يعرض مذهب الحنفية مثلاً، يريد أدلتهم مما وقف عليها من كتبهم، ثم يجتهد في أن يرد دليلاً يصلح أن يكون دليلاً لهم ولو لم يقولوه، فعنايته بهذا، عنايته بإيراد الاعتراضات على الأدلة ومحاولة التدقيق في العبارة والتوسع في إيراد المآخذ التي تكون مؤثرة في وجه الاستدلال بدليل ما، سمة بارزة عنده في المحصول.

أقول: هذا الرجوع إلى تلك الكتب والوقوف عندها تكسب الباحث والناظر والمتعلم في تلك المرحلة الإلمام الجيد بتلك الكتب. يقف عند البرهان للجويني فيراه يحلق في مسار آخر مختلف تماماً، وإذا هو يعتني بأصل المسألة وجوهرها، ويقفز كثيراً على الخلافات ولا يتقيد بحدود المذهب. ولهذا يقولون إن الشافعية زهدوا في البرهان للجويني ولم يقبلوا عليه ولم يشتغلوا به لا شرحاً ولا خدمة، لكونه تجاوز حدود المذهب في كثير من المسائل. وعادة فقهاء المذاهب أنهم يعتبرون الكتاب الذي يتجاوز حدود المذهب وقواعده ومسائله يعتبرونه لا يمثل المذهب، فإذا كان لا يمثل المذهب فإنهم ينشغلون بالكتب التي تخدم المذهب وتقرر قواعده، فهذا الذي جعل الشافعيه يزهدون في برهان إمام الحرمين، وإلا هو فكما قال ابن السبكي: إنه نغز الأمة وفخرها في مسائل علم الأصول، وطريقته العجيبة الرائعة في صياغة المسائل وتقريرها.

والأربعة الشروح الموجودة للبرهان فيما حفظته مكتبات الإسلام، الشراح الأربعة مالكية ما فيهم واحد شافعي، والمالكية الأربعة الموجود منها اثنان واثنان مفقودان، واحد طبع في جزء منه والآخر طبع كاملاً. فالمقصود أن إدمان النظر بالرجوع إلى هذه الكتب ومحاولة التوسع فيها تكسب الباحث الوقوف على أساليب هؤلاء الكبار أئمة المصنفين في علم الأصول، وتكسبه أيضاً الجبة الكافية.

فإذا ما جاء للمحرحله الثالثة، أنا قلت المرحلة الأولى هي التصور العام للمسائل ومحاولة اخذ مختصر يكتفي فيه بأخذ المصطلحات وتعريفها وتصور المسألة في الجمله، والأدلة على وجه الإجمال، والخلاف بإيجاز؛ إذا أخذ التصور الكامل لمسائل العلم دخل المرحله الثانيه وهي أن يعمد إلى كتاب متكامل أوسع من المختصرات، أو مختصراً بأحد شروحه بحيث يتوسع في ذكر الأقوال ويريد الأدلة ويخرج بترجيح. والمرحلة الثانية كما قلت مصحوبة بشيء من الرجوع إلى تلك الكتب والوقوف عليها والنظر فيها والأخذ منها.

المرحلة الثانية مرحلة التوسع، مرحلة المتخصص الذي يريد أن يكون يوماً ما مرجعاً في هذا العلم، متخصصة ركناً شديداً تأوي إليه الأمة في هذا العلم في زمن ما، أن يكون رأيه ترفع في سبيل طلاب العلم لهذا الطريق، وأن يعرف بينهم بالتخصص والقدرة والمكنة، يحل مشكلات هذه المسائل، يوظف مسائل هذا العلم تطبيقاً عملياً على النوازل المعاصرة والمستجدات التي تمر بحياة الأمة.

في هذه المرحلة يحتاج، يحتاج كما قلت إلى التوسع، إلى التخصص، وهذا يأخذ أكثر من صورة؛ منها: البحوث المتخصصة العميقة، بأن ينتصب لبحث مسألة ما، فينبش فيها كتب الأصول، ويقلب فيها الأوراق، ويدمن فيها التقليب بين صفحات الكتب حتى يحرر مسألة ما، وهذا في الغالب صنيع طلاب المراحل العليا من الدراسات الذين يختارون مسائل ويعتدون بدراستها.

صورة ثانية لصور التوسع في هذه المرحلة هي دراسة واستعراض الكتب الكبيرة؛ يعني يكون من مشاريعه قراءة كتاب الرسالة كاملاً للشافعي، قراءة المحصول كاملاً، قراءة الأحكام كاملاً، قراءة المستصفى كاملاً، قراءة البرهان كاملاً. هذه القراءة الواسعة للكتب الكبيرة الأصول أيضاً تكسبه الإلمام الكافي، نحن نتكلم أن عن على متخصص متقدم في هذا العلم، فلا يحسن به إلا ألا يكون له علم بالمحصول إلا من خلال بحث مسألة مسألة الرجوع إليها، وأن لا يكون قرأ الرسالة للشافعي ولا مرة في حياته، وأن لا يكون له دراية أيضاً يعني بقدر كافي حول محتويات مسائل البرهان وترجيحات الجويني رحمه الله التي يخالف فيها مذهب الشافعي مع أنها موجودة في فهرس في آخر الكتاب.

وعلى كل، هذه التوسعات التي يحتاجها المتخصص هي مرحلة راقية. بقي أن نقول إن هذا العلم، أعني علم الأصول، هو في النهاية علم آلة. وكان حديثنا قبل قليل هو جواب عن سؤال: كيف يتهيا لطالب العلم المبتدئ الدراسة الجيدة النافعة لعلم الأصول؟ فكان الجواب بالمراحل الثلاث التي أشرت إليها.

لكنه يجب أن نقول إن علم الأصول باعتباره علم آلة فإنه يجب أن يكون واضحاً منذ الخطوة الأولى التي يضع فيها طالب العلم قدمه في هذا الطريق أنه أمام هدف كبير محدد واضح أمام عينيه، ما هو؟ هو أن يكون قادراً يوماً ما مع استمراره في دراسة هذا العلم وتعلمه، أن يكون قادراً على أن يقف أمام الآية الكريمة أو الحديث الشريف، فيصبح عنده من الملكة على الاستنباط والقدرة على النظر ما يؤهله لأن يقول: الآية دلت على كذا دون أن يفتح كتاباً، ويقول: مدلول الحديث استنباطه كذا، العلة فيه كذا، الحديث اشتمل على تعميم صيغته كذا، وخصص بكذا، وفيه إشارة إلى العلة لكنها لا تقوى على المعارضة بنص آخر، لأن الإيماء الموجود أو التنبيه والإشارة في العلة الواردة في النص معارضة بما هو أريح منها في نص آخر.

ونحو ذلك مما ظل يدرسه نظرياً في الكتب، يجب أن ينعكس هذا على أدائه تطبيقياً في الميدان. ميدان علم الأصول يا أهل العلم هو نصوص الشريعه؛ هو كتاب الله وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام. وقلت لكم منذ أول لقاء إن مما يشرف به طالب علم الأصول في حياته أنه يسلك طريقاً يرجو به أن يكون يوماً ما رجلاً وآمراً وفقيهاً وعالماً بمراد الله ومراد رسوله عليه الصلاة والسلام، ألا يكون عامياً صرفاً يقف فلا يفقه من دين الله إلا ما يقول له أهل العلم: هذا حلال وهذا حرام، ويمشي حياته وهكذا.

يعني يجب أن يكون له زمن يستقل فيه، يستقل فيه بنظره وففهه. ولا أريد بالاستقلال هاهنا التمرد على أهل العلم، رتبهم، ومنافسته ومزاحمته، حاشا! لكني أقول: لا بد أن يستقل، ولا بد أن يكون له توظيف لهذا العلم، وإلا فلماذا يدرسه ولماذا يجتهد في دراسة كتب وحفظ متون وقراءة شروح ثم هو في النهاية...

النهاية إذا عرضت له المسألة بحث عن من يستفتيه، فأين علم الآلة؟ والخلل المنهجي الآخر الذي يقع فيه طلبة العلم فيما يختص بعلم الأصول على وجه التحديد، أنهم ينهمكون ويستهلكون الجهد والوقت والزمان والكلام والعلم والحلقات والدروس والشهادات كله في شيء واحد هو خلاف ما وضع له هذا العلم، ينشغلون بتصور المسائل وحفظ التعريفات وإيراد الأدلة والأقوال في المذاهب والترجيح دون أن يبحث كيف يكون هذا يوماً ما ملكة عنده يمارسها وأن يكون عنده صنعة يطبقها.

وما زلت يا مشايخ أضرب مثلاً استحسنه كلما عرضت هذه المسألة، وهو الحديث عن حقائق الصنعات والحرف؛ الصنعة والحرفه التي تكون عند إنسان أبداً لا تكون شيئاً نظرياً يتعلم ولا يدرس ولا يقرأ في كتاب، صنعة ممارسة تؤتى بالضبة والتمكن والإتيان مرة بعد مرة.

علم الأصول علم آلة، علم النحو علم آلة، مصطلح الحديث علم آلة، أصول التفسير علم آلة، علوم الآلة هذه إنما أصبحت عائقاً أمام طلاب العلم لأنهم أخطأوا منهج التعامل معها، في النحو يدرس الآجرومية ثم يتوسع فيدرس بعض الكتب الأكبر ترتقي إلى ألفية ابن مالك ويحفظها ويدرس شروحها وفي النهاية لا يقوى أن ينطق بجملتين فصيحيتين من غير خلل ولا لحن ولا خطأ، وإذا أعطي ورقة يقرأها اللحن الوارد فيها كثير ولا يستطيع أن يلقي خطبة يرتجلها أو يقرأها مكتوبة، أين ذهب العلم الذي درس، وأين النحو الذي أفنى فيه سنوات من عمره وحفظ فيه متوناً ودرس فيه شروحاً؟

لكن تعال واسأله: ما حالات تقدم الخبر على المبتدأ وجوباً؟ سيسرد، فإذا جاء يطبق ما أحسنها! ما شروط عمل ليس؟ سيعدل لك الشروط واحد اثنين ثلاثة أربعة، لكن إذا جاء ليلتقي تطبيق ما يحسنها! أين الخلل؟ يقول لك: يا أخي درست الكتب وحفظت المتون ودرس الشروح.

الخلل أنه تعامل مع علم الآلة بمنهج غير صحيح، اقتصر على الحفظ والاستظهار، علم الآلة ممارسة كان ينبغي أن تكون دراسته لعلم الآلة تطبيقاً مستمراً متتابعاً، كذلك الشأن في مصطلح الحديث يدرس البلقيني ثم يرتقي فيدرس نخبة الفكر أو نزهة النظر ثم إلى أن يصل إلى ألفية العراقي، وبعدين! ما يقوى على أن يقول لك هذا حديث صحيح أو ضعيف ولا يقوى على تخريج حديث ولا دراسة إسناد.

عفواً، كل هذا العلم الذي حفظت فيه الألفية ودرست فيه الكتب كان خادماً لهذه المرحلة، لأن تكون يوماً ما بعد دراستك المتتابعة لهذا الطريق قادراً على أن تدرس حديثاً تخرجه، تنظر في إسناده، تطبق ما يقوله أهل العلم مما درسته وحشو به راسك نظرياً تطبقه عملياً لتتقول على ضوء ما درست المسألة كذا الحكم كذا، هو اجتهاد تتعلمه، لا نريد في هذه المرحلة أن يصدر شغل الطلب هذا للأمة ويقال خذوا هذا نتائج طلاب العلم، لا، هو مرحلة يتعلم فيها، لكن من الخطأ أن يظل يتعلم ويتعلم ويتعلم دون أن يطبق ولا مرة في حياته، التطبيق في مجالات الدراسة في أثناء الدراسة مطلب لعلوم الآلة.

جملة علم أصول الفقه واحد من هذه العلوم التي ظل الطلاب يحفظون فيها تعريف العام وتعريف الخاص وأنواع الأمر ودلالة الأمر والمذاهب الواردة في الأمر بالوارد بعد الحظر والأقوال فيه والراجح، وأن يدرس أيضاً تعريفات وتقسيمات والقياس والحجج الواردة عليه إلى آخره، وبقي هذا الكلام كله نظري، لكن إذا قلت له قال النبي صلى الله عليه وسلم: مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرطَ المُبْتَاعُ، هذا نص، طبق، أخرج بعض القواعد الأصولية مما درست؟ وفتح فمه وكانه لأول مرة يقال له هذا السؤال! هو خلل في منهجية التعامل، قل له في الحديث صيغة عموم أخرجها التخصيص أينه؟ أي نوع من أنواع التخصيص؟ في الحديث إشارة إلى العلة ما هي وما نوعها؟ هذا كله ممارسات تجعل طالب العلم مع الأيام يمتلك هذه الملكة.

الملكة خلق صنعة مهارة يكتسبها بالممارسه، ما ذلك سيبقى عقيماً لا إنتاج له، كم تخرج كليات الشريعة كل سنة من طلاب العلم في بلاد الإسلام كافة الذين يدرسون الفقه والأصول؟ كم منهم يرتقي إلى الدراسات العليا ماجستير ودكتوراه ويتخصص في صلب هذا العلم؟ كم؟ كم من هؤلاء يصلح أن يكون فقيهاً في الأمة؟ آحاد، والبقية أين ذهبوا؟ الألوف المؤلفة التي تتتابع على التخرج من هذه الكليات وقد درست الكتب وحفظت المسائل واجتازت الاختبارات ونجحت أين هي؟ كلها كانت تتعامل بمنهج الحفظ والاستظهار، تعريفات تقسيمات أنواع دون أن يكون للتطبيق رصيد في منهجية التعامل، هذا الخطا والمتتابع افرز مثل هذه السلبية في التعامل مع علوم الآلة.

المثل الذي أضربه دائماً يكون أحد الأولاد لأب ما صلح للدراسة ولا أفلح فيها فأراد أبوه أن يعلمه صنعة فذهب به إلى ورشة لإصلاح السيارات وقال له: دونك هذا الولد يتعلم معك الصنعة ويكتسب خبرة بحيث إذا فهم وحذق وأتقن سافتح له ورشة مستقلة، تركه عنده شهر شهرين ثلاثة سته أشهر سنة، إذا جاء الأب سنة ليختبر مدى حذق الولد الصنعة في إصلاح السيارات في الميكانيكا؛ الولد في أول الأيام التي يقضيها مع المعلم في الورشة -شوف هذا طالب ومعلم- أول الأيام أن يعلمه أسماء الآلات: هذا اسمه مفك، هذا اسمه سلك، هذا اسمه كذا، هذا اسمه كذا، ويسميه أيضاً أسماء أجزاء السيارة، هذا مبرد، هذا محرك، هذا دينامو، يعلمه الأشياء، لكن ما يظل طول عمره على هذا الصنيع.

المرحلة الثانية يبدأ أستاذه يعلمه كيف يفك هذه القطعة وكيف يركبها، إذاً هو ما وصل إلى مرحلة أن يقرر أين الخطأ وأن يصلح بنفسه، لكنه يتعلم يصبح القطعة تماماً يقول شوف المرة الثانية إذا وجدت مثل هذا هذا يفتح هكذا ويركب هكذا ويحتاج من الآلة كذا وكذا وكذا تستخدمها حتى تستطيع تغيير كذا، شيئاً فشيئاً لن يكون الولد موصوفاً بالنجاح والحفظ والمهاره إلا إذا وصل إلى مرحلة إذا أقبل صاحب السيارة إلى الورشة يشتكي من علة أن يقول له معلمه: دورك الآن اختبار، اسمع منه ماذا يقول ومما يشتكي وحاول أن تشخص وتكتشف الخطأ أين هو؟ أين الخلل في السيارة؟ أصيب الولد مرة ويخطئ مرة، يصيب مرتين ويخطئ ثلاث مرات، في النهاية سيتعلم سيتعلم، لأن أستاذه ما كتفه ولم يكن دور فقط أن نعلمه أسماء الآلة وأنواعها وأشكالها دون أن يجعله يمارس التطبيق، إذا مارس التطبيق مرة بعد مرة سيخطئ مرات يوبخه معلمه ويوجهه ينصحه في النهاية سيتحس حتى يكتسب هذه الصنعة.

علم الأصول علم آلة، من الخطأ أن آتي بعد فترة لأرى ما درس الطالب خلال سنة أو سنتين ثم أختبره في أسماء مصطلحات وأنواع وتقسيمات، لو جاء الأب إلى ابنه في الورشة أمام أستاذه الذي علمه ليختبر مدى ما ما اكتسب خلال السنة ألا ترون أنه من السذاجة والحماقة إذا أراد أن يختبر حذقه أن يجعل على طاولة أمامه مجموعة من الآلات والعدد ويقول له: تعال السؤال الأول أخرج من بين هذه القطع مفك مقاس عشرة؟ تضحكون كلكم، لأنه هذه سطحية سذاجة في أن تختبر علم آلة في الاختصار فقط على أنواع وتقسيمات وأشكال.

الاختبار الحقيقي يقول له هذا عطب اكتشفه أين هو واصلحه، أليس الاختبار الحقيقي لطالب درس الفقه والأصول تقول هذه مسألة نازلة في الأمة في معاملات اقتصادية معاصرة، في معاملات في عمليات طبية وجراحية، في معاملات زراعية، في أي باب من الأبواب تقول له هيا اختبر فهمك، أعطيه آية، أعطيه حديث، تقول له حاول تستنبط منه، أعطيه آية وحديث بينهما شيء من التعارض، تقله كيف تجيب عن هذا الإشكال؟ يطبق ما درس ودعه يتعلم، دعه يخطئ، هو لم يفت الأمة، هو لم يخرج فتوى يعمل بها الناس، هو يتعلم في قاعات الدرس يخطئ مرة ويصيب مرة يخطئ ألف مرة ويصيب مرة سيتعلم يوماً ما، أما أن يظل مغلقاً على الاختصار على تعليم أسماء وأنواع وتعريفات هو كالولد الذي يختبره أبوك في أسماء الآلة وأنواعها وأشكالها دون أن يكون يوماً ما قادراً على إصلاح خلل ولو يسير أو يقدم شيئاً نافعاً، نحن أمام منهجية تحتاج أن تكون واضحة لدى طالب العلم الخطوة الأولى التي يضع فيها قدمه.

في هذا الطريق، هذا علم آلة وعلوم آلة له منهجية التي يسير عليها الطالب في الطلب. عليه أن يعمل فكره، عليه أن يجتهد، عليه أن يفهم، كتب الأصول تساعد لكن ليست كل شيء، يبقى التطبيق والممارسة وإدمان طالب العلم النظر في تلك الكتب، ومحاولة الرجوع إلى تفسير آيات الأحكام وشروح أحاديث الأحكام.

وهو يطبق تلك القواعد على النصوص الشرعية في ميدانها الصحيح، ويجعل قراءته لها قراءة اكتساب نظر ومحاولة استلهام تلك المناهج والقواعد، بالاستمرار على هذا أرجو أن يكتسب ملكة قادرة على التطبيق فيما بعد، إذا وفق الله عز وجل وفتح له من أبواب فضله ما شاء.

هنا سنقف في درس الليلة إن شاء الله تعالى على هذا القدر، يكون حديثنا إن شاء الله الاسبوع المقبل إن أحيان الله وإياكم على طاعته وفضله. والحديث عن قضية مهمة من قضايا علم الأصول، وهي الحديث عن المناهج الأصولية الموجودة، منهج الحنفية ومنهج الجمهور. ما أساس هذا التقسيم؟ ما آثاره؟ على أي اعتبار قام؟ ما الكتب التي تخدم كل مسار من هذه المسارات؟

ما معنى اجتماع هذه المذاهب الثلاثة مذاهب الجمهور في قالب واحد مع اختلافها الفقهية في الفروع؟ وما تفسير ذلك علمياً؟ كل ذلك سيكون محل دراستنا الأسبوع المقبل إن شاء الله تعالى.

أسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد والهدى والصواب، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، ويسلك بنا وبكم سبيل أهل العلم الراسخين الذين ينفع الله تعالى بهم وبعلمهم وبما تعلموه. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.