الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد، فنكمل بعون الله تعالى وتوفيقه ليلتنا هذه ما كنا قد وقفنا في الحديث عنده في الدرس الماضي الأسبوع المنصرم، ولا يزال حديثنا موصولا بالقدمات التي رأينا الحاجة إليها ملحة لكل دارس لعلم الأصول في الوقوف عليه. من هذه المسائل ذلك أنها أشبه بالمداخل والبوابات التي تعين طالب علم أصول الفقه لفهم ما هو بصدده من دراسة مسائل هذا العلم، وقد تدرج بنا الحديث في المجالس السابقة في الأسابيع الماضية من الحديث عن نشأة هذا العلم وكونه ملكة يتعامل بها ويفهم بها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضوان الله عليهم أجمعين.
ثم انتقال ذلك إلى شكل مدارس كانت على أيدي الصحابة في مختلف الأقطار والمدن التي نزلوا بها رضي الله عنهم، ثم تحول ذلك إلى تدوين مستقل على يد الإمام الشافعي رحمه الله في كتابه الرسالة فكان بذلك نواة للتأليف في علم الأصول. كان الحديث في الأسبوع الماضي تحديدا عن مؤلفات الأصول أو حال علم الأصول في مرحلة ما بعد كتاب الرسالة للشافعي، وكيف أنها أخذت نموا مزدهرا عبر الأجيال والقرون المتتابعة للقرن الثاني فالثالث وما بعدهما، حتى أضحى هذا العلم علما مستقلا بكتبه ومصنفاته التي يرجع إليها طلاب العلم.
وكانت آخر نقطة وقفنا عندها هي الحديث عن المذاهب العلمية في ساحة علم الأصول، وأنها مذهبان يمثلان كلا من الحنفية في جهة والجمهور في جهة أخرى مقابلة لهم. كان هذا الحديث عن المذاهب العلمية في الأصول بحاجة إلى مزيد توضيح وبيان، بحاجة إلى مزيد توضيح وبيان يزول معه بعض وجوه الإشكال، وتتجلّى معه بعض النقاط التي تحتاج إلى تفصيل يزيد الأمر وضوحا فيما يتعلق بالمذاهب.
فمجلسنا الليلة بعون الله تعالى حديث عن المذاهب العلمية في الأصول وانقسامها ومعايير هذا الانقسام إلى حنفية وجمهور، ثم أيضا الجواب عن بعض الإشكالات المتعلقة بهذا التقسيم فيما يخص مذهب الجمهور الذين يمثلون المالكية والشافعية والحنابلة. وكيف يتأتّى للجمهور مع اتحادهم في الأصول في المذهب أن يكون اختلافهم في الفروع باقيا، يعني كيف يمكن أن نفسر اجتماعهم في الأصول واختلافهم في الفروع؟
أيضا إشكال يتعلق بهذا التقسيم وهو ما معياره؟ ولماذا أصبح الحنفية في هذا التقسيم يقابلون الجمهور؟ وسؤال ثالث أين تقع المذاهب الأخرى كالظاهرية؟ وما موقعها أيضا من هذا التقسيم؟ وما أثرها تحديدا في علم الأصول وفي المسائل التي تقررت فيه؟
جوابا عن هذه الإشكالات أو علامات الاستفهام كان مجلسنا هذا الليلة للحديث عنها بالتفصيل. وققبل أن ندخل في تفاصيله والخوض فيه، يحسن بنا أن نقول إنه لم يبق لنا إلا الأسبوع القادم بمشيئة الله تعالى لنختم فيه الحديث عن هذه المقدمات والمداخل والتمهيد التي ابتدأت منذ نحو ستة أسابيع، ولا نزال متواصلين في الحديث عنها ليكون الذي بعده إن شاء الله توقفا في أسبوع الإجازة الفاصل بين الفصلين؛ لأنه سيكون مرتبا له دورة ما في المسجد الحرام، ونشرع بعون الله تعالى مع بداية الفصل الثاني إن شاء الله.
وحديث الليلة كما قلت هو الحديث عن المذاهب العلمية في الأصول. والمعلوم أن المذاهب الفقهية السائدة أربعة، وهي على ترتيبها الزمني تبعا لوفاة أئمة المذاهب: مذهب الحنفية، ومذهب المالكية، ومذهب الشافعية، ومذهب الحنابلة. هذه المذاهب الفقهية الأربعة خدمت فقها بالتدوين وجمع المسائل وفتاوى أئمة المذاهب منذ وقت مبكر.
وكان أكثر العناية بهذه المذاهب الأربعة هو نقل فتاوى أئمة المذاهب ومذاهبهم في المسائل وأقوالهم في الأحكام الفقهية. أبو حنيفة رحمه الله جمعت فتاواه ومسائله ومدارسته مع تلامذته وطلابه على الطريقة التي ارتضاها في تدريس الفقه. والامام مالك رحمه الله صنف موطأه وفي تراجمه كثير من فقهه، ثم حفظت مسائله وفتاواه أيضا على أيدي طلابه ونقلت المذهب عنه، فكانت المدونة مدونة أيضا حقيقة لمذهب مالك رحمه الله.
وأما الإمام الشافعي رحمه الله فانه أكثر الائمة عناية بتحرير مذهبه لما كتب مذهبه بيديه في كتابه الأم وقرر فيه اجتهاده واختياره في المسائل في مختلف أبواب الفقه. والإمام أحمد رحمه الله على الجميع هو أيضا ممن عني اصحابه بنقل مذهبه وفتاواه ومسائله فنقلت وحفظت ورويت. هذا فيما يتعلق بمذهبهم فقها.
أما الأصول فانه كما مر بكم سابقا ليس منهم إلا الإمام الشافعي رحمه الله هو الذي اعتنى بتدوين آرائه ومذهبه في مسائل الأصول من خلال كتابه الرسالة. وباقي الأئمة نقلت مذاهبهم واجتهد أصحابهم في تحرير قواعدهم في الاستنباط ومذاهبهم في مسائل أصول الفقه. فالمذاهب الفقهية إذا أربعة، وهو الذي يعلمه الصغير قبل الكبير من عموم متعلم المسلمين أن المذاهب الفقهية السائدة اليوم التي تنتسب للأئمة الأربعة تقترب وتبتعد في بعض المسائل، تتفق في أمور وتختلف في غيرها؛ لأنها في الجمله تتحد في اصول الشريعة ومصادرها الكلية بالرجوع إلى اصول الاستدلال كتابا وسنة وإجماعا وقياسا.
هذه القواسم المشتركة بين المذاهب الأربعة جعلت من اختلافهم الفقهي على اختلافه لكنه متحد في اصول الاستنباط وأصول الأدلة التي ترجع إليها. حديثنا الآن عن أصول هذه المذاهب، نحن نتكلم عن علم أصول الفقه، وهو كاسمه ينبغي أن يكون أصلا للفقه، فإذا كنت تتكلم عن فقه أبي حنيفة رحمه الله، فان اصول فقه الحنفية ينبغي أن تكون حقيقة هي أصول لمذهب أبي حنيفة، وقل مثل ذلك في المذاهب الثلاثة.
فالذي يقتضيه التقسيم عقلا أن تكون المذاهب الفقهية أربعة وأن تكون المذاهب الأصولية أيضا أربعة؛ لأن كل مذهب له أصوله الذي يقوم عليه، وعليه فالذاهب الأربعة ينبغي أن تتمثل في علم الأصول أيضا على مذاهب أربعة. لكن الموجود في التقسيم الأصولي في ساحة هذا العلم وميدانه تقسيم ثنائي، فيقال المذاهب في علم الأصول مذهبان وليست أربعة، مذهب الحنفية ومذهب الجمهور.
فينقسم هذا العلم إلى قسمين أو إلى مذهبين كبيرين: مذهب الحنفية ويقابله مذهب الثلاثة المالكية والشافعية والحنابلة في مقابل مذهب الحنفية، فيقال مذهب الجمهور ومذهب الحنفية. ثم تسمية أخرى لهذا التقسيم يققال فيها مذهب الفقهاء ومذهب المتكلمين أو طريقة الفقهاء وطريقة المتكلمين. تطلق طريقة الفقهاء أو مذهب الفقهاء فيما يرادف في الاصطلاح الأول مذهب الحنفية، فإذا قيل مذهب الحنفية يقابله بالاصطلاح الآخر تسمية مذهب الفقهاء.
وإذا قيلت طريقة الجمهور أو مذهب الجمهور يقابله في الاصطلاح الآخر مصطلح مذهب المتكلمين أو طريقة المتكلمين. قبل أن نناقش حيثيات هذا التقسيم، هو في الجملة هكذا اصطلاح شائع بين أيدي طلّاب العلم وبين الأصوليين على وجه الخصوص. فإذا قيلت طريقة الفقهاء فالمراد بها مذهب الحنفية، وإذا قيل طريقة المتكلمين فالمراد به مذهب الجمهور.
ولما يققال الجمهور هاهنا في الاصطلاح العام في الأصول فيما يقابل الحنفية، فانه يشمل المذاهب الثلاثة المالكية والشافعية والحنابلة، بخلاف الاصطلاح الذي يستخدم في الفقه المقارن أو الفقه الخلافي. لما يقال مذهب الجمهور، فان مصطلح الجمهور في الفقه الخلافي هو مصطلح نسبي، يعني هو في كل مسألة بحسبها؛ جئت لبعض المسائل فتقول الجمهور فيها على كذا وأنت تقصد مذهب الحنفية والشافعية والمالكية مثلا دون الحنابلة. وفي مسألة أخرى تقول هذا مذهب الجمهور تريد مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة دون المالكية، فمصطلح الجمهور في الفقه في كل مسألة بحسبها تذكر مذهب الذي انفرد بقول ما ثم تقول في مقابله وذهب الجمهور إلى كذا أو ومذهب الجمهور هو القول بكذا.
كذلك في علم الأصول ربما أتيت إلى مسألة جزئية تفصيلية بعينها تتحدث عن مذاهب العلماء فتقول ذهب المالكية مثلا إلى الاحتجاج بعمل أهل المدينة وهو عندهم أحد الأدلة المعتبرة، ويرى الجمهور عدم الاحتجاج. هنا ماذا قصدت بالجمهور؟ ما يقابل المالكية، فيدخل فيه الحنفية والشافعية والحنابلة.
هذا اصطلاح لا يتعارض مع ما قلته قبل قليل في التقسيم؛ لأنك لما تتكلم عن مسألة جزئية بعينها وتتحدث فيه عن نسبة القول إلى مذهب دون مذهب، فانه يفهم من خلال حكايتك خلاف ماذا تقصد بالجمهور؛ لأنك أفردت قبل قليل مذهب المالكية ففهم أن الجمهور هم من داى مذهب المالكية، لكنني أتكلم قبل قليل في التقسيم الاصطلاحي.
الرئيس الكبير الذي تبنى عليه مذاهب الأصوليين بالجملة، فإنه حيث يقال مذهب الجمهور أو طريقة الجمهور، فالمراد به المذاهب الثلاثة ما عدا مذهب الحنفية، هذا اصطلاح، إذاً فعليك أن تفهم هذا الاصطلاح لتجمع بعدها إلى النقطة التالية، وهو ما معايير هذا التقسيم، ولمن قسم إلى هذين المذهبين بالجملة مع ما بينهما من شيء من الاختلاف والتفاوت أو التقارب على خلاف هذا التقسيم؟ سأوجز الحديث إخوتي الكرام في نقطتين اثنتين.
أولاهما أن أحد معايير التقسيم وهي الشائعة والتي تذكر في كتب تواريخ العلوم ولعل أول من ذكره ابن خلدون في مقدمته هو أنه قال إن هذا التقسيم الذي استقر عند الأصوليين من تقسيم المذاهب إلى مذهبين؛ مذهب حنفية ومذهب جمهور، هو بالنظر إلى الطريقة التي سلكها الفقهاء والاصوليون في تدوين مسائل علم الأصول.
إذاً هو بالنظر إلى منهجية التأليف والطريقة التي سلكت في تدوين مسائل علم الأصول، فمن نظر وفحص وتأمل سيجد أن للحنفية مذهباً ومنهجاً مستقلاً وطريقة يتسمون بها يخالفون بها المذاهب الثلاثة فيما يمكن أن تجعل المذاهب الثلاثة في منهجية التأليف في كتب الأصول وطريقتهم في التصنيف يمكن أن تجعلهم منهجاً واحداً وطريقة مستقلة.
إذاً لما نقول إن المذاهب الثلاثة بهذا المعنى الذي فهمت قبل قليل، لما نقول إن المذاهب الثلاثة تتحد في مذهب واحد، فإياك أن تفهم أنهم يتفقون في الأصول وفي القواعد وفي المسائل، هذا لا يمكن أن يكون، لأنهم لو اتفقوا على القواعد في الأصول لالازم من هذا اتفاقهم في الفروع وليس الأمر كذلك.
لكن هذا التقسيم هو بالنظر إلى منهجية التأليف، وسأشرح لكم بمزيد تفصيل؛ سرت وتقررت طريقة الحنفية في تدوين مسائل علم الأصول على طريقة استنباط القاعدة من خلال فتاوى وأقوال أئمة المذهب الحنفي.
فإذا جاء يقرر قاعدة أصولية فإنه يستنبطها ويستخرج من النظر إلى تصرفات فقهاء المذهب، وهم الثلاثة تحديداً يعني الإمام أبو حنيفة والامام القاضي أبو يوسف والامام محمد بن الحسن الشيباني، فاللاثة أئمة المذهب عنهم تؤخذ فتاوى المذهب ومسائل المذهب وفقه المذهب.
فجاء الأصوليون من الحنفية فعمدوا إلى تلك الفتاوى والمسائل المروية عن أئمة المذهب فحاولوا استنباط قواعد أصول المذهب من خلال فتاويهم، فيقولون مثلاً مذهبنا عدم الاحتجاج بخبر الواحد فيما تعم به البلوى، قد لا يجدون عبارة منصوص بهذا اللفظ عن أئمة المذهب، لكنهم يثبتون من خلال الفتاوى أن أئمتهم لا يحتجون ببعض الأحاديث ولا يرونها محلاً للاستنباط.
ونظروا فوجدوا أن سبب ذلك كونه خبراً من أخبار الآحاد، والمسألة واقعة ضمن دائرة ما يسمى بعموم البلوى فجعلوا من ذلك قاعدة، ثم اختبروا هذه القاعدة في مسألة أخرى وثالثة ورابعة مما نقل على أئمة المذهب، فاستقرت عندهم قاعدة استخرجوها من خلال فتاوى أئمة المذهب والمسائل المنقولة عنهم وصاغوا منها قاعدة.
إذاً طريقتهم في تقرير القواعد الأصولية قواعد الاستنباط أو الاستدلال هي مستقاة ومستخرجة ومستنبطة من فتاوى أئمة المذهب وفروعهم وفقههم الذي حفظ وروي ونقل ودون، فاستنبط منه أصولاً، ولهذا فإن التسمية الأخرى لهذه الطريقة التي اعتمدها الحنفية في تدوين مسائل علم الأصول تسمى بطريقة الفقهاء؛ لأنها تعتمد على الفقه مباشرة وتستقي القواعد الأصولية من خلال الفروع الفقهية المتناثرة.
فأنت لا يعجزك عندما تمسك كتاباً كأصول السرخسي مثلاً أو كتاباً كأصول فخر الاسلام البزدوي وبعض شروحه أو المنار للنسفي وبعض شروحه، لا يعجزك أن تقف في المسألة الواحدة على عشرات الفتاوى المنقولة عن أئمة المذهب، لأن هذه هي الطريقة المعتمده عندهم في تقرير أصول المذهب وقواعده.
فحتى يقول إن المذهب عندنا قائماً على اعتبار دلالة العام مثلاً دلالة قطعية لا ظنية أنه يعمد إلى تقرير ذلك استنباطاً من خلال فتاوى أئمة المذهب، فيسوق لك مثالاً ومثالاً ومسألة ومسألتين يثبت من خلالها أنه بتصفح آراء فقهاء المذهب واجتهاداتهم فإنها تؤكد هذه القاعدة فيصوغ منها قاعدة ويؤسس ويؤصل عليها.
إذاً هذه طريقة الحنفية في التصنيف جعلت منهم مذهباً مستقلاً وجعلت طريقتهم متميزة عن طريقة غيرهم من الأصوليين في سائر المذاهب الثلاثة، ولهذا سميت كما قلت في الاصطلاح الآخر بطريقة الفقهاء؛ لأنها تعتمد على الفقه وتستقي منه وتبني عليه.
ما الذي يقابل هذا عند الجمهور؟ عند المالكية، عند الشافعية، عند الحنابله؛ يقابل ذلك طريقة أخرى، طريقة أخرى في التصنيف تختلف عن طريقة الحنفية، فلا تجدهم يعمدون إلى فتاوى إمام المذهب ولا إلى مسائله المروية عنه ولا إلى فقهه المدون والمنقول عنه ليستخرج منه القواعد كما صنع الحنفية.
لكنهم يقررون المسائل ويعتمدون مناقشة قواعد علم الأصول بالنظر إلى المسائل والقواعد من حيث هي، يناقشون القاعدة بتجرد دون النظر إلى موقف المذهب منها.
يعني مثلاً يريدون مناقشة الحنفية فيما ضربت له مثالاً قبل قليل؛ الاحتجاج بخبر الواحد فيما تعم به البلوى، فيقرر القاعدة بغض النظر عن موقف إمام مذهبه من القاعدة، يحاكم القاعدة إلى ماذا؟ يحاكم القاعدة إلى أدلتها العقلية والشرعية، ولهذا يكثر في طريقة المتكلمين أو في طريقة الجمهور سميها كما شئت، يكثر في طريقتهم عندما يقررون القاعدة يكثر عندهم تعزيز القاعدة أو الاستدلال لها عقلاً ونقلاً.
فيسوق لها من الأدلة العقلية ومن الأدلة النقلية أو الشرعية ما يشهد لصحة القاعدة، يعني مثلاً يريد أن يستدل على أن الأمر يدل على الوجوب، في طريقة الحنفية ينقلون فتاوى عن أئمة المذهب تنص عندهم على أنه لو استخدم صيغة افعل فإنها تستلزم الامتثال، تقتضي ترتب العقاب على المخالفة وهذا عندهم كاف لإثبات أن هذا هو قاعدة المذهب.
عند الجمهور الطريقة تختلف، لما يريد أن يقرر أن القاعدة هي الأمر تدل على الوجوب لا يبحث عن ماذا قال الإمام ليث في القاعدة ولا ماذا نقل عنه من الفتاوى، يأتي إلى القاعدة من حيث هي يقول هذا أمر والأمر صيغة افعل عند العرب، يناقشها من حيث الدلالة اللغوية، العرب ماذا تريد بصيغة افعل؟ فيناقش المسألة من هذه الزاوية ومن هذا الاتجاه ويعمد إلى طريقة العرب في الاستعمال ثم مقتضى العقل ماذا؟
لو قال السيد لعبده افعل فلم يفعل ووجه الشبه أن السيد له أمر على عبده والعبد في مقام التعامل مع سيده يستوجب الامتثال ولا خيار له، فهو من هذه الجهة هو شبيه بمقتضى التكليف بين الخالق والمخلوق أنه إذا وجه إليه الأمر فليس أمامه اختيار إلا الامتثال.
وهكذا يناقشون يقول ألا يحسن أن يوبخه يعاقبه ولا يستلزم من ذلك كذا وكذا، فإذا ثبت الأمر كذلك إذاً القاعدة الشرعية في النصوص الشرعية الأمر يدل على الوجوب، فيناقشون ويقررون القواعد من حيث هي دون النظر إلى موقف إمام المذهب ثم إذا مر بالمسائل قاعدة فيلو وقاعدة سلك هذا المسلك.
إذاً النظر إلى منهجية التأليف هو أحد أهم المعايير التي انقسم من خلالها تقسيم مذاهب العلماء في الأصول إلى مذهبين اثنين؛ مذهب الحنفية ومذهب الجمهور.
هذا المعيار هو المقرر كثيراً في الكتب في كتب علم الأصول والمقدمات وفي كتب تواريخ العلوم كما أشرت قبل قليل، وهو صواب إلى حد كبير لكنه غير مطرد وترد عليه بعض الإيرادات ناقشها بعض الباحثين وتستلزم أيضاً بعض الإشكالات التي لا يمكن الانفكاك عنها، وسآتي إلى الإشارة إليها عاجلاً.
الذي يهمني الآن أن ندرك أن هذه الطريقة التي يتسم بها مذهب الجمهور هم يرونها أي الجمهور أكثر موضوعية وحياداً وإنصافاً في تقرير القواعد؛ أنها لا تخضع إلى اجتهاد فقهي هو ثمره ينبغي أن يكون فرعاً لا ينبغي أن يكون أصلًا.
إذاً هم ينتقدون طريقة الحنفية أنهم جعلوا الفروع الفقهية أصلاً للأصول، يقولون هذا خلاف المنطق، المنطق يقول أن تجعل الأصل أصلاً يبنى عليه الفرع وليس العكس، لا تعمد إلى الفرع فتستقر منه أصلاً تؤسس عليه، لكن هي هكذا طريقة الحنفية ولهذا صار مذهبهم أحياناً تقرر فيه القاعدة الأصولية وليس لها فروع كثيرة.
لكن لأنهم وجدوا أن تصرفات الأئمة في بعض المسائل تنص على أمر ما فصاغوا منها قاعدة تمثل قاعدة أصولية تخدم المذهب في مسألة ما من المسائل، ولهذا أيضاً يمكن أن تقول إنه لا يمكن بمقتضى هذا التقسيم لا يمكن أن تجد عند الحنفية قواعد أصولية تصدم مع الفروع الفقهية عندهم.
والفتاوى المقررة؛ لأنه مستقاة منها أصلاً. وهم يمتدحون طريقتهم بهذا المنحى، أن هكذا جعلنا الأصول والفروع متسقة، ولانه ليس من المنطق أن تقر أصلاً ثم تجد فروع مذهبك تخالفه. على كل، هما مذهبان كما رأيت الآن قبل قليل، فيما يرى الجمهور أن الصواب والأسلم والأقل في تحرير وصياغة قواعد تريد أن تكون محل تحكيم، وتريد أن تكون قاعدة يصلح استعمالها فيما بعد مع كل حادثة ومسألة نازلة، ينبغي أن تناقش على محك الموضوعية، وبالتالي لا تخضعها إلى أي اجتهاد، ناقشها من حيث هي، فيرون طريقتهم أقرب إلى الموضوعية والإنصاف والتجرد، وإلى تحرير المسائل العلمية التي حقها أن تقرر على هذا النحو، هذه طريقة الجمهور.
يبقى السؤال: ما مناسبة تسميتهم بطريقة المتكلمين أو مذهب المتكلمين؟ يتبادر إلى أذهان، يتبادر إلى آذان عموم طلبة العلم أن تسمية المتكلمين مأخوذة من علم الكلام، وعلم الكلام بهذا الاصطلاح هو العلم المذموم الذي دخل على علوم الشريعة في مرحلة ما بعد ترجمة الكتب اليونانية في زمن الخليفة المأمون لما أنشأ دار الحكمة، فعرب كثير من كتب اليونان، وكان فيما عرب منها كتب المنطق والفلسفة اليونانية، ثم درسها علماء المسلمين أو طلبة العلم وتشروبوها وأثرت هذه كثيراً على بعض العقائد الإسلامية وبعض أفكار ومناهج التأليف، فكان فيما دخل فيه شيء من هذا التقرير، وأن علم الكلام الذي اصطبغ به بعض المنتسبين للإسلام أو علماء الإسلام أثر عليهم فجعلهم كذلك.
لكن السؤال الذي لا جواب عنه على هذا الفهم: هل المقصود لما نقول طريقة المتكلمين أن الشافعية والمالكية والحنابلة الذين كتبوا في الأصول هم علماء كلام؛ يعني علماء علم الكلام الذين تشروبوا الفلسفة والمنطق اليوناني؟ الجواب: لا، فقهاء أصوليون وممن خدموا المذاهب وحرروا أصولها، فما وجه التسمية بعلم الكلام؟ وجه التسمية هي الطريقة مرة أخرى، المنهجية في التأليف، أن طريقة المتكلمين تعمد إلى تقرير المسائل ومحاكمتها عقلاً وما يقتضيه المنطق، وهذا هو أساس علم الكلام وصلبه الذي يقوم عليه: أن تقرر المسائل الكلامية من حيث مقتضى الدلالة العقلية، وهذا أيضاً بارز وواضح في طريقة الجمهور كما قلت، فإنهم لا يكادون يخلون مسألة من المسائل عند نقاشها أو تحريرها، لا يخلونها من دليل عقلي يعززها ويقويها، ويرون أن هذا أيضاً من تمام الموضوعية والإنصاف والتجرد عند تحرير المسائل.
إذاً هي لا علاقة لها بقضية أن يكون المؤلف أو العالم في هذا المذهب أن يكون متشرداً بالبدع، وأن يكون قد تأثر بعلم الكلام أو اختلفت عقيدته، لا علاقة، هي مسألة تتحدث عن طريقة التصنيف ومنهجية الكتابة والتدوين في هذا العلم. فسرت التسمية بين الفريقين، فقهاء ويقابله متكلم، أو حنفية ويقابله الجمهور. هذا كما قلت المعيار في التقسيم هو السائد والشائع بين طلبة العلم، لكن عليه بعض الإشكالات أو التنويهات التي نحتاج الحقيقة إلى الجواب عنها؛ لأن هذا المعيار يقتضي أن كل ما ألف من كتب الأصول بهذه الطريقه أعني الرجوع إلى فروع المذاهب وأقوال الأئمة واستقاء القواعد منها، أن كل ما صنف على هذه الطريقه ينبغي أن يكون في دائرة، ها، في دائرة مذهب الحنفية وطريقة الفقهاء.
بينما نجد بعض الكتب التي صنفت عند غير الحنفية هي تسلك هذا المسلك، وأوضح مثال له كتاب العدة للقاضي أبي يعلى المعدود في أوائل، بل من أول كتب اصول الحنابلة التي صنفت في تقرير قواعد مذهب الإمام أحمد رحمه الله الأصولية، ماذا يصنع القاضي أبو يعلى في كل مسألة يعنون لها ويدون لها؟ يعمد إلى إحدى الروايات المروية عن أحمد رحمه الله في مسألة من المسائل، يثبت بها أن هذا هو مذهب أحمد رحمه الله في تلك القاعدة، إذاً هو تماماً كصنع الفقهاء الحنفية، فلما لا يصنف كتابه ضمن طريقة الفقهاء وهو قطعاً ليس حنفياً، إذاً هو حنبلي لكنه صنف على طريقة الفقهاء؟
فهذا وارد، كما أن العكس صحيح؛ أي أن بعض الحنفية أيضاً صنف كتابه في الأصول على غير طريقة الفقهاء على طريقة المتكلمين، وهذا يغلب عند المتأخرين كالكمال بن الهمام مثلاً رحمه الله وغيره من الحنفية، فإنهم صنفوا أو جمعوا أو دونوا أصول مذهب الحنفي على طريقة المتكلمين لا على طريقة الفقهاء، وخصوصاً من صنف جامعاً في كتابه بين الحنفية والجمهور، كما صنع بديع النظام، الساعاتي، بديع الزمان الساعاتي لما، لما صنف كتابه الجامع بين البزدوي والأحكام سماه بديع النظام الجامع بين البزدوي والأحكام، فانه لما صنف كتابه هكذا عمد إلى طريقة الجمهور.
لما جاء الكمال بن الهمام مثلاً رحمه الله في التحرير وهو قد جمع بين أصول الشافعية وأصول الحنفية، فانه اعتمد أيضاً طريقة الجمهور في التصنيف ولم يعتمد طريقة الحنفية. اريد أن اقول إن هذه التسمية أو هذا التقسيم وهذا الاصطلاح هو في الأعم الأغلب، لكنه ليس بمطرد، وعليه فلا يرد من الإشكال أن بعض الفقهاء أو بعض الأصوليين من الحنفية صنف على طريقة الجمهور أو العكس، فإننا نتكلم عما هو غالب وشائع ومستمر.
هذا أحد المعايير، طبعا هذا المعيار ترتب عليه ميزة موجودة بوضوح في كتب اصول الحنفية، وهي ما قلتها قبل قليل: كثره احتوائها عن الفروع الفقهية. كتب اصول الحنفية ثرية ومليئه بالفروع الفقهية، فانك لما تتصفح احد الكتب ككتاب مثلاً اصول، كتاب الفصول للجصاص أو كتاب اصول سرخسي فانك تكاد، تكاد تقرا في كتاب فقه من كثرة الفروع الوارده والمسائل المحكيه والتي تسرد تباعاً في المسألة الواحدة.
ثم هذا أضفى على كتب الحنفية شيئاً، شيئاً من الفهم الذي يسهل على الدارس فهم القاعدة؛ لأنها ترتبط مباشرة بالفروع التي تبين معنى القاعدة وكيف ارتباطها بالفقه عند الحنفية، فلذلك يزول في كتب الحنفية ممن ألف على هذه الطريقه يزول عنها الجفاف الذي يجده طلاب علم الأصول ممن قرا أو درس على طريقة كتب الجمهور، الذي يجد فيها تقرير القاعدة المجردة تماماً عن أي ارتباط بمسألة فقهية، ربما أعوزه الفهم في كثير من المسائل.
المعيار الثاني الذي جرى عليه تقسيم المذاهب إلى قسمين، وهو أيضاً ينبغي أن يكون بضمين التقسيم الأول، ونحتاج أن نضمه إليه؛ لأن الاقتصار على التقسيم الأول ليس بمقنع كما قلت، يعني يواجه بعض الإشكالات التي قررها بعض الباحثين المعاصرين، لكني أرى والله أعلم أن سبباً آخر ينبغي أن يضاف إلى التقسيم الأول أو إلى المعيار الأول في التقسيم، فيكون المعياران منضمين يمثلان حقيقة سبب التقسيم الذي جعل الحنفية في مذهب مستقل يقابله مذهب الجمهور مستقلاً في الجهة المقابله.
هو في ظني والله أعلم، يعني هو اجتهاد أقوله ولم أر من نص عليه هكذا، أرى والله أعلم أن طريقة الحنفية وتقريره للقواعد الاصولية في بعض المسائل التي غدت أمهات مسائل علم الاصول جعل من الحنفية مذهباً مستقلاً في مصار الجمهور إلى رأي مقابل، أودحه بمزيد بيان: ثمة مسائل في علم الأصول، كل المسائل يختلف فيها ارباب المذاهب، لكن ثمة مسائل هي اصول وامهات في علم الأصول، يعني هي مسألة كبيرة من مسائل علم الأصول تبنى عليها بعض المسائل الاصولية الأخرى، وإن شئت فقل هي من المسائل الاصولية التي ينبني عليها أبواب فقهية كبيرة في الاختلاف، بمعنى أن الاختلاف فيها سيؤثر تأثيراً كبيراً في كثير من دوائر الفروع في المسائل.
هذا النوع من المسائل كثر فيه انفراد الحنفية في مذهب، واتفق الجمهور مقابلهم على مذهب، فصار من نتاج هذا الوصف الذي ذكرت أن يصبح الجمهور في كفة يقابلون الحنفية. أضرب بمثالين بمسألتين كبيرتين من مسائل علم الأصول صار فيها الحنفية إلى مذهب وخالفهم الجمهور إلى مذهب آخر، ثم أثمر هذا خلافاً متتابعاً في مسائل هي كما قلت من أمهات وسائل علم الأصول.
المسألة الأولى: الخلاف بين الحنفية والجمهور في دلالة العام، أقطعية هي أم ظنية؟ والقطع والظن عند الاصوليين محل في كثير من الخلافات ذات الإشكالات، هذا واحد منها: هل دلالة العام على أفراده دلالة قطعية أم ظنية؟ يقرر الجمهور أنها دلالة ظنية، ويرى الحنفية أنها قطعية، وبالتالي يسوي الحنفية بين دلالة الخاص والعام؛ لأن كلا منهما عندهم قطعي، فالخاص دلالته قطعية والعام دلالته قطعية، بينما يرى الجمهور أن دلالة الخاص قطعية ودلالة العام ظنية، وهذه من المسائل التي يفرض لها.
خلاف كبير في كتب الأصول المتقدمة أو المتوسعة التي تناقش هذه القضية؛ ينتصر الحنفية لمذهبهم في الذهاب إلى قطعية دلالة العام، وينتصر الجمهور لمذهبهم في ظنية دلالة العام. ما هذا؟ هذه مسألة من المسائل التي اختلف فيها الأصوليون، لكنك عندما تنظر سترى أن هذه المسألة أثمر الخلاف فيها خلافا كبيرا جدا.
وأكبر أبواب الخلاف المبنية على الخلاف في هذه المسألة هي مسألة تعارض العام مع الخاص، أو دليل خاص يعارض في بعض دلالته دليلا عاما آخر. مذهب الجمهور، وربما هذه قاعدة يحفظها طلّاب العلم عموما، أنه إذا تعارض العام والخاص، يحمل العام على الخاص أو ما يسمونه بالتخصيص، يعني يجعلون الخاص محكما وقاضيا على دلالة العام، يعني أخرج أفراد الخاص وأجري دلالة العام فيما عدا هذا الخاص. هذا التخصيص، وبالتالي أنت أبقيت دلالة النصين؛ أخرجت دلالة الخاص واستثنيت لأنه ورد فيه دلالة خاصة، وأجريت دلالة العام على ما هو عليها.
يرى الحنفية أن هذه الطريقة لا تستقيم مع قاعدتهم؛ قاعدتهم أن دلالة العام قطعية ودلالة الخاص قطعية، فإذا تعارضا فأيهما أولى؟ ليس أحدهما بأولى من الآخر لأن كلا منهما قطعي. فما العمل عندهم إذا؟ العمل عندهم على أنه لا يخصص العام بالخاص إلا إذا اقترن به؛ إذا ورد مقارنا له، أما إذا لم يأت معه فالحكم للمتأخر منهما؛ إن تأخر الخاص فالحكم له، وإن تأخر العام فالحكم له.
كيف يعني؟ يقولون إن تأخر الخاص نسخ بقذرة من العام، وإن تأخر العام نسخ الخاص بأكمله. هذا خلاف جوهري الآن ناشئ عن خلاف في إحدى المسائل للكبار، وهي نوعية دلالة العام. فجئنا إلى مسألة هي من أكبر المسائل، لماذا أقول من أكبر المسائل؟ لأنه لا يوجد نص في الشريعة، كتابا ولا سنة، يشتمل على حكم شرعي تكليفي إلا وفيه عموم وخصوص، هذا كل النصوص الشرعية.
فلما تقعد لقاعدة الخلاف فيها جوهري، إذا أنت تسحب الخلاف على عدد كبير جدا من المسائل، ويسحب هذا أيضا فروعا فقهية كثيرة متناثرة. عندئذ سترى بالضرورة ولزاما ونتاج على هذا التقعيد أن الحنفية في كثير من المسائل وفق هذا التقعيد الذي قعدوه يقررون المسألة فقهيا على نحو ما فيما يخالفهم الجمهور، والسبب أن قاعدة من القواعد الأصولية الكبار الأمهات الأصول وقع فيها الخلاف. إذا هذا مثال وشرحه يطول، وأمثلته أيضا تحتاج إلى مجالس مستقلة لإثبات كيف يتسلسل هذا الخلاف في مسألة كبيرة من المسائل المهمات أو الأصول أو الأمهات عند الأصوليين.
المثال الآخر في ما وقع فيه خلاف بين الحنفية والجمهور فصار الحنفية إلى قول والجمهور إلى قول آخر، هي مسألة العمل عند تعارض الأدلة الشرعية. لما يتعارض دليلان، فإن المسالك المعتبرة عند أهل العلم هي واحدة من ثلاث خطوات: أما الجمع بين النصين، أو الترجيح بينهما، أو الحكم بأحدهما نسخا القول بالنسخ. كيف ترتيب هذه الأوجه؟ يعني بأيها تبدأ؟
الجميع متفق على أنه إن ثبت النسخ بدليل واضح صريح وجب المصير إليه، لأنه لا يمكن أن تعمل بدليل منسوخ. هذا عند الوضوح وعند الاتفاق عليه، يصبح الناسخ قاضيا على المنسوخ والحكم له، مثل حديث: كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها. فإذا وجدت يوما ما نصا من النصوص الشرعية ينهى فيه النبي صلى الله عليه وسلم عن زياره القبور فسيكون جوابك هو أن هذا منسوخ، إذا أنا لن أقف عنده ولن أعتبره مشكلا ولا معارضا للأدلة الأخرى بوجود النص الصريح: كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث فكلوا وتصدقوا وادخروا، فنسخ نهيه السابق عليه الصلاة والسلام. فحيث ثبت النسخ فالجميع متفق على أنه ينبغي أن يكون هو أول الخطوات التي يعمل بها.
لكن السؤال: إذا لم يثبت النسخ، فأي المسلكين هو المقدم والمعتبر؟ الجمع أم الترجيح؟ هذه إحدى المسائل؛ يرى الحنفية أن الترجيح هو المقدم، وينظر في النصين فأيهما كان فيه وجه من وجوه الترجيح فالحكم له، ويعتبر الدليل الآخر مرجوحا، والمرجوح ليس بدليل عندهم هكذا يقولون. يقول: إذا ثبت ترجيح أحد النصين على الآخر ثبت عندنا أن المرجوح لم يعد دليلا، وبالتالي كأنهم أمام دليل واحد أو نص واحد فقط والغاء الآخر بحكم الترجيح.
بينما يرى الجمهور مالكية وشافعية وحنابلة أن الجمع مقدم على الترجيح، بمعنى أنه متى أمكن الجمع بين النصين بوجه من وجوه الجمع المعتبر السائغ فيجب العمل به ويكون مقدما على الترجيح ولا يصار إلى الترجيح إلا إن تعذر الجمع. مثال ذلك لما قال عليه الصلاة والسلام: لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا. فنهى عن استقبال القبلة واستدبارها، ثم يحكي ابن عمر رضي الله عنهما أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة.
فهل يقع عليه الصلاة والسلام في شيء يخالف ما وجهنا إليه؟ يعني يخبرنا بشيء ويفعل خلافه؟ محال. كيف تجمع بين هذين النصين؟ هنا عدة مذاهب؛ من يرى الترجيح مباشرة سيقولون: هذا قول وهذا فعل والقول مقدم على الفعل، هذا ترجيح، فيقول: سأعمل بقوله عليه الصلاة والسلام إذا لا يجوز الاستقبال ولا الاستدبار. طيب، ماذا تصنع بالحديث الآخر؟ سيقول لك: أنا رجحت، وعند الترجيح لا يعتبر المرجوح دليلا. وأحد القواعد في الترجيح عندهم أن دلالة القول مقدمة على دلالة الفعل.
من يرى الجمع يقول: عفوا، قبل أن تهمل أحد النصين، القاعدة أن الجمع مقدم، لما قال؟ لأن في الجمع إعمالا لكلا الدليلين، وأعمال الدليلين ولو بجزء من أحدهما أولى من إعمال أحدهما وإهمال الآخر. فلما تنظر إلى الدليلين ستقول: يمكن الجمع بأكثر من وجه، منها أن تقول إن النهي للأمة والجواز خاص به عليه الصلاة والسلام، لأنه ثبت عندنا في الشريعة خصوصيته ببعض الأحكام، هذا مذهب وقال به بعض أهل العلم وإن كان ضعيفا.
المذهب الآخر، وهو الذي يعرفه عموم طلّاب العلم، هو التفريق بين البنيان، الصحراء أو الفضاء، وأنه إذا كان في البنيان جاز استقبال القبلة واستدبارها لوجود الحاجز أو الجدار أو البناء الذي يفصل بين من يقضي حاجته وبين الكعبة، فلا يكون في استقباله للكعبة مفضيا إليها، وبالتالي زالت العلة من النهي وهو امتهان الكعبة أو القبلة، واستدلوا لهذا ببعض الآثار، وفيها صنيع لابن عمر وابن عباس وغيرهما رضي الله عن الجميع.
ما الذي تلحظ في هذا الصنيع؟ هو جمع بين الدليلين، فقال: لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها يعني إذا كنت خارج البنيان، وفعله عليه الصلاة والسلام يدل على الجواز يعني إذا كنت داخل البنيان. فحملوا أحد النصين على وجه والنص الآخر على وجه آخر وأبقيا دلالة النصين معا. هذا مثال الآن لما يمكن الجمع فيه، فيقولون الجمع مقدم. يقول الجمهور: مهما أمكن الجمع بين النصين وجب العمل بهما إلا إذا تعذر.
ما مثال التعذر؟ مثال التعذر اصطدام بنص آخر. مثال التعذر مثلا كونه لا يمكن الجمع لأن الحادثة واحدة، يعني مثلا جاء في نصوص صحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن ينكح المحرم أو ينكح، فلذلك صار من محظورات الإحرام للمحرم عقد النكاح ومباشرته. وثبت أيضا في حديث صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة وهو محرم، وفي حديث آخر نكحها وهو حلال. الآن تعال إلى النصين: نكحها وهو محرم، ونكحها وهو حلال، هذان نصان متعارضنان.
على طريقة الجمهور سيقول لك: لابد من الجمع مقدم على الترجيح، هنا لا يمكن الجمع لأن الحادثة واحدة، فلا يمكن أن تقول إنه نكحها حراما في وقت ونكحها حلالا في وقت آخر؛ الحادثة واحدة والقصة واحدة، فلا يمكن الجمع في مثل هذه الصورة. يقول الجمهور: نعدل عن ذلك إلى الترجيح، وتطمح أن ترجح أحد النصين على الآخر.
مثال ثان: لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة عام الفتح ودخل وخرج، هل صلى داخل الكعبة أو لم يصلي؟ أثبت ذلك ابن عمر ونفاه بلال والحديثان صحيحان، واحد يقول صلى داخل الكعبة والثاني يقول ما صلى داخل الكعبة، وهو دخول واحد والقصة واحدة فلا يمكن أن تجمع.
مثال ثالث: أين صلى النبي صلى الله عليه وسلم؟
الظهر يوم عيد الأضحى لما حج حجة الوداع خرج من مزدلفة ذهب إلى منى رمى جمرة العقبة حلق رأسه ونحر هديه نزل الحرم طاف الإفاضة وسعى أين صلى الظهر حديث صحيح يقول صلاة بمكة وحديث آخر صحيح يقول صلاة بمنى رجع وصلى الظهر هي صلاة واحدة وحجة واحدة فأحد الحديثين هو الصحيح لا يمكن الجمع بينهما عندئذ ستعدل إلى الترجيح.
أريد القول إن مسألة الجمع بين النصين وتقديمه على الترجيح أو تقديم الترجيح هي أحد المسائل الكبرى في علم الأصول التي يترتب عليها خلاف فقهي كبير فلما يقرر الحنفية مذهبا مستقلا يخالف مذهب الجمهور سيثمر ذلك ولا بد ها خلافا فقهيا كبيرا فهذا في نظري والله أعلم أحد معايير التقسيم التي جعلت من مذهب الحنفية مذهبا مستقلا يقابل مذهب الجمهور هل معنى هذا الكلام أن الحنفية دوما هم من يخالف وينفرد عن الجمهور وأنه لا يمكن أن تجد للمالكية مسائل استقلوا فيها في الأصول ولا للشافعية ولا للحنابلة بلا قلت قبل قليل استقل المالكية مثلا بالاحتجاج بعمل أهل المدينة وصار مذهبا مستقلا لهم ومن مفرداتهم أيضا في الأصول قولهم في بعض القواعد العمل بمراعاة الخلاف حتى أصبح من القواعد التي تميز بها مذهب المالكية ما هذا هو خلاف واستقلوا به لكنني أقول ثمة خلاف في مسائل هي أمهات وينبني عليها من الفروع والقواعد الأصولية الأخرى شيء كثير يجعل من مذهب الحنفية بهذا الاستقلال والتفرد مذهبا مستقلا في مقابل في مقابل مذهب الجمهور.
فهذا في نظري بالانضمام إلى التقسيم الأول يجعل المنطق واضحا وأقرب إلى الفهم لماذا صارت المذاهب في علم الأصول مذهبان حنفية وجمهور ولماذا الحنفية دون غيرهم والجواب ما سمعت قبل قليل وعلى ذلك ثمة مسائل أخرى في علم الأصول تفرد بها الحنفية لكني ضربت بمثالين أو مسألتين هما من كبرى المسائل التي ينبني عليها خلاف كبير لأن عامة الخلاف في المذاهب الفقهية يعود في أحد أكبر أسبابه تعارض الأدلة عند الفقهاء فلما تكون المسألة في أصلها محل خلاف تفرد به الحنفية فإن هذا يجعل من مذهبهم مذهبا مستقلا مخالفا لمذهب الجمهور ثمة مسائل كما قلت ليست هي وحدها انفرد بها الحنفية في الأصول من أشهر المسائل مما فردوا به مسألة الزيادة على النص ويرونها نسخا وانبرت عليها مسائل وبعض القواعد الأخرى مسألة الاحتجاج بخبر الواحد فيما تعم به البلوى تفرد الحنفية رحمهم الله بعدم الاحتجاج به فيما صار الجمهور إلى حجيته وقس على هذا.
فلما كثر هذا النوع من المسائل في علم الأصول وتفرد به الحنفية واستقلوا أصبح مذهبهم بهذا الاعتبار مذهبا مغايرا منفردا عن مذهب الجمهور وأصبح الجمهور بهذا الاعتبار المالكية الشافعية الحنابلة في قالب واحد في مذهب واحد داخل هذا التقسيم الذي فهمت وجهته قبل قليل هذان معياران أرى أن انضمامهما يشكل تفسيرا منطقيا واضحا لهذه القسمة الواقعة في علم الأصول في المناهج والمذاهب إلى مذهبين مذهب حنفية ومذهب جمهور سادل وإياكم إلى النقطة الثانية وهي إذا اتضح هذا عندنا يبقى الإشكال كيف نقول مذاهب الجمهور في الفقه ثلاثة وفي الأصول واحد الآن تقرر عندنا أن المالكية والشافعية والحنابلة متحدون في الأصول فيبقى الإشكال إما هو خطأ في هذا التقسيم وإما خطأ في المذاهب الفقهية المنقولة يعني أنا لا أفهم أن تقول إن أصول المالكية وأصول الشافعية وأصول الحنابلة واحدة ثم تقولون مذاهبهم الفقهية مختلفة وثلاثة متفاوته فاوجد لي تفسيرا لهذا الاشكال.
التفسير هو ما قلته قبل قليل في معيار التقسيم لما قلت إن مذهب الحنفية يقابل مذهب الجمهور قلت إن معيار التقسيم هو منهجية التأليف وليس وليس الاتفاق في المسائل والاختلاف عليها وعندئذ فلا إشكال ما الإشكال لما أقول إن طريقة المالكية وطريقة الشافعية وطريقة الحنابلة في تدوين وتاليف علم الأصول طريقة واحدة هل هذا يستلزم بالضرورة أنهم متفقون في القواعد متفقون في الأصول التي يقررون لا لا يلزم لكن يقررون بالأسلوب ذاته وبمنهج ذاته فهذا يرجح مذهبا وذاك يرجح مذهبا آخر ولا إشكال في هذا بل دعني أجاوز إلى جواب آخر أبعد من هذا دعني أقول إنه اتفق الشافعية واتفق المالكية واتفق الحنابلة على مسألة من المسائل ضرب لها مثالا الاحتجاج بالقراءة الشاذة على الصحيح أنها حجة للجميع فلماذا لا يقولون بوجوب التتابع في صيام كفارة اليمين مع ثبوتها في قراءة ابن مسعود في صحيح البخاري فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم هي قراءة شاذة ليست قرآنا ولا يقرأ بها في الصلاة ولا يتعبد بها في التلاوة لكنني إذا قررت أصوليا أن القراءة الشاذة حجة ينبغي أن يكون هذا دليلا معتبرا فيكون المذهب هو وجوب التتابع في صيام الثلاثة الأيام في كفارة اليمين إذا لم يجد الكسوة ولا الإطعام ولا عتق الرقبة.
طيب لما يقول الشافعي لا يجب التتابع والرواية الصحيحة التي المذهب عن أحمد لا يجب التتابع هل معنى هذا نقضهم للقاعدة الجواب أنه ربما كان عندهم دليل آخر أقوى منه فعمدوا إليه فثم مسالك أخرى إذا ليس إشكالا ربما اتفقوا في القاعدة الأصولية الواحدة واختلفوا في المسألة الفقهية اختلافه في المسألة الفقهية ليس اضطرابا مع القاعدة بقدر ما هو أحيانا عمل بأدلة أخر وموازنة بين مقتضيات الدلالات والصورة إلى بعضها دون البعض الآخر إذا هنا لا إشكال عندما أقول إن المذاهب الفقهية الثلاثة المالكية والشافعية والحنابلة هي في بوتقة التقسيم الأصولي تضع في قالب واحد فليس إشكالا أن تكون المذاهب متفاوتة فقهيا لأن اتحاد أصوليا له معنى وذكرناه ولأن اختلافهم فقهيا أيضا له مسوغات أخر غير مسألة الاتفاق والاختلاف في تقرير القاعدة الأصولية.
نقطة أخيرة أختم بها مجلس اليوم وهو الحديث عن مذهب الظاهرية كل الكلام الذي سبق من أول المجلس إلى الآن هو الحديث عن المذاهب الفقهية الأربعة الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة واتضح عندنا سبب التقسيم الفقهي إلى أربعة وكيف أنه استقر في الأصول إلى قسمين ولماذا كان هذا التقسيم وما معيار جعل الحنفية في قسم أو في مذهب يقابل مذهب الجمهور الثلاثة وما الجواب عن الإشكال في كون المذاهب الثلاثة متحده في المذاهب الأصولية مختلفة في الفروع الفقهية يبقى الكلام فأين يقع مذهب الظاهرية من هذا التقسيم وعندما يطلق خلافه في هذه القضايا أين هو وهل ورودهم في علم الأصول أو خلافهم معتبر أو غير معتبر كل ها مسائل هي بحاجة إلى جواب أجمله في الآتي.
مذهب الظاهرية فقها يستقل عن المذاهب الأربعة إذا لا يصح أن تقول مذهب الظاهرية هو حنفية ولا هو مالكية ولا هو شافعية ولا هو حنابلة هو مذهب مستقل ينسب للإمام داود بن علي الظاهري رحمه الله مذهب الظاهرية الذي استقل استقل باعتماده على اصول كبرى وخالف بها المذاهب الأربعة على اصول أصول لأنه كما قلت إنما الفقه مذهب ويبنى على أصول وأصول الفقه من اسمه هو قواعد للفقه قواعد للمذهب أصوله التي بنيت عليه فلما استقل الظاهرية بمذهب خالف المذاهب الأربعة كان ولا بد أن يكون عندهم من الأصول التي تخالف المذاهب الأربعة أشهر أو أكبر أصل من الأصول في مذهب الظاهرية يخالفون به المذاهب الأربعة هو ما كان سبب التسمية في مذهبهم بمذهب الظاهرية هو جمودهم على دلالة ظاهر النص وإهمال أو إغفال ما وراء ذلك لاحظ أنا أقول جمود لأن العمل بظاهر النص مطلب وواجب شرعي بل هو شغل الفقهاء أن تحترم ظاهر النص وتعمل بدلالته وسائر المذاهب الأربعة لا يهملون دلالات النصوص حاشا لكن الذي ميز مذهب الظاهرية حتى استقلوا هو الجمود عند دلالة هذا الظاهر والجمود معناه أنه لا يلتفت إلى معنى يتضمنه النص.
ولذلك صار من كبريات مسائلهم في الأصول التي يخالفون بها المذاهب الأربعة نفيهم للقياس لأن نفي القياس مبني على ركن كبير هو العلة لا يصح القياس إلا بوجود أصل وفرع وعلة تجمع بين الأصل والفرع في حكم تريد نقله من الأصل إلى الفرع هم لما يقولون بالعمل بظواهر النصوص وينفون التعليل ولا يلتفتون إلى المعاني أغلقوا بابا كبيرا من أبواب الأدلة عند الجمهور وهو دليل القياس ولذلك لا يمكن أن يستدل ظاهري بدليل القياس بل
أغلظ الإام ابن حزم رحمه الله -وهو أحد من أرسى وأسس بأصول المذهب الظاهري- في كتابه العظيم الإحكام. بالمناسبه، اسم الإحكام هذا اسم مشترك لأكثر من كتاب في الأصول؛ أشهره كتاب الإحكام للإمام الآمدي، وثمة الإحكام للإمام ابن حزم، وكلاهما اسمه الإحكام في أصول الأحكام، وثم أحكام ثالث هو أحكام الفصول للباجي.
على كل، كتاب الإحكام لابن حزم رحمه الله أقول أغلظ فيه تماماً في مسألة الاحتجاج بالقياس، وانتصر فيه لمذهب الظاهرية، وبالغ في العبارة حتى اعتبر القياس تشريعاً بالهوى ودخولاً تعالى به سلطاناً، ويغلظ على الفقهاء في استعمالهم بالقياس، إلى آخر ما أورده رحمه الله، وخصص أبواباً متعددة ينتصر فيها للنصوص ويحتج لها ويقدسها، ويعتبر تجاوز النص نوعاً من العبث بالديانة والاستهانه بالنصوص، إلى آخر هذا المسلك.
فقال هذا أصل كبير جعل من الظاهرية مذهباً مستقلاً، ومع كونه مذهباً مستقلاً إلا أنهم يلتقون مع الجمهور في كثير من المسائل ويخالفون في مسائل. على كل، المذهب الظاهري بهذا التقسيم يخالف المذاهب الأربعة فقهاً وأصولاً.
الاصوليون لا يتناولون الظاهرية، فإذا أرادوه نصوا عليه، يعني إذا أراد إدخالهم يقول هو مذهب الجمهور، فإذا أراد إدخال الظاهرية يجب أن ينص حتى يكون متناولاً له، يقول مثلاً المالكية والشافعية والظاهرية، فاذا لم ينص وأطلق الجمهور فإنه لا يتناولهم هذا الاصطلاح أصولياً.
من الكتب التي خدمت المذهب الظاهري هو كتاب الإحكام لابن حزم، الكتاب الحقيقة يعني مليء وعجيب ويتميز بكثير من المزايا لا توجد في غيره من كتب الأصول، لكنه بين أيدينا اليوم هو الكتاب الوحيد الذي ألف في أصول الفقه على مذهب الظاهرية، وقرر فيه قواعد المذهب وأرسى وأصله وأسسه.
ستجد أنه في كثير من أبواب الأصول يلتقون مع الجمهور، يعني تعال إلى كلامه عند العام والخاص والمطلق والمقيد، هم يلتقون مع الجمهور في كثير من المسائل، لكن لما كان خلافهم في هذه المسائل بوابات كبرى، أنت تتكلم عن دليل شرعي بالجمله، دليل القياس مغلق عندهم تماماً لا يعتبرونه، هذا خلاف ليس باليسير.
طيب، يبقى السؤال الأخير، هل خلاف الظاهرية معتبر أو خلاف شاذ مطرح؟ ليس الصواب في من أطلق شذوذ خلافهم، فهماً، وليس أيضاً من الصواب القول باعتباره بما فيه المسائل الكبرى التي خالفوا فيها، ولهذا يقول بعض أهل العلم: خلاف الظاهرية معتبر فيما عدا، فيما عدا خلافهم في القياس. ليش؟ قال: لأن القياس ثبتت الحجة به من زمن النبوة، والاحتجاج بالشواهد التي أثبتته تطبيقات الصحابة وعملهم كله يجعلهم محجوجين بالإجماع السابق على خلافهم، فإذا كان كذلك فلا يلتفت إلى خلافهم، ونعتبر دليل القياس دليلاً متفقاً عليه.
إذاً، هذا جواب عن إشكال كبير ربما يراه بعض طلبة العلم، يقول: تنقسم الأدلة في كتب الأصول إلى قسمين؛ أدلة متفق عليها وأدلة مختلف فيها، فيجعلون في الأدلة المتفق عليها الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ربما ثار إشكال: كيف تجعلون القياس ضمن الأدلة المتفق عليها وفيها خلاف الظاهرية؟ فالجواب أن خلاف الظاهرية هنا غير معتبر.
فيسوق لك سؤالاً آخر: إذاً أنت تسقط خلاف الظاهرية جملةً؟ ستجيب: لا، إلا فيما لا حجة له فيه، أو سبقوا بإجماع الصحابة عليه كالقياس، وما عدا ذلك ماذا لو خالف الظاهرية في شيء من مسائل الدلالات؛ في دلالة الأمر، في دلالة النهي، في دلالة العام والخاص، المطلق والمقيد، في الناسخ والمنسوخ؟ سيبقى خلافاً معتبراً وله من الوجاهة في كثير من القضايا والمسائل، لكنه كما قلت لك لا تبحث معهم عن خلاف فيما يتجاوز دلالة ظاهر النص.
الآن سأسألك: لو قلت لك هل يقول الظاهرية بالاحتجاج بمفهوم الدليل؟ مفهوم الموافقة أو مفهوم المخالفة؟ الجواب لا، لا يعملون بالمفاهيم. صحيح الحنفية يخالفون الجمهور في مفهوم المخالفة ولا يرونه حجة، ستتقول: الحنفية والظاهرية، هنا الظاهرية يوافقون الحنفية في هذا الباب في عدم الاحتجاج بمفهوم المخالفة، والسبب عندهم أنهم يقولون: دليل المخالفة أنت تستنبط فيه حكماً لم ينطق به الدليل، أنت تعمد إلى قوله عليه الصلاة والسلام: من باع نخلاً بعد أن تُؤبّر فثمرتها للبائع، وقال بعد أن تؤبر، فماذا إذا كانت النخلة التي تباع لم تؤبر بعد؟ بطريقة الجمهور ستقول بدليل المخالفة: من باع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع، فإذا باعها قبل أن تؤبر فالتمر للمشتري بالعكس، هذا مفهوم المخالفة.
يقول الظاهرية: لا، هذا الآن حكم بالهوى بالعقل، ما نطق به الدليل، هذا إدخال للعقول في التشريع. الحنفية لهم مذهب في هذا؛ لا يرون الاحتجاج بمفهوم المخالف، ليس من منطلق ظاهري لكنهم اتفقوا في النتيجة. منطق الحنفية في هذا الباب مفهوم المخالفة هو أن سكوت الشارع عن الحكم غير المنصوص هو سكوت لا يعتبر أمراً ولا نهياً، فأثبت حكماً له يحتاج إلى دليل، وأن المسكوت عنه لا حكم له.
والجمهور يقول: المسكوت عنه له حكم يخالف حكم المنطوق. هذه نقطة الخلاف بين الحنفية والجمهور؛ الجمهور يقول المسكوت عنه له حكم يخالف حكم المنطوق، والحنفية يقولون المسكوت لا حكم له.
وهكذا أريد أن أقول إن مذهب الظاهرية لا يصح إسقاطه بالجمله في كل الأبواب واعتباره خلافا شاذاً مطرحاً أو يوصف بأوصاف غير لائقة، كلا، لكنه فيما سبقوا فيه بالإجماع وحُجّ فيه باتفاق الصحابة من قبل، فلا عبرة بخلافه. وهذا القول هو أقرب الأقوال في التعامل مع مذهب الظاهرية رحم الله الجميع.
وختاماً فيلحق بهذا الإشكال فيما يتعلق التقسيم المذهبي الفقهي داخل الأصول ما أردت من نقاط أرجو أن تكون وافية واضحة، أقول يلحق بها الإشكال في الخلاف العقدي؛ خلاف المعتزلة، خلاف الأشاعره، خلاف الفرق المنتسبه إلى الإسلام، ودخوله في الخلاف الأصولي. السؤال هو: ما تفسير هذا الاختلاف العقدي في علم الأصول؟ وإلى أي مدى أثر في مسائل علم الأصول؟ وما هو الموقف منه؟
وعندما يقع خلاف مثل هذا، هل ينسب إلى المذاهب الفقهية أو ينسب إلى المذاهب العقدية؟ يعني لما نقف أمام خلاف في مسألة من مسائل الأصول، هل ستعزل الخلاف فيها للمذاهب الفقهية تقول مذهب بعض الشافعية كذا، وإن كان المأخذ ليس هو المأخذ الفقهي، المأخذ هو نزعة عقدية صاحبها معتزلي على مذهب الشافعي مثلاً أو أشعري على مذهب أبي حنيفة؟ فهل تعزو الخلاف إلى المذهب العقدي أو المذهب الفقهي؟ كيف يكون التعامل معه؟
سنجعل هذا حديثنا إن شاء الله تعالى في المجلس المقبل الأسبوع القادم بإذن الله، وأنبه بما ابتدأت به وهو الحديث عن أن المجلس القادم -أحيانا الله وإياكم- سيكون هو ختام سلسلة هذه المقدمات الممهدات لنشرع بعدها بعون الله في الأسبوع الذي بعده بأسبوع في أول الدروس المنتظمة مع أول الفصل الثاني إن شاء الله.
هذا سؤال يقول: ما رأيكم في أخذ مقدمة في المنطق قبل الشروع في علم أصول الفقه؟ لست أرى حاجة إلى هذا، خصوصاً وأنه صنيع منتقد حتى عند الأصوليين في إدخال علم المنطق مقدمة أو جزءاً من أجزاء وأبواب علم الأصول، وتحصل الغنية عنه بغيره، بمعنى أن ما يمر به من مصطلحات تحتاج إلى توضيح وشرح يمكن توضيح وشرحها دون الوقوف على إفراد سلسلة من اللقاءات، خصوصاً وأننا يعني اتفقنا إن شاء الله أن سنعمل في لقاءاتنا إلى حصول بعض اللقاءات من خلال دروس محددة وإنهاء متون معينة بكتب، فنحن أحوج إلى صرف بعض اللقاءات المحدودة معنا في إنهاء بعض محتويات المتون والكتب التي نعتمدها إن شاء الله تعالى.
أسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله.
الشيخ حسن بخاري