تسجيل الدخول

الدرس الثامن (المذاهب العقدية في أصول الفقه)

حسن بخاريالشيخ حسن بخاري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، أحمد الله تعالى وأثني عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدا عبد الله ورسوله وصفيه وخليله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آل بيته وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد، أيها الإخوة الكرام، فهذا درس متجدد وهو ختام سلسلة الممهدات التي اردنا أن تكون بين يدي درسنا في علم أصول الفقه. مضت المجالس السابقة في الحديث عن ممهدات ومداخل وبوابات تهيئ لدارس علم الأصول ما هو بحاجته من النظر والفهم والاطلاع والإدراك لجمله من القضايا والأسس ذات العناية التي تجعل الدارس في علم الأصول على منطلقات واضحة وبينة لما سيعرض له من مسائل علم الأصول.

ذلكم أن التصور المجمل لمسائل العلم ومنطلقاته وأبعاده وكثير من القضايا المهمة التي تحف به جزء مهم يعين الدارس فيما بعد على استيعاب كثير من المسائل وتجاوز كثير من الإشكالات والسلبيات والأمور التي ربما كانت يوما ما عند بعض طلبة العلم عائقا ومشوشا لفهم كثير من مسائل هذا العلم.

وعلم كأصول الفقه، لما تجوزنا في المجالس السابقة السبعة أو الثمانية التي مضت، بدءا من الحديث عن وجود هذا العلم وتطبوته عمليا زمن النبوة بين يدي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، ثم انتقال هذا الأمر إلى تطبيق الصحابة رضي الله عنهم لقواعده وأصوله ومسائله زمن الخلافة الراشدة فما بعدها.

ثم انتقال هذا العلم أيضا إلى مدارس أسلّسها تلامذة الصحابة رضي الله عنهم والأخذ عنهم والمصاحبة لهم، حتى تشكلت تلك الأنماط من المدارس التي كان الناس يأخذون فيها العلم والرواية والحديث والقرآن عن صحابة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، آل الأمر إلى بداية التدوين على يدي الإمام الشافعي رحمه الله، ثم تطور مناهج التأليف واتجاهاتها ومذاهبها.

كان مجلسنا الليلة الماضية حديثا عن المذاهب الفقهية في علم الأصول، الحديث عن كونه مذاهب فقهية أربعة ثم هي تغدو في الأصول مذهبان اثنان الحنفية والجمهور، وأوجدنا تفسيرا علميا مقبولاً لذلك، ومدى أثر هذا التقسيم وما الذي أثمره من مناهج في التأليف والكتب، إلى آخر ما يتعلق بتلك المصطلحات والمفاهيم فيما يتعلق بمذاهب الفقهاء الواردة والمقررة في علم الأصول.

على إثر ذلك يلحق بها مسألة مهمة وهي المذاهب العقدية في علم أصول الفقه، باعتبارها أيضا نقطة قد تثير إشكالا لدى كثير من طلبة العلم. السؤال هو عن مدخل المذاهب العقدية في علم الأصول ومدى العلاقة بين العلمين، ثم اتجاهات هذه المذاهب العقدية في ميدان ومؤلفات وكتب علم أصول الفقه، ثم الحديث عن آثارها والمنهج الصحيح في التعامل مع هذه المذاهب التي استقرت بمفاهيمها ومذاهبها وأفكارها داخل مسائل علم أصول الفقه.

إذا حديثنا الليلة هو يشبه أن يكون تتمة من جهة لحديث المجلس الماضي في الأسبوع المنصرم باعتبار الحديث عن الأمرين، حديثا عن مذاهب تقررت وتكونت واستقرت قواعدها داخل كتب ومسائل علم أصول الفقه، غير أن تلك مذاهب فقهية وهذه مذاهب عقدية.

نقطة أخرى تشير إلى مدى الصلة بين الموضوعين هو الحديث عن وجود كثير من مسائل علم العقيدة بشكل بارز وواضح في كتب علم أصول الفقه. فالسؤال المهم هو إلى أي مدى تكون هذه المسائل العقدية داخل كتب علم الأصول مهمة؟ وما أثر ورودها في كتب علم الأصول؟ وهل لوجودها، سواء كانت بنزعة اعتزال أو أشعرية أو ماتريدية أو غيرها، هل لها أثر مباشر في علم الأصول؟ هذا ما نحاول أن نجيب عنه في خلال العناصر التالية الآتي ذكرها.

دعونا نعود من البداية، نحن نتحدث عن نشأة هذه المذاهب العقدية داخل كتب علم الأصول وتكونها فيه، ثم سنتحدث عن هذه الاتجاهات: هي نشأت وتكونت فما اتجاهاتها التي سلكتها في كتب علم الأصول؟ وأخيرا الحديث عن آثارها.

إذا كان الحديث عن النشأة فسنجرجع إلى ما تكلمنا عنه قبل مجلسين أو ثلاثة، عندما كان الحديث عن بداية التدوين على يدي الإمام الشافعي رحمه الله في كتاب الرسالة. لما ألف الشافعي رحمه الله كتابه الرسالة وقد أسمعنا مقاطع منها مما أورده رحمه الله في كتابه، وجدت أنها ولوج مباشر للتعامل مع الأدلة وخوض سريع مباشر فوري على الخلاف الفقهي وكيفية التعامل معه.

إذا هو توظيف حقيقي لعلم الأصول في مجاله الذي ينبغي أن يكون، لأن وظيفة علم الأصول أن يكون آلة بيد الفقيه وطالب العلم والناظر في الأدلة تمكنه من التعامل مع الأدلة، توقفه على قيادة الخلاف الفقهي وكيف يتعامل معه وكيف يصل إلى قول يراه راجحا منضبطا بأدلة وقواعد لا بمجرد اختيارات وأهواء مجردة.

كانت طريقة الشافعي رحمه الله تسلك هذا المسلك، الرجل فقيه إذا هو في لجة علم الفقه، فنظر إلى أن تقرير مسائل تعنون بعلم الأصول أو تقعد على شكل قواعد في الأصول ينبغي أن تكون خادمة لهذا الغرض الكبير الشريف المهم والجليل لدى المتفقهين، هو العناية بكيفية استثمار تلك القواعد لتكون مسلكا يعين الفقيه للوصول إلى مراده.

ما مراد الفقيه؟ الوصول للحكم الشرعي الذي أمر الله تعالى بامتثاله، الوصول للغرض الكبير من التكليف وهو العبودية لله عز وجل. فكانت طريقة الشافعي رحمه الله، ونحن نتكلم عن النواة التي ابتدأت التأليف في الأصول، كان انطلاقا مباشرا في الغرض والهدف الكبير الذي من أجله أنشئ علم الأصول، وهو استثمار هذه القواعد وتوظيفها فيما يعين الفقيه على غرضه الأسمى ومهمته الكبيرة، وهو الوصول للحكم الشرعي.

ظل الأمر كذلك تتابع التاريخ، جاء عيسى بن أبان الحنفي فكان في تأليفه ورسائله شيئا من المواقف المخالفة للإمام الشافعي وردا عليه وتعقبا عليه في مواضع. تتابع التأليف حتى جاءت المرحلة التي نشير فيها إلى دخول مسائل علم الاعتقاد أو مذاهب الاعتقاد أو علم الكلام سميه كما شئت إلى دخوله في صلب علم الأصول وظهوره في شكل مسائل بارزة.

يعني ما رايك أن يأتي الأصوليون داخل كتب علم الأصول، وأنا اقول هذا وعليك أن تستحضر أن علم الأصول ينبغي أن يشتمل على عنصرين كبيرين مهمين: الأدلة الشرعية، أين هي وبماذا يحتج الفقيه؟ والعنصر الثاني، كيف يستفيد من هذا الدليل؟ ما القواعد التي تعين على الاستنباط؟ ما هي دلالات الألفاظ؟ هذا هو شغل الفقيه الدليل والدلالة.

فما علاقة مسألة تاتي هكذا تبرز فيكون الحديث عن تعريف الإيمان وهل العمل جزء منها أو ليس كذلك داخل كتب علم الأصول؟ الحديث عن مسائل تتعلق بصفات الله جل وعلا، صفة الكلام لله عز وجل وتأويلها ومعناها، ما علاقة هذا بعلم الأصول؟ ثم تدخل المسألة ويكون فيها نقاش ويفرد فيها الصفحات للاستدلال والاحتجاج والرد على المخالفين.

إذا هو نوع من دخول مسائل علم الاعتقاد في مسار علم اصول الفقه وبدايه تكوين المسائل داخلها. ساتكلم عن مدى وحجم الاثر الذي نشا داخل كتب علم الاصول من خلال هذا الاتجاه، لكن قبل ذلك ونحن نرصد هذا التتبع فنحن نشير إلى أن من جاء بعد الشافعي رحمه الله على الأقل في القرن الثاني الهجري والثالث وحوله دون أن نتجاوز هذا بكثير، كانت المسائل لا تزال تسير في سلك القواعد التي تعين على الاستنباط والنظر في الأدلة ولا تتجاوز ذلك بكثير.

الراصدون لهذا التغير لعلهم يشيرون إلى أن أبرز من كان على يديه ظهور هذه المسائل وادخالها في علم الأصول هو الإمام القاضي أبو بكر الباقلاني رحمه الله، من أشرنا إليه في مجلس سابق بالحديث عن باعتباره من أوائل من قعد للتصنيف المعتبر في علم الأصول باستيعاب أبوابه والأقوال والحجاج والخلاف في كتابه العظيم التقريب والارشاد.

والذي يتابع هذا المسير يجد أن القاضي أبا بكر الباقلاني ومعاصره القاضي عبد الجبار المعتزلي البصري، هذان الاثنان متعاصران والقاضي أبو بكر الباقلاني كان يختار مذهب الأشاعرة وينصر مذهب الإمام أبي الحسن الأشعري رحمه الله، والقاضي عبد الجبار كان يسير على طريقة الاعتزال وكان متعصبا، وكان بينهما مجالس مناظرة وبينهما من الردود والمخالفات وشيء كثير من النقاش والحجاج ما هو بينهما في خارج ميدان علم الأصول.

فلما جاء القاضي عبد الجبار وكتب كتابه العدة، عفوا كتب كتابه العمد في علم الأصول فإنه ادخل

كثيرا من مسائل الاعتقاد على طريقه المعتزله داخل لمسائل ضمنا أو تصريحا، وكان أيضا القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابه التقريب والارشاد هو الآخر أدخل بعض مسائل علم الاعتقاد على سبيل المجاد والمناظرة والإثبات والاحتجاج والخلاف.

يمكن أن يكون هذا هو المنعطف الأول في مسيرة التأليف في علم الأصول لإدخال بعض قضايا علم الاعتقاد بين قوسين بغض النظر عن الاتجاه والمذهب، لكن أن تدخل مسائل علم الاعتقاد إلى كتب علم أصول الفقه فإن هذا منحى جديد ومنعطف بدأ يظهر في مسيرة علم الأصول وفي كتبه، ثم استمرت هذه صفة لازمة لم تنفك عنها كتب الأصول فيما بعد ولم يستطع الأصوليون أن ينجوا ويعودوا بمسيرة علم الأصول إلى المنهج الذي وضعه الإمام الشافعي في كتاب الرسالة.

بمعنى أنه تتابع المصنفون في علم الأصول على إيراد هذه المسائل العقدية داخل كتب علم الأصول على مر القرون، فأنت تتكلم عن الجويني رحمه الله في البرهان، والغزالي رحمه الله في المستصفى، والرازي رحمه الله في المحصول، والآمدي رحمه الله في الأحكام، ومن جاء بعدهم وأصحاب المختصرات والشروح كلهم سار على ذات النهج، فلا تفتح كتابا من كتب علم الأصول إلا وتجد هذه المسائل واردة ومكررة، فكل ينتصر لطريقته ومذهبه الذي يسير إليه والذي يراه راجحا.

محل الاشكال عندنا هو إدخال هذه القضايا داخل ميدان علم الأصول واعتبارها أحد المسائل التي تناقش، لم نتكلم عن وجهة هذه المذاهب الآن، لكن الكلام على إيرادها واعتبارها كما قلت منعطفا جديدا سرى في علم الأصول، تتابع العمل كما قلت على ذلك.

دعونا أيضا قبل أن نتحدث عن هذه النشأة وكيف سارت نتكلم عن سمات وجوه المذاهب العقدية، نحن ماذا نقصد بظهور المذاهب العقدية داخل كتب علم الأصول؟ ماذا نعني به؟ نعني به جملة من المظاهر أنا للي اختصرها في ثلاثة: سمة التجريد العقلي، وطريقة الاستدلال.

ركز معي، من يقرا كتاب الرسالة يجده تعاملا مباشرا يتكلم عن المسألة الفقهية وقرأت لكم نماذج من الرسالة فيما سبق، يتكلم عن مسألة فقهية عن الخلاف في حكم ائتمام المأموم بالامام إذا صلى الإمام قاعدا، هل يجب على المأموم متابعته وصلاته قاع أو لا يلزمه؟ يعرض نصين في المسألة، أحدهما قوله عليه الصلاة والسلام إنما جعل الإمام ليؤتم به إلى أن قال: وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون.

ويعرض النص الآخر وهو أنه عليه الصلاة والسلام لما خرج في آخر حياته وأبو بكر رضي الله عنه يصلي بالناس خرج فوقف بجواره فصلى فصلى أبو بكر بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم وصلى الناس بصلاة أبي بكر رضي الله عنه، واستنبط الفقهاء منه جواز إتمام الإمام بامام آخر أفضل منه، على كل هو يدخل مباشرة في الخلاف ويحاول أن يقعد لطريقة التعامل مع هذان النصين الذين يبدو بينهما شيء من المخالفة في الحكم، ويرجح أمرا ما ويستدل له ويعتبر هذا نسخا، هو تعامل مباشر.

هذا السمت لم تعد تجده فيما بعد لما أخذ المنعطف الجديد، ما الذي أصبحت تراه في كتب الأصول؟ مسائل مجردة، أعني بالتجريد ما قلته في مجلسنا السابق تحديدا فيما عرف بمنهج المتكلمين أو طريقة الجمهور، ولهذا لقبت بطريقة المتكلمين أنها أخذت منحى ارباب علم الكلام الذي يبالغ في التجريد العقلي للمسألة، يعني هو لا يبحث عن أثرها الفقهي.

وهو لا يهمه، مرة أخرى سأعيد جملة قلتها فيما سبق، هم يرون أن هذا أتم في الموضوعية في التعامل مع القواعد، يعني أن هذا أكثر عناية بالقاعدة ألا تربطها بأثرها الفقهي، فأنت تحرر القاعدة من حيث هي، ويرون أنك لو ظللت تعالج القاعدة وانت مستصحب أثرها الفقهي فانت أسير لذلك الفرع الفقهي الذي يجعلك تنظر القاعدة طبقا لها، فيقولون لا دع عنك الفروع وتعامل مع القاعدة من حيث هي وكررها فيما تراه راجحا، وإذا وصلت إلى نتيجة فهذه طريقة موضوعية تامة، وعندئذ طبق عليها الفروع.

لكن هذا التجريد العقلي المبالغ فيه هو الحقيقة سمت من سمات المذاهب العقدية الكلامية التي درج عليها ارباب علم الكلام في تلك المرحلة، أنهم يبالغون ويتعاملون مع القضايا الشرعية، يعني قضايا علم الأصول قضايا شرعية وقضايا العقيدة قضايا شرعية فلا يتعامل مباشرة مع دلالة النص، ولذلك بدأ يقعدون القواعد ويلزم اللوازم الفاسدة ويصلون إلى نتائج غير مرضية.

يعني لماذا آل المعتزله إلى نفي الصفات؟ هذا استطراد الآن، كيف وصلوا إلى نفي الصفات المنسوبه لله جل جلاله المبثوثة في الكتاب والسنه؟ انطلقوا من قواعد، وهذا من الغلو في تجريد المسائل، يأتي فيقول لك الله عز وجل الله عز وجل قديم ليس بحادث وهذه مصطلحات أيضا كلامية وهو نوع من تغلغل هذه المصطلحات في صلب العلوم الشرعية.

الله عز وجل قديم ليس بحادث، وصفات القديم لا يجوز أن تكون حادثة لأن القديم يمتنع حلول الحوادث به، فمنع الصفات التي توصف بالحدوث ونسبتها إلى الله عز وجل، وبالتالي فلا يجوز أن يوصف الله جل جلاله بصفات سبقت بعدم شت أو لم تكن موجودة قبل، فلهذا درجوا على نفي الصفات لله سبحانه وتعالى لأنها في زعمهم حوادث ولا يجوز أو يمتنع عقلا اتصاف القديم بالحادث.

فانظروا كيف التزم اللوازم، ثم إذا قعد القاعدة يصطدم بالنص الشرعي، فإذا قال الله عز وجل في كتابه الكريم أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم شيئا ما من الصفات المثبتة وجدوا أنفسهم مضطرين لتأويل التأويل أنه قعد قاعدة ويرى أنه يجب أن يستمر مع القاعدة، هو لو فعل العكس لو انطلق مع الدليل فاتى إليه ثم بنى عليه قاعدة لكان أسلم، وهي طريقة السلف.

لما جاءت النصوص الشرعية فأثبتت الصفات لله قالوا نثبتها، قيل ما معناها؟ قالوا ما يفهمه العرب من كلامهم، قيل وما كيفيتها؟ قالوا الله أعلم بها، هذه الطريقة على يسرها وسهولتها وبساطتها هي طريقة السلف ومنهجهم في هذا الباب.

الذي دعاني لأن أقول هذا المثال هو أنهم جاؤوا للقواعد الأصولية فعاملوها بالمعاملة ذاتها، المبالغة في التجريد سمت من سمات المذاهب العقدية التي قرروا بها مسائل العقيدة، معتزلة أشاعرة ماتريدية أيا كان الاتجاه العقدي، من يفتح كتب علم الكلام يجدها تسوق المسائل الشرعية العقدية بهذا التجريد العقلي المبالغ فيه، هذا السمت انتقل إلى مسائل علم الأصول وكتب علم أصول الفقه.

افتح مسألة دلالة الأمر وهل الأمر يقتضي النهي عن ضده أو لا، وما دلالة الأمر بعد الحظر وأمثال هذا من المسائل، فإنك تجد نقاشا أولا بعيدا كل البعد عن النصوص الشرعية والتطبيقات التي جاءت لها في نصوص الكتاب والسنة، ثم هو إيقال في الزام لوازم عقلية وترتيب قضايا منطقية كلامية بعيدا عن ساحة التطبيق الشرعي للنصوص، هذا التجريد أقوله أحد العلامات التي تدلك على أن مسيرة التصنيف في علم الأصول قد انتقلت إلى مسار آخر.

إذا هذا أول ما يمكن أن تلحظه من السمات ومن المظاهر التي تدل على وجود وطريقة أو المذاهب العقدية داخل مجال علم الأصول.

ثانيا، من السمات التي تدلك على على على بروز المذاهب العقدية في علم الأصول هو نزعة المذهب العقدي الذي يحمله المصنف في تقرير مسائل علم الأصول.

ماذا أصدق؟ أصدق أن هذا المؤلف معتزلي، والثاني أشعري، والثالث ماتريدي، والرابع كذا، والخامس والسادس بدات مذاهب المصنفين تظهر في تقرير مسائل علم الأصول، فإذا كان معتزليا قرر مذهب الاعتزال، وإذا كان أشعريا قرر مذهب الأشاعرة، مع أن هذه مذاهب عقدية ونحن يا جماعة نتكلم عن قواعد تتعلق بالاستنباط، هذا ينبغي ألا يكون فيه خلاف.

ليكن المصنف معتزليا، أو يكن أشعريا، أو يكون ماتريديا، أو على أي مذهب، ينبغي ألا نختلف ألا نختلف لأن الأمر يدل على كذا، وأن العام دل على كذا، وأن النسخ طرقه كذا، وأن التعارض بين الأدلة يقتضي كذا، هذا لا علاقة له بأن يكون معتزليا أو أشعريا، لكن أقول سرت نزعة المصنفين العقدية فظهرت آثارها، فصار يقرر المذهب العقدي داخل كتب علم الأصول.

تجد هذا جليل مثل لما يتكلمون عن صفة الكلام لله سبحانه وتعالى ولأن مسائل ذات أثر بالقضايا الأصولية، يعني ما ما الذي يدعوهم؟

إلى الحديث صفة الكلام لله، أن يتكلمون في الأدلة من الأدلة الشرعية؛ دليل القرآن، فيعرفون القرآن بأنه كلام الله، ما كلام الله؟ فيستقر، فيأتي المعتزلي ويقول: الله ما يتكلم جل جلاله، وينفون صفة الكلام، وتصير تقرون: صفة الكلام المنسوبة إلى الله عز وجل هو الكلام النفساني وليس اللساني الحادث، فيؤول ويأتي، وكل واحد يقرر مذهب العقد داخل مسائل علم الأصول.

وفي النهاية الجميع يقر بأن القرآن دليل شرعي يعتبر حجة يجب المصير إليها، هذا القدر يكفيني في علم الأصول، لكن ما الداعي إلى أن يقرر المعتزلي مذهبه في صفة الكلام، والأشعري كذلك، والماتريدي كذلك؟ فهذا أقول نوع من سمات ظهور المذاهب العقدية داخل كتب علم الأصول.

مثال آخر: صيغ العموم، وهذا مبحث مهم لأنه لا يكاد يخل نص من نصوص الشريعة من صيغ العموم والخصوص، وهو كما يقولون بمثابة عنق الزجاجة لنصوص الشريعة، لا يخرج نص شرعي إلا ويمر بقنطرة العموم والخصوص، ومن لم يتقن هذا المذهب -عفواً- هذا الباب من أبواب علم الأصول، ستظل قضايا الأصول عنده عائمة.

صيغ العموم أحد أهم أبواب علم الأصول، والمسائل فيه كثيرة، أبرزها الصيغ؛ الصيغ التي تدل على العموم، والمسألة مفروغ منها، القضية قضية لسانية عربية بحته، هل العرب يتكلمون بألفاظ يريدون بها العموم؟ تقول نعم أو تقول لا، لا علاقة له بأن يكون صاحب القول معتزلي أو أشعري أو ماتريدي أو سلفي، لا علاقة لهذه القضية.

ومع ذلك سرت المسألة فأثرت المذاهب العقدية في تقرير هذه المسائل، فجاء من يقول بأنه لا توجد صيغ أصلاً للألفاظ، والألفاظ لا علاقة لها والمعاني، فصار اتجاهاً عجيباً غريباً شاذاً غير مألوف، وقولاً محدثاً جديداً داخل الساحه العربية برمتها، أنه لا علاقة بين اللفظ والمعنى، وأن المتكلم هو الذي يقصد الكلام، فإن قصد بهذا اللفظ ما دل عليه وإلا فلم يقصد فلا دلالة عليه.

فوجدت من يقول بأنه لا توجد لا توجد صيغ للعموم، ووجدت من يقول بالتوقف، إيش يعني توقف؟ يقول لا مذهب لي، المسألة لسانية عربية، أنت ماذا تفهم من لغة العرب وكيف يتكلمون في أشعارهم، في نثرهم، في خطاباتهم؟ فهذا نوع من سريان ظهور المذاهب العقدية داخل كتب علم الأصول.

مثال ثالث أطيله: القياس والعلة، والقياس أحد الأدلة الشرعية المعتبرة، باب كبير في كتب علم الأصول ومذاهبه متسعة، وأهم ركن في القياس هو ركن العلة، أركانه أربعة؛ أصل وفرع وعلة وحكم، ميدان الفحول كما يقولون في علم الأصول هو التعليل في القياس، وأدق مسالكه وأصعب مباحثه مباحث العلة؛ استنباطها ومسالكها واثباتها ونقضها وتعديتها والقول بتخصيصها أو بنقضها، هذه من أدق مسائل علم الأصول، وهو كما يقولون يعني ميدان الفحول في علم الأصول الحديث عن العلة في القياس.

هذه القضية أيضاً ألقت المذاهب العقدية بظلالها عليها، لأن أحد مسائل العقيده الكبيرة التي وقع فيها الخلاف بين الطوائف المنتسبة للإسلام قضية القضاء والقدر، القضاء والقدر وهل الله عز وجل سبق في تقديره على عباده أمر أو لم يسبق؟ وتعرف المذاهب في الجمله غلاة النفاة وغلاة الإثبات، الجبرية عندما ينفي المعتزلة القدر جملة وتفصيلا حتى بلغ غلاتهم إلى القول بأن الله لم يعلم ما يفعله المخلوق قبل أن يفعله، ويقابلهم الجبرية فينفون تماماً اختيار العبد وأنه لا طاقة له، هذا القى بظلاله على مسألة التعليل.

ركن العلة في القياس أحد أدق المسائل وأهمها، فجئنا لنتكلم على العلة، فإلى مسألة هي الأصل؛ هل أحكام الشريعة معللة أو غير معلله؟ فأوجد ما يسمونه بتعليل الأحكام.

فحين ينفي المعتزلة تعليل الأحكام ويقولون الله عز وجل أوجد الأحكام -عفواً- عندما يبالغ المعتزلة في إثبات التعليل فيقولون إنه لا يوجد حكم إلا مرتبط بوصف حسن أو قبيح فقالوا بالتحسين والتقبيح العقليين، فغالب الأشاعره وبالغوا في الرد والنفي فنفوا التعليل جملة ونفوا وصف الأشياء بحسن وقبح في ذاتها، رده فعل مناقضة تماماً، هذا القى بظلاله، فتعال إلى تعريف التعليل، والكل يقول بحجية القياس، والكل يقول بوجوب اعتبار العلة، لكنهم يطيلون النقاش والخلاف في تعريف العلة؛ هل هي الباعث على الحكم فانت توجب على الله عز وجل حكماً؟ هل هي الوصف المؤثر فانت تزعم أنه لا علاقة لكنه مناسبة للحكم؟ هذا كله أقول نوع من إلقاء المذاهب العقدية بظلالها على الخلاف الأصولي داخل مسائل وساحات علم أصول الفقه.

السمت الثالث الذي تراه واضحاً، برز من خلاله اتجاهات المذاهب العقدية داخل كتب ومسائل علم الأصول، هو أن بعض أبواب علم الأصول انقلبت إلى ساحات معترك ونزال بين المذاهب العقدية هكذا بلا مبالغة، يعني يتحدثون مثلاً في كتاب السنة عن الاحتجاج بالسنة وكونها حجة ويسوقون في هذا فصولاً مختصرة ثم يفردون فصلاً: هل السنة هل خبر الآحاد حجة جملة وتفصيلاً، أو هو حجة في المعاملات دون العقائد؟

ويأتيك النزاع الشديد بين المعتزلة والأشاعرة حينما يقرر المعتزلة أنه لا يحتج بخبر الآحاد في العقيدة، بناء على أصل عندهم أن أخبار العقائد يقينية، واليقين لا يبنى إلا على يقين، وأخبار الآحاد ظنية، ولا يجوز بناء اليقين على ظن، وراوا بناء على ذلك أن مقتضى دلالة العقل وهي قطعية مقدمة على دلالة النصوص الظنية، ولهذا نفوا حديث الشفاعة والحوض وعذاب القبر ونعيمه وما إلى ورؤية الله عز وجل في الآخرة، زعماً لأن هذه دلالات ظنية، والعقل الذي يقضي باستحالة كذا يحجب دلالة أقوى من دلالة تلك النصوص الظنية.

إذاً هو اتجه إلى قول في مسائل العقيدة بنى عليه أصلاً، هذه القضية حق أن تناقش هناك، لكن لما يأتي الخلاف بين هذه المذاهب داخل كتب علم الأصول يجدون في بعض الفصول مساحات واسعة لإثارة هذه القضايا، يكفي الأصولي أن يقول هل حديث الآحاد حجة أو ليس بحجة في العقائد وفي المعاملات أو في المعاملات فقط، يكفي أن تقرر الأصل تطرييداً، أنت لو قررت حجية السنة ابتداء تسحب على هذا كل ما يتعلق بحجية السنة، لكنهم يعرفون أن خلافا بينهم في العقيدة هناك فيما يتعلق بالاحتجاج بخبر الآحاد في العقائد فيفردون لها فصولاً داخل علم الأصول تصبح مسألة مستقلة.

ما علاقتها عندي أنا هنا؟ أنا دعني أقول إن الأصول مسائل دلالات على أحكام فقهية، كان حجة في خبر العقائد وليست بحجه، هذا ينبغي أن يناقش خارج هذا المجال وليس هنا، فعلى كل أنا أقول انقلبت بعض الفصول أبواب في علم الأصول إلى ساحات يدور فيها خلاف طويل عريض بين المذاهب المختلفة في العقيدة داخل مسائل علم أصول الفقه.

هذه سمات لوجود المذاهب العقدية داخل مسائل وكتب علم أصول الفقه، إذا انتقلنا للعنصر الآخر وهو الحديث عن النشاه، يعني كيف دخلت أو سرت الاقوال العقدية أو المذاهب العقدية إلى كتب علم الأصول، يعني كيف دخلت مذاهب المعتزلة في كتب الأصول؟ وكيف دخلت مذاهب الأشاعرة؟ وكيف دخل مذهب الماتريدية؟ وكيف أصبحت تقرر هذه المسائل أو تلك المذاهب العقدية داخل كتب علم الأصول؟ يمكن أن تسردها يعني من غير تسلسل، لكن من خلال بعض النقاط كالتالي.

أولاً: مبادرة كبار كبار المعتزلة إلى التصنيف في الأصول، وذكرت فيما سبق أن كلا من القاضي عبد الجبار المعتزلي صاحب كتاب العمد وتلميذه القاضي أبو الحسين البصري صاحب كتاب المعتمد من أوائل من حفظ التاريخ مبادرتهم في التصنيف الأصولي، ولما كان لهم قصب السبق، دائماً المبادر والمبتدئ يقرر شيئاً فينسج الناس على منواله، ويتتابع هذا الذي حصل.

وأيضاً كذلك القاضي أبو بكر الباقلاني ولما كتب كتابه التقريب والإرشاد وثبته وأرساه على جملة من المآخذ وأرسى جملة من القواعد وأدخل بعض القضايا العقدية أيضاً كانت بمثابة التأسيس.

فهذه النشأة لما بدأ هؤلاء فألفوا في التصنيف أصبح سنة يتتابع الأصوليون على التصنيف، فجاء بعدهم الجويني، والجويني يمكن أن تقول هو من مدرسة القاضي أبي بكر الباقلاني تأثر به كثيراً، ألف كتابه التلخيص مختصراً للتقريب والإرشاد، ألف البرهان، وهو صاحب ارتباط كبير بالقاضي أبي بكر وليست تلمذة مباشرة لكن تأثراً كبيراً بمذهب القاضي بطريقته بمنهجه، إلى درجة أن محقق البرهان أفرز جدولاً في آخر الكتاب يفرد فيه جدولاً يثبت فيه المسائل التي وافق فيها الجويني القاضي أبا بكر أو

التي خالفه فيها لشدة القرب والتأثر وليس بينهما علاقة مباشرة لم يلقه أصلاً يعني الجويني في طبقة تلامذة تلامذة القاضي أبي بكر الباقلاني. وعلى كلٍ فهذا دلالة على تأثير تأتي للغزالي تلميذ الجويني وتستمر المسألة مدرسة وأصبح هذا التأثير متتابعاً، لما يأتي الجويني عفو لما يأتي الغزالي رحمه الله في كتابه المستصفى فأحدث طريقة جديدة ما سبقه إليها أحد من الأصوليين عندما وضع المقدمة المنطقية في صدر كتابه المستصفى.

هذا الآن أيضاً منعطف جديد تماماً، كنا نتكلم عن مسائل عقدية ومنهج علم الكلام، لكن تأتي بمسائل علم الكلام والمنطق اليوناني المعرب ومصطلحاته وبطريقته ولوازمه ثم تجعله مدخلاً لعلم الأصول وتجعله صدراً للكتاب، فلا تدخل الكتاب إلا من خلاله وتقول هذا هو المدخل وتاتي بعلم غريب وتجعله مدخلاً لعلم شرعي معتبر له قواعده. أنت الآن فعلاً انتقلت إلى مسار آخر أكثر بعداً.

يعترف الغزالي رحمه الله في مقدمة المستصفى بأنه يعني مقدم على أمر لا عهد للناس به، ويحتضر فيقول إنه رحمه الله تشرب هذا العلم ويقول بالحرف الواحد: والفطام عن المألوف شديد يقول تأثرت ما أستطيع أن أنفك عنه. فيثبت في مقدمة الكتاب لياتي من بعده فيسير على منواله فيضع المقدمة المنطقية مدخلاً لعلم الأصول وإحدى لوازمه التي تجب على طالب العلم أن يسير عليها.

إذاً هي تتابع فلما أتى أولئك نقول أول معالم النشأة أن هؤلاء كبار المصنفين في علم الأصول كانوا معتزلة مثلاً وأشاعرة فأدخلوا تلك المسائل العقدية فأصبح هذا تتابعاً للناس من بعدهم فيسيرون على إثبات هذه المسائل. لا يعني هذا في الجملة أنا سننبه بعد قليل على أن بعض الأصوليين سلم من هذا واستطاع أن يضع كتابه وتصنيفه بمعزل عن تلك المسائل، وسياتي التنبيه عليه بعد قليل.

إذاً نتكلم عن القاضي عبد الجبار، القاضي أبو الحسين، القاضي أبو بكر الباقلاني، إمام الحرمين الجويني، حجة الإسلام الغزالي، ثم من جاء بعدهم فخر الدين الرازي أو أبو الحسن الآمدي رحمه الله الجميع.

مما يجب أن نشير إليه في نشأة دخول علم الكلام أو مذاهب العقيدة داخل كتب الأصول هو الحديث عن أن كثيراً ممن كتب في علم الأصول لهم مصنفات عقدية، وهذا أيضاً ملحظ واضح. عامة من صنف كتباً مستقلة في علم الأصول تجد في تراثه العلمي وفي تركته العلمية مصنفات مستقله في علم العقيدة؛ فإن كان معتزلياً كتب في عقيدة المعتزلة، وإن كان أشعرياً كتب في عقيدة الأشاعره، وإن كان ماتريدياً كتب.

طيب، وما علاقة هذا؟ علاقة هذا أن يظهر لك بوضوح التأثر عند المصنفين في هذه المسائل، وبالتالي هو متشرب تماماً للمذهب العقدي الذي ينتمي إليه ويعرف أدلته وقرره لأنه صاحب مصنف فيه، فلما يأتي التصنيف في علم الأصول ينسحب عنده تقرير تلك المسائل بأدنى علاقة ومؤثر في أي باب من أبواب علم الأصول. أي علاقة تجذبه إلى مسألة من علم العقيدة سحبها وأتى بها. ولما تقارن أو أقول هذا باستقراء يعني كل من القاضي أبو بكر الباقلاني، إمام الحرمين الجويني، حجة الإسلام الغزالي، الإمام الرازي، الآمدي، كل هؤلاء لهم كتب هي تعتبر عمدة في مذاهبهم العقدية كل على مذهبه، كذلك القاضي عبد الجبار القاضي أبو الحسين هؤلاء عند المعتزلة وهؤلاء عند الأشاعرة.

فلما يكون لهم كتب معتمدة في كتب العقيدة في مذاهبهم وغدت كتبهم أيضاً في الأصول كتباً معتمدة عند الأصوليين، وأنت تجد لو قارنت بين كتابه الأصولي وكتابه العقدي تجد النفس واضحاً وشيئاً كبيراً من الاختلاط في بعض الأبواب والمسائل، فهذا أيضاً مرحلة مهمة ينبغي أن نعيها لنقول إن كثيراً ممن صنف في علم الأصول واستمر هذا حتى عند المتأخرين يعني ابن الحاجب صاحب المختصر، عضد الدين الإيجي شارح المختصر، تجد كل هؤلاء إذا ذكر اسمهم في كتب المؤلفين فإنه يبرز تماماً كتاب لهم في العقيدة وآخر في أصول الفقه.

نقطة ثالثة فيما يتعلق بالنشأة: ثمة تشابه في دعني اقول في مباحث علم الأصول مع مباحث علم العقيدة في بعض النواحي. هذه المشابهة كانت مغرية لكثير ممن كتب في العقيدة أن يكتب في الأصول بين قوسين، وقد لا يكون له عناية فقهية كبيرة؛ يعني يكتب الأصول وتظن أنه فقيه وعناية بالفقه ممارسة المسائل وليس كذلك. لا تجد له عناية كبيرة فقهية، يعني ليس من شراح كتب الفقه ولا من الفقهاء ولا من من عرف بالفتوى في عصره، لكن لما وجد تشابهاً كبيراً بين مسائل علم الأصول.

التشابه في ماذا؟ التشابه في أمرين: الأول في طريقة معالجة المسائل، وقلت من البداية إن إحدى السمات التي بدأت تبرز في علم الأصول هي التجريد العقلي في تقرير المسائل والبعد عن التنظير عفواً البعد عن المجال العملي والتطبيق، وهذه القضية تشابه تماماً طريقة تقرير مسائل العقيدة، فهذا التشابه هم الدخول. وجه التشابه الثاني: دقة مباحث علم الأصول في بعض مباحثها تشبه دقة مسائل العقيدة في بعض مسالكها. الدقة هذه تستدعي إيغالاً أحياناً في الخوض في دقائق المسائل حتى تصل إلى شيء أدق من الشعر ومسائل غامضة ودقيقة جداً.

أقول: هؤلاء وجدوا هذا العامل مغرياً للدخول في التصنيف الأصولي وليس لهم عناية كبيرة بالفقه، لكن القوم وينبغي أن نقولها بصراحه تقرا في تراجمهم وصفاً مجلاً بالذكاء والقدرات العقلية الفائقة، ولهذا دخلوا في دقائق تفاصيل علم الكلام التي لا يقوى عليها إلا أصحاب الذكاء الحاد. فلما وجدوا في مسائل علم الأصول نوعاً من الساحة التي يمكن أن يستمتع فيها بقدراته العقلية دخل فيها. فصنف وصنف وليس من غرضه الغرض الذي يحمله الفقيه وهو النظر في الأحكام وتقرير المسائل، لا، هو ساقته نزعته التي يجد فيها هوايته المفضلة الخوض في المسائل الدقيقة ومناقشتها بعمق والنقاش والحجاج وأن يمارس ما يستلذ به في دقائق المسائل. وجد هذا في علم الأصول، تجد مباحث دقيقة جداً في أبواب القياس والعله والسبر والتقسيم ومسالك الاستنباط، جملة قوادح القياس في الحقيقه في الغالب مسالك عقلية دقيقة جداً.

أخيراً فيما يتعلق بالنشأة، هكذا نشأت ثم كما قلت استمرت وبرزت وأخذت تاخذ مسارها المحدد إلى أن أصبحت لا تستغرب أن تجد داخل مسائل علم الأصول أبواباً عقدية مستقلة. وضربت لها أمثلة لكنهم يختمون أخيراً بمسألة العقاب الأخروي وموقف المسلم من أصحاب الكبائر وهل مخلدون أو معاقب وعصاة الموحدين مسائل عقدية خالصة، فضلاً عن رؤية الله عز وجل في الآخرة وهل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه في حادثة الإسراء؟ مسائل هكذا تثبت داخل علم الأصول وهي ليست ذات صلة إطلاقا بمباحث علم الأصول الذي ينبغي أن يقود إلى استنباط الأحكام الفقهية.

الاتجاهات التي العقدية التي برزت في كتب علم الأصول كثيرة، يعني ما من مذهب عقدي في مرحلة التصنيف تجد لها وجوداً وتأثيراً في ساحة علم الأصول، لكن سترصد أكبر اتجاهين: اتجاه الأشاعرة واتجاه المعتزلة. وبعض طلبة العلم يقف أمام سؤال يجد فيه حيرة كبيرة، وهو أنه إذا كان عامة من صنف في علم الأصول إما معتزلة أو أشاعرة فهذا يعني أنك ستقرا مسائل هذا العلم وفصوله وقواعده بطريقة تاثرت بهذه المذاهب العقدية، فأي لك يمكن أن يسلكه طالب العلم وكيف سيتضح له مدى التأثير الذي جعلته هذه المسائل العقدية واضحاً في مسائل أصول الفقه وكيف يمكن التعامل معها؟

بل هناك سؤال أكثر سطحية عند بعض المبتدئين من طلبة العلم يقول: طيب ما في كتاب أصول سلفي لا أشعري ولا معتزلي؟ أنا أقول هذا سؤال سطحي، سطحي لأنه غير مستوعب لمعنى وجود المذاهب العقدية وأيضاً غير مستوعب لهذه الآثار وإلى أي مدى برزت، وهذا يجعلنا نتحدث العنصر الأخير وهو الحديث عن الآثار؛ آثار المذاهب العقدية في علم الأصول.

يعني إلى أي حد إلى أي مدى كانت هذه المذاهب العقدية متواجدة في علم الأصول؟ يعني هل يمكن لمن درس كتاب أصول من قرأ كتاب القاضي عبد الجبار ودرسه أو قرأ المعتمد، هل يمكن أن يخشى أنه في آخر الكتاب يصبح معتزلياً ولا يشعر؟ أو قرأ كتاب وصول لبعض اصحاب الفرق والمذاهب لأحد الأشاعرة يخشون يتخرج أشعرياً من حيث لا يدري؟ هذا تتحدث فيه عن ما هي الآثار التي.

جاءت في داخل كتب علم الأصول لهذه المذاهب العقدية آثار، يمكن أن يعني أجملها في أربعة.

أولا: من أبرز الآثار الانتصار للمذاهب العقدية داخل كتب الأصول، كما أسلفت قبل قليل. هذه من أبرز الآثار الواضحة: تفتح كتاب أصول فتجد فيه انتصارا واضحا للمعتزلة لأن المؤلف معتزل، انتصارا واضحا للأشاعرة لأن المؤلف أشعري، انتصارا قويا وترجيحا لما تريدي لأن المؤلف ماتريدي في مسائل وأبواب هي أصلا لا ينبغي أن تكون واردة داخل كتب علم الأصول. أن يتحدث لي عن صفات الله عز وجل وعن صفة الكلام لله أو صفة العلم أو صفة القدرة، أو أن يتكلم معي عن علم الله عز وجل المحيط، وهل صفة العلم هذه تقتضي سبقا لما يفعله العباد؟ ثم يدخل معي على القدر، ثم يدخل معي على تعليل الأحكام؛ هذا كله لا علاقة له بما أنا بصدد الدراسة فيه في علم الأصول. فصفة الكلام وتعليل الأحكام هذه مسائل عقدية أصبحت تتواجد داخل كتب الأصول، وكما قلت فمن أبرز الآثار هو الانتصار للمذاهب العقدية داخل كتب الأصول.

الخطوة العملية تجاه هذا الاثر تجاوزه، يعني أنا أدرس علم أصول، فإذا فتحت كتابا درسته، مرت بي أثناء المسائل مسألة من هذا القبيل: مسألة عقدية خالصة بغض النظر عن مذهب مؤلفها. المسائل هذه الآن لا تعنيني، دعني أقول بعبارة أخرى: هي من المسائل التي أضحى إدخالها في علم الأصول غلط، غلط بين قوسين، بغض النظر عن مذهب التقرير؛ حتى لو كان سنيًّا، وجود المسألة أصلا في كتاب الأصول لا محل له من الإعراب، هذا ينبغي أن تخرج. وقديما قال الشاطبي رحمه الله في مقدمة كتاب الموافقات: كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا يبنى عليها ثمرة فقهية فهي عارية يجب إخراجها منه. يعني محلها غير مقبول في كتب علم الأصول طالما لا يبنى عليها ثمرة فقهية ولا استنباط فقهي مباشر، هذه ينبغي تجاوزها وإخراجها من كتب الأصول، وأيضا هناك محاولات بحثية قديمة بعنوان ما ليس من علم الأصول ينبغي أن يخرج منها. هذه المسائل مع أنها مسائل عقدية ومهمة والخلاف فيها خلاف شرعي معتبر، لكنه ليس خلافا أصوليا، فينبغي أن يخرج من كتب الأصول ويبحث له عن موقعه المناسب.

من الآثار أيضا: الاثر الثاني لظهور المذاهب العقدية هو أثر مترتب على الأول، ضعف الأثر الفقهي على حساب التجريد الكلامي الخالص، وقلته قبل قليل في مراحل النشاء، ولذلك يمكن أن تقرا كتابا كبيرا من كتب علم الأصول فأحيانا لا تظفر إلا بنصين أو ثلاثة شرعية أو أربعة، مع أن المفترض أن كتاب علم الأصول ومباحثه ومسائله ينبغي أن تكون خادمة لهذا الغرض الكبير، بل لا يوجد المثال الفقهي إلا على سبيل الندرة؛ فياتي المثال ويتحدثون عنه ويتجاوزون الباقي. فإذا ضعف الأثر الفقهي لمسائل علم الأصول وآثارها الفقهية، ضعف هذا الأثر الفقهي هو غياب للثمرة، إذا هذا أثر كبير، وأنا لازلت أقول: ارجع فاقرأ كتاب الرسالة فماذا ستجد فيه؟ ستجد مسائل الفقه مليئة، وهو كلما قرر مسألة ضرب مثالين ثلاثة ويقول وجه آخر، بيان آخر، ويستعرض رحمه الله جملة كبيرة من النصوص، لو قدر لك أن تنخل كتاب الرسالة لربما وجدت ألفاظ النصوص الشرعية أكثر من كلام الشافعي، وهذا يعني أن المسألة كان منظورا بعناية عند الإمام رحمه الله أن هذا العلم هو خادم النصوص، وهو طريق معبد للفقيه يريد أن يصل إلى غرضه الكبير، وهو أصول الأحكام الشرعية. الأحكام الشرعية هذه مستودعة في النصوص، فأنت تحتاج إلى خطوتين: أن تبحث عن النص، وأن تعرف كيفية استخراج هذا الحكم من النص. هذا الغرض الكبير إذا أصبح غائبا في كتب علم الأصول؛ إذا غابت الثمرة ضاع الهدف الكبير من علم الأصول وهو الوصول إلى الأحكام الشرعية وتقريرها من خلال القواعد والمسائل التي يجب يقررها علم أصول الفقه.

الأثر الثالث، وليس أثرا لكن هو استطراد لما أنا بالحديث عنه لما قلت إن الأثر الفقهي ضعف وصار على حساب التجريد الكلامي الخالص، وجد بين الاصوليين من سلم من هذا، وأصبح كتابه قليل التأثر بالمذاهب العقدية، بل ربما عديم الإيراد لها أو قليلا إلا على سبيل الرد العابر. وهذا كان سببه إلى اهتمام المصنفين؛ لما تجد مصنفا في الأصول غلبت عليه صناعة الفقه أو الاهتمام بالحديث يضعف عنده العناية بعلم الكلام أو تقرير المسائل العقدية داخل كتب الأصول. أضرب مثالا بثلاثة مؤلفين: أولهم أبو المظفر السمعاني في قواطع الأدلة، فانه رحمه الله وضع كتابه يكاد يكون وضع كتابه ردا على أبي الدبوسي صاحب تقويم الأدلة الحنفي، وهما متعاصران، فكان كتابه تتبعا للقاضي أبي زيد الدبوسي وهو يرد عليه في كثير مما يقررون المسائل على طريقة الحنفية، والسمعاني شافعي فيرد عليه، يصرح باسمه تارة ويشير إليه أضعاف أضعاف ما يصرح به، لكنه لا يكاد يمر به فصل أو باب إلا وهو يرد عليه أبو المظفر السمعاني ل يعني تقرا كتابه قواطع الأدلة وتقرأ لكتاب معاصر أو تقويم الأدلة لأبي زيد الدبوسي فرق شاسع، كأنك تتكلم على واحد من قرن الشافعي والثاني بعده بمئتين سنة، وهما متعاصران لكن النفس مختلف، طريقة التأليف العبارات متفاوته. قراءة كتاب كقواطع الأدلة أيسر بكثير بكثير من كتاب كالمستصفى للغزالي مثلا أو المحصول للرازي، فرق يعني حتى في الصياغة وأقحام المصطلحات الكلامية والألفاظ تكاد تخلو، بل ينتنق السمعاني رحمه الله بشدة في مقدمة كتابه كل الأصوليين الذين سلكوا التأليف فأجلبوا معهم المصطلحات الكلامية والمذاهب العقدية وأدخلها، وانتقد بعبارات حاده في مقدمته وساق لها صفحات وهو يفند هذا المسلك ويعتبره غير مقبول في مساحة علم الأصول.

الثاني: الإمام أبو اسحاق الشيرازي فقيه الشافعية في عصره صاحب اللمع وشرح اللمع وصاحب التبصرة. أيضا أبو اسحاق الشيرازي قليل العناية بالمسائل كلامية، بل لا يكاد تمر به إلا على سبيل الرد جملة، مع أنه متاثر بالمذهب الاشعري، لكنه يرى أن كتاب علم الأصول لا مساحة له في هذه القضايا، فكتاب اللمع وشرح اللمع هو أيضا وافر بتطبيق وله عناية مع ذكره للأدلة وللخلاف.

الثالث: القاضي أبو الوليد الباجي المالكي رحمه الله، ولما تنظر إلى الباجي وهو معتني بالموطأ ودرس الحديث وحمل الرواية وارتحل من الأندلس إلى المشرق فالتقى بالمحدثين وسمع منهم، فالرجل له عناية حديثية فقهية، يعيش مع الموطأ ويشرح أحديث الموطأ، وله عناية بهذه الابواب التطبيقية، فانه في كتابه أيضا لا يكاد يقف عند مسألة كلامية، وقراءة كتابه من الكتب الممتعة في العبارة السهلة في حصول المراد، يعتني بالتقرير مذهب الإمام مالك في المسألة وآراء أصحابه اختلفوا مالكية بغداد ومالكية مصر، ثم يعتني مالكية الأندلس المغرب ويعتني بهذا ويقرر المذهب ويرجح أحيانا ويسوق الأدلة، لكنه كما قلت سالم من تلك الآثار. فإذا تبين معك الآن أن اثر هذا عائد إلى العناية باهتمامات المصنف نفسه، فلما يكون له كتاب كما قلت في العقيدة وصنف فيه وانتصر لمذهبه، فإذا جاء صنف في الأصول انسحب أثر ذلك عليه، بخلاف المعتنين بالفقه والحديث.

النقطة الأخيرة وهي المهمة: المسائل التي أصبحت متاثرة في داخل علم الأصول متاثرة بالمذاهب العقدية، هذه يمكن أن نقسمها إلى ثلاثة أقسام. المسائل التي تأثرت فعلا، المسائل الأصولية، القواعد الأصولية، الفصول والابواب والمسائل التي تأثرت بالمذاهب العقدية أنواع ثلاثة:

النوع الأول: مسائل لا أثر للخلاف فيها، الخلاف لفظي، خلاف عبارة، خلاف في المصطلح، لكن في الحقيقة متفقين. أضرب مثالا حتى لا يدركنا الوقت: الواجب ينقسم باعتبار الفعل المكلف به عند الأصوليين إلى واجب معين وواجب مخير؛ كخصال الكفارة: اطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة، هذه يسمونها عند الجمهور الواجب المخير يعني يجب عليك أحدها. أيضا في أذى في الحج ففدية من صيام أو صدقة أو نسك قال النبي صلى الله عليه وسلم صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو يذبح شاة. هذا التخيير في الكفارات هو مثال للواجب المخير عند الأصوليين، فيذكرون هذا عند كلامهم عن الواجب باعتباره تقسيما ما يترتب عليه ثمرة، اللهم إلا أنهم يقولون إن الواجب

ينقسم بحسب فاعله الواجب عيني وواجب كفائي، وبحسب زمنه الواجب موسع وواجب مضيق، وبحسب الفعل المكلف به الواجب مخير وواجب معين. خالف المعتزلة في هذا الباب وقالوا: لا يصح هذا التقسيم، وما في شيء اسمه واجب مخير، ومستند نفيهم للمسألة أنه تناقض أن تقول: واجب ومخير؛ لأن مقتضى التخيير الإباحة، كيف تقول واجب ثم تقول هو مخير؟ إذا أثبت له التخيير إذاً هو مباح، ووصف الإباحة يناقض وصف الإيجاب.

خلاف المعتزلة، تعال إلى الحقيقة: هل هم ينفون أن الذي يحنث في كفارة الأيمان مخير بين ثلاثة خصال؟ لا، ما يخالفون في هذا، يتفقون معك على أنه لو أطعم عشرة مساكين يكفي، لو كساهم يكفي، لو أعتق رقبة يكفي، متفقون معنا في هذا. في كفارة الأذى في الحج يصوم ثلاثة أيام يكفيه، يطعم ستة مساكين يكفيه، يذبح شاة يكفيه. إذاً لا يقولون وجوب الثلاثة عليه، إذاً في النهاية متفقون، الخلاف أين؟ خلاف لفظي لا يسمونه واجب مخير، ويعتبرون هذا مناقضة.

ثم إذا دخلت معهم وصلت إلى أصل المسألة العقدية: إذا كان ليس واجباً مخيراً فما هو؟ يقولون: واجب معين، أيها هو الواجب؟ يقول: أحدها معين في علم الله، غائب عن علم العبد. ولاتهم الذين ينفون علم الله السابق يقولون: لا يعلمه الله قبل اختيار العبد، تعالى الله عما يقولون. فتدخل معه إذا غصت في المسألة وصلت إلى أصول المسألة العقدية، ووصلت إلى جذرها الذي انطلقوا منه، أنا سأتجاوزه وأقول لهم: سموه واجب مخير أو لا تسموه، في النهاية هو ماذا يلزمه في كفارة اليمين في كفارة الحج؟ سيقولون: واحد.

السؤال بطريقة ثانية: لو ترك الكفاره لا أطعم ولا كسى ولا أعتق، يأثم إثم ثلاثة واجبات أو واجب واحد؟ سيقولون: واجب واحد. أقول: انتهينا خلاص، إذاً سميه ما شئت. هذا النوع من مسائل الخلاف فيه لفظي مع أنه ذو أثر عقدي واضح، فالـمعتزلة انطلقوا من أصل عندهم وبنوا عليه قضية، فهذا الخلاف لفظي لا أثر له.

النوع الثاني من المسائل: الخلاف فيها متكلف، يعني هو انطلق من أصل عقدي فلما جاء للقضية الأصولية التزم بقضيته العقدية، واختار قولا ضعيفاً جداً في المسألة الأصولية. وبتم ضعف قوله أو اختياره يظهر تهافت المسألة وعدم الوقوف عليها، لماذا أقول هذا؟ نحن نتكلم على الموقف من هذه المسائل، فإذا بان لك تهافت القضية فلا عبرة به ولا تختف، يعني ولا تخشى من الاشتباه.

لحق به يختار قولاً ضعيفاً أو لا معنى له، أو يختار التوقف مثلاً. ضربت مثلاً بصيغ العموم، صيغ الأمر، يقول: الأمر لا صيغة له، ليش؟ يقول: الأمر يتعلق بإرادة الآمر، فإذا أراد معنى الأمر حصل، وإذا ما حصل. وإذا قال صيغ العموم قال: لا صيغة له. هذا أقول مكابرة، تجاوز مقتضى اللغة الذي يفهمها الصبي والعامي والجاهل الذي ما درس ولا تعلم ولا قرأ ولا كتب، فمكابرة للعقول أن تي تقول: لا صيغة للعموم.

والمتحفظ منهم المحققون إذا جاء لهذه القضايا هو منطلق أصلاً من قضايا عقدية، فلما يأتي إلى قضية العموم وعليه يختار صيغة، إذا اختار أن للصيغ نقض أصله العقدي والمسألة عنده غير غائبة، فعنده المسألة العقدية أهم فهو يلتزم بها. فاذا جاء للعموم قال: ما له صيغة، ليش المكابره هذه؟ أقول: المحققون منهم إذا جاء واختار، اختار التوقف، إيش التوقف؟ توقف لا مذهب له؛ لأنه لو قال بإثبات الصيغة نقض أصله العقدي، ولو قال بأنه لا صيغة كابر وسقط في مسألة أشنع من الأولى فاختار التوقف.

أقول: المحققون الكبار الرازي يتوقف كثيراً، الآمدي أكثر توقفا منه، وأقول محققون لأنهم عقلاء، ويعرفون ارتباط المسائل ببعضها، ويعرف ما الذي سيلزم لو اختار مذهباً من المذاهب: إما أن ينقض أصله العقدي، وإما أن يلتزم بلازم يثبت من خلاله أنه غير مضطرد في تقرير المسائل. فلما يختارون هذه المسائل يثبت أقول بوضوح: أن هذا الاختيار هو نوع من التأثر.

إذاً هذا نوع ثاني من المسائل لها أثر عقدي، لكن الاختيار فيها متكلف عند صاحبه، فإما يختاره قولاً ضعيفاً أو قولاً مرجوحاً أو يتوقف المسائل، وبالتالي أنا لا أخشى أن يكون هذا الاختيار مؤثراً أو مشككاً مغيباً للحقيقه.

هل الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده؟ نفس المسألة هي قضية نزاع بين المعتزلة والأشاعرة. فلما قالت المعتزلة: الأمر بالشيء عين النهي عن ضده، وقال المخالفون: الأمر أمر والنهي نهي، لا علاقة لأحدهما بالآخر. والقول الحق أن العرب إذا قالت قالت لشخص: قم، هم يريدون لا تقعد، لكنها ليست دلالة لفظية، يعني افتح معاجم اللغة ولن تجد في معنى قم أنه لا تقعد، لكن مقتضى هذا ولن يمتثل له القيام إلا إذا ترك القعود، فدلالة تلازم ليست لفظية. القول الوسط يخرجك من الطرفين المتضادين المتناقضين في القضية.

لما يقولون مثلاً: التحسين والتقبيح، هل الأشياء موصوفه بحسن أو قبح؟ غلاة المعتزلة يثبتون الحسن والقبح العقليين، أقول: الغلاة يثبتون الحسن والقبح العقليين الذي يلزم منه، يلزم من الوصف ترتب الحكم. جاء الأشاعره فنفوا الجملة، نفوا، قالوا: العقل لا يحسن ولا يقبح، ما في شيء في العقل حسن وقبيح. هذا غلو، هذه مكابرة، كيف يعني العقل لا يرى الشيء حسن فيحكم بأنه حسن، أو لا يرى الشيء قبيحاً فيحكم؟ فإن الفطرة المغروزة في النفوس فهي كأن ردة فعل. فأقول: مثل هذا هو أثر للمذاهب العقدية التي استقرت عندهم، لكن لما كان الاختيار فيها ضعيفاً أو متهافتاً وهو عدم العناية به.

أخيراً النوع الثالث: مسائل ذات أثر مهم، إذاً مسائل لا أثر لها أو الخلاف فيها لفظي، ومسائل الخلاف فيها متكلف والموقف منها واضح، المساله النوع الثالث: مسائل ذات الأثر العملي المهم، الاحتجاج بخبر الآحاد في العقائد، الاحتجاج بخبر الآحاد فيما تعم به البلوى، الاحتجاج بالمصلحة وتقديمها على النص. هذه مسائل هي أيضاً ذات آثار عقدية، تقديم المصلحة على النص هو مقتضى التحسين والتقبيح، إذا اقتضى العقل تحسين شيء اقتضى مصلحته، وإذا اقتضى مصلحته قدم على ما يدل عليه النص، أو العكس: إذا دل النص على حسن الشيء ودل العقل على قبحه، قدم دلالة العقل فعطل النص.

هذا أثر مهم ويترتب عليه ترتيب بعض الأدلة وتقديم بعضها على بعض. الاحتجاج بخبر الآحاد كما قلت، هل الاحتجاج بخبر الآحاد في العقائد حجة؟ المعتزلة يقولون: لا. هذا أثر مهم، وهو نوع كما قلت من الاستدلال العقدي الذي انطلق فبنى عليه مسائل. مثل هذا النوع من المسائل ينبغي أن تكون الدراسة محل عناية به: أن يظهر خلل التقرير الأصولي، أن يظهر خلل التقرير الأصولي فيها بناء على الاثر العقدي الذي استصحبه المؤلف، ويبنى عليه بيان الحقيقة وبيان الراجح، وأن استصحاب المذهب العقدي هو الذي أفضي بهم إلى تقرير المسألة الأصولية على هذا النحو.

لما خالف المعتزلة جاء الأقل منهم درجة فقالوا: خبر الآحاد لا يصلح أن يكون حجة فيما تعم به البلوى، وهو مذهب الحنفية. كيف يعني؟ يعني المسائل التي يعم بها البلوى وينتشر حاجة الناس إليها هذه لا تصلح أن يكون الحديث فيها حجة خبر آحاد، لما؟ وقد ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام وصحت نسبته إليه، قال لك يا اخي: انتشار الحاجة إلى هذه المساله وعموم البلوى بها مظنة عناية النص الشرعي بها، وإذا النص الشرعي كان قد اعتنى بها وأبانها النبي صلى الله عليه وسلم بياناً كافياً بحجم الحاجة إليها، فإن ذلك يستدعي كثرة النقل. لكن أن تجد في الرواية خبر آحاد، إذاً في مشكلة ما.

هذا الذي حصل هو نوع من القرب من مذهب المعتزلة في القضية، هم بناء على أن المسألة في العقيدة يقين، واليقين لا يبنى على ظن، هم جاؤوا فقالوا: عموم البلوى مظنة الحاجة، مظنة الحاجة تستلزم انتشار الرواية، فعدم انتشار الرواية يدل على خلل وعلى نقل وعلى ضعف الحديث، ويضربون صفحاً بمنهج المحدثين في التصحيح والتضعيف، ويعتبرون مجرد هذا التوه العَقلي قدحاً في صحة الرواية. يا اخي حديث وصحيح وثابت، فما المانع من قبوله وتحكيمه والمصير إليه؟ قال: المأخذ عندي أن المسألة يعني تحتاج الناس إليها بكثره وتعم بها البلوى، فيجب أن يكون النص الوارد فيه أكثر.

من كونه خبر آحاد أما مشهورا أو متواترا. طيب، فماذا لو لم أجد حديث آحاد وصحيح وثابت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ويتوقف في الاحتجاج به؟ هذا نوع من التأثر بالمسائل قد لا يصل إلى درجة المعتزلة في نفي الاحتجاج بخبر الآحاد جملة، لكنه أثر مترتب عليه ولا شك.

ختاما، هذه الآثار التي وصفت والنشأة التي دخلت جعلت كتب علم الأصول لا تخلو بالجملة من هذه المسائل، وهي كما قلت مسائل مقحمة في بعضها لا أثر لها، ثانيا مسائل ألقت بظلالها ويمكن تجاوز تأثيرها، مسائل من نوع ثالث هي في صلب مسائل علم الأصول وكانت متأثرة بعلم عقيدة، على طالب العلم إن لم يكن له بصر نافذ ودراية كافية بمسائل العلم وبارتباطها في درسه أو بأستاذه الذي يدرس في معرفة لمثل هذه المسائل بحيث يتجاوز ما يحتاج إلى تجاوز ويقف إلى تحقيق الصحيح في المسائل مما يحتاج إلى ذلك وما عدا ذلك فلا يلقي حرجا كبيرا في دراسة المسائل والكتب.

وكيف يمكن أن ندرس كتابا ليس على طريقتك هذا المذهب ولا على طريقة ذلك؟ أنا قلت هذا التصور السطحي للمسألة ليس بمستوعب للقضية، عامة المسائل الموجودة في علم الأصول في الأدلة أو في الدلالات هي مقررة وفق أدلة ينبغي الوقوف معها والصورة مع قواعدها ووجوه الاحتجاج فيها بابا فباب.

قبل أن ننفض عن المجلس هذا، نشير إلى نقطتين مهمتين: الأولى، توقف الدرس الأسبوع القادم إن شاء الله تعالى لنستفيد وهو أول أسابيع الدراسة في الفصل الثاني، لأننا بهذا أتينا على ما نراه مهمأ من المسائل التي تعتبر مدخلا لعلم الأصول وممهدا نحن بحاجة إلى تصورها واستيعابها.

وسيكون انطلاقنا إن شاء الله مع بداية الفصل الثاني في أول الأسابيع وهو الاسبوع بعد القادم إن شاء الله مباشرة دراسة في كتاب (الصول من علم الأصول) للشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله. كان اختيار الكتاب ببعض اعتبارات: أهمها وضوح الكتاب وسهولة أسلوبه، ثانيا وضوح التعاريف وهي المهمة في تصور مسائل هذا العلم، الثالث وفرنسه بالمسائل الفقهية التطبيقية والأمثلة التي تعين على تقريب المسائل، الرابع استيعابه لأبواب علم الأصول التي نحتاجها في هذه المرحلة.

المتوقع والظن الغالب إن شاء الله أن يأخذ الكتاب معنا مرحلة طويلة في دراسته، آمل أن نظفر بالانتهاء منه في منتصف الفصل الدراسي الثاني ونعتبره أيضا مدخلا في خطوة أولى لدراسة كتاب في علم الأصول أن يكون ملما مستوعبا بسهولة العبارة ويسر اللفظ ووضوحه بالأمثلة، لندخل بعدها مرحلة هي أدق قليلا وأن نختار كتابا على طريقة الأصوليين في السبك وفي التحرير وفي الاختصار مثلا وفي عرض المسائل وما نحتاج إليه إن شاء الله، هذه النقطة الأولى.

النقطة الثانية تتعلق بالموعد الذي سيكون عليه العمل إن شاء الله بدءا من مطلع الفصل الثاني بعونه سبحانه وتعالى، ذلك أن عددا من الإخوة طلب تغيير الموعد من يوم الأحد إلى يوم آخر في بعد العشاء، لكن يوم الأحد يتعارض مع درس فضيلة شيخنا الشيخ محمد آدم وهو يشرح صحيح البخاري هنا في المسجد الحرام بعد العشاء يوم الأحد، وكثير من طلبته رغب تغيير الموعد لأن الشيخ قطع ما يقارب ست سنوات وزيادة في شرح صحيح البخاري ويوشك على الانتهاء فلا يرغبون في الانقطاع عن الدرس، وكانت المشاوره خلال الأيام الماضية مع بعض الإخوة الحاضرين هنا في الدرس حول تغيير الموعد.

وبما أننا مقبلون على فصل دراسي جديد فربما كان من المناسب أن يتهيأ أحدنا في جدولة مواعيده متى تيسر ذلك للفصل الدراسي القادم، بحيث إذا كان ارتباطا دراسيا في الجامعة أو في برنامج أحدنا الشخصي أو مواعيده الذاتية يمكن برمجتها من جديد، وتم التنسيق أيضا مع الإخوة المسؤولين مشكورين في إدارة التوجيه والإرشاد على نقل الموعد بإذن الله سبحانه وتعالى مع مطلع الفصل القادم الأسبوع بعد القادم من يوم الأحد إلى يوم الأربعاء بعد العشاء يكون موعدا ننتقل إليه رغبة في يعني تحقيق المصلحتين معا؛ إمكانية حضور المشاركين إخواننا الجالسين معنا في الدرس وتلافيا لمضاربة الموعد مع موعد آخر لدرس يحرص عليه طلبة العلم واستمر عليه فترة طويلة، فننتقل إلى الأربعاء بإذن الله سبحانه وتعالى.

سنعمل على هذا إن شاء الله، ما لم يقم عندنا يعني سبب قوي أو عارض مهم يمكن أن تستدركه ونناقشه فيما بعد، لكن نبدأ ونستانف إن شاء الله الأسبوع القادم يوم الأربعاء بإذن الله جل وعلا.

نسأل الله عز وجل لنا ولكم التوفيق والسداد، وأن يرزقنا وإياكم علما نافعا وعملا صالحا يقربنا إليه، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.