السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الآخرة والأولى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله وصفيه وخليله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد؛ أيها الإخوة المباركون، فلا يزال حديثنا موصولاً في هذه السلسلة من مجالس علم أصول الفقه. ولا يزال حديثنا عن البدايات والنشأة والتمهيد لظهور هذا العلم علماً مستقلاً قائماً بذاته، يصنف فيه أهل العلم، ويدرسه الطلبة، ويتعلمون مسائله، ويترقون قواعده حتى يصلوا إلى ما كان عليه فقهاء الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم في ملكة الاستنباط وقواعد الاستدلال والتعامل مع الأدلة الشرعية.
وليكون حديثنا موصولاً بما سبق، فإن المجالس الثلاثة الماضية كانت تتحدث عن أهمية هذا العلم، وعن كونه موجوداً مستعملاً مركوزاً في الفطر وبالملكة بالدرجة الأولى عند الصحابة رضي الله عنهم وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، شأنه في ذلك شأن العلوم الشرعية الأخرى التي كانت مستقرة في النفوس، وكانت متكررة أيضاً في علمهم الذي يتلقونه من رسول الله عليه الصلاة والسلام. وعلم الأصول بهذه الدرجة التي يعنى بها، أو التي يقصد به المسائل والقواعد والمناهج التي يتعامل بها الناظر في الأدلة والمتأمل في أحكامها، فإن هذا أقصى ما يكون في بلوغ درجاته المثلى في زمن الصحابة رضي الله عنهم وبين يدي رسول الله عليه الصلاة والسلام. ومر ذكر شواهد لهذا في تطبيقات هذه المناهج في الفهم والاستنباط في زمن النبوة والوحي ينزل، وكان ذلك أكبر آية على أن الوحي متنزل.
ومع توفر السؤال بين يدي الصحابة بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنهم لم يكونوا عالة في تعلم الأحكام واستنباطها واللجوء إليه كلما نزلت بهم نازلة أو حدثت حادثة؛ فكان عليه الصلاة والسلام ينمي فيهم ملكة الفهم، ويفتح لهم أبواب النظر والاستنباط. وكان يقرر الصحابة رضي الله عنهم، ومر لذلك شواهد في مثل تطبيقه القياس؛ عليه الصلاة والسلام في السائل له عن المرأة التي ولدت غلاماً أسود: هل لك من إبل؟ إلى أن قال: وهذا أيضاً لعله نزعة عرق. وكان يخطيء ويصوب الصحابة رضي الله عنهم في فهمهم إذا رفعوا إليه النازلة والمسألة، كما في قوله: لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة. فصلت طائفة منهم في الطريق، وأخرى أجلت الصلاة حتى وصلت بني قريظة، وصوب النبي عليه الصلاه والسلام تلك الطائفتين.
حتى انتهى زمن الوحي وقد ملك الصحابة رضي الله عنهم من قواعد النظر ودقائق الاستنباط ومناهج التعامل مع الأدلة ما خولهم وهيأهم أن يكونوا قادة للأمة بعد نبيه عليه الصلاة والسلام. فكانت النوازل منذ اللحظة الأولى التي مات فيها المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكانت النوازل أمام قامات من فقه الصحابة التي وسعت النظر في تلك النوازل واستخراج الأحكام المناسبة لها. وباختصار، فقد قادوا سفينة الأمة نحو منهج السلامة والاستمرار على شريعه الله التي تركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على محجتها، من قواعد النظر والاستنباط والتعامل مع الأدلة ما أن يكونوا مجتهدين غاية الاجتهاد. وإذا ما ضرب المثل بدقة النظر وبلوغ الغاية في الاجتهاد، فإنها رتبة الصحابة رضي الله عنهم بلا منازع.
فكانت النوازل مثل استخلاف خليفة بعد وفاة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومساله تأجيل ذلك أو تقديم ذلك على دفنه عليه الصلاة والسلام، ثم قتال المرتدين وجمع المصحف، ثم تلاحقت المسائل وفي زمن عمر رضي الله عنه إلى مسائل أكثر توسعاً اقتضت تنظيم الدولة وتدوين الدواوين وترتيب مصالح الحياة بما يسير للناس معايشة الزمن الذي جد والفتوحات التي اتسعت ودخول الناس في دين الله أفواجا. وتنامى الأمر حتى تقرر عندنا أن تطبيقهم في مسائل النوازل بالاجتهاد والنظر وتقرير الأحكام واستخدام المصالح ومعمار القواعد، كل ذلك كان دليلاً على ما بلغه أولئك الكبار رضي الله عنهم في النظر والاستنباط والتعامل مع الأدلة.
ثم كان مجلسنا الأخير الحديث عن زمن ما بعد الصحابة رضي الله عنهم، وكيف انتقل هذا العلم من كونه علم صدور وقدرة على الاستنباط وفهماً دقيقاً في النظر والأدلة، كيف انتقل هذا العلم أيضاً بالتوريث والتلقين والنقل إلى أجيال التابعين الآخذين عن الصحابة رضي الله عنهم الجميع. فكانت أيضاً مجالس الصحابة وبالمصطلحات: مدرسة ابن عباس بمكة، ومدرسة ابن مسعود بالكوفه، ومدرسة أنس بالبصره، ومدرسة ابن عمر بالمدينة رضي الله عنهم اجمعين. فكانت تلك المدارس لا بمصطلح المدارس المعاصرة، لكن بمعنى تكوين نخبة من الطلبة والتابعين ومن أبنائهم الآخذين عنهم، فيتلقون فقه الرجل وحديثه وطريقته في الاستنباط ومنهجه في التعامل مع الأحكام، وطريقته أيضاً في النظر في الأدلة والتعارض بينها وكيف الجمع وكيف الترجيح.
فكانت تلك المناهج تنتقل إلى الآخذين عنهم، ولم يزل هذا العلم علم صدور يتلقاه الرجال، وياخذه الفقهاء، ويتلقاه طلبه العلم بالمجالسة والممارسه والأخذ والإفاده. وانتهينا آخر ما انتهينا إليه إلى أن أصبح هذا العلم كغيره من العلوم بحاجه إلى كتابه وتدوين. ووقف بنا الحديث تحديدا عند بداية التدوين في هذا العلم على يدي الإمام القرشي محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله عليه صاحب المذهب المعروف، وكتابه الرساله يعد أول كتاب صنف في علم الأصول في تاريخ الإسلام. وتأليفه قصة مضت الإشارة إليه على عجالة، ومجلس الليله إن شاء الله تعالى فيه التفصيل لكتاب الرسالة للشافعي باعتباره اللبنة الأولى في بناء مصنفات علم الأصول.
وفهم الكتاب مدخل مهم ومنطلق يجب أن يصير من خلاله الدارس لعلم الأصول، وأن يكون على بينة ودراية كافيه وافيه بنشأة هذا العلم في كتاب الرسالة للشافعي رحمه الله وطريقته ومنهجه فيه ومحتواه وكيف أصبح العلم من بعد الرسالة علماً مصنفاً وكتباً تؤلف، ثم تطورت إلى أصبحت مناهج تتبع ومدارس ومذاهب تشق طريقها في بنيان هذا العلم شيئاً فشيئاً. كتاب الرسالة للشافعي -وهو الذي بين يدي اليوم وسأقرأ لكم بعض النماذج منه- كان بدايه أمره رساله توجه بها الإمام عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله عليه الإمام المحدث الثقه الثبت توجه برساله إلى الإمام الشافعي. عبد الرحمن بن مهدي إمام عالم جليل من أجلاء السلف رحمه الله عليهم، فكتب رسالة للشافعي يطلب فيها منه أن يضع له جملاً تعينه على النظر فيما يحتاج إليه الفقيه والعالم والناظر في الأدلة.
وكانت رسالته التي أرسل بها إلى الإمام الشافعي يطلب فيها أن يضع له كتاباً فيه معاني القرآن، ويجمع قبول الأخبار فيه، وحجة الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ. قبل الحديث عن هذا الطلب الذي تقدم به الإمام عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله، لك أن تتأمل في حيثيات هذا الطلب وكتابة الرسالة وما جد بعدها. نحن في زمن نتكلم فيه على أوائل أو في منتصف القرن الثاني الهجري، ما بعد المئة والخمسين، وهو الزمن الذي قلنا فيه إن الفتوحات الإسلامية قد امتدت ورقعة البلاد قد اتسعت، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وضعفت فيه لغة العرب، ودخل الأعاجم في الإسلام وكان دخولهم مع شيء من الشوائب التي يحملها اللسان العجمي، وشيء من العقائد التي كانوا عليها قبل الإسلام.
بما يعني أن البيئة لم تكن كما كانت زمن الصحابة رضي الله عنهم في أوائل الخلافة الراشدة؛ حيث اللغة العربية السائدة، والناس تفهم القرآن والسنة بمكوّن اللسان إلى درجة كبيرة. فتنامى هذا الأمر عن الفجوة التي بين الناس وبين النصوص الشرعية، ثم ازداد الأمر يعني حاجة والإلحاح بظهور بعض الفرق المنتسبه للإسلام التي أدخلت شيئاً من المخالفات الشرعية، مثل الفرق التي ظهرت أول ما ظهرت كالجهمية والقدرية والمعتزلة والشيعة والخوارج. فكانت كل طائفة تؤسس لمذهب على شيء من دلالات النصوص، وكان لابد بما أنها مخالفه للمنهج السوي فكان لها شيء من التأويل والتكلف في تنزيل دلالات النصوص على ما ذهبوا إليه وقرروه. فكان في هذا استخدام غير رشيد لدلالات النصوص الشرعية، فتفاجأ وضع منهج صحيح يتعامل به الفقيه وطالب العلم مع الدليل الشرعي ليستنبط الحكم الصحيح الذي يتضمنه النص ليكون.
الاستنباط سليماً، والحكم صحيحاً، وليكون أيضاً التعامل مع الدليل بطريقة منهجية شرعية صحيحة. عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله في مثل هذه الظروف وجه الرسالة إلى الإمام الشافعي. الحيثية الأخرى أن إماماً كالشافعي في هذه المرحلة من حياته يقال إنه أرسلت إليه الرسالة سنة مئة وثمانين، يعني كم عمر الشافعي؟ ثلاثون سنة فقط، ثلاثون سنة! ثلاثون سنة في سن طلبة العلم اليوم تعتبر بدايات للتمكن، لكنها عند إمام كالشافعي كانت قمة في الرسوخ العلمي وبلوغ الغاية.
والسبب في ذلك أن الشافعي رحمه الله لما تربى بمكة وكان قد نشأ فيها يتيماً، وتعلم وتفقه في بدايات سن الطلب وحداثة العمر، لم يبلغ رحمه الله عليه سن السابعة عشرة حتى أجاز له شيوخ الحرم وعلماؤه آنذاك بالجلوس والإفتاء في الحرم المكي في سن السابعة عشرة! فنبوغ وأمامة مبكرة، وحذاقة وجودة فهم وذكاء، ثم أذن له من شيوخه وأساتذته وعلمائه أن يكون شيخاً معلمًا ومفتياً. ولما تقول معلما ومفتيا في مكة وفي الحرم، وهذا يعني بين الحجيج وجموع المعتمرين وأمة الإسلام كلها التي تقدم مكة وتدخل بيت الله الحرام.
ثم ارتحل رضي الله عنه إلى المدينة والتقى بالامام مالك وطلب عنده العلم وقرأ عليه الموطأ وحفظه وتلقى عنه، فأخذ من مالك رحمه الله الفقه والحديث، فكان هذا مما قوّى عود الإمام الشافعي أيضاً في الفقه والحديث والدراية وهو لا يزال في سن مبكرة. فلما أن بلغ الثلاثين فقد بلغ مبلغاً عظيماً رضي الله عنه في الإامامة والنظر في الأدلة. وكانت نشأته العلمية التي جمعت بين الأخذ عن شيوخ مكة وفقنائها ثم الارتحال إلى المدينة وإذ أخذ عن الإمام مالك، فلك أن تقول: أخذ فقه أهل المدينة، فقه الفقهاء السبعة الذين كان عليهم المعول في فقه الإسلام في على رأس المئة الأولى إلى الأربع وتسعين من الهجرة.
هذا كله هيّأ للشافعي بيئة خصبة أن يكون على ذكائه وفطنته ونبوغه المبكر رحمه الله صاحب شأن في العلم وأي شأن! ثم لما ارتحل إلى بغداد والتقى بأصحاب أبي حنيفة وكبار تلامذته كمحمد بن الحسن والقاضي أبي يوسف، أخذ أيضاً بالمجالس والمناظرة والمدارس، أخذ اصول المذهب وطريقتهم في الفكر ومنهجهم في النظر في الأدلة. تتلاقح في فقه الشافعي رحمه الله عليه فقه المذاهب السائدة آنذاك والفقهاء القائمين بالعلم والفقه والنظر في الدليل آنذاك.
على كلّ، عبد الرحمن بن مهدي وهو شيخ أئمة الإسلام، يعني شيخ علي بن المديني وشيخ أحمد وشيخ إسحاق، يكتب رسالة إلى الشافعي يطلب فيها منه أن يضع له كتاباً، أن يضع له كتاباً، أن يكتب له رسالة فيها معاني القرآن، ويجمع قبول الأخبار فيه، وحجة الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ. هذه أركان للمسائل التي يحتاج إليها الأصولي، والتي تعتبر أركان هذا العلم ومسائله الكبار: حجية القرآن ومعانيه، حجية السنة، الإجماع والنسخ، الناسخ والمنسوخ.
فما كان من الإامام الشافعي رحمه الله إلا أن سطر رسالة، ليست هي هذا الكتاب، سطر رسالة يحملها البريد وكتب لعبد الرحمن بن مهدي جملاً من أصول العلم في حدود ما طلبه رحمه الله. فجمع له صفحات وكتب له جملاً كما قلت هي من مسائلها التي أشار إليها ابن مهدي في حاجته إليها، ثم أرسلها إليه، قيل كان بمكة وقيل كان ببغداد، فأرسلها إليه وحملها الحارث بن سريج، حمل الرسالة. والطريف أن الحارث بن سريج لقب فيما بعد بالنقّال، وليس ذلك إلا لنقله رسالة الشافعي إلى عبد الرحمن بن مهدي، فكان حدثاً تاريخياً اكتسب به لقباً وأضيف إليه فعرف به حارث بن سريج حمل الرسالة.
ثم بدا للشافعي رحمه الله بعدما فتح له هذا الباب، يعني باب كتابة هذه المسائل ولم تكن مسطورة من قبل، فبدا له مشروع علمي ضخم كبير يستحق أن يتفرغ له الإمام الشافعي وأن ينتصب له وأن يكتب فيه ما يصلح أن يكون كتاباً علمياً يرجع إليه طلّاب العلم ويستفيدون منه. فبدا مشروعه الكبير في تأليف كتاب الرسالة. لم يُسمِّ الشافعي كتابه بالرسالة، هو سماه الكتاب، وإذا أحال إليه في بعض كتبه كالام أو أو خبر الآحاد مثلاً أو جماع العلم ونحوه فيقول: قلنا في الكتاب، وأشرت في الكتاب، ولم يسمّ الرسالة، لكن الناس سمّوه بالرسالة.
فالشافعي لم يسمّ كتابه بالرسالة، إنما يسميه الكتاب أو كتابي هذا أو كتابنا هذا. لم يضع له عنواناً محدداً، لكنه لما نظر الناس إلى أن الكتاب كان في أصله رسالته التي بعث بها إلى عبد الرحمن بن مهدي، والرسالة التي بعث بها لعبد الرحمن بن مهدي كانت قد وقعت عند أهل العلم موقع حسن، يتلقونها بقبول وصاروا يطلعون عليها ويطلبون نسخها، فلما كانت بذلك الشأن نقل الناس اسم الرسالة من ذلك إلى الكتاب الذي ألفه الإمام.
ألّف الإمام الشافعي رحمه الله كتابه هذا بمصر بعد أن نزل بها واستقر بها آخر عمره. وذلك أن الشافعي رحمه الله في رحلته العلمية كان قد تنقل بين مكة والشام وبغداد واليمن وبغداد مرة ثانية، ثم منها إلى مصر واستقر به المقام بها حتى مات رحمه الله سنة مئتين وكم؟ أربعة. إذاً ألف الكتاب في السنوات الأربع الأخيرة من حياته، وهذا باصطلاح مؤرخي العلم كما يقولون هو يعني بعد أن بلغ تمام النضج العلمي وتمام اكتمال الملكة التي ملكها رحمه الله في هذا العلم. وهذا إن دل فإنما يدل على مكانة الكتاب وجلالة قدره لما يؤلفه الشافعي رحمه الله في هذه المرحلة من العمر. ألّف الكتاب ووضع فيه مسائله وبوّبه وصنّفه، فكان الكتاب بهذه المثابة اللبنة الأولى التي وضعها علماء الإسلام في التأليف في أصول الفقه على الإطلاق.
ثمة من يزعم في بعض الكتب أن هناك سبقاً على الشافعي في تأليف رسائل في علم الأصول، كان قد كتبها بعض أهل العلم، فنسب شيء منها إلى القاضي أبي يوسف أو إلى الإمام محمد بن الحسن أو إلى جعفر الصادق وغيرهم، لكنه ليس بين أيدينا شيء، لا قصاصة، ولا رسالة، ولا مسألة، ولا كتاب، ولا إشارة، ولا نقل حتى إلى شيء من تلك الكتب بما يثبتها حقيقة علمية. فلم نعد إلا أن نقول إن رسالة الشافعي تاريخياً من سنة أربع ومئتين لم نجد بين أيدينا معشر المسلمين في المكتبات ولا في المخطوطات ولا حتى في من نقل عن الكتب التي نقلت آنذاك شيئاً مما يثبت أن هناك مدوناً علمياً في مسائل الأصول كان قبل الشافعي رحمه الله. فكان للشافعي بهذه المثابة قصب السبق في التدوين في علم الأصول، وضعه لكتاب الرسالة اكتسب أهمية من جهات متعدده أجملها فيما يلي:
أولها أن المؤلف هو الإامام الشافعي نفسه، وحسبك به! ولما يكون المصنف أو المؤلف أو الكتاب خرج من بين يدي عالم إمام ثقة يعرف الناس علمه، وانتشر في الأمة فضله، وكان له ما كان من القبول والأخذ والرواية وتلقي الأمة له، فهذا يدل على شأن عظيم للكتاب. فأنت تتكلم عن مصنف لا كالمصنفين، وعن مؤلف لا كالمؤلفين، هو الإمام الشافعي رحمه الله. ولما نتكلم أيضاً عن الإمام الشافعي باعتباره مؤلف هذا الكتاب ومنه اكتسب الكتاب أهميته ومنزلته ومكانته، فإنه فوق علم الشافعي وفوق إمامته في الدين وفوق ما ذكرته من بعض الصفات التي خولت له وهيأت له أن يكون إماماً يأخذ الناس عنه علماً ضخماً كبيراً دقيقاً كالأصول.
سابق أن من أهم أركان علم الأصول هو الإلمام والدراية التامة بلسان العرب؛ لأنك تتعامل في علم الأصول مع نصوص شرعية، مع الكتاب والسنة، مع القرآن والاحاديث، وهذه نزلت بأفصح ما يكون عليه لغة العرب. فالمتأمل في تلك الأدلة والمتعامل معها والمستنبط للأحكام منها يحتاج أول ما يحتاج إتقاناً كبيراً للغة العرب، ودراية كافيه بها، وأمامة بالغة القصوى في مسألة العلم بطرق الاستعمال ودلالات الألفاظ والتراكيب والسياق وما إلى ذلك. فالشافعي رحمه الله، ليس لأنه قرشي مطلبي فقط، لكنه مع ذلك اعتنى كثيراً في نشأته في بدايات بتعلم اللغه، وهو عربي. الشافعي رحمه الله ولد في غزة ثم انتقل يتيماً إلى مكة وتربى.
بها نشأ، التي ربته، ويذكر لها فضل عظيم في تربيته وتوجيهه لطلب العلم، ويذكر أنه في بداية الصباح لم يكن مقبلاً على العلم، وكان يشتغل بالخروج إلى البادية وتعلم الصيد، وتعلم الرمي رمي السهام، حتى إنه كان حاذقاً فيها. ويذكر أنه إذا رمى السهام وتبارى كان يصيب عشرة من عشر، أو تسعة من عشر، هذا أقل نتيجة يحققها تسعة من عشرة إذا حدد هدفا ورمى بالسهام فإنه إذا أخطأ من العشرة يخطئ واحداً وإلا يصيب العشرة من عشرة.
فكانت هذه نشأته يخرج من مكة من أول النهار ويعود إليها في آخرها، ويحمل على عاتقه قوسه متقلداً إياها داخل مكة مع آخر النهار. فيذكر في شانه أنه دخل ذات مرة مكة فلقيه بعض أخواله في ذهبه يضع يده على كتفه وقال: مثلك ما ينبغي له أن يكون مشتغلاً بهذه الأمور؛ لأن هذه أمور تافهة، ومثلك ينبغي يكون شأنه أعظم، فوقعت الكلمة موقعها في قلب الإمام الشافعي، فاتجه لطلب العلم والتحق بمسلم بن خالد الزنجي وغيرهم من علماء مكة من المحدثين والفقهاء، وأكب على طلب العلم فأصبح كذلك.
كان خروجه ذاك للبادية يحرص فيه على الخروج إلى قبائل هذيل فكان يأخذ عنها اللغة ويحفظ أشعارها، ويعد الإمام الشافعي في تاريخ دواوين الشعر أحد رواة شعر هذيل، راوية للشعر يعني يحفظه تماماً، ويعرف ديوانها وأخبار شعرها، فبلغ بذلك درجة عالية من إتقان اللغة وحفظ الأشعار والدواوين. وانت تجد حتى في كتابات حتى هنا في الرسالة إذا روى بيتاً ناقشه وصححه وأوله وفهم معناه، وذكر اصول اللغة في لفظة ما واستعمالها ودلالاتها. أقول: إمامة الشافعي حتى في اللسان العربي ليست لأنه عربي فقط، لكن اعتنى أيضاً بدراسة اللغة واللسان وحفظ الأشعار، وكانت هذه النشأة أكسبته رحمه الله عليه أكسبته أيضاً إمامة كبيرة في الدراية، بل بلغ بالامام الشافعي أن رجلاً كالاصمعي إمام اللغة في عصره بلا منازع يذكر للشافعي إمامة في اللغة وأنه يحضر مجالسهم يتعلم منها فيه، فكان الأصمعي يحضر مجالس الشافعي، ما يريد الفقه للفقه ولا يريد ما يقرره الشافعي في مجالس المسائل، يتعلم منه اللغة.
يقول: فما جلست في مجلس عالم أرى فيه من الفصاحة وقوة اللغة وعدم اللحن كالشافعي. ويذكر أنه جلس وتعلم عنده، بل إذا أشكال على الأصمعي شيء من أشعار هذيل على وجه الخصوص سأل عنه الشافعي وتثبت منه وتعلمه منه، بل يقول إنه جلس مجالس متعددة للشافعي يقول: فلم أحفظ عليه لحناً ولا خطأ في اللغة ولا كلمة. هذه الإمامة الكبيرة في لغة الشافعي رحمه الله التي كان يمتلكها هيأت له عناية كبيرة بالتعامل مع قواعد الاستنباط من النصوص؛ لأنها قواعد لغة ودلالات لغوية، فبلغ في ذلك رحمه الله عليه المبلغ الكبير الذي هيأ له الإامامة بلا منازع.
فنقول: من أجل ما اكتسبه كتاب الرسالة وهو أول مصنف في الأصول أن مؤلفه الإمام الشافعي، وحسبك به، وعندما تتكلم عن الإمام الشافعي بخصائصه ومزايا وأمامته وعلمه رضي الله عنه، فكل ذلك سينعكس أثره على الكتاب.
الأمر الآخر: أن من أجل مزايا الرسالة للشافعي كونه أول مصنف، فالريادة والسبق اللذان برز في كتاب الرسالة ينبغي أن تقف أيضاً عندها بتأمل وافٍ. ما معنى أن يؤلف كتاب لم يسبق صاحبه إليه، وأن يضع أصولاً لعلم لم يسبق في تاريخ الدنيا أن أهل العلم كتبوا فيه؟ ماذا يعني هذا؟ يعني عبقرية، ويعني ذكاء متفرداً، ويعني تميزاً في القدرة والملكة؛ لأنه من أصعب ما يمكن أن يكون في حياة البشر على مستوى العباقرة والأذكياء ووجهات البشر، أصعب ما يكون أن يخرج فكرة مكنونة في الفؤاد فيستطيع أن يعبر عنها بعبارات يفهمها الآخرون، إذا كانت مجرد فكرة تلوح في ذهن صاحبها فيستطيع أن يعبر عما في نفسه الفكرة تلك الجائلة والدائرة وهي شيء يعني لا تدري من أين يبدأ ومن أين ينتهي، فإذا استطاع صاحب الفكرة إمساكها ثم استطاع إخراجها واستطاع صياغتها وتدوينها فإن هذا غاية في العجب.
ثم أن يكون هذا علماً وليست مجرد أفكار وخيالات ولا خواطر، بل هي مسائل علم، وكما قلت لك ما قبل الشافعي كان العلم يتلقى استنباطاً ووراثة تتلقاها الأجيال، أخذها الصحابة فكانت عندهم ملكة، جلس إليهم التابعون فتفقهوا عنهم وأخذوا منهم وسمعوا منهم الفتاوى، وكان يتشرب منهج الصحابي من طول الممارسة، فأصحاب ابن مسعود تشربوا منهجه ليس على طريق الدروس كان يلقنهم فيها قواعد الأصول، ولا على مجالس كان يقرأ عليهم كتاباً يدرسون فيه كيف دلالة الأمر ودلالة النهي وكيف يعمل لما تتعارض الأدلة وما هي طرق إثبات الناسخ لمعرفة المنسوخ، ما كان هذا علماً مقرر على هيئة مسائل، لكن كانت حديثاً عن آيات، كانت فتاوى، فكان الرجل من طول الصحبه للصحابي والمجالس له والأخذ عنه يتشرب منهجه وياخذ طريقته في الاستنباط، لكن ما يستطيع أن يعبر: لماذا قلت إن الآية هذه تفيد كذا والحديث لا يفيد، ما الفرق بينهما؟ شيء ما هي ملكة لا يستطيع أن يعبر عنها تماماً كسائر الملكات التي يمتلكها أصحابها فيبلغ فيها الحذق.
فلو قلت له: علمني من يعلمك؟ يقول لك: اصحبني وكن معي ولازمني وستتعلم؛ لأنه ما يستطيع أن يخرج لك شيئاً محسوساً على هيئة عبارة مفهومة يعطيك إياها فتتعلم، لكن العلم في مسائل الأصول لما استحال كذلك إلى مسائل مقروءة وعبارات وقواعد تكتب فهذا غاية ما يكون كما قلت في العبقرية والقدرة العقلية، وهذا أحد جوانب الإبداع في كتاب الرسالة للشافعي، هو تماماً كما تذكر الإمامة مثلاً في تقنين علم العروض لما كان الشعر على لسان العرب ملكة، كان أحدهم إذا أراد أن ينشد بيتاً جمع الفكرة أو المعنى الذي يريد أن يتكلم فيه ثم قال البيت وأنشده بيتين ثلاثة أربعة أصبحت قصيدة يتفاوتون في جزالة اللفظ وقوة السبك وفصاحة الألفاظ يتفاوتون فيه، ما عندهم بيت مكسر ولا عندهم قوافي معدومة، كان البيت سليماً وكانوا يقيمون الوزن إقامة سليمة، ومع هذا لما كانوا ينشدون الشعر على مختلف أبحه واختلاف أوزانه وقوافيه ما كان عندهم أن الشعر يأتي على أنحاء، وأن أوزانه تأتي على مجموعة من الأنواع ما كان عندهم، فكانت هذه ملكة، كانت هذه صنعه العرب وهذا لسانهم.
فلما يأتي إمام ويحاول أن يسبر غور تلك الأبيات كلها وقصائد العرب ثم يستطيع أن يحصرها باستقراء تام فيجد أنها لا تخرج على أوزان محددة ثم يستطيع أن يمسكها ويصوغ ويقنن في قواعد ويسميها بأسماء، هذه عبقرية. لما كان علم النحو واللغة كلاماً تتلفظ به العرب فكانوا يرفعون الفاعل وينصبون المفعول، يرفعون المبتدأ وإذا دخل أحد النواسخ غير في المبتدأ والخبر إلى آخره، فكان كلاماً يتكلم به الناس، فأن تجعل ذلك على شكل قوانين وقواعد وتقسم الكلام إلى أنواع والجمل إلى أنواع ثم تعطي كل شيء طريقته وحكمه وإعرابه، هذا أيضاً ليس بالصنع السهل.
فلما يقال في الخليل بن أحمد وأبي الأسود الدؤلي وغيره ممن قنن العلوم بعد أن لم تكن، وأخرجوا تلك الأمور التي كانت ملكات على شكل قواعد وعلى شكل كتب تصنف وعلى شكل علوم تدرس، هذه إمامة فذة. ولما تقرأ في سير هؤلاء أبو الأسود الدؤلي والخليل بن أحمد والإمام الشافعي تجد أنهم موصوفين بذكاء كانوا يتميزون به على باقي طبقتهم وأقرانهم، هذا الذكاء والفهم والاستنباط بعد توفيق الله جل جلاله هو الذي هيأ لأحدهم العبقرية التي نتحدث عنها.
فأما الشافعي رحمه الله هيأت له أن يكتب الرسالة فيضع فيها قوانين وقواعد الاستنباط، ويقسم العبارات بكلام لم يسبق، من درس منكم الأصول إذا فتح كتاب الرسالة وسنقرا نماذج منه الآن ويتكلم عن الصيغ العام والخاص، ويقول: العام منه عام يراد به العموم، ثم يخصص عام يراد به في ظاهره اللفظ العام لكنه الحقيقة المراد به الخاص، ستقول: هذا نعم أعرفه؛ لأنك تتكلم على بعد ألف وأربعمائة سنة درسته في كتب، لكن قبل أن يكون هذا مكتوباً في كتاب وقبل أن يخرج على شكل مسألة مكتوبة ثم يأتي بها الشافعي ويكتب.
ليست مسألة ولا مسألتين ولا خاطرة، بل علم قائم في رأسه، وبدأ يصنفه يرتبه. ليس العجب في مجرد الفكرة وأن يجمع بينها، لا؛ هو نظر كامل في الشريعة، أبواب الأحكام وأبواب الفقه، ثم يستخرج من تلك المسائل قواعد، ويرى أنها تستطيع أن تطبقها على كل أبواب الفقه، ثم يخرجها على شكل تطبيقات ويضرب لك أمثلة، ثم بعد ذلك كله جودة الترتيب وحسن التنظيم لمسائل الكتاب التي تجعل قارئه ومتعلمه يبدأ من خطوة ثم ينتقل إلى الثانية فالتي تليها، فيتم الكتاب وقد تسلسله بمنهج منطقية مرتبة.
استطاع أن يخطو خطوات للأمام، وأن يفهم ما يراد في مسائل هذا العلم. سيقولون الكلام، لو جسنا نعدد جوانب التميز في رسالة الشافعي، فهي فصيحة اللفظ، قوية المبنى، مستوفية المسائل على كل فال. التصنيف المبكر عادة في العلوم يشوبه كثير من النقص والخلل؛ هذا في كل علم، بدايات التصنيف في العلوم يشوبها نقص، يشوبها خلل، يشوبها شيء من عدم الاكتمال، وهذا طبيعي جدا باعتباره الخطوة الأولى.
ثم تتوالى خطوات التحسين على أيدي العلماء جيلا بعد جيل حتى يكتمل هذا العلم، لكن رسالة الشافعي جاءت على نحو مغاير؛ فليس فيها الخلل بمعنى الخلل، بمعنى أنه يمكن أن يستدرك عليه أشياء وينتقد في أشياء وتسد من خلال الممارسات في التأليف حتى تسوى فيها جوانب وخلل في الكتاب، لا. وليس فيها جوانب النقص بمعنى أن أبوابا من علم الأصول ومهمات لم تكن موجودة في الرسالة؛ نحن لا نزعم أن رسالة الشافعي حوت كل القواعد التي يحتاج إليها الأصوليون، لكن في الجملة جمعت اصول هذا العلم.
فجاءت المسائل من بعده وجاءت مناهج التاريخ من بعده تأخذ منحى التوسع والانتشار والتبويب والتفريع ليس إلا، لكن في الجملة استوت مسائل هذا العلم في كتاب الرسالة للشافعي رحمه الله، فكان كما قلت سبقاً وإماماً وريادة وشيئاً ما من الاكتمال شبه التام الذي هيأ لأن يكون كتاب الرسالة كان ولا يزال إلى اليوم بين أيدي طلبة العلم وعند الأصوليين على وجه الخصوص مرحلة لا يحسن تجاوزها.
ومن الخطأ المنهجي البالغ، وأقولها بكل صراحة، ومن الخطأ المنهجي الفادح عند طلبة العلم والمتخصصين على وجه الخصوص أن يعتنوا بدراسة علم الأصول ويهتم به ويدرك أهميته ثم يقبل على تعلمه وحفظ بعض المتون فيه ودراسة بعض الكتب، ولا يكون بخلد أحدهم يوما ما أن يقرا رسالة الشافعي أو يدرسها، ولا يمر بها إطلاقاً، بل بعضهم مقتن أصلاً وليست في مكتبته، وإذا رجع إليها رجع إليها رجوع الباحث الذي يرجع إلى المسألة فينظر ماذا قال فيها الشافعي.
حق من أراد أن يكون متبحراً، وإن شئت فقل بمصطلح اليوم متخصصاً في علم كأصول، أن يكون أولى مهماته قراءة الرسالة للشافعي، قراءة فيها درس وتأمل وفهم واستنباط؛ لأنك ترسم الخط من البداية في أول كتاب صنف. لو كان الكتاب كثير الخلل، عظيم النقص، قليل الجدوى، غير مهم، ولو كان المؤلف ليس في إمامته كالشافعي، لكان يحق لنا أن نزهد في الرجوع إليه والبدء به.
أما أن يبلغ طالب العلم درجة متقدمة في الدراسة في أقسام الشريعة مثلاً أو الفقه والأصول، أو في طلب العلم جملة حتى لو في غير الدراسات الرسمية أو المنهجية المرتبة، ثم يرتقي إلى درجة البحث في مسائل العلم أو يتخصص فيعد فيها رسائل علمية لمراحل الدراسات العليا، وأيضاً لم يكتب له أن يقرأ كتاب الرسالة ولا يبدأ من أوله إلى آخره ويدرسه دراسة متأنية فاحصة، فهذا خلل.
ما معنى أن يحفظ بعض طلبة العلم بعض المتون، فيحفظ الورقات أو متنها، أو يحفظ مختصر ابن الحاجب أو جمع الجوامع للسبكي، ويكون قد درس له شرحاً وشرحين؟ وهذا في عرف المتخصصين إتقان لابد منه، أن يكون له عناية ودرااية بمتون هذا العلم ومسائله وشروحه، وأن يكون على معرفة بما يقوله الأصوليون في تلك المسائل. لكن أقول: إذا كان هذا على حساب العناية بالرسالة للشافعي، فهو خلل ينبغي التنبيه عليه والوقوف عنده.
موضوعات الرسالة التي وضعها الإمام الشافعي في عناوينها يعني يمكن أن يجمها كالتالي: بعد المقدمة ذكر البيان وأنواعه، تحدث عن القرآن ومكانته في التشريع، ثم تناول مسائل العموم والخصوص وبعض صيغه، انتقل إلى الحديث عن السنية وحجيتها، ثم تحدث عن النسخ وأنواعه، تكلم عن بيان السنة للكتاب، ثم انتقل إلى ما أسماه بعلل الأحاديث، تكلم بعدها عن بيان السنة للسنة، ثم انتقل في الدلالات إلى النهي، وتحدث بعد عن خبر الآحاد وحجيته، تناول بعده مسائل الإجماع، ثم تكلم عن القياس والاجتهاد والاستحسان والاختلاف في الأحاديث، ختم ذلك بحجية أقوال الصحابة والعمل عندما تنقل الرواية عن بعض الصحابة اجتهاداً لا في مسألة لا نص فيها.
هذا الترتيب المجمل وضع الإمام الشافعي رحمه الله لكتابه الرسالة، وقد سار فيه على ترتيب منهج وتقسيم، كما قلت، منطقي مقبول جداً لمباحث الكتاب. عادة يترجم بعنوان للباب والمساله التي يتكلم فيها، يقول: باب كذا، باب كذا، وعلى طريقة واضحة يفهمها طلبة العلم من غير حاجة إلى شرح.
يستشهد كثيراً وهذه أهم مزايا الكتاب، إذا ذكر قاعدة أو مسألة مثل لها بتطبيقات وأمثلة من النصوص الشرعية في الكتاب والسنة، اشتماله على جل أبواب الأصول، طريقته التي استخدم في التصنيف فيها أسلوب الحوار: قال كذا فقلت له كذا قيل. إما أنه كان يحكي مدارسة ومناظرة مع شخص كان يجلس وإياه ويتكلم معه، وقيل إنه يسوقها على طريقة المحادثة والحوار لتكون أقرب إلى الفهم.
الآن ساقرا على مسامعكم مقطعاً من مقدمته رحمه الله عليه في الرسالة ومبحث أو مبحثين من مسائل الكتاب لتقف فقط على لغة الشافعي ومنهجه. وأعي بالله أن تكون هذه أول وآخر كلمات تسمعونها من الرساله؛ هي أوائل لكن ينبغي أن يكون بعدها دراسة وعناية به.
قال رحمه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، يقول تلميذه الربيع بن سليمان وهو يروي هذا الكتاب عنه: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف المطلبي، ابن عم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، قال: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون.
والحمد لله الذي لا يؤدى شكر نعمة من نعمه إلا بنعمة منه توجب على مؤدي ماضي نعمة بادائها نعمة حادثة يجب عليه شكره بها. واضح صح جداً؛ هي لغة عربية فصيحه جزلة. أعيد العبارة لأنك لم تتكلف إلا في متابعة عود الضمير وربط الجمل بعضها ببعض، لكن العبارات المنطقية والجمل غير العربية خالية تماماً وليس فيها أي لفظة على الإطلاق؛ لأن الزمن متقدم على زمن ترجمة الكتب المنطقية ودخولها في تصانيف علماء المسلمين.
قال رحمه الله: الحمد لله الذي لا يؤدى شكر نعمة من نعمه إلا بنعمة منه، يعني أنت لما تشكر الله على نعمة، شكرك لله هي نعمة ساقها الله إليك، ولولا أن أنعم عليك بالشكر ما شكرته، قال: إلا بنعمة منه توجب على مؤدي ماضي نعمة بادائها نعمة حادثة يجب عليه شكره بها.
قال: ولا يبلغ الواصفون كنه عظمته الذي هو كما وصف نفسه وفوق ما يصفه به خلقه. أحمده حمداً كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، واستعينه استعانة من لا حول له ولا قوة إلا به، واستهدف بهداه الذي لا يضل من أنعم به عليه، واستغفره لما أزلفت وأخرت، استغفار من يقر بعبوديته ويعلم أنه لا يغفر ذنبه ولا ينجيه منه إلا هو.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، بعثه والناس صنفان: أحدهما أهل كتاب بدلوا من أحكامه وكفروا بالله، فافتعلوا كذباً صاغوه بالسنتهم فخلطوه بحق الله الذي أنزل إليهم. فذكر تبارك وتعالى لنبيه من كفرهم فقال: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.
ثم قال: فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ، واستمر في سرد عدد من الآيات التي تذكر كفر أهل الكتاب، قال: وصنف كفروا بالله.
فابتدع ما لم يأذن به الله، ونصبوا بأيديهم حجارة وخشبًا وصورًا استحسنوها، ونبذوا أسماء افتعلناها ودعوها آلهة عبدوها، فإذا استحسنوا غير ما عبدوا منها ألقوها ونصبوا بأيديهم غيره فعبدوها.
فأولئك العرب، وسلكت طائفة من العجم سبيلاً في هذا وفي عبادة ما استحسنوا من حوت ودابة ونجم ونار وغيره، فذكر الله لنبيه جوابًا من جواب بعض من عبد غيره من هذا الصنف، فحكى جل ثناؤه عنهم قولهم: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ. وذكر أيضًا عددًا من الآيات التي فيها هذا المعنى.
قال رحمه الله: فكانوا قبل إنقاذه إياهم بمحمد صلى الله عليه وسلم أهل كفر في تفرقهم واجتماعهم، يجمعهم أعظم الأمور؛ الكفر بالله، ابتداع ما لم يأذن به الله. تعالى عما يقولون علوًّا كبيرًا، لا إله غيره، وسبحانه وبحمده رب كل شيء وخالقه من حي منهم، فكما وصف حاله حيًّا عاملًا قائلًا بسخط ربه مزدادًا من معصيته، ومن مات فكما وصف قوله وعمله صار إلى عذابه.
فلما بلغ الكتاب أجله فحقق الله بإظهار دينه الذي اصطفى بعد استعلاء معصيته التي لم يرضَ، فتح أبواب سماواته برحمته كما لم يزل يجري في سابق علمه عند نزول قضائه في القرون الخالية قضائه، فكان خيرته المصطفى لوحيه، المنتخب لرسالته، المفضل على جميع خلقه بفتح رحمته وختم نبوته، وأعم ما أرسل به مرسل قبله، المرفوع ذكره معه في الأولى فرفع في الأخرى، أفضل خلقه نفسًا، وأجمعهم لكل خلق رضيه في دين ودنيا، وخيرهم نسبًا ودارًا، محمدًا عبده ورسوله.
وعرَّفنا وخلقه نعمة الخاصة العامة النفع في الدين والدنيا، فقال: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بالمؤمنين رُؤُوفٌ رَّحِيمٌ. وذكر عددًا من الآيات منها: وَإِنَّهُ لَذِكْر لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ. قال الشافعي: أخبرنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: وَإِنَّهُ لَذِكْر لَّكَ وَلِقَوْمِكَ. قال، من القائل مجاهد؟ يقال من مَن الرجل؟ فيقال من العرب، فيقال من أي العرب؟ فيقال من قريش. قال الشافعي: وما قال مجاهد من هذا بيِّن في الآية مستغنى فيه بالتنزيل عن التفسير. هذا الأثر الذي ساقه الشافعي أحد طرقه ومنهجه، إذا ساق حديثًا أو أثرًا فإنه يسوقه بسنده على طريقة السلف، لا يسوق حديثًا ولا يذكر أثرًا إلا بسنده عمَّن حدثه به.
فخص جل ثناؤه قومه وعشيرته الأقربين بالنذر، وعم الخلق بها بعدهم، ورفع بالقرآن ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خص قومه بالنذر إذ بعثه فقال: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ. قال الشافعي: أخبرنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ. قال: لا أُذكر إلا ذُكرت معي؛ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله.
يعني والله أعلم ذكره عند الإيمان بالله والأذان، ويحتمل ذكره عند تلاوة الكتاب وعند العمل بالطاعة والوقوف عن المعصية، فصلى الله على نبينا كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون. هذه الصيغة المشتهرة يقال إن أول من تلفظ بها الشافعي رحمه الله في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فصلى الله على نبينا كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون، وصلى عليه في الأولين والآخرين أفضل وأكثر وأزكى ما صلى على أحد من خلقه، وزكَّانا وإياكم بالصلاة عليه أفضل ما زكى أحدًا من أمته بصلاته عليه، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته، وجزاه الله عنا أفضل ما جزى مرسلًا من أُرسل إليه.
فانه أنقذنا به من الهلكة، وجعلنا في خير أمة أخرجت للناس، دائنين بدينه الذي ارتضى واصطفى به ملائكته ومن أنعم عليه من خلقه، فلم تمس بنا نعمة ظهرت ولا بطنت نلنا بها حظًّا في دين أو دنيا أو دفع بها عنا مكروه في هما وفي واحد منهما إلا ومحمد صلى الله عليه وسلم سببها، والقائد إلى خيرها، والهادي إلى رشدها، الزائد عن الهلكة وموارد السوء في خلاف الرشد، المنبه للأسباب التي تورد الهلكة، القائم بالنصيحة في الإرشاد والانذار فيها، فصلى الله على محمد وعلى آل محمد كما صلى على إبراهيم وآل إبراهيم إنه حميد مجيد.
عبارات فصيحة، وألفاظ جزلة، وسياق مسترسل سلس لا يمله السامع ولا يغر منه القارئ، وما تقراه إلا وتستلذ بذلك الاسلوب العربي الفصيح السلس العذب. ويستمر الكتاب حتى في عرض المسائل العلمية على هذا النهج، فأننتقل إلى ختام مقدمته رحمه الله. يقول: فكل ما أنزل سبحانه في كتابه جل ثناؤه رحمة وحجة، علمه من علمه وجهله من جهله، لا يعلم من جهله ولا يجهل من علمه.
قال رحمه الله: والناس في العلم طبقات، موقعهم من العلم بقدر درجاتهم في العلم به، فحق على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من علمه، والصبر على كل عارض دون طلبه، وإخلاص النية لله في استدراك علمه نصًّا واستنباطًا، والرغبة إلى الله في العون عليه، إنه لا يُدرك خير إلا بعونه. فإن من أدرك علم أحكام الله في كتابه نصًّا واستدلالًا ووفقه الله للقول والعمل بما علم منه، فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، وانتفت عنه الريب، ونُوِّرت في قلبه الحكمة، واستوجب في الدين موضع الإمام.
فنسأل الله المبتدئ لنا بنعمه قبل استحقاقها، المديم علينا مع تقصيرنا في الاتيان على ما أوجب به من شكره بها، الجاعل لنا -هذا أسلوب غير مستعمل قال ديمها علينا قبل استحقاقها، الجاعل لنا في خير أمة أخرجت للناس- أن يرزقنا فهمًا في كتابه ثم سنة نبيه، قولًا وعملًا يؤدي به عنا حقه ويوجب لنا نافلة مزيدة.
قال الشافعي: فليست تنزل باحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها. قال الله تبارك وتعالى: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. وقال: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ. وقال: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ. وقال: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. انتهت مقدمته رحمه الله عليه.
ثم شرع بعد في تبويب الأبواب، قال: باب كيف البيان، والبيان اسم جامع لمعاني مجتمعة الأصول متشعبة الفروع. ثم ذكر في الباب في البيان عدة أبواب، أنا أنتقل إلى باب يكون واضحًا عند طلبة العلم من درس بعض مسائل الأصول، لترى طريقة الشافعي رحمه الله في ذكر هذه المسائل وأسلوبه وعبارته وألفاظه، ثم هو يذكر في هذه المسائل تطبيقات عملية ومن خلالها يوضح القاعدة.
يقول مثلًا في العدد جمع عدة، أي عدة النساء، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا. وقال: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ. وقال: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ، وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ. ماذا صنع؟ جمع الآيات التي تبين العدد على اختلافها، ذكر أولًا العدة التي فيها أربعة أشهر وعشرًا عدة الوفاة، ثم ذكر عدة مطلقات ثلاثة قروء، ثم ذكر عدة المرأة التي لا تحيض وهو الثلاثة أشهر، وعدة الحامل بوضع الحمل.
قال: فقال بعض اهل العلم: قد أوجب الله على المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا صح في: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا، يدخل فيها المتوفى عنها بكل أنواعها. قال: وذكر أن أجل الحامل أن تضع في قوله: وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ، فإذا جمعت أن تكون حاملاً متوفى عنها، فلم تعطيها عدة الحامل أو عدة المتوفى عنها؟
هو ماذا يصنع؟ يجمع الآيات التي ربما كان في ظاهرها شيء من التعارض، ثم هي اورثت خلافًا عند بعض الفقهاء. يعني هذه امرأة مات عنها زوجها وهي حامل، فإن نظرت إلى كونها متوفى عنها زوجها ينطبق عليها قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا، وإذا نظرت إلى أنها حامل ينطبق عليها قول الله تعالى: وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ، فهل تلحقها بهذه الآية أو بتلك، أو تجمع بين الآيتين كما روي عن ابن عباس في رواية ثم رجع عنها أنها تعتد.
بابعد الأجلين إن كانت حاملا تنظر كم شهرا مضى من حملها، فإن مضى منها شهران وبقي سبعة؛ السبعة أكثر من أربعة أشهر، إذا تعتد بأبعد الأجلين بوضع الحمل. وإن كان بقي لها من حملها شهر وهو أقل من أربعة أشهر؛ يعطيها حكم أربعة أشهر، فيقول: تعتد بأبعد الأجلين.
هذا القول الذي يروى عن ابن عباس، وثبت عنه الرجوع عنه رضي الله عنهما، هو عمل بالجمع بين الدليلين. يقول الشافعي: فإذا جمعت أن تكون حاملا متوفى عنها أتت بالعد معا، كما أجدها في كل فرضين جعل عليها أتت بهما معا. فلم يعني يقول: المفترض أن تعتد بالعدتين؛ هذا فرض وهذا فرض، تجمع العدتين معا.
يقول: فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسبعة بنت الحارث، وقد وضعت بعد وفاة زوجها بأيام: قد حللت فتزوجي. دل هذا على أن العدة في الوفاة والعدة في الطلاق بالأقراء والشهور، إنما أريد به من لا حمل به من النساء، وأن الحمل إذا كان فالعدة سواه ساقطة. وعلى هذا الطريق في الوضوح وعدم التكلف العبارة والفهم واضح من الألفاظ والدلالات.
كان يسير رحمه الله في سياق تلك التقريرات التي ذكرها، أذكر مثالا اختم به، قال: وجه آخر يعني من الجمع بين النصوص، وكيف يكون الحديث في مسألة واحدة له أكثر من وجه؟ قال: وجه آخر يتحدث في باب النسخ. أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب فرسا فصرع عنه فجحش شقه الأيمن؛ يعني أصيب في جانبه الأيمن عليه الصلاة والسلام، فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد، وصلينا وراءه قعودا.
فلما انصرف قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فاذا صلى قائما فصلوا قياما، واذا ركع فاركعوا، واذا رفع فارفعوا، واذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، واذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون. هذه رواية وانتهت.
قال: أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته وهو شاك، فصلى جالسا وصلى وراءه قوم قياما، فأشار إليهم أن اجلسوا. فلما انصرف قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فاذا ركع فاركعوا، واذا رفع فارفعوا، واذا صلى جالسا فصلوا جلوسا.
قال: وهذا مثل حديث أنس، وإن كان حديث أنس مفسرا وأوضح من تفسير هذا. أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله خرج في مرضه فأتى أبابكر وهو قائم يصلي بالناس. هذا متى؟ في مرض وفاته قبل وفاته بأيام، أنه خرج في مرضه فأتى أبابكر وهو قائم يصلي بالناس، فاستأخر أبوبكر، فأشار إليه رسول الله أن كما أنت، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب أبي بكر، فكان أبوبكر يصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الناس يصلون بصلاة أبي بكر.
وبه يأخذ الشافعي، يعني يأخذ بهذا الحديث ويصرح بمذهبه الآن. ليش اخذ بهذا الحديث؟ لأن الحديث الأول قال: إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا. نهاهم لما صلوا خلفه وهم قيام نهاهم، قال: صلوا جلوسا. وفي هذا الحديث صلى جالسا وهم يصلون قياما. قال الشافعي: وبه يأخذ الشافعي.
قال: وذكر إراهيم النخعي عن الأسود بن يزيد عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر مثل معنى حديث عروة، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى قاعدا وأبوبكر قائما يصلي بصلاة النبي وهم وراءه قياما.
قال: والآن يناقش فقه الحديث. فلما كانت صلاة النبي في مرضه الذي مات فيه قاعدا والناس خلفه قياما، استدللنا على أن أمره الناس بالجلوس في سقطته عن الفرس قبل مرضه الذي مات فيه، فكانت صلاته في مرضه الذي مات فيه قاعدا والناس خلفه قياما ناسخة لأن يجلس الناس بجلوس الإمام. من أين استنبط النسخ؟ من تأخر الحديث، يقول هذا في آخر الوقائع وذاك كان قبل، فاستدل بذلك على أن الحديث الأخير هذا ناسخ لقبل.
وكان في ذلك دليل بما جاءت به السنة وأجمع عليه الناس من أن الصلاة قائما إذا أطاق المصلي، وقاعدا إذا لم يطق، وأن ليس للمطي القيام منفردا أن يصلي قاعدا. فكانت سنة النبي صلى الله عليه وسلم أن صلى في مرضه قاعدا ومن خلفه قياما، مع أنها ناسخة لسَنته الأولى قبلها، موافقة سَنته في الصحيح والمريض وإجماع الناس أن يصلي كل واحد منهما فرضه، كما يصلي المريض خلف الإمام الصحيح قاعدا والامام قائما.
وهكذا نقول: يصلي الإمام جالسا ومن خلفه من الأصحاء قياما، فيصلي كل واحد فرضه، ولو وكل غيره كان حسنا؛ يعني الإمام إذا كان مريض وما يستطيع يقف ويصلي جالسا لمرضه يوكل غيره يصلي قائما احسن. قال: وقد أوهم بعض الناس فقال: لا يؤمن أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم جالسا، واحتج بحديث رواه منقطع عن رجل مرغوب الرواية عنه، لا يثبت بمثله حجة على أحد فيه: لا يؤمن أحد بعدي جالسا. فضعف الحديث، وذكر عدم صحة الاحتجاج به.
ثم استمر رحمه الله عليه في سرد طريقته؛ هذه طريقه الشافعي رحمه الله في كتابه الرسالة من أوله إلى آخره؛ يسوق المسألة الحديث، يستنبط القاعدة، يشير لك إلى المأخذ في النسخ إن كان نسخا، في الجمع، في الترجيح، في القول بصيغة العموم، وما إلى ذلك. كلها مشت على طريقة واضحة أهل الاسلوب تنبئك عن أن كتاب الرسالة للشافعي جدير العناية عند من يدرس علم الأصول أو من يختص به على وجه الخصوص.
وبعده كان هذا الحديث سلسلة في استمرار حديثنا عن مسيرة علم الأصول في تاريخ المسلمين، بعد أن كان علما متوارث مأخوذا بالتلقي والمشافهة وبدا بنيان علم الأصول يزداد شيئا فشيئا.
وهكذا استمر العمل في مصنفات علم الأصول حتى أضحى علما كبيرا ضخما، وله المناهج والمذاهب المختلفة، وله المصنفات المتعددة، كل ذلك سناتي على ذكره تباعا بمشيئة الله تعالى قبل أن أختم بذكر بعض الأسئلة.
أحب أن أقول: بما أننا سيناقش الطلاب في الانشغال اختبارات في الأسابيع المقبلة، والمشكلة أن اختبارات الجامعة تبدا الأسبوع القادم والمدارس بعدها بأسبوع، ثم أسبوع مشترك وهو الأسبوع الثاني من الآن؛ الأسبوع القادم ينفرد به الجامعيون، والأسبوع الثالث ينفرد به أصحاب المدارس، في مجموع ثلاثة أاسابيع، ولا نريد فيها أن يقف الدرس في الوقت الذي لا نريد فيه أيضا أن يستمر ويضيع أو يفوت على بعض الحريصين شيء ما بسبب الانشغال بالاختبار.
تجمعا بين المسلكين، بد لي وفقكم الله أن أستمر في الأسابيع الثلاثة القادمة بطريقة لا يؤثر معها إن شاء الله غياب من غاب؛ ليس حثا على الغياب بقدر ما هو مراعاة وتقدير للظرف. سيكون حديثنا في الأسابيع الثالثة القادمة إن شاء الله هو حديث عما بعد رسالة للشافعي على وجه الإجمال، وشيء من الحديث عن أعلام الأصوليين وجهودهم في التصنيف في الأصول.
سنتكلم عن رؤوس من اعتنى بعلم الأصول تصنيفا وتدوينا وأثرهم في هذا العلم، حتى إذا انتهينا وفرغنا التقينا بعد الاختبارات إن شاء الله وموعد تحديدا هو ينبغي أن يكون يوم يوم؛ يعني الذي الذي سنستأنف فيه درسا متتابعا إن شاء الله تعالى هو اليوم الحادي عشر من ثلاث أاسابيع، والسادس عشر من صفر، ثم الرابع من ربيع، والحادي عشر من ربيع.
المفترض أننا في اللقاء الثالث وهو الحادي عشر من ربيع، الذي هو الأسبوع الثاني في اختبارات المدارس، أن نتفق على الطريقة التي سنسلك بعدها إن شاء الله تعالى للحديث عن متن وكتاب نقرره ونتفق عليه، نشرع فيه في الأسابيع التالية بعون الله.
هذا يقول: هل هناك شروح على كتاب الرسالة؟ الشروح التي بلغتنا ليست كثيرة، وليس شيء منها بين أيدي الناس اليوم، ذكر فيها ثلاثة أو اربعه شروح؛ من أقدمها شرح الصيرفي على الرسالة وبعض الشروح الأخر، لكن ليس شيء منها موجود مطبوع أو حتى مقطوع ليعتني بها الناس ويخرجوه.
يقول: بما أن الشافعي وضع الرسالة بالاستقراء، فهل إعراضه عن المقدمات المنطقية من باب سد الذريعة؟ لا، لكنه قبل أن يستشري علم الكلام أو المنطق وقبل أن
تسيء في الأمة كان تأليف الشافعي للرسالة، فلم تكن المسألة آنذاك يعني معلومة أو كان الناس يدرجون في مقدمات العلوم.
طيب، هذا سائل آخر يسأل عن بعض الكتب المتون؛ في الورقات وفي غيرها، أنا سأجل هذا للحديث إن شاء الله فيما بعد، عندما نتكلم عن أعلام الأصوليين وجهودهم في التأليف، يتبين من خلاله بعض مراتب الكتب ومنزلتها في هذا الفن، ويمكن أن نرسم خارطة تصلح أن تكون منهجاً يسير عليه الراغب في دراسة العلم، متتبعاً فيه بعض المراحل خطوة خطوة.
نال الله لي ولكم التوفيق والسداد والعلم النافع والعمل الصالح، ويغفر لي ولكم، فارزقني وإياكم فهماً وسداداً وتوفيقاً ورضاً، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
الشيخ حسن بخاري