تسجيل الدخول

مدارسة سورة الأنعام 16

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، أما بعد.

نستعين بالله ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس مدارسة سورة الأنعام، وهذا المجلس هو المجلس السادس عشر -أليس كذلك؟- من مجالس هذه السلسلة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتمها لنا على خير. وهذه السلسلة نتدارس فيها هذه السورة العظيمة من سور كتاب الله، ونحاول أن نقف عند معانيها ومعاني الآيات وعند دلالاتها الواسعة، كذلك نحاول أن نعود إلى شيء من الأحوال التي كانت في مكة عند نزول هذه السورة، مستحضرين حال المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي يتلقى هذه الآيات، وحال أصحابه المؤمنين الذين يؤمنون به ويتبعونه وينصرونه، وحال المشركين الذين تتلى عليهم هذه الآيات ويدعون بها.

وهذه السورة كما مر معنا مرارا، هي سورة من أهم سور القرآن التي أتت في محاجة المشركين. ونبهت كذلك في السلسلة مرارا على أهمية البيان وأهمية الحجة وأهمية البرهان، وأن هذا يؤخذ من هذه السورة ويؤخذ من غيرها من السور، وأن الله اعتنى بنفسه ببيان الحق والرد على المشركين، ولقن نبيه صلى الله عليه وسلم الحجة المفصلة.

ثم لما جاءت قصة إبراهيم عليه السلام في هذه السورة، كان المعنى الأبرز في هذه القصة هو ماذا؟ هو المحاجة. بحيث إن القصة التي أنزلها الله في هذه السورة أتت متسقة مع معناها المحوري، معنى المحاجة وإثبات الحق بالبينة والبرهان ونقض أقوال ومقولات ومنطلقات المبطلين.

لذلك أيها الكرام، كل من يصدر عن القرآن ويفهم محكمات القرآن ويفهم موضوعات القرآن، لا بد أن يعظم موضوع إحقاق الحق وإبطال الباطل، وأن يكون الجزء البياني من هذا الإحقاق ومن هذا الإبطال أساسيا في كل الأحوال وفي كل الأزمنة، وتزداد وتتأكد أهميته في بعض الأزمنة أكثر من غيرها، إلا أنه مهم في كل الأحوال. وتارة يتأكد الجانب الذي ينصر فيه ويحق فيه الحق ويبطل فيه الباطل بماذا؟ بالسيف والقتال، وكلاهما سمي بالفرقان في كتاب الله.

كلا النوعين من إحقاق الحق وإبطال الباطل سمي بالفرقان. فأما النوع الأول الذي هو الفرقان البياني، فنزلت فيه سورة الفرقان. وأما النوع الثاني فنزل في سورة الأنفال: وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ، فرق فيه بين الحق والباطل بالسيف، بإعلاء كلمة المؤمنين في الميدان الجهادي العسكري. هناك فرق بين الحق والباطل وهناك كذلك فرق بين الحق والباطل، ولا يتم إحقاق الحق إلا بهذين الفرقانين، على أن الأول هو الأساس.

وقد يأتي في بعض الأزمنة يكون هو الوحيد، كما حصل في بعض عند بعض الأنبياء الذين لم يشرع لهم الجهاد والقتال، فأحقوا الحق وأبطلوا الباطل ببيانهم ودعوتهم، ثم تم إحقاق الحق وإبطال الباطل بماذا؟ بإهلاك الله للمجرمين ونصر الله للمؤمنين.

لذلك إذا كنت تريد أن تسير على طريق الأنبياء، فلا بد لك من العناية بإحقاق الحق وإبطال الباطل، وأن يكون هذا هدفا أساسيا في حياتك وفي مسيرتك، وهما شقان لا يستغنى بأحدهما عن الآخر، لا يستغنى بشق إحقاق الحق عن شق إبطال الباطل، ولا يستغنى بشق إبطال الباطل عن إحقاق الحق.

وإن معنى الفرقان هو معنى مركزي يا جماعة الخير، لا يقوم الدين إلا بمعنى الفرقان. ولذلك ذم الله بني إسرائيل حين كانوا يلبسون بين الحق والباطل، الله يحب الفرقان الذي يفرق فيه بين الحق والباطل، لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيِيَ عَن بَيِّنَةٍ. فتأتي هذه السورة باعتبارها نموذجا أساسيا في تحقيق الفرقان بنوعه البياني الأول، وتأتي سورة الأنفال لتكون نموذج الفرقان بنوعه الثاني الذي هو بالسيف. وفي سورة الأنفال جاء قوله: لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ، كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون، يجادلونك في الحق بعد ما تبين كانما يساقون إلى الموت وهم ينظرون، وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين، ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون. لاحظوا كيف ذكر الله إحقاق الحق وإبطال الباطل في سياق القتال في سبيل الله، وإحقاق الحق وإبطال الباطل في سياق الآيات الكثيرة في السور المكية التي كان فيها الأمر بالبيان.

طيب، هذه السورة مر معنا هذا الموضوع الذي ذكرته قبل قليل في الدروس الماضية كثيرا، يعني أنا كررت هذا المعنى كثيرا من اتجاهات مختلفة ومن زوايا مختلفة ولا أزال أكرره بإذن الله في هذه السلسلة، حتى يرسخ غاية الرسوخ؛ لأنه من أهم ما نخرج منه من كتاب الله سبحانه وتعالى وخاصة من مثل سورة الأنعام.

بعد الآيات التي في الصفحات السابقة في السورة، إحنا وقفنا عند أول آيتين من قصة إبراهيم -أظن كل آية أخذناها في درس- إن لم أهم: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً ۖ إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ. وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. وقفنا عند هذه الآية.

لاحظوا الآن تأتي الآيات الأخرى التالية في قصة إبراهيم عليه السلام، وهذا المعنى هو الحاضر فيها، معنى إحقاق الحق وإبطال الباطل بالحجة والبيان، ويبرز الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم هذا الجانب في أبيه إبراهيم، أب النبي صلى الله عليه وسلم إبراهيم، الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم باتباعه. يتبعه في ماذا؟ من أهم ما يتبعه فيه: في محاجة قومه، في إحقاق الحق وفي إبطال الباطل.

ولعل هذا السياق العام يكون أحد المرجحات للقول بأن هذا المقام المذكور في قصة إبراهيم هو مقام مناظرة وليس مقام نظر. لأن القولين يعني حاضران في كلام العلماء والمفسرين وبينهم في ذلك خلاف: هل قول إبراهيم عليه السلام "هذا ربي" في الآيات كان مقام نظر في حداثة سنه في بداية أمره؟ كان هو يبحث عن الحقيقة فوجدها، أو كان مقام مناظرة وكان يقول هذا على سبيل التنزل أو الأسلوب الذي يتضمن أنه أنتم تقولون هذا ربي لنرى، فلما أفل قال لا أحب الآفلين؟

أقول سياق السورة بما فيها لعله يرجح جانب المناظرة، وهناك مرجحات أخرى، لكن هذا مرجح بمجموع سياق السورة التي موضوعها الأساسي أصلا هو المحاجة والمناظرة. واضح؟ ولذلك من سياق القصة أيضا رجح أن الظلم المذكور في هذه الآيات المراد به الشرك، هذا ترجيح بالسياق. وإن كان منصوصا عليه من النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هذا النص من النبي صلى الله عليه وسلم تعرفون: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ، قال الصحابة يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه؟ قال: ذاك الشرك. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك، فنحن انتبهنا الآن أنه المقصود بالظلم هنا الشرك. طيب، ما الذي إذا أردنا أن نتفقه في تفسير النبي صلى الله عليه وسلم؟ ما الذي يجعلنا نستبصر في هذا التفسير؟ هو إيش؟ السياق كله عن الشرك والتوحيد. وبنفس الحال السياق للسورة كله عن إيش؟ المحاجة والمناظرة. وهذا يجعل هذه الآيات المعينة والله تعالى أعلم أقرب إلى كونها مناظرة من كونها نظرا، بدليل ترجيح هذا السياق كما رجح معنى الشرك في لفظ الظلم بسبب السياق. وواضح؟

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا. لماذا ذكر الله سبحانه وتعالى الكواكب في هذه القصة في المناظرة؟ لأن قومه كانوا يعبدون الكواكب. قوم إبراهيم عليه السلام كانوا يعبدون الكواكب. هذه الآن محاجة بما يناسبها، بما يناسبهم، كانوا يعظمون الكواكب تعظيم عبادة. فلما جن عليه الليل، أي أظله وستره الليل وغطى عليه، وهذا يدل على أنها ليلة مظلمة تبرز فيها الكواكب، رأى كوكبا. وكوكبا من بين الكواكب معناه أنه كان أكثر إنارة، ومن هنا قال مجموعة من المفسرين إن المقصود كوكب الزهرة.

قال: هَٰذَا رَبِّي. لاحظوا، قال: هَٰذَا رَبِّي، استدل بها بعض المفسرين على أنه هو كل الخطاب، كل القضية فيها خطاب مع آخرين، ومما يرجحه: قال يا قوم إني بريء مما تشركون. قال هذا ربي، فلما أفل قال لا أحب الآفلين.

إذا رجحنا أنه جانب مناظرة، فهذا معناه أنه قد يحتاج في مقام المناظرة إلى شيء من التوسع اللفظي أو النزول اللفظي والتنزل إلى مستوى الخصم لإبطال الباطل الذي يعتقد به، بإبراز ضلال ما يؤمن به في هذا التنزل، وأنه ليس بالضرورة أن يقال عند هذا التنزل كلمة "لو افترضنا جدلا" أو "لو تنزلنا". لا، قد يكون قول هذه الكلمة على سبيل التنزل الذي يجر المخالف إلى المربع الذي تريده أنت في إحقاق الحق وإبطال الباطل، ليكون إبطال الباطل أوقع على نفسه، أن هذا من الأمر المشروع.

فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ. يعني إن الله المدبر ينبغي أن يكون حاضرا أو شاهدا في كل وقت، لا يأتي في وقت ويغيب في وقت، بل الله سبحانه وتعالى يكون مدبرا للكون في كل الأوقات، أما أن يبرز الكوكب في وقت ويغيب في وقت، فلا أحب الآفلين.

وهنا في كلمة "لا أحب"، واضح امتزاج التوحيد بالشعور والقلب وليس بالعقل فقط. الحجة تخاطب العقل ثم تخترق القلب إذا استبانت الحقيقة. الآن موضع وضع التفكير العقل، صح؟ فلما أعطيك حجة، الأصل أن جسر التفاهم هو عقلي، صح ولا لا؟ لكن حين تبرز الحقيقة وتنبزغ في العقل، قد تنزل بثقلها على الشعور، إذا نزلت بثقلها على الشعور، هنا يأتي الحب والكراهية، وقد يصل الشعور إلى درجة البكاء والدموع بدون موعظة. فهمتم الفكرة؟ بدون موعظة يعني بدون أن يكون المحتوى أو المضمون يتضمن مثلا ذكر الموت أو النار أو لا، بمجرد الحقيقة. أحسنت، وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ.

إن المعرفة في الأساس ليس محلها التفاعل الشعوري في الأساس -يعني أو في تصنيف من قد يصنف ذلك من الناس- وإلا في الحقيقة لا، المعرفة نعم مرتبطة بالعقل، لكنها تنزل بثقلها على القلب فتفيض الشعور. هنا إبراهيم عليه السلام مزج بين المعرفة وبين الشعور، فما قال مثلا فلما أفل قال لا يكون إلها، بل قال لا أحب الآفلين، والحب هو شعوري. هنا المزج، وهذا يعني إذا نظرنا في الآيات المتعلقة بإبراهيم عليه السلام، نجد هذا الامتزاج، يعني إبراهيم عليه السلام كان موحدا لله، ومتخلصا ومائلا عن الشرك الذي كان محيطا به من كل اتجاه، تحقيقا للتوحيد وميلا عن الشرك بقلب وروح ونفس وشعور وإيمان وعلم وحجة وبرهان. هكذا ممتزجة في نفس إبراهيم عليه السلام، ولذلك نجد محاجة إبراهيم تتضمن هذا المعنى، تتضمن هذا الامتزاج ما بين الحجة الراجعة إلى العقل والفهم وما بين الشعور الراجع إلى النفس والقلب. ليس في هذه الآية فقط، سترون أيضا بعد قليل في قوله أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ، وهذا ليس استدلالا عقليا مجردا، بل يتضمن كذلك معنى شعور، وأنه أبصرت من الحقيقة والهداية ما يجعلني لا أتخلى عن هذه الرسالة.

طيب، قال لا أحب الآفلين. فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. لاحظوا كيف تدرج أيضا في تقديم الجواب عند كل جملة. فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر، وكأنه يعني يعطيه آية في كل مرة شيئا مما قد يظنون أنه نعم بالفعل هو كذلك، فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون، إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، بكواكبها وأقمارها وشموسها وسمائها وأرضها وبحارها وأنهارها وأشجارها التي يقتطع ويأخذ منها البعض الأصنام وينحتها، فالأمر ليس في هذه الشجرة دون الأخرى ولا في كل الأشجار، والأمر ليس في بعض الحيوانات دون، والأمر ليس في نجم أو كوكب، هذه كلها مخلوقة، الشأن ليس فيها، وإنما الشأن في الخروج من ذلك كله إلى خالقها كلها سبحانه. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ.

وكأنه عليه السلام يعني لما ناظرهم تدرج معهم تدرجا على قدر أفهامهم وعقولهم بالمعينات، أنه بعض الناس يعني ما تفهم إلا بالامر الجزئي المعين، وهذا بالمناسبة مهم في البيان والاحتجاج، يعني أحيانا البدء بالكليات يستصعب على بعض الأفهام، فأنت تقول له مثلا، ائت له بالنظائر الأشياء المعينة الجزئية، مثلا هو يعظم شيئا تقول له طيب الثاني هذاك؟ إيش رأيك في كذا مثلا؟ لا يكون يعظمه أو شيء، يبدأ ينتبه أنه في اثنين زي بعض، هو أعطى حكما لواحد ولم يعطي حكما للآخر.

ولذلك الله سبحانه وتعالى حاج الكفار، حاج النصارى الذين يدعون لله الولد، ومن حججهم أن عيسى عليه السلام مجيئه كان معجزا ليس له أب، فقال: إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ، يعني هذه معينات، يعني أنتم الآن عيسى عليه السلام تقولون كذا، طيب آدم بلا أب ولا أم، يعني إن كان لأحد أن يعبد لأنه جاء بلا أب فآدم من باب أولى أنه بلا أب ولا أم، لكن كلهم... فهذا الانتقال من المعينات الجزئية هذا أسلوب في البيان والحجاج مهم، فهمت الفكرة؟ يعني حتى الآن مثلا لما...

تجي تناظر بعض ملحدي زماننا أو بعض حتى منكري السنة وأمثال ذلك، ليس بالضرورة أن تبدأ معهم بالكليات الكبيرة، وإنما ابدأ معهم بالمعين الجزئي، هذا طبعاً بحسب، أحياناً لا يجيك الشخص هو متفلسف وبادئ بالكليات والادعاءات المطلقة، فأنت تبدأ معه بالادعاءات المطلقة والكليات، لكن أحياناً الشخص هو عنده مشكلة معينة، أحياناً شخص منكر السنة عشان حديث، فأنت تيجي تأصل له في حجية السنة يقول لك: أنا عارف هذه الأدلة كلها بس أنا عندي مشكلة مع هذا الحديث. واضح؟ أحياناً تفك له الإشكال في هذا الحديث، أو أحياناً تبرز له إشكالاً آخر لم ينتبه له، ولكن هو يتعامل معه بشكل صحيح.

مثلاً كثير من القرآنيين، من يسمون أنفسهم قرآنيين، ينكرون أحاديث لمعنى معين، مثلاً يقول لك: في أحاديث فيها معنى القتال وسلب الحريات، بفهمه هو بطريقة معينة. طبعاً هو في نفس الوقت يزعم أنه يعظم القرآن تعظيماً عجيباً، فنقول له: ماذا تقول في هذه الآية وهذه الآية التي تشبه تلك الأحاديث؟

أحياناً أنا أتذكر يعني يمكن قلت لكم إياها قديماً، ما ناظرت واحد، ناظرت واحد بهذه الطريقة، لكن المشكلة من ضعف العقل أحياناً خفت عليه أن يلحد؛ لأن هو جالس يتعامل بهذه الطريقة مع الحديث، فنبهته إلى إشكال في القرآن، أخشى أن هو يضطرد، فإيش يسوي؟ فيُنكر القرآن كذلك يعني. والإشكال ليس في القرآن ولا في الحديث، الإشكال في فهمه.

طبعاً أنا من زمان عن هذا المجال، لكن أمس ما أدري اليوم جاتني بعض الرسائل، وأنا كتبت عن كتاب تثبيت حجية السنة فبدأت ترجع بعض الرسائل تجيني، جاتني أكثر من رسالة من أمس إلى اليوم عن شو اسمه، من تلك الرسائل القديمة، طبعاً مضحكة مبكية كذا، أشياء قديمة وأشياء انتهينا، سألني واحد قال لي: ما رأيك في هذا الكلام شخص عنده إنكار سنة وكذا، أو كاره لبعض السنة أو كثير من السنة، فرديت عليه رد كذا بسيط جداً يعني، فقال لي: لا، ولكن هو أتى بشيء يستحق الوقوف يعني، أنه شيء جديد جداً، وهو التفريق بين السنة القولية والفعلية. والنون يعني ما هو جديد، وناظرناها، ناظرنا فيها لين ما تعبنا وخلصنا، وخلاص يعني، جديد يعني! المشكلة كل ما جاء جيل جديد يرجع يلتقط الشبهة من البداية، ويرجع من أول وجديد على قول إخواننا السوريين يعني، يرجع يجيب لك الشبهة من البداية. ففي أشياء مضحكة ورسائل أشياء غريبة سبحان الله، لكن الشاهد أنه أحياناً أنت بس تلفت الانتباه إلى معينات، هذا القصد.

شوفوا لاحظوا إبراهيم عليه السلام بدأ من المعينات، يلا كوكب الزهرة ولا كوكب يعني، واحد لا، هذا لا أحب الآفلين، طب يلا اللي بعده إيش؟ القمر، فـأفل، طب يلا لا نأخذ اللي أكبر منه الشمس. فهمت الفكرة؟ هذا النزول إلى المعينات والجزئيات التي يؤمن بها المخالف وتنقض، تفكك واحدة واحدة ثم الانتقال إلى الكليات، وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ. فبدأ بالجزء واحد واحد ثم انتقل إلى الأمر الكلي، أحياناً بالعكس، وأحياناً يعني هذه خلينا نقول مجال واسع للاجتهاد، يجتهد المناظر الفذ في استخراج إيش أي الأسلوب الأمثل في هذه المناظرة، والقرآن مليء بالأساليب في المحاجة والمناظرة، مليء بالأساليب في ذلك.

وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. حنيفاً، مائلاً عما تقومون به من أفعال وإشكالات وإلى آخره، مائلاً عنه قاصداً أن أميل عنه إلى غيره، فأنا وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين. هذه الآن كأنها مقدمة لفتح باب النقاش والجدل والمناظرة مع المشركين، ولذلك جاءت الآية التي بعدها إيش؟ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ. هنا بعد أن بين لهم، حاجّه قومه قال: أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ.

ومن هنا نأخذ أن الاهتداء العملي القلبي ثم العملي الذي يكون عليه المناظر صاحب الحق، هو من أعظم الوسائل التي تثبته أثناء النقاش مع المخالف وفي سائر طريقه. يا جماعة فرق هائل بين أن يفهم الإنسان الحق بعقله وبين أن يستقر في قلبه، وفرق هائل بين أن يستقر الحق في القلب فقط وبين أن يتحول إلى عمل يسير عليه الإنسان. الذي ينتقل إلى هذه الحالة الثالثة؛ حجة فهمها بعقله فاستقرت في قلبه إيماناً ويقيناً وشعوراً، فولدت عملاً ومنهجاً للحياة يسير عليه الإنسان، هذا قل أن تجد من يكون بهذه الطريقة ثم ينتكس أو يتأثر بحجة المخالف، وإنما يؤتى الإنسان من نقص واحدة من هذه الأركان الثلاثة، إما نقص في فهمه للحجة والبرهان والدليل، وإما نقص في الشعور والمحبة من جهة وفي البراءة والكره من جهة أخرى، وإما نقص في العمل.

إيش فائدة العمل في هذه المعادلة؟ يرسخ ما استقر في العقل وفي القلب. فالعمل هذا على ضوء هذا يجعل الدليل العقلي الذي استخرجه الإنسان أو آمن به الإنسان أو اتخذه الإنسان حجة، يجعله أكثر نضجاً ووضوحاً واستقراراً، والشعور القلبي واليقين والإيمان يزداد وينمى بمثل هذا العمل. مثاله: لو قال لك أبوك أو صاحب صنعة أو صاحب خبرة في الحياة: اسلك هذا الطريق، وافعل كذا وكذا وكذا في هذا الطريق وستجد علامة كذا وعلامة كذا وعلامة كذا حتى تصل هنا. قد تقتنع بهذا الكلام بعقلك لأنك تعرف أن الذي قال لك هو مثلاً مجرب وصاحب خبرة وكذا وصادق، فيستقر في عقلك. فلما تدرك ما في هذا الطريق من معالم كذا، تشتاق إلى أن تصل فتتحرك ليس باعتبار أنه يجب أن أصل فقط، إنما باعتبار أنه ما أجمل أن أصل وما أبأس ألا أصل، فتتحرك ويحدوك الشوق المبني أصلاً على الحجة والبرهان. طيب ماذا لو رأيت أنت تسير معالم هذا الطريق؟ المعلم الأول، المعلم الثاني، قطعت محطة فوجدت أن جزءاً من نفحات الطريق قد أصابتك، هنا يرجع كلام أبيك أو كلام صاحب الخبرة فيزداد رسوخاً في عقلك؛ لأنك رأيت من معالم الطريق ما يؤكد.

هكذا الطريق إلى الله سبحانه وتعالى، مثلاً تجد من اللذة والسعادة والرضا والقناعة ما لا ترضى أن تبيعه بأنفس الأثمان نتيجة صلاتك وقيامك وسجودك. يعني مثلاً حدثني عن لذة ويقين ونور أن يجيب الله دعوة معينة دعوته بها، لا تشك أن ما حصل لك كان إجابة لهذه الدعوة، ما يحصل لك من يقين وقناعة ورضا نتيجة لذلك إيش؟ هل يؤثر هذا في يقينك بالله معرفياً؟ يؤثر. هنا أنا أتذكر القصة مرت معنا في الطريق إلى بيت المقدس، ذكرها المؤرخون منهم أظن ابن كثير في البداية والنهاية، لما كان هناك أحد الأمراء الظلمة أو السلاطين الظلمة اللي متسلط على الخليفة العباسي نفسه، وتعرفون الخلافة العباسية جاءت أوقات كان يعني شبه صوري الموضع أو حتى يعني لو كان ليس صورياً ليس بتمام السلطة يعني، فكان الخليفة العباسي وكان وزيره ابن هبيرة الحنبلي المشهور الإمام، وهو من خير وزراء بني عباس على مر تاريخهم، وكان السلطان السلجوقي متسلط على الخليفة العباسي. فتعاقد الخليفة العباسي والوزير ابن هبيرة أن يقنت على هذا السلطان، أن يقنت عليه كل يوم في السحر، واختاروا أن يقنتوا عليه شهراً كما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت على رعل وذكوان شهراً، اليوم التاسع والعشرون مات السلطان. ثم علق، نسيت من هو، كان ابن الجوزي ولا ابن الأثير أو أحد المؤرخين، علق على هذه الحادثة بما يؤكد المعنى الذي أذكره، كيف أنه مثل هذه المعالم والمواقف تزيد في أساس اليقين، قال: ولا أدل على وجود موجود من أن يُدعى فيُجيب، تعليقاً على هذا الحدث قال: ولا أدل على وجود موجود من أن يُدعى فيُجيب.

الآن هذا يعني ترى هو ما بعد الإيمان، ترى هو ليس ما قبل الإيمان، هو هذا، يعني هذا ما بعد أن الإنسان عرف الحق وسار عليه وآمن، أنه هو جالس يصلي شهراً، يستيقظ من النوم يصحو بالسحر، يعني هذا إيمان، لكن بعد ذلك يحصل أثناء الطريق من المعالم ما يرجع إلى أساس الإيمان فيزيده. هنا لما يقول إبراهيم عليه السلام: أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ، الهداية اللي هي، الهداية شيء منها معرفي يعني يُهدى إلى دليل، وشيء منها قلبي وشعوري يُهدى إلى حب أو بغض، وشيء منها عملي يُهدى إلى عمل على ضوء ذلك. هذا يشكل حالة من الاستقرار الإيماني واليقين، لا تساوم بالأثمان ولا بالبيان ولا باللسان وإلى آخره. فهم لما حاجوه، وكانها محاجه تتضمن شيئاً من المساومة والله أعلم، نعم أو شيئاً من تهديد. لا أنا أقصد أنه هذه المحاجة المشار إليها في الآية هي والله أعلم ليست محاجة معرفية مجردة، واضح؟ إيش الدليل؟ أنها ليست محاجة معرفية مجردة، طبعاً لما أقول الدليل يعني استدلالاً استنباطياً، جملتان: الأولى أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ، كأنه يقول لهم: يعني هذا الاهتداء غير قابل للمساومة. وأيضاً: وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ، مع أنه ليس هناك ذكر لتهديد أو تخويف، ولكنه قال: وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ. فهنا المحاجة، وحاجّه قومه قد تتضمن قدراً من المساومة أو التهديد، وليست المحاجة المعرفية المجردة بدليل أنه قال فيها: وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ. وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ، وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ. إذاً هذه نقطة مهمة جداً أنه الهداية العملية هي من أهم أسباب الثبات أمام الحجج الباطلة وأمام المساومات وأمام التهديدات.

هذه الثلاثة هي مصادر الزلل: إما الحجج الباطلة التي قد تؤثر على الفكر والعقل فينحدر الإنسان وينزلق، ليس لأنه لا يحب الخير ولكن لأنه اشتبه عليه، وإما أن يؤتى من قبل المساومات، وإما أن يؤتى من قبل التهديدات، صح؟ ليس كذلك؟ المساومات كيف يقضى عليها أو كيف تقاوم؟ نعم بالإيمان واليقين وكذا، لكن هناك شيء معين ينبغي أن يستحضر في مثل هذا؛ المساومات من أهم ما تقاوم به زيادة الحب لله، زيادة الحب للحق؛ لأنه هي المساومة تاتي على العقل أم على النفس؟ يعني موقعها لما تقدم وين تصل؟ إلى النفس والقلب، أليس كذلك؟ لأن المساومة فيها طمع، الطمع محله الرغبة، والرغبة شعور، إذاً هو مرتبط بالقلب وبالنفس. هذه مساومة، ماذا لو كان هناك شعور أعلى منها وأرقى منها وأزكى منها وأحلى منها؟ فهنا لا تشعر أصلاً أنت بالحرج حين ترد هذه المساومة، بل بالعكس كأنك تقول للمساوم: عن أي شيء تتكلم؟ يعني أنت تريد أن تشتري سعادتي بكيلوات الذهب ورزم الدولارات، تتكلم عن إيش؟ أنت تتكلم عن ماذا؟

طيب من لم ينفعه الشعور العظيم بالحب لله ولجنته ولآخرته وللطريق الذي أسنّه لأنبيائه وأتباعهم، من لم يدفعه هذا الحب للثبات أمام المساومات فلا أقل أن يدفعه ماذا؟ الخوف. إذاً عندنا عقل وقلب ومعهما النفس وعندنا عمل، هذه الثلاثة الأركان كلها من أسباب الثبات إذا أُحسن فيها، بل لا يتم الثبات إلا بالإحسان في الثلاث، وبالتالي لا بد من مغذيات دائمة لهذه الثلاث: مغذيات للعقل المرتبط بالحجة والبرهان والقناعة المعرفية والعقلية بصحة ما يسير عليه الإنسان، ومغذيات للروح والقلب والشعور والنفس، لا بد أن تحب الطريق إلى الآخرة ليس فقط تسير عليه لأنك تخاف، لا بد أن تحبه، وهذه المحبة كلما زادت هانت عليك الملذات الأخرى، وبالتالي أُغلق باب المساومات التي تأتي من باب الطمع. يعني لا يشعر الإنسان ترى بالمناسبة أنه مضحي تضحية شديدة أمام المساومات بهذا الاعتبار؛ لأنه هو في الحقيقة لم يأتِ عنده شيئان يستحقان المقارنة. نعم أحياناً تتفلت النفس، يعني هو قبل ما يفكر كويس النفس ممكن تنزع، لكن بتفكير يسير ترجع تستقر ويبعد هذا، ولذلك تأملوا معي الحديث تأملوا ثم تأملوا ثم تأملوا: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان"، وفيها: "وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف في النار"، يكره، شوف هو يكره، لا يحب ذلك أبداً.

طيب إذاً هي ثلاثة أركان يجب أن تُغذى. الذي يقف أمام الضلال الفكري والضلال المعرفي والضلال المرتبط بالحجة أو المرتبط بالبيان أو المرتبط بالعقل هو أي شيء في الأساس؟ الحجة والبيان والبرهان المرتبطة بالمعرفة والعقل، ولكنها لا تكفي وحدها، فإن ظهرت ثغرة في هذا المجال سدها الشعور والإيمان، فإن ظهرت ثغرة عند الإنسان سدها ماذا؟ العمل الذي رسخ الهداية. العمل ترى إيش ميزة العمل؟ العمل كذلك ميزته أنه يصير حياة كاملة للإنسان، أنه يصير قرار الانحراف، هو ليس مجرد كلمة ولا أموال توضع في الجيب ولا شيء، لا، هو معناه أن كل حياتي التي بنيت على الهداية ستتحول إلى حياة أخرى بنيت على الضلالة، واضح؟ لذلك الإنسان يطمع في البداية ممكن أموال ممكن شيء، لكن ترى الضريبة كبيرة، الضريبة تبدأ من البيت من العلاقة بالأهل الزوجة الأولاد، من معك؛ لأنه هذا الباب فيه أمانة وخيانة، وأنت كنت أميناً لأنك كنت مهتدياً، فستخون كما خنت هنا تخون هناك، وكما خنت هناك تخون هنا، وهكذا يبدأ مسلسل الحياة يتحول من حياة هداية إلى حياة ضلالة. فإذا بنيت حياتك على الهداية بعدين يجي واحد يساومك على طريق الآخرة، فأنت الآن ليست القضية فقط أنك تحب طريق الآخرة ولا أنك مقتنع بطريق الآخرة، أنت بنيت حياتك عليه، وهذا يريد منك أن تغير كل شيء؛ لأن الخيانة ليست هي عمل معين وسينعكس على قلبك ستسلب الإيمان إلى آخره من الأمور، واضح؟

وهنا: {أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ}. وقلنا: {أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ} قد يدل هذا اللفظ بالسياق، والله أعلم، على أنه سياق يتضمن تهديدًا ويتضمن مساومة؛ بدليل أنه قال في تتمة الآية: {وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ}.

وبدليل أنه سبق الحجاج بالحجة والنقاش، ولا يمنع أنه يكون في حجة هنا ونقاش لأنه حاج، لكن هذه محاجة ليست محاجة معرفية مجردة، هي محاجة فيها التهديد والوعيد، وفيها ربما شيء من المساومة، وهذا المنهج هو الذي يسير عليه أهل الباطل دائمًا؛ لا يحاجونك بالحجة وحدها، وإنما لابد أن يضعوا مع الحجة شيئًا من التهديد والوعيد والإخافة، فإذا اتبعت الحق سيكون كذا وكذا وكذا، فقد لا تتبع الحق ليس لأنك لا تعرف أنه الحق، وإنما لأن فيه تضحيات لا تُتحمل.

وكيف أخاف ما أشركتم، عفواً {وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ}، {أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ} ايش {وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا}. هم ماذا يرون؟ الكواكب والأصنام، يرونها أبعد بكثير من أن تكون أجرامًا جامدة في السماء مسخرة. طب من الذي أعطاها هذه الأوصاف؟ هم، هي في حقيقتها ليست كذلك، وهكذا الضالون من البشر على مر الأزمان يعطون معظميهم أوصافًا ليست لهم، ليست لهم.

مثلًا فرعون، ايش هو فرعون؟ إذا ما غصت بطنه يذهب إلى الخلاء، صح؟ وإذا جاع يلتوي حتى يطلب الطعام، بس دقيقة ليش إحنا نبدأ من هنا؟ ايش كان؟ كان نطفة، كان في رحم أمه، طلع كان يصرخ، كان يلبس ويُغذى، هو نفسه فرعون اللي كانوا يعبدونه، بعدين صار {يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ} إلى آخر الآية. هو في الحقيقة ليس عنده هذه الأوصاف، نعم سُخرت له بعض القوة لكن ليس عنده هذا الوصف الذي أوصله إليه الناس، وهكذا على مر الأزمان، الألقاب التي تُضفى على الأشياء دائمًا يأتي أهل الحق والبصيرة فيجردون هذه الأشياء عن أوصافها الزائدة التي ألحقها بهم الناس.

لما جاء إبراهيم إلى أبيه قال: {أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً} وفي القرآن {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم}. هذه المعلومة هل كانوا يجهلونها، أنه هم الذين سموا اللات والعزة ومناة وهبل؟ هم ما كانوا يجهلونها، لكن كانوا يجهلون التفكر في حقيقة هذا المعنى، يعني ماذا كان هذا الهبل قبل أن تعبدوه؟ ايش كان؟ كان أحجارًا في جبل، مثله مثل أي جبل تمر عليه في الأرض، كسرتوا لكم كم حجرة ورتبتوها على شكل وقلتم هذا هبل، وإذا انتصرتم قلتم أعل هبل، وكانوا يخافون منه. يأتي دائمًا الحق يجرد هذه الأوهام، يجرد هذه الأشياء من الأوهام التي ألحقت بها.

ولذلك هنا إبراهيم عليه السلام لما جرد هذه الأوهام قال: {وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ}. شوف لما جردها وهو ينظر إلى من؟ الله الذي ينظر إلى أن هناك إلهًا خلق كل شيء ومنه ما تعبدون، قلب عليهم المعادلة: {وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا * وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا * أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا * فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}. ما تستطيع أن تصل إلى هذه الدرجة في المحاجة إلا إذا جردت عندك المعظمات لدى أهل الباطل عن أوصافها الجائرة التي ألحقت بها ورأيت الأمور على حقائقها، عند ذلك يستطيع أن تقلب عليهم، وإلا فمثلك مثلهم بعد ذلك أو قريبًا من ذلك.

يعني ماذا؟ يعني كلما أردت أن تستعلي بالحق فلا بد أن ترى الباطل على حقيقته، دون الزيادات والإضافات التي أضافها إليه اتباع الباطل، فلا يهولنك الباطل بما فيه. ولذلك لما جاء الناس وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم والصحابة {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ * وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ}.

يعني يخوفكم بأوليائه. هذه إلحاقات، طب ما هي الحقيقة؟ أنهم عبيد لله لا يضرون ولا ينفعون إلا بإذن الله، وأنهم لن يستطيعوا أن يعملوا، إلى آخره من الحقائق الأساسية. نعم هناك أسباب وهناك قدرات وأشياء جعل الله لها، لكن إلى هذا الحد ليس أكثر من هذا. هناك خوف طبيعي وجبلي نعم معتبر وموجود، هناك قوى وأدوات نعم موجودة، لكن إلى هذا الحد تحت سلطان الله، والله أكبر من كل شيء، أما هم فيلحقون بها أوصافًا تجعلهم آلهة أو كالآلهة من دون الله بحسب درجة التعظيم وبحسب درجة الاعتقاد. أحيانًا لا يعتقدون فيها اعتقاد عبودية، لكن يعتقدون فيها اعتقاد قدرة.

وبالمناسبة، أرايتم الأركان الثلاثة اللي قلناها في الإيمان بالله وأن أسباب الثبات: العقل وما يتصل به من حجة وبرهان، والقلب وما يتصل به من شعور وحب وكره وبغض، والعمل وما يتصل به من منهج شمولي تتمثل فيه هدايات عملية؟ مثل هذه الثلاثة تراها موجودة عند أهل الباطل في باطلهم، يؤمنون به بمعارف زائفة وحجج وتلبيسات وشبهات، ويحبونه حبًا عظيمًا، كما قال الله سبحانه: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ}. شوف أُشربوا في قلوبهم، ولذلك فسرها المفسرون أي حب العجل، عجل هم صنعوه، هذه حتى ما فيها آباء وأجداد، يعني تعرفوا الشبهات أحيانًا تجي بسبب تقادم، يعني مثل لما قال لهم الشيطان لقوم نوح، أو بعد قوم نوح، إنه اصنعوا الصالحين صورهم وكذا وبعدين كذا، أو قبل نوح عليه السلام، لكن هؤلاء هم بأنفسهم هم اللي أخذوا من الزينة وصنعوا العجل وعبدوه.

طيب ايش التلبيسات؟ في تلبيسات وفي تلبيسات، هل عبد العجل في قدر من الشبهات؟ في موضوع في قدر من الشبهات، صح؟ {وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ}. والسامري لبس لهم بعض التلبيسات، إذا في شيء مرتبط بالشبهة.

طيب باقي القلب، لما عبدوه ايش؟ أحبوه، أحبوه، {زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ} و{أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ}. يعني تخيل أن الله يعاقبك أن تحب عجلًا صنعته لتعبده جامدًا.

طيب بعدين ايش؟ بعدين لابد أن يؤسسوا نظامًا مبنيًا على هذه الشبهات العقلية وعلى هذا الحب القلبي، لابد أن يؤسسوا نظامًا دائمًا، يعني حياة تؤسس وتقام على هذه الفكرة وعلى هذا الشعور. فلما يأتي النبي يقول لهم لا تستقسموا بالأزلام، لا تفعلوا كذا، لا تفعلوا كذا، هذه بالنسبة لهم ايش؟ تغيير لنظام كامل ومنهج حياة ومحبة وشعور وثقافة وتاريخ وفكر وكره وبغض وأحوال وأجداد ورموز وأعلام وقصة طويلة وعريضة، واضح يمتزج فيها الفهم بالخوف والشعور والحب بالعمل والنظام والقوانين والأشياء الجزئية العملية.

ولذلك نجد أن القرآن يتناول هذه الأمور الثلاثة، تارة يخاطبهم بالحجة والبيان والعقل، وتارة يخترق الشعور والقلب وهنا تأتي الموعظة والزجر، وهذا ترى كله منهج الآن الدعاة يجب أن يسلكوه، مو إحنا نقول والله يحتوي القرآن هذه الموضوعات، وبعدين لما تيجي أنت في رسالة ولا في منهج ولا في إصلاح، لا بد أن يتضمن الخطاب ما يرجع إلى هذه الثلاثة: شيء راجع إلى صميم الحجة والبيان والاستدلال والبرهان والمعرفة، وشيء راجع إلى صميم الشعور في الرغبة والرهبة، وشيء راجع إلى صميم المنهج العملي التفصيلي المرتبط بنظام الحياة وتفاصيل قوانينها وأمورها وإجراءاتها المرتبطة بطريق الآخرة، طبعًا إما إلى الجنة وإما إلى النار.

فهنا الآن في هذه الآيات موضوع الشعور الممتزج بالحجة والبرهان، وحاج قومه قال: {أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}. هنا من يسير على منهج {فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ}، هذا يمتلك أهم أسباب الثبات بإذن الله، طبعًا بدل الأمن ضع ما شئت من الألقاب الشريفة، فأي الفريقين أحق بكذا؟ واضح. ولا يمكن أن تصل إلى فأي الفريقين أحق بالأمن إلا إذا استطعت أن تبصر الباطل الذي يعظمه أهل الباطل مجردًا من أوصاف التزيين التي يزينونها به، والصرت الحق كاملًا تامًا وعظمته. {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ}. ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، لم يكن إيمانهم مشوبًا بشيء من الشرك بل كان إيمانًا راسخًا عميقًا فيه تحقيق التوحيد لله في مختلف القضايا.

وبعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى كل ذلك ختم هذه القصة بقوله: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}. إذاً كما كان الله سبحانه وتعالى يلقن نبيه صلى الله عليه وسلم الحجة في نفس هذه السورة سورة الأنعام بقوله قل 44 مرة في السورة، أيضًا كان قد لقن إبراهيم حجته فقال: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ}. فالله آتاه الحجة، {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ}، هذا فيه النصر عليهم والظهور عليهم.

ولاحظوا ترى شأن الحق والباطل في القرآن ما هو شأن الآراء النسبية، الآراء النسبية هذه لما نختلف الزنجبيل أحسن ولا الشاي ولا القهوة، القهوة اللي من كذا ولا القهوة اللي من كذا، يختلف في أنواع السيارات ومختلف في أنواع الأقمشة، هذه آراء نسبية. لما تجي القضية إلى الحق والباطل والمنهاج الموصل إلى الآخرة إلى النجاة من النار هذه ما فيها نسبية. لما تيجي تقول لي الإبراهيمية ولأديان مادري ايش، ولما يجي واحد زنديق يقول إنه الإله هو معنى الرحمة، بالتالي من يتمثل معنى الرحمة ينجو يوم القيامة سواء أكان ملحدًا أو مؤمنًا أو كذا، هذا ما في شيء اسمه هكذا في الإسلام أبدًا، نسبية ما في. الإسلام فيه الحق واضح والباطل واضح.

المسائل الاجتهادية والخلافية اجتهادية وخلافية، إحنا ما نتكلم عن هذه، نتكلم عن أساس الدين وأساس الملة ومحكمات الدين الكبرى الأساسية، مدارات الدين ما في نسبية. واحد يجي يقول والله إحنا نؤمن بالكتاب بس ما نؤمن بالسنة، ما في نسبية، قولك لا يحتمل ولا 1% من الحقيقة، باطل من أساسه ما في أبدًا، ولا يمكن أن يتم الإسلام في قلب الشخص إلا بإيمانه بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، نعم قد ينقص من إيمانه بقدر نقصه من بعض السنة، من كذا، لكن أن تقول لا نؤمن بكذا فهذا جحود لما هو معلوم من الدين بالضرورة، وهكذا. فالحقائق يجب أن تكون واضحة ومستعلية. {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ}. هذه كلها مأخوذة من {عَلَى قَوْمِهِ * نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}.

ونقف عند هذه الآية إن شاء الله، اللقاءات القادمة نبدأ بالحديث عن ذرية إبراهيم، لأن الآية التالية ما هي؟ {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ}. لا حتى ذكر نوح ما قبل إبراهيم عليه السلام. إن شاء الله اللقاء القادم نأخذ هذه الآيات إلى نهاية الصفحة بإذن الله تعالى، ونسأل الله التمام على خير، ونسأل الله العفو والعافية، ونحمده على نعمه ونثني عليه فما من نعمة صغرت أو كبرت إلا منه، وما من فضل صغر أو كبر إلا منه سبحانه، ونستغفره من ذنوبنا ونتوب إليه، ونسأل الله العفو والعافية، ونسأل الله أن ينجي المستضعفين من المؤمنين في كل مكان، والحمد لله رب العالمين.