الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، أما بعد، نستعين بالله ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس دراسة سورة الأنعام، سائلين الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد والفتح والبركة والعون والنصر والمدد، ونستغفر الله من ذنوبنا ونتوب إليه. هذا المجلس يأتي بعد انقطاع، وكانت النية إتمام جزء كبير من المجالس في رمضان، لكن نحمد الله سبحانه وتعالى على كل حال، ونستعين به فيما سيأتي بإذن الله تعالى.
الحديث كان قد وصل في تسلسل المجالس إلى نهاية الآيتين قول الله سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ، وقصدت من الآية قبلها: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ. طبعا الآيات من بداية السورة إلى الآن هي حديث عن المشركين ومع المشركين ومحاجة لهم، وتقدم في بداية السورة ذكر الآيات، والحديث كان متسقا وتناولنا فيه جوانب كثيرة.
الآية التي سنبدأ بها هي آية يخاطب بها النبي صلى الله عليه وسلم استمرارا في خطابه بالآيتين السابقتين؛ الآية: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ، ثم وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا. الآن آية ثالثة يخاطب بها النبي صلى الله عليه وسلم وهي قوله سبحانه: وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ.
هذه الآية من الآيات التي يعلم الله فيها نبيه صلى الله عليه وسلم، ويربي فيها الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم. وهذا نوع من الخطاب القرآني، هناك نوع من الخطاب القرآني يمكن أن يعنون بـ "تربية الله لنبيه صلى الله عليه وسلم وتعليمه إياه"؛ فالقرآن لم يكن لمجرد أن يبلغ به المشركون أو يربى به المؤمنون من الصحابة فمن بعدهم، لا، القرآن كان أول المستفيدين منه هو النبي صلى الله عليه وسلم؛ يعني الله في عليائه سبحانه وبحمده يعلم نبيه صلى الله عليه وسلم ويربيه بهذا القرآن ويهديه بهذا القرآن، وذلك كما في قوله سبحانه وتعالى: قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي ۖ وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي. يعني كما قال الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ، يعني أول مؤمن هو النبي صلى الله عليه وسلم. وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ.
وأعجبني ابن سعد في الطبقات، كتاب الطبقات لما ذكر في طبقات الصحابة وقسمهم: المهاجرون، الأنصار، البدريون، كذا؛ فلما ذكر المهاجرين قال: أولهم محمد صلى الله عليه وسلم، هو من المهاجرين، هو من أعمال النبي صلى الله عليه وسلم الهجرة، فيعني عدم استثناء النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الجهاد ومن هذا العمل ومن هذا البذل، وأيضا قبل ذلك من تربية الله له سبحانه وتعالى بهذا القرآن. وهذا كما كان لنبي الله محمد بن عبد الله الذي هو خاتم الأنبياء والمرسلين وسيدهم عليه صلاة الله وسلامه، فقد كان ذلك للأنبياء من قبله، وقد قص الله علينا في القرآن شيئا من خبر تربية الله لأنبيائه، كما في قوله سبحانه وتعالى عن نوح عليه السلام: وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، قال: يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ.
ولا حظ: إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ، وهنا في هذه الآية: فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ. فهذان لفظان أو هاتان جملتان متشابهتان وعظ الله بهما وعلم بهما نبيين من أنبيائه من أولي العزم من الرسل، ففي سورة الأنعام هنا: فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ، وفي سورة هود: إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ. وكانت تلك لنوح، وهذه في سورة هود لنوح، وفي سورة الأنعام للنبي صلى الله عليه وسلم. الشاهد أن من جملة الخطاب القرآني هو الخطاب الذي يربي الله فيه نبيه صلى الله عليه وسلم ويعلمه فيه ويهديه به ويوجهه به؛ ولذلك نجد في هذا النوع من الخطاب أحيانا بعض العتاب، وهذا النوع من الخطاب القرآني هو من أعظم الأدلة على ربانية القرآن، وأنه ليس من عند النبي صلى الله عليه وسلم ولا من عند أي بشر، وإنما هو من الله سبحانه وتعالى.
فهذا الخطاب القرآني أمره عظيم، ولذلك نجد فيه مثلا: عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ، نجد فيه في الآيات المكية وفي الآيات المدنية، وفي الآيات المكية مثلا سورة عبس وسورة الأنعام هذه الآية، ونجد في الآيات المدنية في سورة الأحزاب وفي سورة التوبة: عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ، وفي سورة الأحزاب: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ. هذا النوع من الخطاب هو دليل على ربانية القرآن ودليل على أنه من عند الله ودليل على عظمة الله ودليل على وحدانية الله. والنبي صلى الله عليه وسلم يتلقى القرآن يؤمن به ويتعلم من خلاله ثم يبلغه ويعلم الناس ويهديهم به، كما قال الله عن نبيه صلى الله عليه وسلم: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ۞ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ.
طيب، ما هو الأمر الذي علمه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية؟ هو أن هؤلاء المشركين الذين يطلبون الآيات لن تستطيع أن تأتيهم بآية إلا بإذن الله، ولن يؤمنوا إذا أتتهم الآيات إلا بإذن الله. هذان الأمران؛ يعني النبي صلى الله عليه وسلم لشدة حرصه عليهم كان يتمنى أن لو أتى بآية، كان يتمنى أن لو أسند بآية. طبعا ايش نوع الآية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يتمنى أن تأتيه؟ من نفس ما اقترحه المشركون؛ يعني المشركون كانوا يقترحون نوعا من الآيات، فالنبي صلى الله عليه وسلم ربما ظن أنه لو أتت هذه الآية التي اقترحها المشركون أنهم سيؤمنون، فهو حريص على إيمانهم، فالله سبحانه وتعالى يقول له: أولا، معنى الكلام يعني من مجموع الآيات أن الآيات ليست عندك، الآيات هي عند الله، كما في سورة إبراهيم عن الأنبياء والرسل: وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، هذا عام في كل الأنبياء والمرسلين. الأمر الثاني أنه حتى لو جاء هذا السلطان أو جاءت هذه الآية التي طلبها المشركون فليس معنى ذلك أنهم سيؤمنون، ليس معنى ذلك أنهم سيؤمنون، وهذا المعنى متكرر في القرآن.
فالنبي صلى الله عليه وسلم كان حريصا على أن يأتيهم بالآيات التي يطلبونها أو التي يظن أنهم سيؤمنون من خلالها، طبعا هم مثلا طلبوا كما في سورة الإسراء: وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا ۞ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا ۞ أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا ۞ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ ۗ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا.
والله سبحانه وتعالى بين طبعا بالمناسبة سورة الإسراء هي من السور المهمة في هذا المعنى تحديدا، وكذلك سورة القصص وغيرها. لكن سورة الإسراء، لأنه في سورة الإسراء: وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ۚ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا. فالشاهد الله سبحانه وتعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم بعد أن قال له: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ، ثم ذكر له الرسل قبله وأنهم كذبوا وصبروا، قال له بعد ذلك: وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ، يعني إن كنت تستطيع أن تفعل ذلك فافعل، ولو شاء الله لجمعهم على الهدى بدون آية، بآية أو بغيرها؛ يعني أن القضية في الإيمان ليست في مجرد وجود الآية المعينة التي ينتظرونها فيؤمنون، وإنما في مشيئة الله وإرادته، فلو شاء الله أن يجمعهم على الهدى لجمعهم على الهدى بآية وبغيرها، ومشيئة الله سبحانه وتعالى ليست في أن يجمعهم على الهدى، وهذا المعنى أيضا متكرر في القرآن كما قال الله سبحانه وتعالى: وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ۞ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ ۚ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ.
نعم، هذا في "صحيح" أن شأن نزل عليه من السماء آية، وكذلك: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ. فهي إرادة الله سبحانه وتعالى. مشيئة النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصا على أن يهتدي كل أولئك الناس، وكان حريصا على أن يأتيهم بنوع من الآيات كان النبي صلى الله عليه وسلم يقدر أنها لو جاءت لآمنوا، فلذلك كان حريصا عليها، وكان يعني يجد في نفسه صلى الله عليه وسلم الحسرة الشديدة على عدم إيمانهم، فالله سبحانه وتعالى يعلم نبيه ويربيه على أن المعنى ليس كذلك فيقول له: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ.
إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ. الموتى طبعا المقصود بهم هنا الكفار، وهذا تشبيه من الله سبحانه وتعالى للكفار بالموتى، وهو تشبيه متكرر سواء في القرآن أو في السنة: أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ، وكذلك في السنة: مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت. وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ، طبعا إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ، كلمة السماع هذه كلمة مهمة ومركزية في الاستجابة، ونجدها في الآيات الكثيرة، مثلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ۞ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ۞ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ. لاحظ كلمة السماع هذه كيف هي مركزية في قضية الاستجابة.
وأيضا في اليهود: مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، وفي سورة هذه في سورة النساء، وفي سورة البقرة: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ۖ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا. هذه في سورة البقرة. اسمع، سبحان الله، كيف ذكر الله في سورة البقرة عن اليهود لما جاء إلى ذكر المؤمنين في آخر السورة: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا.
فالسماع هناك، سماع للصوت وللكلام الذي يأتي يعني المبلغ به هؤلاء الكفار من عند الله سبحانه وتعالى، ولكن كأنه سماع أصوات بلا معاني، هم طبعا يسمعون الألفاظ ولكنهم لا يستمعون إليها استماع من يريد الحق، إنما يسمعونها هكذا، فلما كانت كانوا يسمعونها هكذا لم تكن تؤثر فيهم، وقد يسمعون أصلا استماع استكبار، سماع استكبار فلم تكن تؤثر فيهم. سبحان الله الله ذكر فيها معنى عجيب في سورة البقرة، ها أحسنت: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ. شوف: كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً، يعني مثل البهائم التي تسمع صوت الراعي، هي أكيد ما تسمع كلمات، ما بتفهم تفاصيلها، لكن تعرف أنه فبما يسمع إلا دعاء ونداء، هذا يعني هذا عموما هنا مفتاح للتأمل في قضية السماع والاستماع في القرآن، فهي قضية مركزية وكبرى. نعم: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، أحسنتم، وغيره من الآيات الكثيرة، كثير من الآيات فيها هذا المعنى.
فهذا معنى مهم جدا جدا، إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ، فهم الذين يسمعون سماع تدبر ورغبة في الهداية وتواضع وإقبال ولم يطبع الله على قلوبهم، ولم يجعل عليها أكنة أن يفقهوا، فهؤلاء هم الذين يستجيبون. أما الموتى، وكما قال الله سبحانه وتعالى: وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ، أما الموتى فهم لا يسمعون: وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ ۞ وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ ۞ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ ۞ وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ. وهنا أربطها بهذه الآية: إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ.
يرجعون. إذا هذا يعني كما قال الله سبحانه وتعالى في سورة الرعد: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا. فلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا، أنا شوف ولو شاء الله لجمعهم على الهدى. فلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا. في سورة يونس: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا. إذا الإيمان وفي سورة يونس أيضًا: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ.
فهذا كله من تعليم الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، أنك أولًا لن تأتيهم بسلطان إلا بإذن الله، ثانيًا أنك لو أتيتهم بسلطان فهذا لا يعني أنهم سيؤمنون، فَإِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ. وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه، قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون. طبعًا هذه الآيات التي يطلبونها هم يعرضون عن الآية الواضحة البينة التي أمامهم، والآية الواضحة البينة التي أمامهم قد ذكر الله سبحانه وتعالى ونبه في سورة العنكبوت أنها هي أنها كافية. إيش كانت الآيات في سورة العنكبوت؟ وقال لولا أنزل عليه آيات من ربه. وقالوا: لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. أولم يكفهم أن أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم؟ أولم يكفيهم؟ وبعدين هذا الكتاب مليء بالآيات والعبر، وسبحان الله يعني دائمًا الله سبحانه وتعالى يذكر يعني الجميل أو من الأشياء الجميلة جدًا في القرآن أنه ليس فقط أنه هو في ذاته آية، ولا أن موضوعاته آيات، لا، من الجميل الذي فيه أنه أحيانًا تذكر فيه موضوعات ويبين أثناء ذكرها أنها آيات وأنه لا يستطيع أحد أن يأتي بها.
فمثلاً من الموضوعات القرآنية اللافتة للانتباه التي يذكرها هي آيات في ذاتها ثم يذكرها الله ثم يبين أنها آيات في ذاتها وأنها ينبغي أن تكون يعني محلًا للتفكر والتنبه، مثلاً لما ذكر الله سبحانه وتعالى قصة موسى عليه السلام بالتفصيل في سورة القصص وقال سبحانه وتعالى: وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى الْأَمْرَ. والله يا جماعة هذه الآيات عجيبة جدًا جدًا جدًا عجيبة. هذا نوع من الآيات متكرر في قصص الأنبياء؛ أنه الله يذكر القصص، طبعًا إحنا القصص هذه يا جماعة إحنا الآن يعني عارف تربينا عليها ونشأنا عليها ويعني عارفينها وفاهمينها، بس أنت لما تتكلم وقت نزول الوحي ما في أحد يعرف هذه الأشياء، أهل مكة قريش ما يعرفوا هذه الأمور. بعدين قصص ليست هي مجرد قصة، قصص مرتبطة بالوحدانية والتوحيد والرسالة والنبوة والآيات والعبر، أشياء عظيمة وعجيبة لا يعرفونها، ولم تسبق عليهم ولم تطرق أسماعهم، وبعضها يعلمه أهل الكتاب وبعضها لا يعلمه أهل الكتاب أصلاً.
وبعد أن تعيش أنت مع الحدث، يعني هذه الآيات جاءت في نهاية قصة موسى عليه السلام في سورة القصص بعد ما عشت أنت مع الحدث والآيات وخاصة قصة النداء التي هي في قوله سبحانه وتعالى: فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ، إلى آخر الآيات بعد القص. وطبعًا بداية من: وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ، كل هذه القصة ثم يذكر الله سبحانه وتعالى: وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَلَٰكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ. عجيب، عظيم، مخيف ومذهل في التأكيد على من يستمع لهذه الآيات أن هذا من عند الله سبحانه وتعالى.
هذا في مثل قوله: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ. في سورة هود بعد أن ذكر الله قصة نوح عليه السلام وهو أوسع موضع في القرآن فيه ذكر لقصة نوح عليه السلام بهذا التفصيل الطويل، في سورة هود بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى قصة نوح قال: تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ. وبعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى قصة يوسف في سورة كاملة وهي من أعجب القصص في القرآن، قال: ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ. عجيب؛ لأنه في البداية إيش قال سبحانه وتعالى: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ. ما أدراك يا محمد بهذا؟ الله سبحانه وتعالى يقول: ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ * وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ. وأيضًا في سورة آل عمران لما ذكر الله سبحانه وتعالى قصة آل عمران وقصة مريم وقصة زكريا، قال سبحانه وتعالى: ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ * إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ.
إذا إنما يستجيب الذين يسمعون، من استمع لهذا القرآن استماع متدبر استماع متفكر فسيهتدي وسيؤمن بأن هذا القرآن من عند الله سبحانه وتعالى، وأما من استمع لهذا القرآن استماع مستكبر أو استماع من ليس بخاضع ولا بخاشع ولا يريد الهداية فقد يجعل الله على قلبه من الأكنة والحجب ما لا يستطيع أن يفهم أصلاً هذا الكلام. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى في سورة الإسراء: وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا * وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا * نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا * انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا. إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ. وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه، قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون. ولكن أكثرهم لا يعلمون، لا يعلمون ماذا؟ ربما لا يعلمون أن الله لو أنزل هذه الآية التي يطلبون فإنهم لن يؤمنوا، أو ربما لا يعلمون قدرة الله سبحانه وتعالى في أنه قادر على أن ينزل آية، أو أيًا كان مما لا يعلم من جميع ذلك. ولذلك الآية التي بعدها أتت فيها القدرة الإلهية، وفيها شيء من فتح الأفق لهؤلاء الذين آفاقهم منغلقة ولا يرون إلا الأمور يعني المادية المحسوسة التي يريدون أن تأتي الآيات من خلالها.
فقال لهم سبحانه وتعالى إيش الآية اللي بعدها؟ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ. أنتم يا أيها الذين صارت قلوبكم وعقولكم ونظركم بهذه المحدودية وبهذا الصغر، ألا ترون هذا الكون الفسيح؟ ألا ترون هذه الكائنات سواء مما يدب على الأرض أو مما يطير في السماء، هذه كلها أمم أمثالكم، وكل شيء متعلق بها هو مسجل في الكتاب، مدون مكتوب فيه. والكتاب المقصود به هنا هو أم الكتاب وليس المقصود الكتاب الذي هو القرآن، يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ. لذلك بعضهم قال: المحو والإثبات هذا بعضهم قال في صحف الملائكة التي بأيدي الملائكة، أما أم الكتاب الكتاب الذي كتب فيه كل شيء فهذا لا محو فيه ولا إثبات. يا جماعة نحن لم نبصر هذا الكتاب لكننا نؤمن بما فيه، وهذا الكتاب الإيمان بهذا الكتاب العظيم الذي كتب الله فيه كل شيء هذا أمر عجيب، الإيمان به عجيب والكتاب هذا عجيب وعلم الله عظيم عجيب. قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
وقال الله سبحانه وتعالى في سورة الحديد وهذه آية عجيبة عجيبة عجيبة وعظيمة جدًا جدًا، إيش الآية؟ مَّا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا. أعجب ما في الآية عندي ختامها: إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. يعني أنت تتعجب، معقول كل شيء كل شيء منذ أن خلق الله السماوات والأرض إلى قيام الساعة مكتوب؟ الأمر الأعجب ليس هنا، الأعجب هو أن الله قال عن ذلك: إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. وهذا يذكر بمثل موضوع الحشر، الحشر طبعًا كان بالنسبة للمشركين قضية غير قابلة للتصديق، مثل ما كل عصر في فتنة معينة، قبل 100 سنة تقريبًا 70 سنة كانت الفتنة هي في الماديات، المعجزات إثبات الأمور فيعني خارجة للتصديق في وقت المشركين وقت نزول القرآن كان الأمر الذي لا يصدق هو البعث، كيف يعني؟ ما يتخيلوا، كيف ممكن؟ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ؟ ما يصدق، فإذًا القرآن مليء بإثبات البعث، لكن العجيب في هذا ليس مجرد إثبات البعث، أنه ترى الأمر يسير، يعني كما قال الله سبحانه وتعالى في سورة قاف إيش الآية؟ يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَٰلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ. عجيب، وأيضًا في سورة لقمان إيش؟ مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ. كل هالبشرية هذه بعثها ترى كأنه بعث نفس واحد، يعني ذلك أمر علينا يسير، ذلك حشر علينا يسير. فالشاهد أنه هنا الله سبحانه وتعالى لما قال: مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ، كل ما ترونه ليس ما مما يتعلق بكم أيها الناس وإنما كل ما يتعلق بالحيوانات بالكائنات بالطيور كله مكتوب، فالذي فعل ذلك سبحانه وتعالى ليس عاجزًا على أن يأتي بآية من التي تطلبون، لكن الشأن ليس في الآية وإنما الشأن في قلوبكم التي لم تبصر حقائق القرآن والتي هي كافية في أن تؤمنوا، لكنكم لم تؤمنوا وإذا لم تؤمنوا بناء على ذلك فإن وجود الآية لن يكون سببًا في إيمانكم.
مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَن يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. هذه من يشأ الله يضلله ومن يشاء يجعله على صراط مستقيم تذكرنا بإيش قبل قليل؟ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى. هي يعني هاتان مرتبطتان ببعض، يعني ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين، إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ * وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلَ آيَةً وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ... رجعت نفس الآية مَن يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ.
ثم يأتي استدلال جديد وهو قوله سبحانه وتعالى: قُلْ أَرَأَيْتُكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ. هذا نوع من الاستدلال عليهم في أساس ما كذبوا به واستنكفوا واستكبروا، وهذا نوع من الاستدلال بالفطرة وبالواقع المبني على هذه الفطرة، أنكم أنتم أيها المشركون إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة، وإيش من نوع هذا اللي هو أصلاً واقع اللي هو أن ركبتم البحر إن وقعت بكم الشدائد إن مستكم يعني الأمور العظيمة: أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ. طيب إذا كنتم تتعرفون على الله وقت الشدة وتنسون ما تشركون مما بنيتم دينكم عليه، أفلا يستحق سبحانه وحده أن تصرفوا له العبادة في الرخاء كما صرفتموها إليه في الشدة؟ أولا يستحق أولئك الذين جعلتموهم شركاء لله فنسيتموهم وقت الشدائد ووقت الحاجة، أفلا يستحقون أن تنسوهم وقت الرخاء؟ كذلك هذا نوع من الاستدلال عليهم.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ... إيش؟ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ... طيب خلينا قبل ما نكمل الآية، الآن الله سبحانه وتعالى يذكر شيئًا من أحوال الأمم السابقة، وهذه الآيات من الآيات المرتبطة من جهة بالسنن الإلهية ومن جهة بالاحتجاج على المشركين ومن جهة بزيادة البصيرة والعلم بأقدار الله سبحانه وتعالى، الله سبحانه وتعالى يقول: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ.
يتضرعون. البأساء التي تشمل غالباً جنس ما كان من جنس الفقر وقلة المعيشة وقلة ذات اليد وكل ما يدخل في هذا الفلك. والضراء كل ما يدخل تحت جنس الأمراض والأسقام والأوبئة والمصائب المتعلقة بالجانب الصحي. طيب، لعلهم يتضرعون، لعلهم يتضرعون.
الآن تتذكروا إحنا في هذه المجالس في الدروس الأولى تكلمنا عن تفسير التاريخ، صح؟ تذكروا تكلمت يمكن أكثر من مجلس عن تفسير التاريخ، وأنه القرآن يعطي بعداً معيناً لقراءة التاريخ البشري، وأنه هناك صراع على تفسير التاريخ بين النموذج الصحيح وبين النموذج المادي الذي يقرأ التاريخ قراءة مادية. الآن هناك طبعاً تعرفوا من النماذج المشهورة في قراءة التاريخ النموذج المتعلق بالاقتصاد، النموذج الاقتصادي، يعني ما كان دائراً في هذا الفلك. والتاريخ فسر طبعاً بالمناسبة بالمذاهب الفكرية الحديثة، عندنا بعض المذاهب الفكرية الحديثة من أعمدتها العميقة، الأعمدة المرتبطة بطبيعة قراءة التاريخ، يعني هو هذا المسألة مسألة صراع فكري عميق جداً في العصر الحديث. القرآن نجد فيه نوراً كاشفاً لكثير من أحداث التاريخ، هذا النور الكاشف يعطي أبعاداً لقراءة التاريخ ليست موجودة في القراءات الفكرية المعاصرة.
يعني الله سبحانه وتعالى يقول: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ. البأساء والضراء ترى هذه تلقاها مدونة في كتب التاريخ، صح ولا لا؟ البأساء والضراء مدونة في كتب التاريخ، يعني مثلاً كتب التاريخ تتحدث عن مجاعات كبيرة حصلت في الأمم، صح ولا لا؟ وتتحدث عن أوبئة عظيمة حصلت في التاريخ، صح ولا لا؟ طيب كيف تفسر هذه الأحداث؟ ترى في بعد غيبي في تفسير هذه الأحداث، يجب عليك أيها المؤمن أن تؤمن بهذا البعد الغيبي، وهذا البعد الغيبي لا يلغي الأسباب المادية التي ترتبط بالأحداث بشكل مباشر. مو يعني شوفوا يا جماعة الله سبحانه وتعالى لما تأتي الآيات التي فيها ذكر العقوبات، بعض الناس عقولها مؤسسة أنها لا تفهم معنى العقوبة إلا إذا جاءت بشكل خارق، فهمتوا الفكرة؟ ولا تفهم معنى النصر الإلهي إلا إذا جاء بشكل خارق بدون أسباب، فيظنون أن هذا هو الدين. فإذا قرأوا التاريخ قراءة وجدوا أنها مرتبطة بأسباب معينة قالوا: إذا ليست هذه هي الآيات التي تحدث الله عنها. أو إذا رأوا الواقع فرأوا أنه مثلاً بعض الأوبئة أو بعض المصائب الكبرى حصلت بسبب أسباب معينة، عزلوا هذه الأحداث عن القدر أو عن الحكمة الإلهية لأنهم أبصروا بعض الأسباب المادية. نحن نقول يا جماعة الخير حتى الأحداث التي حصلت في التاريخ والتي ذكرها الله سبحانه وتعالى في القرآن هي ليست معزولة عن الأسباب المادية، يعني ترى قدر الله إذا جاء بعقوبة أو بنصر هو ليس معزولاً عن السبب المادي. ليس بالضرورة أن تكون العقوبة أو أن يكون النصر هي بمجرد ما حصل لقوم لغط من أنه جاءتهم عقوبة خاصة.
نعم هذه موجودة بالمناسبة، هذا النوع من العقوبات لم ينته، يعني هناك قول مشهور عند بعض العلماء أن هذا النوع من العقوبات انتهى في هذه الأمة، وهذا القول حقيقة فيه نظر، وإن قال به بعض كبار أهل العلم، هذا القول فيه نظر والمستندات لهذا القول حقيقة ليست محكمة، ليست محكمة. وعندنا في الأحاديث الصحيحة الثابتة في آخر الزمان من العلامات النبي صلى الله عليه وسلم ذكر خسفاً بالمشرق وخسفاً بالمغرب وخسفاً بجزيرة العرب، ثلاث خسوفات لم تأت بعد، ستأتي، ستشهدها الناس من عاش منا إذا كتب الله أن هذا من جملة المدرك لهذه البشرية التي تعيش الآن أو للجيل الذي بعده أو للجيل الذي بعدها أو لمن شاء الله سبحانه وتعالى، لكن هذا سيقع. هذا الآن نوع من العقوبات الإلهية التي هي خارقة للعادة. وقد يقال ما الدليل على أنها خارقة للعادة؟ لماذا قلت أنها عقوبة هذه الخسوفات؟ لماذا لا تكون مجرد حدث يحدث؟ نقول في أحاديث أخرى تبين نوعاً من هذه الخسوفات، ولعله هو الخسف المقصود بخسف بجزيرة العرب، اللي هو يغزو جيش الكعبة، حتى إذا كانوا بالبيداء بين مكة والمدينة خسف بأولهم وآخرهم، قالت يا رسول الله كيف يخسف بهم وفيهم من ليس منهم أو أسواقهم ومن ليس منهم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يهلكون مهلكاً واحداً ويصدرون مصادر شتى، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها يبعثون على نياتهم، وفي غير رواية في الحديث.
طيب إحنا نرجع للقضية أنه نعم هناك نوع من العقوبات هو شيء خارق للعادة، لكن هناك كثير من العقوبات والآيات والعبر هي ليست خارقة للعادة، هي أمور من جملة ما يفهمها الناس من الأسباب، لكن يأتي الوحي ليقول لك هذا الذي أنت تقرأه قراءة لا تربطها إلا بالأسباب المباشرة له تفسير أبعد من ذلك، له تفسير أبعد من ذلك، وهذا التفسير يجب أن تراه. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ، هذه البأساء مجاعات وقله ذات اليد وكذا لها أسباب أحياناً مادية، والضراء أوبئة وأمراض كذا، لعلهم يتضرعون. لعلهم يتضرعون، يعني هذه ترى أمور مقدرة بحكمة، لعلها تحدث في الناس اتعاظاً وادكاراً وتضرعاً، التضرع الذي هو الاستكانة والذلة لله سبحانه وتعالى، كما في سورة التوبة: أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ. خذوا كلمة يذكرون، تمام خلوها عندكم.
الآن قال الله سبحانه وتعالى في شأن فرعون وقومه الذين طغوا وبغوا وفعلوا وتجبروا وبعد أن أراهم الله الآية الكبرى على يدي موسى عليه السلام في يوم الحادثة يوم السحرة، قال الله سبحانه وتعالى بعد ذلك طبعاً لم يؤمنوا، وسبحان الله الحليم لم يعاجلهم الله سبحانه وتعالى مع أنهم كانوا يذبحون الأطفال ويفعلون ويفعلون، ثم جاءهم الحق وبين أمام يوم الزينة في يوم الزينة بين أمام الناس جميعهم فلم يؤمنوا، تظن أن الله سيعاجلهم بالعقوبة، لكن الله حلم عليهم، فقال: وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ. شوف، وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لعلهم ايش؟ لعلهم يتذكرون. لاحظ حظ نفس الشيء: أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ، وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ. طيب السنين ونقص من الثمرات هذه راجعة إلى ايش؟ أي كلمة البأساء، لعلهم يتذكرون. جيد، طيب ما آمنوا، فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَٰذِهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ ۗ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. سورة الأعراف.
طيب إيش بعدها؟ وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ. فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ. جيد.
الآن وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ. فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا. هذا معناه أن الله يحب من الأمم ومن الشعوب أن إذا أصيبت بمثل هذه المصائب أن تتضرع وتستكين وتذل لله سبحانه وتعالى. وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ، أنا قلت لكم قبل قليل قبل ما نكمل الآية صح، وقفت هنا ليش وقفت هنا عشان بأسألكم السؤال، أنه فلما نسوا ما ذكروا به، أنت الآن جاءت الآيات والبأساء والضراء ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون، فلما نسوا ما ذكروا به، أنت تنتظر إيش؟ العذاب، العجيب أن الآية بعكس ذلك: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ. عجيب، عكس ما تظن، عكس ما يظن الإنسان. فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ، إيش يعني؟ رخاء اقتصادي، تطور، حسن معيشة، صحة، أي يعني كل أنواع ما يمكن أن يفرح به الناس من حسن المعيشة الحياتية. فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا، وهذا الفرح بما أوتوا، ما مظهره؟ ما مظهره؟
طيب أول شيء أول شيء يا جماعة هذه أمور مهمة جداً، يعني في فهم التاريخ من جهة، في فهم الواقع من جهة، في فهم السنة الإلهية من جهة، في فهم الواجب الشرعي من جهة أخرى على الأمم والشعوب. إيش الفرح؟ حتى إذا فرحوا بما أوتوا، إيش يدخل في الفرح بما أوتوا؟ هذا الفرح المذموم أول شيء أدخل فيه إيش؟ أول شيء إيش يعني بس أقصد أقل منه، أول شيء بدايته، أول شيء في الفرح المذموم هذا بما أوتوا، أول شيء هو نسبة هذا الفتح الدنيوي إلى أنفسهم، إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي، هذه اللي هي سنة الطغاة وسنة المستكبرين وسنة المغترين والفرحين. لأنه شوف إحنا قلنا الفرح صح؟ طيب يلا نروح إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي. إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ * فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ۖ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ۖ وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.
إذاً حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا، فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء، حتى إذا فرحوا بما أوتوا، إيش الفرح هذا المذموم؟ أول باب من أبواب الفرح: نحن الذين فعلنا، نحن الذين فعلنا، ونسيان آيات الله سبحانه وتعالى، نسيان قدر الله، نسيان ما هيأه الله. ولذلك ينبغي علينا أن ندرك وأن نفهم ونستحضر دائماً، الآن مثلاً يا جماعة في سوريا الله سبحانه وتعالى فتح على هذا الشعب الذي أوذي وظلم واستضعف من الطغاة المجرمين ومن أعوانهم أذىً شديداً كبيراً عظيماً، فمنَّ الله على هذا الشعب بمنة عظمى وأنعم عليهم بنعمة كبرى بأن نصرهم على هذا الطاغية المجرم ومن معه، وخذل المجرمين وكف أيديهم عن المؤمنين. أول علامة من علامات الخير التي إذا رأيتها في هذا الشعب قلت أنه يسير بطريق صحيح، هو أن يتذكر دائماً أن هذه نعمة من الله عليه، وأن هذا نصر من الله، وأن هذا فتح منه سبحانه وتعالى، وألا يجحد هذه النعمة ولا يتبرأ أو يقطع الصلة بينه وبين هذه النعمة الإلهية التي قدرها الله سبحانه وتعالى. طيب هذا مثال الآن، يعني دائماً يجب أن تدرك القضايا بهذا البعد. إذاً حتى إذا فرحوا بما أوتوا، أول شيء من الفرح المذموم هو نسبة هذه الفتوحات وهذه التغييرات وهذه النعم إلى غير الله سبحانه وتعالى. ولذلك جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: قال الله تعالى: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، الحديث تعرفوه؟ فَأَمَّا مَن قَالَ رُزِقْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَمَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَنَوْءِ كَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ. هذه مع أنها بسيطة، يعني شيء قد يظنها البعض بسيط، لكن يا جماعة دائماً الأحداث التي تحصل في المجتمعات إيانا إيانا أن نقطع الصلة بينها وبين أقدار الله وعلمه وحكمته. هؤلاء خلق الله وتجري عليهم أقداره، وأنت تبحث في هذه الأقدار وراء حكمة الله سبحانه وتعالى، وأثناء بحثك لا يعني أن تهمل الأسباب التي جعلها الله مرتبطة ببعضها سبباً بين السبب والنتيجة.
طيب ما الذي يدخل في الفرح المذموم كذلك؟ أول شيء قلنا النسبة لغير الله، ثم بعد ذلك البطر، التكبر، العجب، الغرور، الكفر، الجحود، كلها هذه داخلة في الفرح المذموم. كلمة الفرح يا جماعة في القرآن وردت مراراً وفيها باب من أبواب التفقه، فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. وأيضاً بقي موضع من المواضع، في لا في المذموم قلناها التي في سورة القصص، لا في ها أحسنت: ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ. صح، إذاً ينتبه الإنسان لهذا المعنى، يتفكر فيه ويبحث عن دلالاته ويتأمل في سياق الآيات حتى يصل إلى المعنى المذموم لهذا الفرح الذي ذكره الله سبحانه وتعالى، فهو مرتبط بالسنن الإلهية وبالإهلاك وبالعذاب. إذاً حتى فلما نسوا ما ذكروا به، أنت تنتظر العقوبة؟ لا، ليست العقوبة ليست العقوبة، فلما نسوا ما ذكروا به، فتحنا عليهم أبواب كل شيء.
اذا ليس الفتح الاقتصادي ولا الرخاء ولا الأمان بالضرورة هي نعمة، ليست بالضرورة هي نعمة، قد تكون نعمة وقد تكون استدراجاً من الله وإمهالاً لك في سبيل الأخذ المفاجئ.
واضح؟ إيش الدليل؟ الدليل هذه الآيات: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ. فإذا هم مبلسون، هذا اللفظ مبلسون فيه معان من الحزن، يعني كأنه معنى فيه خليط من الحزن مع اليأس، فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
يعني هذه الآيات كأنها تصور عجلة مرتبطة بحركة الأمم والشعوب في ميزان السنن الإلهية، علاقتها بالتكذيب وعلاقتها بالآيات وأنها تنتهي بقطع دابر القوم الذين ظلموا، وأن هذا من مواضع الحمد لله سبحانه وتعالى الذي هو رب العالمين. فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
إذا هذه الآيات يعني بمجموعها فيها من العلم العظيم بالله سبحانه وتعالى وبقدره وبمشيئته؛ لأن هذه بدأت أول آية اليوم عندنا اللي هي وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ، شوف بالمشيئة الإلهية فيها هذه كلها آيات فيها علم بالله، بأقداره، بحكمته، بمشيئته، ثم تأتي الآيات الأخرى اللي فيها كل الآيات اللي ذكرناها اليوم إلى أن تختم بقوله سبحانه وتعالى فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
ختاماً، ما حركة الواقع اليوم بمعزل عن حركة التاريخ التي ذكر الله لنا شيئاً من حكمها وأسرارها، فلا ينبغي أن يقرأ الواقع اليوم قراءة بعيدة عن هذه القراءة، وينبغي عدم الاستسلام للقراءة المادية التي تفسر كل شيء تفسيراً مادياً. ونسأل الله سبحانه وتعالى العفو والعافية والمغفرة والسداد والهدى والرشاد، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد