الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضاه. الحمد لله ذي الجلال والكمال، الحمد لله الواحد الأحد، ونسأله سبحانه أن يغفر لنا ويرحمنا وأن يتم علينا نعمته. ربنا أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا ويسر الهدى لنا، وانصرنا على من بغى علينا. اللهم صل على محمد عبدك ورسولك.
أما بعد: نستعين بالله ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس مدارسة سورة الأنعام، نسأل الله سبحانه وتعالى التمام على خير، ونسأل الله أن يتمها لنا قبل شهر رمضان؛ لأنه احنا بدأناها بشهر رمضان الماضي، والآن بقي على رمضان شهران تقريبا، فنسأل الله التمام على خير.
كنا قد وقفنا في سورة الأنعام على قول الله سبحانه وتعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ.
هذه الآية تأتي بعد الآيات التي جاءت في قصة إبراهيم عليه السلام، وقلنا قصة إبراهيم عليه السلام جاءت متوافقة مع موضوع السورة، موضوع السورة مجادلة المشركين في إحقاق الحق وإبطال الباطل، ورد شبهات المشركين، ورد أنواع الشبهات التي أتى بها المشركون وبيان سبيلهم، وإثبات حقائق الحق ودلائل الحق؛ فجاءت قصة إبراهيم عليه السلام موافقة لهذا السياق الذي في السورة. بعد قصة إبراهيم مباشرة كان ذكر ذرية إبراهيم عليه السلام والأنبياء من ذرية نوح، في قول الله سبحانه وتعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ. هذه نهاية قصة إبراهيم عليه السلام، ثم بدأ ذكر الأنبياء: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ، وقلنا الهاء تعود إلى نوح عليه السلام. وذكر الأنبياء هنا، بعد ذكر الأنبياء جاء قوله سبحانه وتعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ، وقبل قليل ذكر الأنبياء الذين أنزل الله عليهم الوحي، فهنا: إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ.
ثم بعد ذلك والاحتجاج عليهم بإثبات النبوة وأن الله أنزل الكتاب الذي جاء به موسى، وكذا، الآن جاء عكس ذلك؛ عكس ذلك يعني الرد على شبهة أخرى معاكسة: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ. هم الآن سابقا قالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء، ثم الآن أتوا بشيء آخر وهو أنه صاروا يأتون بشيء فيه مضاهاة؛ يعني قبل قليل قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء، والآن قالوا: سأُنزل مثل ما أنزل الله، معناه أنه فيه اعتراف، وأيضا أوحي إلي يقولون: أوحي إلي ولم يوحَ إليه شيء، وهذا بحد ذاته دليل على التناقض الذي لدى أهل الباطل ولدى المشركين. وقضية التناقض يا جماعة الخير هي قضية تعد من الظلم، وهذا تنبيه مهم؛ لا أدري حقيقة نبهت عليه سابقا أو لا، لكن أرى أن من تمام العدل عدم التناقض، وأن من الظلم الوقوع في التناقض؛ لأنه كما تعلمون الظلم ليس منحصرا في الاعتداء على الآخرين، وإذا كان الشرك قد سماه الله ظلما عظيما وليس فيه اعتداء على البشر، وإنما هو فيه تجاوز في حق الله سبحانه وتعالى وعدم تحقيق الميزان، فكذلك التناقض، يعني أن لا يسير الإنسان على ميزان واحد في الاستدلال، وعلى ميزان واحد في اعتبار الحق، وإنما يستعمل الميزان إذا أراد على شيء ثم يستعمل عكس نفسه إذا أراد على شيء آخر، وهذا ظلم وتناقض.
طيب، الآن من الجمل المهمة في قضية التفسير، يعني من القواعد المهمة في قضية التفسير: إدراك السياق. اليس كذلك؟ هذه الآية يعني لما وقفت على كلام المفسرين فيها ذكروا شيئا من أسباب النزول، لكن قل منهم من ربطها بسياق السورة، إلى أن وجدت ابن عاشور -رحمه الله- ربطها ربطا جميلا بسياق السورة. طبعا هذه السورة يا جماعة من السور المترابطة المعنى، وكل سور القرآن كذلك، لكن في بعض السور يظهر بينها ترابط شديد، وبعض السور تكون تحمل موضوعات متعددة وبينها رابط، لكن هذه السورة الروابط بينها شديدة، ولذلك روي كما تعلمون أنها نزلت جملة واحدة.
أتتذكرون في الدروس الماضية لما قلنا من أهم الأسباب في تفسير الظلم بالشرك هو السياق؟ طبعا بعد أن عرفنا ذلك من الحديث لما النبي صلى الله عليه وسلم فسر أن الشرك لظلم، فسر قول الله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ، لما قال الصحابة: أينا لم يظلم نفسه؟ قال: ذلك الشرك. نحن التقطنا هذا المفتاح الآن من الحديث ثم رجعنا إلى السياق، وجدنا أن كل السياق يتحدث عن الشرك، وبالتالي الظلم هنا هو الشرك. ولما قرأنا، تتذكرون أيضا قلنا: السياق سياق سورة الأنعام يرجح أن حوار إبراهيم عليه السلام مع قومه كان مناظرة وليس نظرا، هذا كله في أهمية السياق. إذا مهم السياق، حسنا هذه الآية التي سنبدأ بها المجلس: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ، هذه الآية مهمة جدا في قضية السياق، يعني مهم أن ندرك سياقها، إيش السياق يا جماعة الخير؟ في أحد تامل شيئا في السياق؟ العجيب أنه هي متصلة أكثر ما هي متصلة خاصة إذا أخذنا بكلام ابن عاشور -رحمه الله- بما بعدها وليس بما قبلها، وإن كانت متصلة بما قبلها. الآن سنستقبل الآيات التي فيها افتراء المشركين على الله، صح ولا لا؟ الآيات التي فيها جهل العرب قوانينهم في الميتة، قوانينهم في الأكل، قوانينهم في تحريم بعض الأنعام، وهذه القوانين التي سنوها نسبوها إلى الله، فناسب أن تستقبل بقوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ.
واضح الفكرة، لأنه الآن بعدها ستأتينا آيات، مثلا في قول الله سبحانه وتعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَٰذَا لِشُرَكَائِنَا. ثم بعد ذلك: وَقَالُوا هَٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَّا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ. إذا هم يفترون على الله في التحليل والتحريم، ولذلك لما احتج الله عليهم في هذه الآيات القادمة قال: قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَٰذَا، إيش تكملتها؟ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِّيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ. إذا جاء في هذه السورة نفس المعنى الذي في هذه الآية، الآن هذه الآية: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا، إذا وصفه بأنه أظلم الناس لأنه افترى على الله كذبا، ستأتينا بعد آيات بعد صفحات ذكر صورة من صور هذا الافتراء مع نفس الجملة: قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَٰذَا فَمَنْ أَظْلَمُ، نفس الشيء: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِّيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
إذا هذه الآية يعني لها سياق في السورة ولها تكرار، ومما يستفاد منها -يعني هذا أول شيء- الفائدة الأولى في قضية السياق جيد، ولا شك أن هذا يعني استحضار هذا الترابط يعين على التدبر، أليس كذلك؟ يعني أن تدخل إلى تلك الآيات تحت عنوان وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فهذا يعين على التدبر بشكل كبير، هذه إذا فائدة.
الفائدة الثانية هي في توسيع مفهوم الظلم وبيان ما يدخل فيه. هل تتذكرون في دروس رياض الصالحين أنوار السنة المحمدية لما تكلمنا عن مركزية العدل ومركزية محاربة الظلم في الإسلام، قلنا الخطاب الشرعي في محاربة الظلم على خمس مستويات، تذكرون؟ مين يتذكر إيش قلنا؟ المستوى الأول في بيان تحريم الظلم والأمر بالعدل، الثاني في بيان مركزيته والتغليظ في كذا، الثالث توسيع مفهوم ما يدخل في العدل وما يدخل في الظلم، الرابع فرض التشريعات المعينة على تحقيق العدل والمانعة للظلم، الخامس فرض الأوامر أو التشريعات التي تعين على التخلص من الظلم بعد الوقوع فيه، خمس خطوات.
الخطوة الثالثة هذه التي ذكرناها في أنوار السنة المحمدية يعني نحتاجها الآن في هذه الآية، توسيع مفهوم العدل والظلم وما الذي يدخل فيه. أنت لما تقول لإنسان يا ظالم، الصورة التي نعرفها وهي معهودة اليوم من الظلم ما هي؟ أن يتجاوز إنسان في حق إنسان، إما بالاعتداء عليه بالضرب أو الشتم ونحو ذلك، وإما بالأخذ من حقه وما إلى ذلك، أليس كذلك؟ منعه حقه. أما القرآن الكريم فيبين لنا أن مفهوم الظلم واسع، يدخل فيه كل وضع لشيء في غير موضعه مما فيه يعني تجاوز للموضع الذي ينبغي أن يضع الإنسان فيه نفسه، وللحق الذي ينبغي أن يضعه فيه، فإذا تجاوزه أو وضعه في غير موضعه وتجاوز في حق الله سبحانه وتعالى فهذا ظلم، بل القرآن يصفه بأظلم الظلم، ويرتب عليه العقاب والعذاب، كما رتب العقاب والعذاب على الظلم الذي فيه اعتداء على الآخرين، وهذا التصحيح لهذا المفهوم من المهم أن يؤكد في هذا الزمن.
لابد من تصحيح المفهوم، لاحظوا لم يكتف بوصف هذا الفعل الذي هو الافتراء على الله بأنه ظلم، وإنما قيل فيه: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ؛ ثلاث صور في أظلم الظلم. هذه الصور كانت موجودة عند المشركين الذين نزل القرآن في زمنهم، لأن المشركين، لأن العرب، القبائل العربية التي كانت في الجزيرة العربية، ترى لم يكن عندها هذا الشرك الذي بعث النبي صلى الله عليه وسلم وهو موجود في زمانه، لم يكن عندها هذا، أو حتى لو كان فليس بهذا الانتشار وبهذا التشريع القانوني المنظم المفصل، ولذلك رأى النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن لحي -وهو أحد العرب القدماء- يجر أمعاءه في النار، قال: وهو أول من سيب السوائب. وأيضا يروى ويذكر أنه هو أو هو من أتى بالأصنام من بلاد الشام أو نحو ذلك للعرب في الجزيرة العربية.
إذا هناك تاريخ معين، وهناك هذا الشرك وهذا الظلم الذي حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم كان حول البيت 360 من الأنصاب والأصنام. هذه القوانين التفصيلية البعض يظن أنه هو مجرد عبادة أصنام، لا هي ترى قوانين تفصيلية. هذه القوانين تشمل مختلف أمور الحياة، ولذلك أهم سورة في القرآن فصلت هذه القوانين التي كان عليها المشركون وهدمتها قانونا قانونا هي سورة الأنعام. سورة الأنعام، وبالمناسبة لم نصل إلى الآن، لم نصل إلى الآيات التي فيها تسمية هذه القوانين المفصلة وهدم هذه القوانين، مع أنه قد يقال إنه نحن انتهينا، وليس أنه لم نصل، وإنما انتهينا، لأنه نحن الآن في الدرس الثالث عشر في مدارسة سورة الأنعام، وما يوجد درس تقريبا من هذه الدروس إلا ووقفنا مع إشكالات من إشكالات المشركين ونرد عليها، ونحن المفروض انتهينا يعني، لا أنا أقول: هذه القوانين المفصلة لجاهلية العرب لم تأت بعد، يعني لا أقول لم تأت أبدا، وإنما ذكر قد يكون ذكر -لا شك- ذكر شيء من شركهم وكذا، لكن هذه القوانين المفصلة للجاهلية سيأتي ذكرها.
طيب، هذه القوانين التي سيأتي ذكرها في هذه السورة، وهذا الجهل وهذا الظلم وهذا الطغيان وهذا الشرك وهذا التلبيس، هذا شيء منه كانوا ينسبونه إلى الله سبحانه وتعالى، يعني هم كما في سورة الزمر: مَّا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ، وعندهم قوانين وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله، أو افتراء عليه، وقبل قليل: وَقَالُوا هَٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَّا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ. طيب، إذا هي قوانين ينسبونها لله سبحانه وتعالى ويفترون عليه الكذب، ولذلك هم يتهمون النبي صلى الله عليه وسلم اتهامات، يعني أنهم يوم بدر لما دعوا، قالوا: اللهم أقطعنا للرحم وكذا وكذا، فاحنه الغداة، فهذا يعني ثقة مفرطة في.
طيب، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ، هذه الآن الصور في الافتراء والكذب لا تنحصر في واقع المشركين الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فكثير من أهل الباطل على مر الأزمان ينسبون باطلهم إلى الله ويفترون عليه الكذب. وجد في بعض الأزمنة حتى في من قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء، وجد في بعض الأزمنة في التاريخ الإسلامي من اخترع قوانين وتشريعات ونسبها إلى حالة قلبية، حدثني قلبي، حدثت، قيل لي، قيل لي في المنام، قيل لي في اليقظة، قيل لي في الأحوال، قيل لي في كذا، وقيل.
إذًا من المهم أن نأخذ الفائدة خلاصة الكلام. يعني إذا عدنا إلى بداية الجملة، بداية هذا هذه القطعة من الجمل هو أن هذه الآية تفيدنا في توسيع مفهوم ما يدخل في الظلم، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ، مع أن هذه ليست في الاعتداء على حق الغير المباشر من الناس، ولكنها من أظلم الظلم.
من أظلم الظلم. وبالتالي حين نكون في زمن شعارات حقوق الإنسان، ونكون في زمن شعارات الرحمة والرفق والرقة، أي وعدم الظلم، شعارات طبعًا ليست حقائق، فنحن نقول من المهم أن نرفع شعارات ذات حقائق، تقول إن الظلم ليس في مجرد الاعتداء على الإنسان، وإنما أظلم الظلم هو الاعتداء على حق الله سبحانه وتعالى، والقيام بما يكره سبحانه وتعالى، وخاصة في أن يفترى عليه ما لم يأذن به، ما لم يقله، ما لم ينزل به سلطانًا، وأن يشرك به سبحانه وبحمده.
طيب، حصل هذا الذي ذكر في الآية بصورة يعني صارخة وقت مسيلمة الكذاب، لما أراد أن يضاهي ما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم، ولذلك ذكر بعض المفسرين في هذه الآية أنها نزلت في مسيلمة وكذا، وهي طبعًا لم تنزل، يعني ليس وقت نزولها نزلت في شأن مسيلمة. وكما تعلمون علماء التفسير لما يقولون نزلت في كذا ليس بالضرورة أنه المقصود يعني نزلت حين نزلت، وإنما هي تنزل على كذا في معناها وفي دلالتها مما يدخل فيها. نعم، وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ. الحين وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ، من هم الظالمون؟ هؤلاء الذين افتروا على الله كذباً وقالوا وقالوا، واسم عام، وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ.
وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ، غمرات الموت هذه الغمرة هي يعني مثل الإنسان الذي مثلاً يغمره الماء إذا غرق، أو يأتي الوادي من السيل فيغمر المكان بالماء، واستعيرت بعد ذلك للشدة؛ لأن الذي يغمر بالماء يكون إيش؟ يعني يشتد عليه الحال. وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ يعني هذه الأحوال التي تتغشى الإنسان عند الموت وتغمره وهي شدائد.
وكما تعلمون هنا الآية ليس فيها جواب مباشر، صح؟ يعني وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ. إيش اللي يأتي في البال الآن؟ إيش لرايت أمرًا عظيمًا وفعلاً هائلاً وشيئًا وخطرًا عظيمًا، ليس كذلك؟ يعني هذا أسلوب تعظيم، وأحيانًا يكون حذف الجواب أبلغ في التعظيم، كما يقال مثلاً يذكرون مثلاً: لو رأيت عليًا بين الصفين أو رأيت حمزة بين الصفين، وتسكت، إيش معناه؟ أو إيش الجواب؟ لرأيت أسدًا هصورًا شجاعًا قويًا مقدامًا لا يخاف، إلى آخره.
وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ في تلك اللحظات في تلك الغمرات. والملائكة حضور الملائكة عند الموت بطبيعة الحال لأنهم رسل الله الذين يقبضون الأرواح، حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ. إذًا رسل من الملائكة من وظيفتهم قبض الأرواح، والقضية ليست في مجرد قبض الأرواح، بل هؤلاء الرسل قد يعذبون عند الموت من يستحق العذاب، لأن قوله سبحانه وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ، قال المفسرون: أي بالضرب والعذاب. وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ، قد بسطوا أيديهم يضربون ويعذبون أولئك الظالمين الذين غمرتهم أو غمروا بالموت وشدائده وسكراته، ويقولون في هذا الوقت الذين يكونون فيه باسط أيديهم: أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ. والهون هنا من الهوان.
بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ. عن ماذا نتحدث وأين نقف؟ هل نقف عند غمرات الموت؟ فإن للموت غمرات وهناك أحوال، وهذه الأحوال يبدأ الإنسان يخرج فيها من الحالة العادية، حالة الحياة الدنيا إلى الحياة الأخرى. النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه قال: طبعًا إحنا نقول الغمرات هذه وما يتعلق بها هي الموت له أحوال تشمل الجميع، الصالحين وغير الصالحين. لكن شدائد الموت الذي فيها التعذيب فهي بلا شك لغير الصالحين، لكن الكل عند الموت سيمر بأحوال، هذه الأحوال مختلفة، ولذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات، لما حضر صلى الله عليه وسلم.
أما أولئك الكافرون والفاسقون والفاجرون، فنسأل الله العافية، تبدأ أحوال الشدة والضرب والتعذيب من قبل خروج الروح وانفصاله الانفصال التام، بدليل الحديث الصحيح الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه. قالت عائشة: كلنا نكره الموت يا رسول الله. قال: ليس ذاك، ولكن المؤمن إذا حضر بشر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، وإن الكافر أو الفاجر إذا حضر بُشر بعذاب الله وسخطه، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، كره لقاء الله فكره الله لقاءه. إذًا واحدة من الأمور التي تحدث في تلك الأحوال أن الإنسان سيحضر من الملائكة، وسيُخبر، إما أن يُبشر وإما أن يُهدد بما ينتظره بعد قليل.
تلك الأحوال إذا بُشر الإنسان، شوف، كان عريس تو متزوج ولا صاحب تجارة تو جاءت له فيها صفقة ولا أموال، كان للتو قد وضع في منصب، كان أيًا كان، إذا جاءته هذه البشرى ليس شيء أحب إليه مما أمامه، ما يبغى يرجع، يعني تقول له ما في شيء يحببه في أن يرجع، هناك في تلك اللحظة، أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، ونسأل الله العافية، الكافر يبشر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، كره لقاء الله فكره الله لقاءه، إذًا الموت فيه أحوال كثيرة وصعبة، نسأل الله العفو والعافية.
وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ. أين عساكرك؟ أين جنودك؟ أين أتباعك؟ أخرجوا أنفسكم، ما يستطيعون. يا جماعة الخير، ترى الموت والله فيه عبرة عجيبة. سؤال، كم ملك مر على هذه الدنيا؟ كم سلطان مر على هذه الدنيا؟ يا جماعة إحنا ما نتكلم عن كوكب آخر، إحنا نتكلم عن الأرض التي نعيش عليها. كم سلطان وملك وصاحب جند وحاشية وخدم مر على هذه الدنيا؟ من الذي بقي؟ من الذي استطاع أن يخرج نفسه من الموت؟ مر عليكم واحد عمره 9000 سنة؟ 3000 سنة؟ طيب 730 سنة؟ طيب لحق احتلال نابليون لمصر ولا قبل 200 سنة؟ ما في، إمبراطور، أمير، ملك، أي سلطان، صاحب قارون أموال، ما في، ما في أحد يستطيع أن يخرج من قهر الموت، غصبًا عن الجميع. ممن عنده استكبار أو كذا ستموت، وهذا من أعظم الأدلة على ضعف الإنسان وعظمة الله وقوته. من وين أنت أيها الإنسان؟ وين رايح؟
العجيب أن ابن آدم كم تتوقعون نسبة البشر اللي يتعاملون في الحياة اليومية باستحضار أنهم سيموتون؟ طبعًا تعرفون ما في ملحد حتى يقول إني ما راح أموت، صح؟ من حيث الموت، بس إحنا نتكلم عن الإيمان الآن، عن الجزاء وكذا، بس حتى الآن يعني بس الموت، ما في أحد يستحضر أنه يشتغل ويسوي كل شيء، وممكن حتى لو كان يعني يعرف أنه حياته تنتهي بالموت من الملحدين وكذا، ممكن يتعامل مع اللي حوله كله بمبدأ بس هو أنه بيجمع كل شيء. طب أنت رايح، طيب بالنسبة للإيمان، بالنسبة للحق، بالدلائل، في عذاب، في نعيم، أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ، ما في، من الذي بقي؟ ما في، الله هو الباقي.
إحنا يا جماعة لما نتكلم في الحياة، إحنا نؤمن بالله وملائكته واليوم الآخر، وما في الجنة من نعيم، وما في النار من عذاب، نسأل الله أن يقينا عذابه. إحنا يا جماعة لازم نتكلم بحقيقة، يعني لازم دائمًا نستحضر بحقيقة أننا سنغادر، أننا سنغادر، يعني ما في أحد اليوم، لا أنا ولا أنتم ممن ننظر إلى بعضنا الآن، لن يبقى أحد، لن يخلد أحد، كلنا سيأتي يوم سنغادر هذه الحياة الدنيا. فهذه حقيقة يعني يذكرنا بها القرآن، وتذكرنا هذه وفي نفس الوقت نحن لسنا، ليس المطلوب منا أن نعتزل الدنيا، لكن نسير فيها بالتكليف الشرعي.
أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ. إذًا سبب العقوبة، ترى ما يحتاج أنك تكون ظلمت أحد من الناس حتى يعاقب الإنسان، نعم هذا سبب من أسباب العذاب، سبب عظيم، لكن يبرز سبب آخر من الأسباب، سبب كبير: بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ، هذا من أعظم أسباب العذاب، وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ. وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ. يا جماعة في يعني إيش في مشهد كبير يوم القيامة، وأنا أظن إحنا لو عملنا سلسلة عن مشاهد يوم القيامة ما راح ننتهي، يعني نأخذ كمية حلقة، في مشهد كبير في يوم القيامة كذا يبغى له محاضرة كاملة، اسمه مشهد الدهشة والمفاجأة. ما هي المفاجآت التي سيكتشفها الناس يوم القيامة مما قيل لهم؟ يعني هو بس اللي ما كان مصدق كيف يتفاجأ؟
إيش هنا في الآية؟ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ ۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ. وفي سورة الزمر: وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ. فبعيدًا طبعًا ترى هذا بالمناسبة يعني الآيات فيه مثلاً: وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا. وهذا بالمناسبة ترى هذا الوجود يعني أو هذا الوجد أو هذا الإدراك، ليس فقط في النار وليس حتى يوم القيامة، وإنما من البداية، يعني من وقت الموت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذه الجملة للمشركين يوم بدر يوم أن قذفوا في القليب صرعى، فقال لهم كما في البخاري: هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله ما تخاطب من أجساد لا أرواح فيها؟ قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، إذًا وجدوا من ذاك الوقت، من وقت ما وضعوا في القليب، في مفاجأة، مفاجآت تحصل، هؤلاء كانوا يراهنون على صحة قولهم مع شك وريب يوم القيامة.
وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ، زعمتم أنهم شركاء وأنهم سيشفعون، ومن السخرية بهم قيل لهم: وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ، هم ليسوا شفعاء، لكن أين هم شفعاؤكم؟ ما نراهم، ما بعثوا معكم، بعثتم وحدكم، جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ، حتى اللي كان معكم في الدنيا من تركات هي أصلًا مما أعطاكم الله، تركتم ما خولناكم وراء ظهوركم، لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ.
فهذا مشهد من المشاهد، وفي سياق السورة كلها بما هو سياق السورة إحقاق الحق وإبطال الباطل، إبطال الباطل، إذًا من أهم ما يدخل في سياق إحقاق الحق وإبطال الباطل، ذكر الوعيد، يعني في الجدال. يا جماعة ترى البعض لما يناقش أصحاب الباطل يظن أنه هو بس منطق، يعني منطق عقلي، يعني أقصد أنه مقدمة ونتيجة واستدلال وحجج عقلية وحجج، ترى بالمناسبة الكائن البشري المستكبر عنده قدرة كبيرة على التجرد من قلبه ومن روحه ومن نفسه والدوران في فلك العقل والمناقشة الجدلية، لكن إذا رميت قلبه ببعض الأسهم الوعظية التي تزلزل القلوب، قد يستيقظ، قد يستيقظ، وأحيانًا ترى بعض الناس الذي يكابر في الجدال العقلي العميق، أحيانًا موعظة واحدة تزلزل كل كيانه وتعيده وبدون ما ترجع له في نفس الحجج أصلًا، لأنه هو كان مولعًا بالجدل والنقاش: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ، مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ. فأحيانًا تهز كيان الإنسان بالموعظة، هذه الآيات فيها هز هذا الكيان. ترى بالمناسبة هؤلاء المشركون المكذبون كانوا يسمعون هذه الآيات يعني فيها تهديد، فربما خاف بعضهم، كما قال جبير وكان حينها مشركًا لما سمعت قول النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ، قال: كاد قلبي أن يطير.
فالله المستعان. طيب بارك الله فيكم أجمعين، نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد، نسأل الله سبحانه وتعالى المغفرة والرحمة، نكتفي بهذا القدر هاتين بهاتين الآيتين، وإن شاء الله اللقاء القادم نبدأ من قوله سبحانه وتعالى: إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ، كما تتذكرون في.
سورة الأنعام يعني هذه الآيتين كذلك تشعر أنها نهاية لجزء لمسيرة في الحجة والاحتجاج؛ حتى تظن أنها نهاية السورة، ثم تفاجأ أيضاً بصفحة جديدة من الاستدلال.
ومن ثم سننتقل إن شاء الله في اللقاء القادم إلى قوله سبحانه وتعالى: إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ. استدلال بالمخلوقات وبتسخير الله للكائنات، فنسأل الله العفو والعافية، نسأل الله أن يفقهنا في الدين، ونستغفر الله من ذنوبنا ونتوب إليه، اللهم يا ربنا صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك.
الشيخ أحمد السيد