تسجيل الدخول

مدارسة سورة الأنعام 09

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم يا ربنا صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك يا ربنا على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أما بعد، نستعين بالله ونستفتح مجلساً جديداً من مجالس مدارسة سورة الأنعام، وهذا هو المجلس التاسع، سائلين الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد والعون والهداية. وهذا المجلس يبتدئ من قول الله سبحانه وتعالى: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ. وقرأت: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ، وقرأت بدل ولتستبين: وليستبين، وكلها قراءات صحيحة: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ، وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ.

وهذه الآية سبحان الله هي جزء من السورة، جزء من معنى السورة، أو من أهم معاني السورة الذي فيه الفصل بين الحق والباطل، وبيان سبيل المجرمين ومعالم سبيل المجرمين، وبيان أقوال المجرمين، وبيان شبهات المشركين، وبيان كيفية الرد عليهم، والتفصيل الدقيق في تناول مقولات المشركين وإبطالها، ولذلك ناسب أن تكون هذه الآية في هذه السورة، يعني هذه الآية آية في هذه السورة تأتي في موضع في غاية الاتساق مع معنى السورة.

وكما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: من سره أن يعلم جهل العرب فليقرأ ما بعد المائتين من سورة الأنعام، بمعنى أن هذه السورة تقص جهل العرب وإشكالاتهم وشبهاتهم، هذا فقط في آخرها الذي قصده ابن عباس، وإلا فمن بدايتها هناك تعداد وترداد لمقولاتهم وإبطالها، وهذا التبيين لمعالمهم ولجهلهم ولمقولاتهم وإبطالها وردها، هذا كله من بيان سبيل المجرمين. يعني لو قال قائل: كيف يكون بيان سبيل المجرمين؟ كيف يكون بيان سبيل المجرمين؟ يكون بيان سبيل المجرمين بأمرين، يكون بيان سبيل المجرمين بأمرين: الأمر الأول هو فيما يتعلق بإشكالاتهم هم ومعالم طريقهم هم ومقولاتهم الباطلة هم، والأمر الثاني هو في بيان الحق المقابل والرد على هذا الباطل؛ فلا يستبين بيان سبيل، أو فلا يستبين سبيل المجرمين تمام الاستبانة إلا ببيان ما يضاده. فدائماً سبيل المجرمين يبين بالأمرين: ببيان باطلهم وإشكالاتهم، وببيان الحق الذي يضاد هذا الباطل وهذه الإشكالات.

وهذا هو المنهج في سورة الأنعام، سورة الأنعام لمن يتأملها يجد أن هذا المنهج فيها واضحاً، ولذلك كما مر معنا هي أكثر سورة فيها قل، هذا هو الرد، الرد والإبطال ثم الرد. يا جماعة الخير وهذا أمر مهم جداً جداً، ويعني حبذا التنبه، وهو من مركزيات المعاني في هذا السياق، هو أن الرد على سبيل المجرمين أو على مقولات المشركين لا يكون بمجرد الرد المباشر، وهذا منهج مستفاد من سورة الأنعام، بمعنى أن سورة الأنعام وإن كان فيها الردود المباشرة على مقولات المشركين، إلا أن فيها الردود غير المباشرة، يعني التي ليست رد كلمة أو جملة بجملة، وإنما الردود التي فيها الدلائل الكثيرة على صحة الحق والدلائل الكثيرة على صحة الباطل، وإن لم يكن فيها قول معين يبطل.

واضح ولا لا؟ إذاً الآن صار عندنا كمنهج تفصيلي في بيان سبيل المجرمين، عندنا الآن معلمان: المعلم الأول أن بيان سبيل المجرمين على قسمين: بيان باطلهم وإشكالاتهم وكذا، وبيان الحق المقابل لهم، هذا الآن المعلم الأول، صح؟ المعلم الثاني هو أن إبطال مقولات المجرمين وإشكالاتهم لا يكون بمجرد الرد المباشر عليها، وإنما بالرد المباشر عليها تارة، وبالرد غير المباشر الذي تحشد فيه الدلائل المختلفة تارات أخرى.

ومرة أخرى يا جماعة الخير هذا منهج سورة الأنعام تدبروه. مرة أخرى كذلك في السلسلة وفي غيره من السلاسل دائماً نشيد بالإمام الطبري رحمه الله في منهجه في التفسير، وكذلك أنبه -كما نبهت سابقاً- إلى أن كثيراً ممن جاء بعد الإمام الطبري واستفاد من الإمام الطبري رحمه الله، لم يستفيدوا منه هذه المنهجية، وإنما أخذوا منه أفراد مقولاته؛ فهم يحرصون على نقل قول الطبري رحمه الله وإن كان قد يفوتهم كثير من معالم منهجه، أو كثير من تطبيقات منهجه الكلية التي هي مثل إيش؟ الآن الطبري مستحضر السورة كاملة لما يأتي للآية المعينة، واضح أنه يستحضر سورة الأنعام كاملة، وهذا المنهج حقيقة نادر في التفسير، بمعنى أن الآية المعينة يفسرها باستحضار كامل السورة، حتى بالألفاظ، يأتي بالألفاظ المتعلقة بكلام السورة. ذكرنا في سورة الأنعام مراراً إلى نهاية السورة والطبري يقول: قل يا محمد لهؤلاء العادلين بربهم آلهتهم، أخذاً من أول آية: أَوَّلُ آيَةٍ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، أخذ بربهم يعدلون، وطبقها على كل السورة.

يعني خلينا نقول هذا بالنسبة لي في تطبيقه في سورة الأنعام نموذج معياري لمنهج الطبري، وعلى كثرة ما قرأ الإنسان من مواضع كثيرة في مختلف التفاسير، إلا أنني لم أجد، حتى البقاعي الذي هو مهتم بالمناسبة بين الآيات وبالمناسبة، البقاعي ترى حتى يهتم بالتناسب، تناسب الكلمات داخل الآية، يعني البقاعي إمام في التناسب، أقول البقاعي مع أنه فعل ذلك إلا أنه لم يعتنِ عناية الطبري رحمه الله بموقع الآية من السورة كلية أو كلها، واضح ولا غير واضح؟ يعني البقاعي يهتم بعلاقة الآية بما قبلها، وكما يفعل ذلك يفعل في الآية الواحدة، فمثلاً الآية تكون من جملتين، بعد ما ينتهي من الجملة الأولى كأنه يربط بين آيتين، يقول: ولما قال الله ذلك يقصد في نفس الآية، وكان في ذلك كذلك وكان قال الله سبحانه وتعالى كذا، ويأتي بالتتمة، أما الطبري فمنهجه برأيي أحكم من ذلك، وهو أنه يتناول موضع الآية في السورة كاملة.

طيب لماذا أنا ذكرت هذا الكلام؟ من يقول لي لماذا ذكرت هذا الكلام ربطاً بما سبقه؟ "وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين" الآيات السابقة كلها نقصدها، جيد أنه "كذلك نفصل الآيات" كل الآيات، جيد لكن ليس هذا الذي قصدت. أحسنت يا يحيى، لكن أنا الذي قصدت أنه الطبري رحمه الله، ليش أقول لك هذا الكلام؟ لأنه نرجع للفائدة التي ذكرتها أن هناك معلمين في قضية الرد على سبيل المجرمين، أول شيء ايش قلنا رد مباشر وغير مباشر، الثاني بيان باطل وبيان الحق، لا أول شيء بيان الحق وبيان الباطل، الثاني رد مباشر وغير مباشر. أيوه، الرد رد مباشر وغير مباشر. أنا ذكرت كل هذا الكلام عشان أقول لكم أن الإمام الطبري على طول السورة كان يعتني بالرد غير المباشر، هذا السبب الذي ذكرته الطبري، فهمت ولا لا؟ واضح.

يعني مثلاً الآيات التي في السورة التي ليس فيها "قل"، يعني ما فيها الرد المباشر وإنما فيها تقريرات عامة، الطبري يأتي بها، ينزلها من العام إلى الخاص. مثلاً سياتينا بعد قليل، إحنا ايش الآية اللي فيها؟ بالله ركزوا، أنتم الحين مستوعبين الكلام صح؟ مستوعبين السياق؟ سورة الأنعام: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ. قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، قُل لَّا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ. قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ. هذا الآن كلها ايش تعتبر مباشرة. مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ. قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ. وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ. وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ.

خلينا حتى تتم الفائدة، أقرأ عليكم نص الطبري، الآن لما قال سبحانه وتعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ. يعني ايش علاقة هذا بكل السياق الذي في السورة؟ ممكن الإنسان يأخذها وحدها، أليس كذلك؟ ممكن الإنسان يأخذها وحدها، شوف أسمعوا ماذا قال حتى تفهموا بالضبط فكرة المعلم الثاني الذي هو الرد المباشر والرد غير المباشر، واستحضار الطبري رحمه الله لهذا في كل السورة، الآن الردود المباشرة مرت معنا، الآن: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ. وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً. صح؟ أسمعوا ماذا يقول: وهذا الكلام وإن كان خبراً من الله تعالى ذكره عن قدرته وعلمه فإن فيه احتجاجاً على المشركين به الذين كانوا ينكرون قدرته على إحيائهم بعد مماتهم وبعثهم بعد فنائهم، فقال تعالى ذكره محتجاً عليهم: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم. واضح ولا مو واضح؟ واضح. خلاص اكتملت الفائدة واضحة تماماً، ما تحتاج تأكيد أكثر، هي مهمة جداً، وهذا يعني لما نقول إمام المفسرين، هذا إمام المفسرين رحمه الله تعالى من بعد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبعض كبار التابعين رحمهم الله تعالى، فهذا منهج يعني محكم ومهم جداً. وكما قلت، أنا الذي أتعجب منه أن الطبري -وإن سار عليه في سائر تفسيره في الجملة- إلا أنه يكاد يكون كالناذر أن من بعد الطبري -على أن الطبري متقدم جداً- على أن من بعد الطبري ولا أظن أن أحداً بعد الطبري فسر القرآن لم يرجع إلى الطبري، جيد طبيعي يعني كتاب الطبري خلاص هو كتاب إمام التفسير، فأنا أقول ومع ذلك بعد كل هذه المسيرة لم أرَ أحداً سار على طريقة الطبري في هذه المنهجية، وهذا الحقيقة أنا بالنسبة لي من الأمور العجيبة والغريبة.

طيب إذاً: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ، ولتستبين سبيل المجرمين كما قلنا في القراءة الأخرى، كيف يستبين سبيل المجرمين؟ قلنا ببيان الحق من جهة، وبيان الباطل من جهة. ومن جهة أخرى أن الرد عليهم أو بيان باطلهم هذا له جهتان: الجهة المباشرة في إبطال المقولة المعينة، والجهة غير المباشرة في التحشيد المختلف لدلائل الحق، والتحشيد المختلف لدلائل الباطل، وإن لم يكن على أفراد المقولات. وهذا مهم جداً جداً، ويمكن أن يطبق على كل سبل المجرمين في كل زمان، فإذا انتصبت لإبطال أو لبيان سبيل المجرمين في زمن من الأزمان، فاسلك هذه المنهجية في بيان سبيله. وهناك فائدة أخرى من هذه الآية، وهي أن من مقاصد القرآن بيان سبيل المجرمين، وأن من موضوعات القرآن بيان سبيل المجرمين، صح ولا لا؟ ولما نقول من موضوعات القرآن، يقودنا إلى القضية التي ربما الإنسان يكررها في أكثر من موضع، وهي أنه لا صلاح لأحوال الدعاة وطلبة العلم والمتربين والمنشئين في السياقات الإسلامية، ما لم ينشؤوا على شمولية موضوعات القرآن، ما لم ينشؤوا على شمولية موضوعات القرآن، ولا يكتفوا بموضوع دون آخر. ومن امتداد لهذا الكلام هو أن من موضوعات القرآن بيان سبيل المجرمين، وسبيل المجرمين ليس خاصاً بالمجرمين المذكورين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، بل إن من أهم ما ينبغي أن يذكر سبيلهم من المجرمين، هم من يكونون في نفس الزمن الذي يعيش فيه المصلح أو العالم، أو الذي يبين له سبيلهم ويبطل سبيلهم وإشكالاتهم، إذاً فإن من أظهر ما يقتدى به من موضوعات القرآن هو إيش؟ بيان سبيل المجرمين المعاصرين لوقت من يتفاعل مع القرآن.

طيب: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُل لَّا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ. النبي صلى الله عليه وسلم أبطل إشكالاتهم وشبهاتهم ورد عليهم، لم يستجيبوا، كان هناك من جملة البيان أنه سواء استجبتم أم لم تستجيبوا، آمنتم بالحق الذي جئت به أم لم تؤمنوا، اقتنعتم أن ما أنتم عليه من الباطل أو لم تقتنعوا، فالأمر الذي أو النتيجة التي ستحدث بعد ذلك كلي، هو أنني لن أتبع ما أنتم عليه، لن أتبع ما أنتم عليه. وهذا هو منهج أيضاً من مناهج، من المناهج التي ينبغي أن يسلكها المصلحون اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، في إيش؟ في طريق الدعوة والإصلاح، وبيان الحق، وبيان سبيل المسلم، بمعنى أن هناك، خلينا نضعها معلماً ثالثاً، نجعلها معلماً ثالثاً. المعلم الثالث هو أن المصلح له مقامان في التفاعل مع إشكالات المجرمين وشبهاتهم ومناهجهم وسبيلهم، له إيش قلنا مقامان؟ المقام الأول هو مقام الإبطال والمحاجة وما إلى ذلك، الإبطال سواء بأي وسيلة من وسائل الإبطال التي ذكرت في القرآن. المقام الثاني هو مقام الابتعاد والإعراض والصدود عن سبيلهم من الجهة العملية، يعني المفاصلة القولية والفعلية؛ فعلى كل الأحوال أنا لست في طريقكم، أنا لست في طريقكم. ومن المعلوم أن هذه الآية مكية فهي نزلت في وقت استضعاف، وهذا المعنى مكرر، مثلاً: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ، مفاصلة واضحة جداً على أن "لكم دينكم ولي دين" تنزل بعكس مقصودها، نفس الشيء "قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله". وهذا ليس يعني، ليس موقفاً عاطفياً، ليس موقفاً مبنياً على أننا مختلفون في الآراء ولا في القضايا، طبعاً هي.

ليست آراء يعني بهذه، لكن اليوم تستعمل. مثلا هذا الطريق ليست مبنية على أننا مختلفون في المذاهب والعقائد؛ جيد؟ اللي هو مذهب المشركين الذي كان عليه مشركون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ومذهب النبي صلى الله عليه وسلم وطريقته التي هي على ملة إبراهيم. هذه المفاصلة، وأنه نهي أن يعبد الذين يدعون من دون الله، هي ليست نتيجة الاختلاف، ليست نتيجة النقاش، ليست نتيجة يعني الأخذ والرد في هذه القضية، وإنما هي نتيجة ايش؟

مين يجيب من سياق الآيات؟ مين اللي؟ أحسنت، من فين جبتها؟ طيب يعني أنت أحسنت في الجواب لكن لم تأت بالدليل، ما جبت الدليل، ايش الآية التي بعدها؟ قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي. قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي؛ يعني لاحظ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُل لَّا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ. قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي، بمعنى أنه كل هذه المفاصلة قال: ترى هي لأنني على بينة من ربي. أنا على بينة من ربي، أنا عندي برهان، والأمر الثاني أني مأمور. فهو حتى ليس فقط أنه أنا لا أعبد ما تعبدون، وإنما أنا مأمور بأني لا أعبد ما تعبدون، وأنا مأمور أن لا أتبع أهواءكم. فإن لم ألتزم بهذه القضية، فإن لم ألتزم بهذه القضية أكون قد عصيت. وفي نفس السورة، في نفس السورة: قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. إذاً القضية ليست اختيارية وإنما هي اضطرارية من جهة، وأيضا ليست لمجرد المخالفة أو الخلاف، وإنما لأني على بينة من ربي. فهما أمران موجبان لإيش؟ للمفاصلة. أمران: الأمر الأول أنه أمر من الله، وأنا هكذا يقول لهم النبي صلى الله عليه وسلم: أنا نهيت. نهيت يعني أنا مأمور، أنا لا أستطيع أن أوافقكم، أنا لو فعلت ها كما في نفس الآية: قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ، يعني الأمر ليس بيدي. والأمر الثاني أنه ايش؟

قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي، ايش كان عندك في آية تجمع؟ في آية قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. جميل جداً، طيب إذاً قُلْ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي. وكذبتم به، طبعاً بس قبلها قُل لَّا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ، يعني الناس هذولك تعبانين ومسوين عقائد وبانين 360 صنم عند الكعبة، ها، وحاطين مناة والعزى بوادي نخلة، ومناة بالمشلل جهة قديد، واللات شو اسمه بالطائف، وعندهم 360 صنم وعندهم كذا وعندهم وقصة ومذاهب وقوانين ويستقسمون بالأزلام، ها، وواضعين صور داخل الكعبة لبعض الأنبياء، وواضعين وعندهم الكهنة وعندهم نظام كامل. نظام كامل مؤسس على هذه القضية، نظام يعني بالنسبة لهم هو يعني ايش نسميها يعني دين، دين بالنسبة لهم يعني، ونظام كامل له حتى مؤسساته، ترى بالمعنى يعني المعاصر يعني؛ اللي هو هناك يعني من هم متخصصون في هذا المجال، وهناك من لهم رعاية لكذا، وهناك من لهم رعاية لكذا، وهناك مسؤولون عن كل قضية لها مسؤول، ولهم تقديس ولهم نظام في العبادة ولهم نظام في الطواف ولهم نظام في الحج، ولهم نظام شمولي كامل بالنسبة لهم يعني نشأ عليه الصغير وهرم عليه الكبير. بعدين يأتي القرآن يقول: قُل لَّا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ. كل هذه أهواء، كلها على بعض هذه أهواء.

وهذا يعني برأيي من أعظم ما يصدق عليه، إحنا قلنا قبل قليل السبيل، سبيل المجرمين، وهذا ينزل على المجرمين في كل زمن. من أعظم ما يصدق عليه كلمة أهواء في تفصيلي، متعوب عليه من كل الجهات، هو النظام الثقافي والفكري الغربي المعاصر الذي قامت عليه دول ونشأت عليه حضارات وارتفعت لأجله رايات وأعلام، وعقدت وبنيت عليه مؤسسات أممية كبرى وأدير بسببه العالم. كل هذا يصح أن يقال فيه: قُل لَّا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ، لأنه بمجموعها وبما آلت إليه -وإن كانت مثل قريش- ترى كل هذا النظام لا يخلو من بعض المفردات من الصواب. يعني مثلاً الجوانب الأخلاقية، رعايتهم مثلاً لقضية سقاية الحاج وكذا وإلى آخره، يعني فيها بعض الأمور. نفس الشيء، هذا النظام المعاصر لا يخلو من بعض الأشياء، لكن هذه أشياء ليست يعني مثل ما قال الله سبحانه وتعالى: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. بينما لسان حال بعض المنهزمين ثقافياً من المسلمين أنه لا، مو أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر، يعكسوها، ها، أجعلتم من آمن بالله واليوم الآخر كمن بنى هذه الحضارات، ووصل إلى كل هذه التقنية، ووصل إلى نظام التصريف الصحي الرهيب، وإلى نظام الطيران العجيب، وإلى الجامعات العجيبة، أجعلتم من آمن بالله واليوم الآخر كمن بنى كل هذا وفعل كل هذا؟ عكست يعني، عكست القضية، ولسان حالهم أنه هؤلاء الغرب يعني خلاص يعني شوية ويدخلوا الجنة بس اللهم أنهم باقي لهم قضية بسيطة أنهم ما آمنوا بس، أما القضية يعني القضايا التي خلق الخلق لأجلها وهي عمارة الأرض فعمروها خلاص يعني. وهذا كله أصلاً مبني على معلومات أو مقدمات باطلة، من قال أن الخلق خلقوا كمقصد إلهي لخلق الخلق وغاية يعني من الغايات العظمى أن يعمر الأرض؟ لا، ليست هذه غاية عظمى، ليست غاية عمارة، وإن كان أنه العمارة هي من الأمور التي هي وسيلة، وسيلة صالحة إذا استعملت بشكل صالح، وهي وسيلة باطلة إذا استعملت بشكل باطل. لذلك كان من مفردات دعوة الأنبياء لما بعثوا إلى أقوامهم وكانت العمارة قد استعملت بشكل خاطئ، كان من أول ما قالوا لهم ايش؟ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ، وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ. هذا بالنسبة عليه السلام وصالح ايش كمان؟ وَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ، فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ، وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ، ها، فانظر كيف أنه خوطب وحتى في سورة الروم: وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا، وجاءت في سبيل الذم، يعني ليست ذم العمارة في ذاتها، وإنما سبيل الذم لما سارت هذه العمارة هي الغاية العظمى التي جعلتهم يستعلون على الغاية العظمى التي هي العبودية لله. فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم. لَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا -نعم- وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ، إلى آخره.

فهذا يعني هذا كله يصدق عليه أنه ايش؟ طبعاً ليس الأهواء هو مجرد العمارة، ليس الأهواء هي قضية الهندسة، ليست، لا، وإنما الأهواء في الحضارة الغربية المعاصرة هي النموذج الفكري والثقافي الذي بنيت عليه هذه الأشياء، وليس في مجرد الصنعة اليدوية. وكما تعلمون أنه من حيث الصنعة لا بأس حتى أن يستفيد المسلمون من الكفار في مثل هذه القضايا التقنية والصنعة اليدوية، والنبي صلى الله عليه وسلم استعمل في الهجرة هادياً ليدله على الطريق وكان كافراً. فهذه الأمور التقنية المادية المرتبطة بالأدوات، هذه ما في إشكال في الاستفادة منها، لكن الإشكال حين تكون هذه الأدوات منبثقة عن فكرة أو عن نظام فكري ومغلفة به، ويكون مجموع هذا النظام قائداً إلى ربط عفواً إلى فصل، الفصل التام بين الدنيا والآخرة، ها، الفصل التام بين الإنسان وبين الوحي، الفصل التام بين الإنسان وبين الغيب، وهذا أنا ما أقول إنه هو تصرفات فردية يقوم بها بعض، لا، هو نظام الثقافة الغربية المعاصرة هو مؤسس على هذا المعنى بكل ما تعنيه الكلمة. حتى بعض العبارات البراقة مثل حقوق الإنسان ترى هي مؤسسة على هذا المعنى. فالإشكال ليس في رعاية حقوق الإنسان، محتاج إلى الحقوق والناس الفقراء والناس عارف الدول الفقيرة ورعاية، ليس الإشكال هنا، لكن الإشكال حين يصبح هذا النظام نظاماً معلماً بكل ما تعنيه الكلمة، فتصبح تطبيقاته في غاية الإشكال، ويتوسل بالحقوق إلى الفصل التام بين الإنسان وبين دينه، وبين ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان من ناحية الغايات. فهذا يعني مستفاد في الأخير من توصيف النبي صلى الله عليه وسلم، أو من توصيف الله سبحانه وتعالى وأمره نبيه أن يقول للمشركين: لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ، مع أنه الأهواء هذه كانت عبارة عن نظام متكامل، ونحن نقول اليوم أيضاً: قُل لَّا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ. أهواء هذا النظام العلماني أو العالماني الشامل المهيمن والذي صار نموذجاً في الحكم والسياسة، ونموذجاً في العلاقات بين الدول، ونموذجاً في مختلف القضايا، بحيث أنك إذا أردت أن تخرج عن هذا النظام أو تكون عاصياً، ففقط فقط أوجد نموذجاً مبنياً على دين الإسلام، حتى لو ما عاديت، حتى لو ما قاتلت، بمجرد أن توجد نظاماً قائماً على الشريعة الإسلامية فمباشرة هم يعتبرونك عدواً لهم، حتى لو أعطيتهم أنواع العهود والمواثيق على أنك لن تقاتلهم، لأنه هي صدام مبادئ وأفكار، وهو دين بالنسبة لهم هذه العالمانية، هذه دين بالنسبة لهم، وهم يوالون عليه ويعادون عليه، ولا يقبلون ديناً سواه، اللهم إلا إذا سكنوا ديناً معيناً ضمن إطار معين بتصرفات معينة، وليس بهيمنة دين آخر. ولذلك تجدهم يتدخلون دائماً في الدول، أنه المرأة ليش ما كذا، الكذا، ويدخلون طبعاً ما يخفاكم أنه ازدواجية المعايير وعدم تطبيق حتى هذه الشعارات حين يكون الأمر مرتبطاً بمثل غزة، مثل إلى آخره. قُل لَّا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ، قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي.

وهذا معناه، وهو معلم، كم نحن أخذنا معلم؟ المعلم الرابع في ما يتعلق ببيان سبيل المجرمين والقيام بهذا الثغر، وهو أهمية احتياج المصلح إلى البرهان لنفسه وإلى البينة لنفسه قبل أن يكون لغيره؛ لأنه دائماً المصلح يحتاج إلى البيان والبرهان لأمرين: ليكون على يقين في نفسه، وليحاج أهل الباطل. واضح؟ ولذلك قال الله سبحانه وتعالى في حق إبراهيم: وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ، يعني هو من الموقنين. وكذلك قال الله سبحانه وتعالى: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ * قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ * وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَىٰ * لِنُرِيَكَ، أنت يا موسى، لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَىٰ. بعدين في حق فرعون: وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ.

إذاً من الذين أروا الآيات؟ أصحاب الحق أولاً حتى يطمئنوا ويعلموا ويؤمنوا بصحة ما هم عليه، ثم أصحاب الباطل ثانياً عن طريق أصحاب الحق الذين ينقلون هذا البيان. إذاً: قُلْ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي، لابد من أن يعزز يقين المصلح أولاً، وهذا معناه أنه لا يصلح أنه يؤسس المصلح على مجرد معاداة الطرف الآخر، حتى لو كان الطرف الآخر كافراً، حتى لو كان الطرف الآخر يعني محارباً للدين، إنما ينبغي أن يؤسس المصلح، يؤسس المصلح على أمرين: أولاً يؤسس على معرفة الحق الذي هو عليه وبيان دلائله وبيان محاسنه ويطمئن لذلك قلبه، وثانياً يؤسس على بطلان باطل ما يضاد هذا الحق، وبالتالي حين تحصل المواجهة يصح له أن يقول: قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي. خلاص، انتهى. طيب، قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ. وهذه المفارقة، أنا على بينة وأنتم تكذبون، بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ. قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ، يعني بل عجبت أنت من هذه الآيات التي تنزل عليك وهم في نفس الوقت يسخرون منها. وهنا أيضاً: قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ، مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ، يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ. وفي قراءة أيضاً صحيحة: يَقْضِي الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ. يَقُصُّ ويَقْضِي. مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ، ايش الذين كانوا يستعجلون به؟ العذاب. نعم هو العذاب، لكنه العذاب المبني على الآيات، يعني وهو يبدو والله أعلم أنه سياق الآيات في السورة كانه أقرب إلى قضية الآيات، والله أعلم يعني لا أستطيع الجزم، لكن والله أعلم هو كذلك؛ لأنه طبعاً السورة كلها فيها أنه ايش؟ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ، وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدُ أِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ، وَقَالُوا... وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه. وكذلك في بداية السورة أصلاً مر معنا أصلاً في المجالس هذه كثيراً طلبهم الآيات، الآيات، الآيات، وأنه أيضاً أنه الله سبحانه وتعالى يعني الآيات عنده. هنا: مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ، يعني قد يكون الآيات، والتي أيضاً لو نزلت هذه الآيات لَنَزَلَ معها العذاب. نعم.

إذاً: مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ. وسبحان الله، يعني اللي يتأمل طبعاً هذا مبحث لطيف كذا تأملوا فيه، نحن نعرف أنه معالم العبودية في مثلاً في قصص الأنبياء، صح؟ مثلاً سورة الأنبياء أبرز جانب العبودية، صح؟ وكانت واضحة يعني في قضية الدعاء، وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ، وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ، إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا. لكن في جانب آخر يا جماعة يعني هو هذا المبحث اللطيف ليتأمل، وجميل جداً، وهو جانب العبودية في الخطاب الدعوي.

للأنبياء، واضح الفرق بين الأمرين ولا؟ الأمر الأول هو جانب العبودية في ذات العبودية الذاتية للأنبياء؛ اللي هو مثلاً زي ما قلت في سورة الأنبياء: وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ. هذا الآن العبودية الذاتية صح؟ والتي فيها أن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا إلى آخره.

في جانب آخر وهو جوانب العبودية في الخطاب الدعوي الذي وجهه الأنبياء لأقوامهم. يعني الآن إحنا الفائدة الأساسية من الخطاب الدعوي التي يمكن أن نستفيدها هي أن نعرف إيش حجج الحق في مقابل إشكالات الباطل، وهذه الفائدة المباشرة. لا، هناك فائدة غير مباشرة، وهي هذا الخطاب الدعوي إذا تأملته في القرآن ستجده مليئاً بمعاني العبودية لله مع أنه خطاب للرد على المخالف. لماذا ذكرت هذا؟ إيش الآية اللي نحن فيها؟ إيش القصد؟ القصد أنه دائماً خطاب الأنبياء وإن كان مع المشركين وكذا، تجد فيه الافتقار لله والتسليم له؛ أنه أنا ترى عبد، أنا عبد لله.

ولذلك، ولذلك ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين. يعني ترى الأمر ليس عندي، الأمر هذا التسليم وإرجاع الأمر لله في كل شيء هذا معلم ظاهر في الخطاب الدعوي للأنبياء، وسواء ما كان منه من ناحية التسليم أو ما كان منه من ناحية التوكل، وهذا كثير في الخطاب، في خطاب الأنبياء لأقوامهم. قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتارك آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين. إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء. قال إني أشهد الله، شوف هذا خطاب دعوي الآن، قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون. من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون. إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم. إيش اللي بعدها؟ تولوا، فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ.

وهذه ظاهر وكثير، مثلاً في سورة الجن: وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ ۖ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَٰئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا . وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا . وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا . لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا . وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا . وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا . قُل، ها شوف قل هذه الآن هذه قل هذه خطاب دعوي، قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا. قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا. قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا. إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا. وهذا المعنى كما قلت متكرر في الخطاب الدعوي للأنبياء.

أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۗ قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ، ها قل الآن هذا خطاب دعوي مباشر، قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون. إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين. والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون. وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون. خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين، إلى آخره آيات إذاً كثيرة في خطاب الأنبياء.

وفهمتوا الفكرة؟ أنه جوانب العبودية في الخطاب الدعوي للأنبياء هذا غير جوانب العبودية اللي هي في صلاتهم وفي عبادتهم وفي دعائهم وفي إلى آخره. وهذا ظاهر سبحان الله، وهو من معالم ربانية القرآن، من معالم ربانية القرآن أن هذا الكتاب الذي يبرز الأنبياء باعتبار أنهم رسل الله سبحانه وتعالى إلى الخلق وأنهم أشرف الخلق، اقرأ في خطاب هؤلاء ستجد أشد أنواع الافتقار والذل لله الواحد الأحد؛ فالله هو الذي أرسلهم والله هو الذي أنزل القرآن، والحق الذي جاء به، الذي جاءوا به إنما هو من عنده سبحانه وتعالى.

وهذا هذه يعني إبراز لجوانب العبودية في خطاب الأنبياء مهم جداً جداً؛ ليس فقط لسلوك المصلح حتى يتبعهم في مثل ذلك وحتى يكون هو أيضاً مفتقراً وذليلاً، لا، وإنما حتى يفهم من ذلك عظم ومكانة وقدر ربانية القرآن، بحيث إنها تكون مستولية على النفس. وهذا سبحان الله ظاهر في أول الكتاب وآخره وأوسطه، أنه هذا القرآن هو من عند الله سبحانه وتعالى، هذا القرآن هو من عند الله، وهؤلاء الرسل الذين هم خير خلق الله والذين لهم الشرف هم أكثر الناس بياناً لافتقارهم، وأكثر الناس خوفاً من ربهم، وأكثر الناس رجاء لثوابهم: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ ۖ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ. أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا. قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ.

الآيات التاليات هي في الحديث عن الله سبحانه وتعالى، عن علمه وعن قهره لعباده، وفي تعداد كثير من النعم، أو يعني ذكر أفعال الله سبحانه وتعالى. وكنت يعني كان على المقرر أن تكون في هذا المجلس وهذا الدرس، لكن طال الحديث في الذي قبله، فلذلك أكتفي بهذا القدر وأحمد الله سبحانه وتعالى وأثني عليه وأستغفره من ذنوبي وأتوب إليه، وأسأله أن يصلي ويسلم على عبده ورسوله محمد، وأن يعفو عنا ويعافينا. ربنا، يا ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. نعوذ بالله من الجهل، نعوذ بالله من الهوى. اللهم إنا نعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن. اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء. اللهم يا ربنا إنا نعوذ بك من شر ما عملنا ومن شر ما لم نعمل. ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. اللهم يا ربنا إنا نسألك العفو والعافية، اللهم إنا نسألك العفو والعافية، اللهم إنا نسألك العفو والعافية. والحمد لله رب العالمين.