الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم يا ربنا صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد، فهذا هو المجلس الثالث من مجالس دراسة سورة الأنعام، ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد والعون والفتح والبركة.
هذه السورة العظيمة المكية التي فيها علاج لإشكال الجاهلية التي كانت موجودة في تلك المرحلة، تكرر فيها ذكر قضية الآيات والبينات؛ الآيات التي تكون يعني بالنسبة للكفار والمشركين يطلبونها، يعلقون إيمانهم برسول الله صلى الله عليه وسلم على وجود آيات من نوع معين. ولذلك اليوم في هذا المجلس الآية عندنا، إحنا الآية الرابعة في السورة، ليس كذلك؟ إحنا فرغنا في المجلس السابق من ثلاث آيات، الآية الرابعة: وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ. إذا استمرينا في الآيات التالية، سنجد شيئاً من فكرة الآيات التي يريدها المشركون، والتي يعلقون إيمانهم على وجودها، إن توفرت آمنوا، إن لم تتوفر لن يؤمنوا. الآيات التالية: فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ ۚ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ. وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ. وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ. وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ. وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ. هذه الآيات التي نريد الوقوف معها في هذا المجلس.
الله سبحانه وتعالى لما أنزل الحق جعله بيناً وأقام معه البراهين والأدلة التي تدل على صدقه، فلم يأتِ الحق يعني في عماية أو في يعني غير وضوح، وإنما أتى الحق بأن اختار الله لبلاغه رجلاً صادقاً أميناً معروفاً بينهم، لم يأخذوا عليه في تاريخ ٤٠ سنة كذبة واحدة، اختاره سبحانه وتعالى وأنزل معه الكتاب بالحق، وهذا الكتاب جعل الله سبحانه وتعالى فيه من الأساليب ومن الموضوعات ومن الحقائق ما يعلم مستمعه أنه لا يمكن لتلك البيئة ولتلك الثقافة أن تخرج مثل هذا الحق. والمطلوب من هذه الدعوة ومن هذه الرسالة ليس مصلحة شخصية لمبلغ هذا الحق الذي هو النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما المطلوب هو الخضوع لله وحده وتعبيد العباد لرب العباد. هذه الرسالة وأدلتها قائمة الآن، من الذي اختار أن يكون هذا نوع الأدلة الذي تبلغ به هذه الرسالة؟ الله سبحانه وتعالى. البشر الكفار ما أعجبهم هذا النوع من الدليل، ما أعجبهم هذا النوع من الدليل، يريدون نوعاً معيناً من الأدلة، هم يرون أن هذا النوع من الأدلة هو الذي ينبغي أن يقارن مثل هذه الرسالة، إيش هذا النوع من الأدلة؟ شيء محسوس قوي، يعني إيش خارق للعادات، يجعل القضية يعني إيش بالنسبة لهم خلاص، هذا هو الحق البين، فيجب أن يكون هذا الشيء الخارق للعادة على مزاجهم هم وعلى طريقتهم من اقتراحاتهم.
طيب الله سبحانه وتعالى، طبعاً النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يسمع قولهم هذا كان يتشوف إلى إيش؟ إلى أن تنزل آية بهذه الطريقة، لأنه يريد أن يسلموا، الله سبحانه وتعالى يلفت انتباه النبي صلى الله عليه وسلم وانتباه المؤمنين إلى أن هذا الأمر ليس باختيار الكفار وليس على نظامهم ولا على ما يريدون، هذا واحد. الأمر الثاني: أنه حتى لو جاء الأمر على نظامهم وعلى ما يريدون، ترى لن يؤمنوا، لن يؤمنوا، فإن القضية ليست مرتبطة بنوع الدليل وإنما القضية مرتبطة بنفس الذي طلب الدليل، ليس بنوع الدليل. وبناء على ذلك، طبعاً هذا الأمر هل هو خاص بقريش؟ لا، هذا منهج للمستكبرين على طول الزمان، وزماننا هذا هو من أظهر الأزمنة التي تحتوي أمثال هؤلاء الذين لا يتبعون الحق ولا يؤمنون برسالة النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم يستكبرون في أنفسهم عليها، ويغلف هذا الاستكبار بإيش؟ بقضية الأدلة. وقد كان من أهم محاور الصراع في العصر الحديث هو الصراع على قضية منهج الاستدلال وكيف تثبت الحقائق؛ لأنه يا جماعة الخير نحن اليوم أو في هذا الزمن الحديث -أنا أتكلم الزمن الحديث آخر ٢٠٠ سنة- هذا الزمن الحديث زمن استثنائي، زمن علت فيه كلمة الكفار علواً كبيراً، ليس من جهة القوة العسكرية فقط، وإنما حتى من جهة القوة المنهجية، القوة الفكرية، القوة الاستدلالية. والمصيبة أن جاهلية الجاهلية الغربية التي هيمنت وسيطرت لمدة قرنين أو ثلاثة هي جاهلية في جزء أساسي منها مرتبط بقضية المنهج المعرفي والمنهج الاستدلالي، وما هي المعرفة الصحيحة وما هي المعرفة الخاطئة، وكيف ننظر إلى العلوم وكيف ننظر إلى التاريخ وكيف ننظر إلى الحقائق. وتجاوزوا هذه القضية إلى درجة أنهم غاصوا في علومنا وفيما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم وفي تراثنا فحكموا فيه هذه المنهجية الاستدلالية، فأثر على كثير من أبناء المسلمين، فنشأت عندنا إيش فكرة الشبهات ورفض الحق والتشكيك في الثوابت، وكثير من هذا تحت عنوان المنهج العلمي والمنهج التاريخي والمنهج المعرفي ونظرية المعرفة وما إلى ذلك.
وقد يكون بعض من يستمع هذا الكلام مني الآن ممن لم يختلط في هذه السياقات، خاصة السياقات الأكاديمية أو اتصل بهذه السياقات الغربية أو السياقات الفكرية، وحتى في بعض بلدان المسلمين، التي بنيتها التعليمية في بعض بلدان المسلمين اليوم، إلى اليوم إلى هذه اللحظة التي أتحدث فيها، في بعض بلدان المسلمين بنية التعليم فيها مأخوذة من هذه المنهجية الغربية الاستشراقية، من هذه المنهجية الغربية التي وصلت إلينا عن طريق المستشرقين. ولذلك يا جماعة الخير يعني أنا لما أتحدث في مختلف القضايا، سواء يعني في التعليق على بعض الآيات أو الأحاديث، أنا ما أستحضر فئة واحدة، أنا أخاطب ترى الأمة الإسلامية اليوم واسعة، في هناك طوائف من الأمة الإسلامية مشكلتها الأساسية في هذه القضية. ولأجل ذلك من جملة التصحيح الذي جاء به القرآن هو التصحيح المرتبط بالعقول الذي يرشد إلى منهجية الاستدلال الصحيحة، والتصحيح المرتبط بالنفوس الذي يقول مهما كان هناك من مناهج استدلال صحيحة أو خاطئة فلن ينتفع بها إلا من كانت نفسه سوية. لذلك كثير من الانحراف اليوم يغلف بمنهجيات علمية بينما هو يحمل في طياته لو فتشت نفوساً متكبرة مستعلية، لا تريد الخضوع لله الواحد الأحد، هي نفوس ترى في أحوالها أرباباً من دون الله، هي نفوس لا تقول لا تسمي نفسها أنها أرباب ولكن إذا جاء نظام الحياة، يقول لك: تريدون مال الله، تريدون مال الإسلام، مال العبادة عندكم المساجد الحمد لله هذه مفتوحة، أما نظام الحياة، القوانين، الدساتير، التشريعات فهذه لدينا من المنهجيات ومن المقدمات ومن نظم الاستدلال ومن التجربة البشرية ومن التجربة التاريخية ما وصلنا به إلى الاستغناء عن مرجعية الوحي. وهذه النقطة هي من أهم نقاط الصراع في العصر الحديث، من أهم نقاط الإشكال في العصر الحديث، لماذا يقولون ذلك؟ طبعاً لأسباب كثيرة، واحدة منها من أهمها هي إشكالات النفوس، نفوس مستكبرة لا تريد الخضوع لله، نفوس مستكبرة لا تريد نظاماً من عند الله يقصقص أهواءها، هي دائماً الأهواء أنه إحنا بنعيش كما نحن، كما نريد، لا تقصقص، لا تمنع، لا تضع حدوداً لهذه الأهواء، بينما كما قال الإمام الشاطبي، المقصود من إنزال الوحي أو من إقامة الشريعة أو من هذه الشريعة هي أن يخرج الإنسان من داعية هواه حتى يكون عبداً لله اختياراً كما هو عبد له اضطراراً. الشاهد أنه من يتأمل في القرآن سيجد أن الكفار والمستكبرين دائماً يشترطون نوعاً معيناً من الأدلة، والله سبحانه وتعالى لا يجاريهم على هذه الطلبات.
لذلك، وكان في قراءة التراويح: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ ۚ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً. وفي سورة البقرة: وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ. شوف هذه هذه من أهم الآيات في هذا الموضوع اللي أتكلم عنه: وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ. القلوب التي داخل الصدور تشابهت على مر العصور فأنتجت نفس الأقوال: تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ. وبالتالي من ينظر إلى زماننا هذا باعتبار أن مجرمي وطغاة ومكحدي وجاحدي فيه هم ليسوا متصلين بسلسلة الجاحدين والمجرمين الذين ذكرهم الله في القرآن والذين لهم نفس التفكير والذين لهم نفس الاستدلال، فهو واهم، ولن تستطيع أن تفهم منطق الكفر والكفار والجريمة والمجرمين والظلم والظالمين والطغيان والطغاة إلا إذا فهمت كيف وضح الله لنا منهجهم وطريقتهم وطغيانهم في كتابه، فهم هم، وإن اختلف الزمان، وهم هم، وإن اختلفت أشكال الصراع، وهم هم، وإن اختلفت مفردات المقولات، لكن هم هم، الطريقة واحدة، المنهجية واحدة. قال الله سبحانه وتعالى في سورة الإسراء: وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ. هم نفس الشيء، وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا.
هنا في هذه الآيات الله سبحانه وتعالى يقول: وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ. هم كانوا يلتفتون في الآفاق البعيدة ويعرضون عن الآية العظمى القريبة وهي القرآن، الله سبحانه وتعالى يريد منهم أن يلتفتوا إلى هذه الآية. في سورة العنكبوت إيش الآيات؟ خليني بس أجيب سياق الآيات في سورة العنكبوت، إيش بداية الآيات؟ طيب، قال الله سبحانه وتعالى: وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ ۚ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۖ وَمِنْ هَٰؤُلَاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ ۚ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ. وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ. بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ۚ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ. وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ ۖ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ. أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا ۖ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ. أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ. وهكذا سبحان الله، الإنسان يذهب ويغفل عما حوله، عما هو قريب منه، عن النعم الدائمة، عن الآيات القريبة، عن الحجج والبينات، ويذهب ويشترط ويبحث عن الآفاق البعيدة، الله سبحانه وتعالى جعل الآية متضمنة في هذا الكتاب العزيز.
طيب نعود إلى الآيات، قال الله سبحانه وتعالى: وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ. فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ ۚ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. القرآن لما عرض من خلاله الحق، عرض بقوة، مع أن الزمن كان زمن إيش؟ زمن ضعف بامتياز، زمن ضعف بامتياز، يعني إيش زمن ضعف؟ يعني تخيلوا في الكرة الأرضية كلها يوجد ٥٠ مسلماً بس، كل الكرة الأرضية ٥٠ واحداً مسلماً بس؛ محمد صلى الله عليه وسلم، وخديجة، وأبو بكر، وعثمان، وعلي، إن عمر بن الخطاب أسلم في الخامسة تقريباً، وأبو عبيدة، وطلحة، والزبير، ومجموعة من السابقين الأولين، ذكرهم وأفرد لهم الذهبي في سير أعلام النبلاء كذا فصلاً، قال فصل: السابقين الأولين، عدهم تقريباً ٥١ واحداً نساءً ورجالاً، مجموعة من النساء ومجموعة، هؤلاء كل الكرة الأرضية كلها هؤلاء فقط! تمام؟ ثم أسلم عمر، وأسلم حمزة، وأسلم كذا ومجموعة بدأوا، يعني العدد ليس كبيراً، ثم عذبوا وأوذوا وطردوا وشردوا وذهبوا الحبشة وإلى آخره. هذا يا جماعة إيش هذا الواقع؟ هذا الواقع إلى درجة الاستضعاف، إلى درجة أن ابن مسعود يرى النبي صلى الله عليه وسلم وقد ألقي عليه سلى الجزور، يقول هكذا، يقول: وأنا أنظر لو كان لي منعة، وأنا أنظر لو كان لي منعة، لو كان لي منعة لفعلت شيئاً، لكن ما لي منعة ولا أقدر أسوي شيء. طبعاً أنت الآن ما تقدر تتخيل، يعني فاهم؟ يعني أنا بالمناسبة يمكن ذكرت سابقاً، يمكن في سلسلة سير أو شيء، أنا قلت يا جماعة هذا النص عندي هو من أهم النصوص التي تكشف مقدار الاستضعاف الذي كان عليه المؤمنون في مكة، هذا السطر تحديداً بالنسبة لي من أهم وأوثق وأكثر النصوص تعبيراً عن حالة الاستضعاف، لأنه صحابي يفدي رسول الله بنفسه وكل شيء، ثم يراه ساجداً ويؤذى هذا الأذى وما يستطيع يعمل شيئاً، يقول: وأنا أنظر لو كان لي منعة، وما تقدر تزايد على تضحية ابن مسعود وإيمان ابن مسعود، بالنسبة لهذا النص كذا حاول تغوص فيه وتنظر إيش دلالات هذا النص وفين وصل الحال، تقدر تعرف حقيقة الاستضعاف اللي كانت في مكة، واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس.
الناس ويذهبون إلى الحبشة ويبقى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يحاصرون في الشعب، بعدين كذا، بعدين يذهب إلى الطائف وحيداً صلى الله عليه وسلم. هؤلاء لا يصدقون به، يعني حال لما تنظر محتوى القرآن الذي نزل في تلك الحال، ولا كان ذلك الحال تهديد ووعيد وحجة وبرهان واستعلاء، استعلاء منهجي واستعلاء مرجعي واستعلاء بكل الصور، وإقامة التحدي، إقامة التحدي معهم. وهذا التحدي في القرآن المكي كثير، سواء التحدي في أن يأتوا بمثل هذا القرآن، أو التحدي بأن ينتظروا ويروا العاقبة.
ومن أعجب الآيات في ذلك ما جاء في سورة الطور، قال الله سبحانه وتعالى: أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ، قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ. يلا أنتم تقولوا شاعر نتربص به ريب المنون، طيب تربصوا وأنا معكم من المتربصين. بعدين شوف الآيات التالية: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ، أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ، فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ، أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ، أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ، أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ، أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ، أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ، أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ، أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ، أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ، أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ. وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ، فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ، يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ، وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ، وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ.
يعني هم في وادٍ والقرآن جاء لأنه من عند الله، يعني لو كانت هي مجرد ظروف نفسية ولا شيء لوجدت يعني الأمر مختلفاً، لكنه من عند الله الذي يعلم الغيب ويعلم النفوس ويعلم ما فيها، ويأتي هذا المنهج ويريد الله بهم الخير، يريد بهم الهداية، وفي نفس الوقت يزجر، يعني تارة يأخذهم بالوعظ الزاجر وتارة يأخذهم يعني التحبيب، فتح باب مجال التوبة، فتجد هذا الكتاب العزيز عجيباً. هذا كله الآن من أين دخلت إليه؟ من الآية: فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. من الذي يمتلك القدرة على التهديد في تلك الحال؟ النبي صلى الله عليه وسلم يسجد يوضع عليه سلى الجزور، ولما كان يطوف النبي صلى الله عليه وسلم فجاء عقبة بن أبي معيط فأخذ بتلابيب النبي صلى الله عليه وسلم فجاء أبو بكر فدفعه وقال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟ حال صعبة جداً، لا يأتي في ذلك يقول: فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ.
ثم يأتي التذكير والزجر ومحاولة لفت الانتباه: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ. هنا تأتي أهمية النظر في التاريخ وفي الأحداث والاعتبار بها، واستخراج منهج السنن الإلهية والأقدار الإلهية في حركة التاريخ. ولذلك ونحن تكلمنا في بداية اللقاء عن انحراف المنهج الغربي في الاستدلال، من أعظم ما انحرف به المنهج الغربي والذي انعكس على كثير من السياقات الأكاديمية حتى في بلدان مسلمة، هو ما يتعلق بالتاريخ تحديداً. ولذلك من أظهر النظريات المعرفية في المنهج الغربي والتي نقلت، يعني كانت معركة مع المستشرقين، هي قراءتهم للوحي قراءة تاريخية، هذه مشهورة جداً. ومن أهم ما خرجوا بها في الطعن في الوحي قراءتهم للوحي قراءة تاريخية، كيف قراءة تاريخية؟ أن والله هذا القرآن وهذه الأحاديث هي عبارة عن ظروف تاريخية معينة، يعني أنشأت هذه النصوص، لا علاقة لها بالسماء، لا علاقة لها بالوحي، لا علاقة لها كذا.
وين المصيبة؟ لما تقرأ التاريخ قراءة مادية، القرآن كله يدعوك إلى قراءة التاريخ قراءة معنوية مرتبطة بأقدار الله. إذا قرأته قراءة مادية قطعت هذا الباب العظيم من أبواب الاستدلال: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ. إذا ما كنت تقدر تبصر كلمة فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ في التاريخ، ما استفدت من التاريخ، ما استفدت. طبعاً في المناهج المعرفية الأكاديمية الغربية ما في شيء اسمه فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ، ما في شيء اسمه أهلكنا. وكما قلت بعض البلدان الإسلامية وأعرف من درس في بعض الجامعات، هذا هو المنهج التاريخي الذي يُدرس، ما في شيء اسمه فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ، في شيء اسمه حركة التاريخ جيد، حركة التاريخ البشرية، حضارة سقطت، حضارة قامت، هذه لعوامل مادية بشرية بس، أما فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ هذه ما يعترف بها.
إحنا بالنسبة لنا مسلمين لازم نضع مركزية التحليل التاريخي عبر منهجية السنن الإلهية والنظر في أقدار الله سبحانه وتعالى والتفاعل التاريخي المرتبط بمن الذي أعزه الله ومن الذي أذله، من الذي أمد له ومن الذي قصمه، هذا المنهج يجب أن يكون هو المنهج للنظر التاريخي سواء في تاريخ الأمم السابقة أو في تاريخ الأمة الإسلامية. والاعتبار بهذه القضية اعتباراً كبيراً، وهذا يجعل التاريخ قيمة شرعية كبيرة، ويجعل قراءة التاريخ قراءة لها إيش؟ تجعلها من ضمن العبادة، تجعلها من ضمن العبادة بدل ما يصير التاريخ مجرد متعة وزيادة معلومات وأنا عندي ثقافة تاريخية ونحلل القدرات البشرية ونحلل، لا لا، نقرأ التاريخ قراءة لها مرجعية معينة في النظر ومرجعية معينة في الاستدلال. وما يمنع هذا من الاستفادة من التجارب البشرية وما إلى ذلك، لأنه هذا لا ينفي هذا، لكن هذا هو المعطى الأم والأساسي في مثل هذه الحركة التاريخية الكبيرة للبشر، ولا ينبغي أبداً إهمال مثل هذا المعنى. فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ.
مشكلة الإنسان دائماً مشكلة الإنسان أنه صعب عليه يخرج من جهة الاستحضار عن نطاق زمنه، دائماً الإنسان يعني كذا بطبيعته ينظر إلى الدائرة الزمنية التي يعيش فيها، مكتسباته المادية، عائلته، أولاده، ينظر إلى أولاده، الحركة المحيطة به، خلاص هذه طبيعة الإنسان، معطيات العصر، معطيات الزمن. القرآن لأنه من عند الله، الله الذي خلق كل شيء، الله الذي خلق الأمم السابقة والأمم والذي سيخلق الأمم اللاحقة، الله سبحانه وتعالى يريد أن يخرج الإنسان من دائرة زمنه الضيق إلى سعة التاريخ، ويفهم أنه لم يعش وحده على هذه الأرض، وأن هناك أناساً عاشوا قبله فآمنوا وأصابهم الله بذنوبهم وأهلكهم، فإما أن يسلك طريقهم فيصيبه ما أصابهم، وإما أن يسلك الطريق الصواب. كون الإنسان يخرج من دائرة الزمن الضيق، هذا من أهم ما ينبغي أن يصل إليه. ولذلك إحنا اليوم نفس الشيء، طبعاً هذا الإنسان بطبيعته العادة هو يغفل عن الخروج من ضيق الزمن، فما بالكم وزماننا هذا مليء بالملاهي والمشتتات التي تشغل الإنسان حتى عن زمنه هو الذي يعيش فيه أصلاً، يعني ما عاد حتى زمنه الذي يعيش فيه ما عاد هو ينتبه له أصلاً، فما بالك بالانتباه لسنن الله في التاريخ؟ ما عاد يعني خاصة الأجيال الصاعدة المتعلقة بقضية الألعاب وما إلى ذلك، صاير عندنا مصطلح جديد اسمه العالم الافتراضي، العالم الافتراضي صار يشغل الإنسان حتى عن زمانه هو الذي يعيش فيه، الزمان الحقيقي الذي هو يعيش فيه، العالم الحقيقي، ما صار إنسان، غافل عن هذا، فما بالكم بما وراء ذلك وما هو أبعد من ذلك وما هو أوسع من ذلك، وهذه مصيبة.
الآية التالية قال الله سبحانه وتعالى: وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ. طيب مو أنتم الذين طلبتم الآية؟ لا، حتى لو نزلت لقالوا سِحْرٌ مُّبِينٌ. وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ. لَقُضِيَ الْأَمْرُ قيل لأنكم طلبتم هذا النوع المعين من الآيات، فإذا أتت فلم تؤمنوا لأهلك الله مباشرة مثل ما فعل بالأمم السابقة، وهذا من أسباب تأخير نزول الآيات، لأن الآية المعينة إذا نزلت يعني كفر بها أو جحدت يهلك الله سبحانه وتعالى من كفر بها وجحد مباشرة. وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا، يعني قد قضى الله سبحانه وتعالى أن الملائكة ما يرون على صورهم في الدنيا، فلو أن الله سينزل عليهم ملكاً كما طلبوا، سينزل عليهم بهيئة رجل، فانقلبت القضية ورجعت إلى الصفر، وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ. رجعت القضية إلى أنهم طلبوا شيئاً معيناً ليحل الإشكال عليهم فسيُرجئون، ولو كان ملكاً سيكون رجلاً، وهذا سيشبه عليهم مرة أخرى، ويشبه عليهم ما شبهوا ويلبس عليهم ما لبسوا.
ولذلك جعل الله سبحانه وتعالى من أعظم الآيات للنبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى جبريل على صورته، يعني رؤية جبريل على صورته هذا الشيء، لكن رؤية الملك على غير صورته، أي على صورته البشرية، هذا جائز في حق البشر وقد حصل في زمن الصحابة، ومن أظهر الأدلة على ذلك كما في الحديث الصحيح الذي تحفظونه: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوضع ركبتيه على ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، ثم سأل عن الإيمان، ثم سأل عن الإحسان، ثم سأل عن الساعة، ثم لما انصرف قال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا جبريل جاء يعلمكم دينكم. فكلهم رأوه لكن ما رأوه على صورته، رأوا رجلاً. وأيضاً أم سلمة رضي الله تعالى عنها لما رأت النبي صلى الله عليه وسلم جالساً مع رجل، فذكرت بعد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم أنه كنت جالساً مع دحية الكلبي، أحد الصحابة، فقال: لا ذاك جبريل. وهذا هذه الرؤية التي التي هي جائزة، لذلك الله سبحانه وتعالى هنا قال: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا، لن يكون ملكاً على صورته فلن تروه، وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ.
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. لاحظوا الآن الاستهزاء جاء هذه ثاني مرة يذكر في السورة مع أن إحنا في الآيات الأولى لأنه إيش؟ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ، هذه ذكرناها قبل قليل، والآن: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. يا جماعة الخير من المنهج المتوارث المتكرر عبر الزمان وعبر التاريخ أن أعداء الحق من أساليبهم وأدواتهم الاستهزاء. الاستهزاء ليس فقط التكذيب، ليس فقط القمع، لا لازم استهزاء كذا، هذا هذه مفردة أساسية في تكوين الإنسان الجاحد، تكوين الإنسان المعادي للحق لازم يكون في جزء من التكوين اسمه استهزاء. وقد ظهرت هذه المفردة أو هذا المكون في زماننا كأو بأعلى الصور، صار إحنا عندنا من المكونات الأساسية في الإعلام المعادي للحق صار فيه كذا يعني إيش مسيرة في الإعلام اسمه الاستهزاء بالصالحين والمصلحين. استهزاء، مسلسلات أحياناً مسلسل كامل يقوم على فكرة الاستهزاء بالمتدينين، إيش تبغى تستهزئ؟ بأشكال، بأفعال، اتهامهم بكل قبيح وكل نقيصة وكل نفاق وكل وكل إلى آخره، أنواع من الاستهزاء. الفرق أنه اليوم هذا الاستهزاء يُدرس دراسة، يُدرس دراسة، أنت تتعلم كيف تستهزئ، يعني كيف تكون فناناً مستهزئاً، تأخذ عليها شهادة، تأخذ عليها راتب، تأخذ عليها أشياء كبيرة جداً، وهي أصلاً موجودة في المكون، مكون الجحود، لكن هذه تعلم أيضاً تعليم، وهذه مصيبة من المصائب. ولكنها تهون على الدعاة والمصلحين أن يدركوا أو حين يدركوا أن هذا منهج متوارث على مر التاريخ: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ.
الآن هذه تسلية من الله للنبي صلى الله عليه وسلم، أليس كذلك؟ تسلية له أنه يعلم أن هذا الاستهزاء الذي يقابل به قد قوبل به من قبله من الأنبياء. طيب بماذا كانوا يستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ بماذا كانوا يستهزئون من خلال القرآن؟ إيش في آيات فيها ذكر استهزاء المشركين بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا. طيب في الآية التي في سورة سبأ إيش؟ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ. هذه مثل ما يعني يتداعى الناس مثلاً في حارة معينة ولا في حي أنه إذا في واحد مثلاً مجنون أو واحد عنده كذا شيء غريب نقولوا تعالوا ندلكم على واحد كذا، يلا ايش رأيكم نروح سوا، نروح نشوف هذا الغريب الذي نضحك عليه. وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ. المصيبة إيش؟ ما قالوه بعد هذه الآية: أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ، هم الآن فيما بينهم يقولوا تعالوا تعالوا ندلكم على واحد يدعي أنه في بعث بعد الموت، تمام، ايش تتوقعوا يا جماعة كذا يقولون لبعض؟ إيش تتوقعوا، يفتري على الله الكذب ولا مجنون؟ كلام هذا عن محمد صلى الله عليه وسلم، بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ. وكذلك: وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَبْعَثُ اللَّهُ رَسُولًا، شوف الأسلوب، أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ، وأيضاً: وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا.
نفسها ولا هي هذا الذي يذكر آلهتكم؟ ها ايش اللي في سورة الأنبياء؟ وإذا رأوك ولا إذا رآك، سورة الأنبياء واحد يفتح، وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ.
قيل إن في سبب ذكر هذه الآية بعد هذه أنه هناك من يتشوف أو ينتظر نزول العذاب بهؤلاء المستهزئين، فقال الله سبحانه وتعالى: خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ.
طيب، هل ذكر شيء من الاستهزاء بالرسل الذين قبل النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن؟ نعم، وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ إلى آخره من الآيات التي يفهم منها أنه هذا منهج يتوارثه المجرمون، والله سبحانه وتعالى في سورة الذاريات قال: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ.
ثم قال الله سبحانه وتعالى في آخر آية في هذا المجلس: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ. هذا التذكير بما حصل بما قيل قبل قليل أنه أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ، هنا الحث والدعوة والحض والإغراء بأن يسيروا في الأرض لينظروا، فيعتبروا، ليتفكروا، ليتأملوا، ليخرجوا نتيجة صحيحة بعيداً عن هذا التكذيب الذي وقعوا فيه والذي أغراهم به أسيادهم والملا منهم.
إذا كانت هذه الآيات في بداية سورة الأنعام وهي بداية واضح أنها يعني جعلت القارئ والمتأملين يتأمل كيف يكذبون كيف ينطلقون، وفي نفس الوقت يرى الخطاب الاستعلائي مع أن الواقع واقع ضعف، لكن الخطاب خطاب قوة، وهو لا شك أنه حتى يورث المؤمنين في تلك المرحلة وإن كانوا ضعفاء مادياً لكن يورثهم العزة ويورث الكرامة ويورث القوة؛ إن كان الله سبحانه وتعالى في عليائه ينزل هذه الآيات التي تجعلهم بهذا الاعتزاز وبهذه القوة، وأن يكون الحق لديهم واضحاً والباطل لديهم أيضاً واضحاً أنه بعيد عن الصواب.
نسأل الله سبحانه وتعالى العفو والعافية، وأن يهدينا ويسددنا، وأن يجعلنا من الشاكرين، ونسأله أن يغفر لنا ذنوبنا، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وآته الوسيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته.
الشيخ أحمد السيد