تسجيل الدخول

مدارسة سورة الأنعام 15

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. الحمد لله الأول والآخر والظاهر والباطن، الذي هو بكل شيء عليم. الحمد لله الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، والذي أخرج المرعى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون.

اللهم صل يا ربنا على عبدك ورسولك محمد، وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أما بعد، نستعين بالله ونستفتح مجلسا جديدا من المجالس القرآنية التي نتذاكر فيها شيئا من آيات الله سبحانه وتعالى، ونتفكر في معانيها ودلالاتها ومدى اتصالها بواقعنا اليوم، وذلك ضمن سلسلة في تدارس سورة الأنعام، هذا المجلس يعد المجلس الخامس عشر منها، فنسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والتمام والقبول.

اليوم في هذا المجلس، الآيات تبدأ من قوله سبحانه وتعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ. أول ما تسمع قصة من قصص الأنبياء في القرآن، اعلم أنها نزلت مناسبة للحال الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، يعني هذه القصة تنزل في وقت مناسب أن تكون عبرة للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في التثبيت والائتساء والاقتداء.

وقل من ينبه إلى هذا المعنى من المفسرين، باستثناء الإمام الطبري رحمه الله الذي يلاحظ هذا المعنى كثيرا في تفسيره للآيات، فيشير إلى -يعني- يربط بين القصة وبين حال النبي صلى الله عليه وسلم، وهناك ربما غيره من بعض المعاصرين لكن قليل، وهذا حقيقة من أهم ما ينبغي أن يلاحظ في التفسير. نلاحظ هنا أن هذه القصة: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ، هي يعني كلها عن ذكر إبراهيم مع قومه والحجاج الذي بينه، يعني ليس فيها ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم اليس كذلك؟ لكن انظروا مثلا ماذا قال الإمام الطبري عند أول آية: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً، انظر استحضار السياق والحال والارتباط بواقع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

فقال رحمه الله في قوله: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ، قال: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر يا محمد لحجاجك الذي تحاج به قومك، وخصومتك إياهم في آلهتهم، وما تراجعهم فيها مما نلقيه إليك ونعلمك من البرهان والدلالة على باطل ما قومك عليه مقيمون، وصحة ما أنت عليه مقيم من الدين، وحقيقة ما أنت عليهم به محتج، حجاج إبراهيم خليلي قومه ومراجعته إياهم في باطل ما كانوا عليه مقيمين من عبادة الأوثان، وانقطاعه إلى الله والرضا به وليا وناصرا دون الأصنام، فاتخذه إماما واقتد به واجعل سيرته في قومك لنفسك مثالا.

تخيلوا هذا كله الآن أتى به الطبري من ايش: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً، جعلها كلها أسقطها على حال المحاجة للنبي صلى الله عليه وسلم مع قومه، وهذا نحن اليوم قد يعني يصعب علينا أن نستحضره ونتصوره، لكن في ذلك الوقت كان سهلا على النبي صلى الله عليه وسلم، طبعا النبي صلى الله عليه وسلم يعني -يعني- خارج الحساب أصلا في هذه القضية، لكن خلينا نقول كان سهلا على الصحابة أن يدركوا مدى ارتباط القصة بواقع الحال، لماذا؟ لأنهم تعودوا أن الله سبحانه وتعالى ينزل الآية مرتبطة بالحدث، سواء أكان فيها النص على الحدث أو لم يكن فيها النص على الحدث فهي آية مرتبطة بالأحداث، إذا قصة إبراهيم جاءت في هذا السياق وهي مرتبطة بواقع النبي صلى الله عليه وسلم وقومه.

ليس غريبا لمن يتأمل في القرآن ويتفكر فيه أن يكون الموضع الذي اختير من قصة إبراهيم في سورة الأنعام هو الموافق لموضوع سورة الأنعام، صح ولا لا؟ قصة إبراهيم فيها يعني ايش فصول وأحوال، ما الحال والفصل الذي اختير من قصة إبراهيم فذكره الله في سورة الأنعام؟ فصل المحاجة. ما موضوع سورة الأنعام؟ محاجة المشركين، من أهم موضوعاتها كما سبق، إذا تأتي القصة مع الأمر مع التوجيه مع العرض مع النقد مع البناء والإثبات لتتسق في سياق واحد لتعزز المعنى الذي يؤسس في سورة الأنعام.

لو تتذكرون في المجلس السابق استعرضنا كذا سورة الأنعام بالمقاطع، كيف أنه ينتهي مقطع ثم تعاد القصة من جديد، يرجع الاستدلال، يأتي قول جديد ويعاد إبطاله، ثم تذكر الدلائل ويذكر الحق، ثم تذكر العاقبة، وتذكر النار تهديدا للمشركين، ويذكر -تذكر- صفات الله سبحانه وتعالى باعتبار أن هذا الحق مقابل الباطل، ثم بعد ذلك تظن أن المشهد أو القصة قد انتهت، فإذا بها ترجع من جديد في مقطع جديد لذكر مقولة جديدة من مقولات المشركين ثم إبطالها بتسلسل متقارب، الآن نفس الشيء، إحنا آخر آية وقفنا عندها، قلنا ممكن الواحد يظن أنه هذه الآية خلاص آخر آية في سورة الأنعام لأنها يعني ايش تعتبر ختاما مناسبا لكل ما مضى، فيها قوله سبحانه وتعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ، بعد تسلسل سابق عجيب، وإذ بك الآن تنطلق إلى فصل جديد: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ.

هذه الآيات كما قلت متناسبة تماما مع موضوع السورة، مع تسلسل الآيات، مع دحض الحجج والبينات، ومما يؤخذ منها أنه ترى قضية حجاج المشركين وإثبات الحق وإبطال الباطل هي قضية ممتدة عبر التاريخ، ممتدة عبر الزمن، فليست محاجة النبي صلى الله عليه وسلم لقومه بشيء جديد على تسلسل تاريخ الصراع بين الحق والباطل، لأن هذه السورة كلها تلقين للحجج، الله يلقن نبيه صلى الله عليه وسلم الحجج المتكررة في سورة الأنعام بقوله: قل، في آيات كثيرة، ثم يذكر لنا سبحانه مثلا في حجاج سابق في تاريخ طويل مر على هذه الأرض، ومن هنا من أعظم ما يكون من أسباب الثبات بالنسبة للمؤمن القائم على أمر الله، الناصر لدين الله، المبطل لمذاهب أعداء الله، أن له في هذا التاريخ الطويل وفي هذا الامتداد الكبير أسوة، هذا كله الآن قبل أن نبدأ في تفاصيل الآيات أو القصة أو جملها، هذا وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ هو ذكرها الآن.

ما مضى فيه فائدة، خلاصة ما ذكرت، الفائدة الأولى أنه ترى هذه القصة مناسبة مع حال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وذكرنا كيف كلام الطبري واستحضاره لمثل هذا المعنى، الفائدة الثانية أن هذا الموضع مناسب لايش؟ لموضوع السورة، لموضوع السورة بالكلية: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً.

الآن الأخبار التي تذكر في القرآن عن الأمم السابقة والأنبياء وأحوال يعني الأحوال التفصيلية، هذا باب عظيم في القرآن، هذا أيضا قبل أن نبدأ في تفاصيل الآيات، هذا باب عظيم في القرآن من أي جهة؟ يمكن إحنا في سلسلة أنوار الأنبياء تناولناه من الجهة ايش؟ الإصلاحية، اللي هو منهج الأنبياء في الإصلاح، صح، مثلا في هذا المجلس بحكم أن مدارسة سورة الأنعام شمولية، لن نقتصر على الجانب الإصلاحي. طيب ما الذي يؤخذ من قصص الأنبياء غير الجانب الإصلاحي ومنهج الدعوة ومنهج يعني ايش التدافع بين الحق والباطل والمنهج التعبدي للأنبياء؟ ما الذي يؤخذ؟

هناك أمر يؤخذ قبل التفاصيل، أو خلينا نقول قبل يعني مفردات القصة، هو ربانية القرآن، لأن موضوع الأخبار عن الأمم السابقة هو موضوع مشترك بين الأديان، أنت الآن تقرأ باعتبارك مسلما، مسلما لما في كتاب الله، أنت لست وحدك الذي تقرأ القرآن، هناك من يقرأ القرآن بعين الشك، هناك من يقرأ القرآن بعين الرد، هناك من يقرأ القرآن بعين التحدي، والقرآن نزل للجميع، القرآن من أهم ما نزل لأجله تحدي المشركين والكفار ومن يشكك في هذا القرآن، صح ولا لا؟ وهذا من إعجاز القرآن وعجبه وعظمته، أنت تقرأه أنت المسلم، تقرأه تظن أنه القرآن نزل ليخاطبك أنت، يعني يعني تجد فيه الآية منهج الإصلاح ومنهج الدعوة والعلم بالله والحقائق الإيمانية والسلوكية والأخلاقية والعبر المختلفة فتقول والله هذا القرآن نزل يعني فقط لمن هو مؤمن ومسلم، اقرأه من زاوية أهل الكتاب، تقول والله القرآن عجيب يعني سبحان الله، من بدايته إلى نهايته وهو يرد على أهل الكتاب ويتكلم عن أهل الكتاب ويذكر شيئا من أخبارهم وأنبيائهم، وكأن القرآن يعني ايش نزل يعني ليثبت تفوق الإسلام على دين أهل الكتاب، تخيل قراءة المشركين له، مشركي قريش، ها الذين نزل القرآن في وقتهم، تقول لا، واضح تماما القرآن نزل حتى ايش؟ حتى يبطل مذهبهم ويعني شركهم، ويصلح أحوالهم ويثبت لهم الحجة، وواضح أنه القرآن يعني بحكم كذلك أنه نزل يعني أنه هم أهل تلك المرحلة، لينذر أم القرى ومن حولها، فيعني واضح أنه القرآن من أهم موضوعاته نزل للمشركين، الآن هذا من عجب في القرآن، طبعا هذه الآن بس بزاوية اختلاف الأقوام، في زاوية أخرى اختلاف الأزمان، يعني أنت تعرف الآن أنت لما تقف الآن على بعض الكتابات للأمم والحضارات المختلفة التي كتبت قبل ألفي سنة أو ثلاثة آلاف سنة، خلينا نقول ألفي سنة أو ألف وستمائة سنة أو ألف ومئتي سنة أو نحو ذلك، مباشرة تجد أنها ايش؟ يعني كتبت لتلك المراحل، يعني يعني في حاجز واضح في اللغة في الطريقة في المعنى في الكذا بينك وبين هذه الكتابات القديمة، لما تدرس الآن كمخطوطات ولا كوثائق تاريخية تجدها يعني واضح أنه شيء سحيق في الزمن، أنت تقرأ يعني مشرك قريش يتلى عليهم القرآن يزلزل كيانهم، يقرا في القرن الخامس والسابع والثامن الهجري، يعيش فيه العلماء ويستخرجون منه أنواع الدلائل ويؤلفون الكتب الواسعة في أحكام القرآن وفي الموضوعات الفقهية وفي إلى آخره، أنت الآن تقرأ القرآن، لا تصل إلى نهاية الفوائد والدروس التي تستخرجها فيما يتناسب في إصلاح الواقع والمنهج الإصلاحي والدعوة والإيمان، فتقول سبحان من أنزل القرآن، فجعل الأوائل يفهمونه ويتأثرون به، والأواسط يفهمونه ويتأثرون به، والأواخر يفهمونه ويتأثرون به.

هذا كله من يعني، لماذا أذكر هذا الكلام؟ حتى نتساءل تساؤلا للبحث، المعروف إجابته والمعروفة إجابته، هو أن من أهم فوائد ذكر القصص في القرآن غير استخراج المنهج الإصلاحي والتعبدي وأخذ الفوائد والعبر في مناقشة المشركين وكذا، في باب آخر مختلف عن هذا كلي، باب إثبات ربانية القرآن وأنه من عند الله، وأن هذه القصص لا يمكن أن يأتي بها إلا الله سبحانه وتعالى، رحمك الله. طيب ما وجه دلالة ذلك؟ الجواب تعرف ايش حأقول؟ أقول لك هذا علم كامل، اذهب واقرأ فيه، لأن فيه مقارنات دقيقة وتفصيلية بين القصص التي ذكرت في القرآن والقصص التي ذكرت في أخبار أهل الكتاب، سواء سواء في العهد القديم أو في العهد الجديد، ومقارنات تفصيلية تدل على إعجاز القرآن في هذا المعنى، ولماذا ذكرت هذه -ذكرت- هذه الفقرة في القصة ولماذا لم تذكر هذه الفقرة، ومقارنات طويلة وأجراها يعني عدد من المعاصرين أو كثير منهم، منها مثلا مقارنة بين عرض قصة يوسف في القرآن وبين عرض قصة يوسف في التوراة أو في العهد القديم، في من هناك من درس دراسة تفصيلية، وثم تبدأ تستخرج يعني، خذها من أي جهات، خذها من الجهة الأخلاقية بما يتناسب مع ربانية عرض القصة والفوائد المستخرجة منها بما يتناسب مع قيمة الأنبياء وقدرهم، تجد الفرق، خذها من ناحية الحقائق التاريخية تجد الفرق، مثلا هناك تعرض يعرض الملك باسم فرعون، قال فرعون، قال فرعون، عجيب، قصة يوسف في القرآن ما في وقال الملك، وقال الملك، ما في فرعون، طب ليش؟ أليس يعني هو هذا حاكم مصر؟ ليش ما يذكر فرعون؟ ترجع تفتش في الحقائق التاريخية اللي كشفت بعد فك اللغة المصرية القديمة التي فيها السجل التاريخي للملوك، تفك الشفرات كلها، تجد أنه الحقبة التي كان فيها يوسف عليه السلام لم يكن فيها الفراعنة، إنما كان فيها الملوك الهكسوس أو الهكسوس، فاختيار القرآن لكلمة ملك هذا اختيار دقيق وإعجازي، هذا مثال يعني جزئي بس فقط، وهكذا أنت هناك قصص لم تذكر أصلا في لا في العهد القديم ولا في الجديد ولا في كتب أهل الكتاب، انفرد القرآن بذكرها، هناك قصص جاء ذكرها في الـ في المصدرين ولكن هناك المقارنات تبين إعجاز القرآن وعظمته، يعني هذا باب عظيم جدا وكبير ومهم، ويزيد الإيمان واليقين وخاصة في محاجة الملحدين ومحاجة أهل الكتاب في هذا الزمن.

على أية حال، هذا باب طويل وكبير، يعني حتى من المباحث الفرعية البسيطة فيه مبحث ذكر الأسماء التاريخية في القرآن، ذكر الأسماء، هذا المبحث هناك من تخصص فيه واكتشف فيه من المعاني والعبر الأمر العجيب، كيف القرآن ذكر الأسماء يعني قضية الأسماء الأعجمية تحديدا، كيف كيف عربها القرآن، هل عربها أو نقلها كما هي، وما نظام التعريب في القرآن، ودراسة هذا من حيث الدلالات اللغوية المرتبطة باللغات الأصلية لتلك الأسماء وسياقاتها التاريخية، لا تملك أن تقف أمام هذا المبحث الفرعي إلا أن تقول سبحان من أنزل القرآن وخلق الإنسان. كتاب المقصود طبعا "إعجاز القرآن في أعجمي القرآن" لمحمد رؤوف أبو سعدة، كتاب من مجلدين، تتبع فيه الأسماء الأعجمية في القرآن، وهو عالم باللغة العبرية وأظن يمكن الآرامية وكذا، وراح تتبع جذور هذه الأسماء، والكلمات تحليلها ومعانيها، وكيف عرضت في القرآن وكيف ذكرت، وأتى فيها بمعاني بديعة وعجيبة بدون يعني خلينا نقول تكلف، على الأقل في أغلب مادة الكتاب، الذي ذكرني بهذا كله هو أنه في الآية: وَإِذْ.

قال إبراهيم لأبيه آزر. إن قضية آزر هي من القضايا التي حصل فيها يعني الخلاف بين المفسرين؛ لأنه هناك يعني له اسم في مصادر أهل الكتاب غير اسم آزر، فإنه لماذا ذكر اسم آزر؟ وما المقصود به؟ وما دلالته؟ وهل هو أبوه أم عمه؟ وهل له اسمان؟ له يعني قصة طويلة.

يعني هذا عموماً مبحث كبير جداً من الباحثين المعاصرين المهتمين بهذا الأمر؛ اللي هو الدكتور سامي عامري عنده كتاب أيضاً جديد اسمه ما كنت تعلمها أنت ولا قومك؛ لأنه هو هذه الآية أتت بعد قصة نوح عليه السلام في سورة هود: تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا. تتبع وجوه الإعجاز وعظمة وربانية القرآن من خلال القصص والأخبار التاريخية هذا باب كبير متعلق بقصص الأنبياء، ولا شك أنه من أعظم ما يزيد الإيمان ومن أعظم ما يفيد في محاجة الملحدين ومحاجة أهل الكتاب على أن هذا الكتاب العزيز من عند الله سبحانه وتعالى، ولا يمكن لأحد أن يعرف هذه الحقائق في ذلك الزمن إلا الله سبحانه وتعالى. ما هي من العلوم التي كانت معدومة في تلك المرحلة: مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا.

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً. وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً.

هذه الآن إيش تذكر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة في حالهم؟ نفس الشيء، هم اتخذوا اللات والعزى ومناة وكانت أصناماً اتخذوها آلهة. يعني أنت الآن لما يعاد لك نفس الحدث ونفس المشهد، وهذا إبراهيم خليل الله يحاج بالمشركين، وإذ بالمشركين في وقته نفس المشركين في وقت النبي صلى الله عليه وسلم، هذا شيء يعني يقوي الموقف ويقوي الاستئناس ويقوي الاهتداء بهدي الأنبياء. أتتخذ أصناماً آلهة؟ هكذا بكل بساطة! هذه بالنسبة لأبيه وبالنسبة لقومه ما هي بسيطة بهذه الصورة، ما هي بسيطة بهذه الصورة؛ أن هذا الآن هذه العبارة هي عبارة عن تعرية، تعرية للزخرف والزينة والستائر التي ألبستها الأصنام حتى عرفت تعريفاً غير كونها أصناماً، هي في الأخير أصنام، وهكذا دائماً الباطل يلبس بلبوس يعرفه بغير اسمه لتغيير الحقيقة والموقف منه.

أتتخذ أصناماً آلهة؟ يعني هي في الأخير هذه الأصنام أنتم اللي صنعتموها من الحجارة ومن الأشجار، إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم، إيش كان أسماء هذه قبل ما تعبدوها؟ كان إيش كان اسمها الشجرة هذه؟ إيش كان اسمها؟ قولوا، أعلوا هبل، أعلوا هبل. هبل إيش كان اسمه قبل ما تعبدوه؟ وأنتم مجمعينه من الحجارة اللي هنا ومن الصخور اللي هناك، ما كان في شيء اسمه هبل. والعزى شجرة في وادي نخلة، شجرة، شجرة اسمها شجرة، سميتوها العزى. طيب هذه الحقيقة بسيطة يعني هي واضحة، أنت الآن يا جماعة أنا أبغاكم كذا تفكروا قليلاً، يعني هل يا ترى إلى هذه الدرجة فعلاً الإنسان ممكن يصدق بمثل هذه الأمور الباطلة، ويعني يبني عليها مواقف؟ إحنا الآن ننظر لها الحمد لله ربنا هدانا، جعلنا مسلمين، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنه خالق كل شيء، وأنه الملك سبحانه، إحنا الآن يعني القضية سهلة علينا نقول يعني في أحد صاحي يعبد حجر؟ يعني واضحة يعني.

طيب هل يا ترى في ذلك الوقت كانت القضية بهذه السهولة والبساطة؟ الجواب: لا، ما كانت بهذه السهولة والبساطة، ترى يعني كان الواحد يا جماعة حتى يتخذ قرار أنه هذه بالفعل ليست آلهة، ترى هذا أكبر قرار مصيري يتخذه في حياته كلها، هذا القرار سينبني عليه ربما أن يُعدم من هذه الحياة، هذا قرار صعب جداً، تحدي كبير جداً حتى يتخذه الإنسان في حياته. اليوم نفس الشيء ترى يوجد شعارات ويوجد أوثان، بس أنها مختلفة بدل ما هي أحجار وأشجار تصير بصور أخرى وتزين، أحياناً تكون ترى مفاهيم، يعني في أصنام معنوية تعبد من دون الله، وأحياناً وهذا على مر التاريخ بشر، يعني فرعون. أنت مش تفكر فيه بس بتجرد، تقول والله يا أخي يعني، يعني طيب يعني أنت بمجرد أنك أنت تروح الحمام، وتغصك بطنك، وتمرض، وتقفل نفسيتك، فيعني بالله يشوف لك شغلة ثانية يعني مش إله، يعني إيش فيك أنت؟ واضحة يعني، هذا فضلاً عن كونك أصلاً مخلوق، فضلاً عن كونك ما كنت موجود، فضلاً عن أنك ستموت، فضلاً عن أنك إلى آخره. هذا المعنى يعني إحنا نأخذه بكل بساطة، بس بالنسبة لجنود فرعون والناس اللي عايشة في ذاك الزمن ترى ما هي بسيطة.

ترى فعلاً كانوا يخافون من آلهتهم حتى الأحجار يخافون منهم، ولذلك سيأتي معنا في سياق الآيات تيسر هذا اللقاء أو اللقاءات التالية إن شاء الله أنه إبراهيم عليه السلام كان يقول لقومه: وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ، لأن في تهديد، في خوف، الناس تخاف فعلاً من هذه الآلهة، وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُم سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ. الشاهد أن قوله عليه السلام: أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً، هذا تعرية للشعارات اللي ألحقت بهذه الأصنام، فصارت واضحة أصنام، كيف تصير آلهة؟ هذا المنهج، منهج التعرية للمقدسات الباطلة التي تعبد من دون الله أو تقدس تقديساً خاطئاً بإزالة الشعارات عنها بدون ما أنت تفتري عليها ولا تكذب ولا شيء، بمجرد إزالة ما ألبسته من شعارات تقديسية جعلتها بمثابة في غير مكانها، هذا منهج مهم في إبطال الباطل.

أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً. هي هكذا بكل بساطة، أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً، إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ. إني أراك وقومك في ضلال مبين، من الذي يقولها؟ في نظر قومه فتى، غلام، شاب صغير، يأتي لقوم فيهم السادة والأشراف وعلية القوم، ولهم نظام سياسي، ولهم تاريخ، ولهم قصص وأساطير حول هذه الآلهة، ما هي كذا بس هي منظومة كاملة، يأتي واحد من طرف البلد يقول: إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ. من هذا؟ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ. شوف الأسلوب، التصغير يعني لا يقول إبراهيم، هو ليش يقال له إبراهيم؟ هذه تعرف زي المدعو، أقدم أحد المدعو فلان، يعني هذه اللي هي إيش يعني، سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ، إي هو إبراهيم هو، سمعنا فتى اسمه إبراهيم، يقول ليش يقال؟ يعني ليش هم خلوها أنه هذا كلامهم يقال له إبراهيم؟ هي تصغير وتحقير.

طيب إذا كان إبراهيم عليه السلام فتى لمنظومة كاملة ويقول هذه منظومة ضلال، إيش المستندات التي معه حتى يواجه مثل هذه الآلهة ومثل هذه المنظومة ومثل هذا السياق؟ هنا تأتي مركزية البيان والحجة ومكانتها عند الله سبحانه وتعالى. الله سبحانه وتعالى يحب أن يصاحب الحق بالبيان، الله سبحانه وتعالى يحب من حملة الحق أن يتسلحوا بالحجة والبرهان قبل أن يتسلحوا بالسلاح والسنان، وكلاهما محبوب عند الله سبحانه وتعالى. لا يحب الله من أهل الحق أن يأتوا بادعاءات مجردة، لا يحب الله من أهل الحق أن يأتوا بطريقة تجعل تصرفاتهم منفرة للناس عن الحق الذي يحمله؛ إذا كان الحق ناصعاً فالله يحب من أهل الحق أن يكونوا على قدر نصوع هذا الحق في أداة إيصال الحق، وهنا تأتي مركزية الحجة والبيان والبرهان والاستدلال لإيصال رسالة الحق على مختلف الأزمان، وهنا هي مبرزة إبرازاً عظيماً في قصة إبراهيم، حتى أن ختام هذه الآيات إيش؟ بماذا ختمت هذه الآيات؟ وتلك حجتنا، شوف سماها إيش الله سبحانه وتعالى؟ حجتنا، هذه حجة الله، يعني هذا الذي كان يحاج إبراهيم به قومه هو شيء أوتيه من عند الله: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ، آتيناها إبراهيم على، يعني ليس فقط الله سبحانه وتعالى يحب من أهل الحق أن يحتجوا للحق، بل هو يلقن أهل الحق ويؤتيهم ويؤتيهم حجته سبحانه، يعني يؤتي أنبياءه حجتهم.

إذاً قوله سبحانه وتعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ، ما داعم هذه المقولة بالنسبة لإبراهيم باعتباره فتى، لا يمتلك مقومات من الناحية المادية، ولا حتى من الناحية الاجتماعية، من ناحية السيادة ومن ناحية التأثير المالي ومن ناحية التأثير؟ لا، هو فتى يقال له إبراهيم كما قال، ما هو الذي يجبر به مثل هذا النقص؟ الحجة والبيان. لذلك نحن نقول اليوم إذا كان عندنا شباب صاعد يحملون فكراً إصلاحياً نرجو أن يعني تصلح به أحوال المسلمين، فلا بد أن يعتنوا بالحجة والبيان، لابد أن يعتنوا بالحجة والبيان. البيان ليس هو تنميق الكلام، البيان هو القدرة على الإبانة عن المعنى وإبلاغ ما تريد أن توصله.

إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ. من الملاحظ في رسالة الأنبياء أنه حتى من بداية الدعوة وإن كان هناك أساليب فيها الشفقة والرحمة إلا أن هناك أساليب مصاحبة فيها لا أقول يعني الشدة على المخالف لا، وإنما التسمية الحقيقية للأشياء وإن كانت هذه التسمية تزعج المخالف. يعني هو إبراهيم عليه السلام ما سب أباه ولا سب قومه، لكن هو يصف، يقول ترى هذا منهجكم ضلال رايحين، يعني أنتم إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ، ولاحظ هنا التسمية للأشخاص وليس للفكرة فقط. هذه الفكرة لما أنت تقول لا تنتقد الشخص وانتقد الفكرة، هذا الكلام يكون صحيح لما يكون في سياق اجتهادي، في سياق الخلاف فيه سائغ، في سياق القصد فيه حسن، ولكن يعني إيش أخطأ الإنسان فهنا نقول لا تركز على الشخص إنما ركز على الفكرة، وهنا يأتي قول النبي صلى الله عليه وسلم ما بال أقوام، حتى لو ما كان في سياق اجتهادي أحياناً يكون في سياق أنه الإنسان صالح أو كويس مؤمن يعني لكنه أخطأ أو زل أو كذا، فتأتي يعني نقد الفكرة وتصحيح الخطأ العام، وقد تحتاج أحياناً للتسمية والتعيين. أما إذا تأملت في القرآن ستجد أنه في سياق الرد على الباطل المحض تجد التسمية الصريحة والتسمية سواء التسمية الوصفية أو التسمية العينية.

يعني تخيلوا يا جماعة إحنا عندنا صورة كاملة عن أبي لهب باسمه، اسمه: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ، وأحياناً الآيات تنزل في أشخاص بأعيانهم والناس عارفين أنها نزلت في هذا الرجل حتى لو ما ذكر اسمه، مثلاً: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا، وكذلك: رَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا، إلى آخره، وكذلك: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ، إلى آخره. إذاً يا جماعة الخير ليس صحيحاً على مستوى الحق والباطل أن نقول يعني محاربة الفكرة دون تسمية الشخص، لا، لما يكون في باطل حقيقي محض شر، لازم لازم يوصف الشخص نفسه صاحب هذه الفكرة، لأن الفكرة هي ليست شيئاً في الهواء يسير هكذا، وفي أشخاص بالعكس، وهناك أشرار في الحياة، هناك ضلال، هناك مجرمون، هناك طغاة، إِنِّي أَرَاكَ أَنتَ، يعني أنت يا أبت، خير وهو أبوه، في سياق كلام إبراهيم عليه السلام إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ.

إذاً حتى هذه الجملة: إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ، فيها إيناس للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن أقرباء النبي صلى الله عليه وسلم كانوا على دين قومه، دين قومهم، فلما يقول إبراهيم لأبيه: إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ، هذا فيه إيناس للنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان قومه هم الذين هم في ضلال مبين، يعني من مشرك قريش، قوم النبي صلى الله عليه وسلم سواء من الفخذ القريب أو من الفخذ البعيد، أو لكن هم قومه. مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا، فهم قومه، وهنا إبراهيم يقول عليه السلام إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ، هذا الآن فيه إيناس للنبي صلى الله عليه وسلم أنه ترى المشهد متكرر، كما قالها إبراهيم لقومه فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقولها لقومه.

ثم بعد ذلك الآية التالية قوله سبحانه وتعالى: وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. هذه القوة التي كانت عند إبراهيم عليه السلام في مواجهة قومه كان لها ما وراءها، كان لها مقدمات، كان لها أسباب جعلته بهذه القوة وبهذا الثبات وبهذا التماسك في مواجهة الباطل، وهذه الأسباب في القوة يحتاجها المصلحون عبر الأزمان وخاصة إذا كانوا في أزمنة صعبة. هذه الأسباب التي جعلت إبراهيم عليه السلام بهذه القوة والتماسك ووضوح الرؤية، يمكن أن تختصر في سبب اليقين، صحة الحق، اليقين المبرهن؛ لأنه في يقين بالنسبة لكثير من الناس هو يقين غير مبرهن، لكن اليقين المبرهن، وباب البرهان المذكور في هذه الآية لإبراهيم عليه السلام هو أي باب؟ الآيات الكونية، وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وبما أن قومه كانت لهم عبادة حتى للكواكب وتعظيم لها، فإن مناسبة أن تكون الآيات الكونية سبباً لليقين لإبراهيم عليه السلام متناسبة مع السياق، وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ.

الطريق، طريق الأنبياء، طريق الدعوة، طريق الإصلاح، طريق إقامة الحق، طريق إبطال الباطل، طريق صعب وطويل، ولا زاد أعظم من أن يكون هناك يقين ثابت داخل النفس يجعل المصلح والسائر على طريق الأنبياء في صبر دائم وفي ثبات دائم، إذا لم يكن اليقين في النفس ثابتاً وفي القلب مستقراً.

فإن من السهل أن يسقط الإنسان أثناء الطريق أو أن يتأثر بالعوارض، أو أن حتى يحرف عن الطريق.

ولذلك نحن نقول: العلم مقدمة أساسية لطريق الدعوة والإصلاح، وليس أي علم. إذا كان المقصود بالعلم المعلومات التي تحفظ ليعيد الإنسان نشرها في طريق الإصلاح، أقول لك ليس هذا هو المقصود، هذا مفيد لكن مو هذا هو المقصود. العلم الموصل إلى اليقين، الموصل إلى استقرار الحقائق، إلى البصيرة. قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي. لا تتصور البصيرة على تمامها بلا علم.

طيب، هذا العلم الذي يؤخذ قبل أو في بداية طريق الإصلاح مهم جداً، ومن المهم أن يختار بعناية وأن يعرف ما نوع العلم الذي ينبغي أن يؤخذ، ومن هنا تأتي أهمية ومركزية ترتيب العلم، فهي ليست قضية فرعية. ترتيب أبواب العلم وترتيب ما يؤخذ هذا مهم جداً. الله سبحانه وتعالى بنفسه رتب نزول القرآن حتى تأتي كل آية في موضعها وفي وقتها بالنسبة لسياق الصحابة الذين كانوا يتعلمون في مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، هذا الترتيب مهم. وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ.

مما يلفت الانتباه في هذا المعنى أن الله سبحانه وتعالى حين كلف موسى عليه السلام بالرسالة، وقد كان تكليفاً ثقيلاً جداً، يعني تخيل أن يكون المضمون: اذهب إلى فرعون. اذهب إلى فرعون، هذا فرعون هو موسى عليه السلام تربى في قصره ويعرف من هو فرعون، هو أصلاً كان سيذبح لكن ربنا نجاه، وفي جيل كامل مع موسى عليه السلام ذبح وخلص، وهو أصلاً فرعون متمحور حول شخصه وحول أنه هو الرب والإله، وَأَنَا مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ. تخيل يأتي شخص إلى هذا الطاغية المجرم، اللي ما يحتاج، ما يحتاج أحد عارف، يعرف أنه تهديداته ترى هي محل التنفيذ لأنه قد ذبح أجيالاً وخلص من الأطفال، يعني عارف، فما بالك برجل كبير يأتيه ليقول له: أنت على باطل ولست إلهاً، وهذا الاستضعاف اللي أنت عامله لبني إسرائيل، إنهر المستضعفين أطلقهم من سجون. تخيلوا يعني جماعة موسى عليه السلام، يعني حتى يكلف بهذا التكليف، إيش ممكن يقع في نفسه؟ يعني إيش ممكن يتصور في ذهنه وعقله وفي نفسه أمام هذا التكليف الصعب؟

طيب كيف مهد وهيأ؟ كيف مهد الله لموسى عليه السلام وهيأه لهذا العبء الثقيل الصعب الكبير المخيف؟ كان هناك تهيئة وكان هناك تمهيد. أولاً العلم بالله: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي. إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ. فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىٰ.

ثم التهيئة والتجربة: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ؟ قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ. قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَىٰ. تخيلوا يا جماعة الخير لو كان الإلقاء الأول للعصا اللي تتحول إلى حية كان أمام فرعون، إيش كان حصل لموسى عليه السلام؟ لربما خاف وفزع لأن هو لما رآها أول مرة ولى مدبراً ولم يعقب، فما كان مناسباً أن يخاف موسى عليه السلام من الدليل الذي أتى به، لازم إيش يصير؟ لازم يجرب ويتدرب عليه. الشيء الثاني أنه هذه آية قبل أن يراها فرعون لابد أن يراها موسى، ليش؟ ليكون على يقين تام، وهذا الشاهد: وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. هنا موسى عليه السلام نفس الشيء، إيش الدليل؟ إيش الدليل أن الله سبحانه وتعالى أراد لموسى أن يرى هو ليكون في قلبه من الثبات؟ إيش الدليل؟ نعم، أن الله سبحانه وتعالى قال له في سياق هذه الآيات: لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَىٰ. نريك أنت يا موسى قبل غيرك، قبل فرعون، أنت يا موسى ترى الآيات الكبرى لك أنت أول شيء، لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَىٰ. رآها، حصل له هذا اليقين. اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ.

هذا منهج، يعني هذه الآيات اللي قبل كلمة اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ تقدر تسميها منهج إعداد المصلحين، منهج. أول شيء: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي، العلم بالله، الربط بالله، القضية هذه. فتعلمنا الإيمان، شفت فتعلمنا الإيمان هذه: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي، هذه فتعلمنا الإيمان، لأنه حتى فيها أصلاً ربط بالآخرة اللي هي إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا، هذا اسمه العلم بالله واسمه فتعلمنا الإيمان. وبعدين التهيئة الإصلاحية ورؤية الآيات واليقين وكذا إلى آخره. قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي، إلى آخر الآية.

نرجع: وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ، هذا اليقين الذي كان لإبراهيم عليه السلام كان زاداً له في محاجة قومه وهو وحده، وهو فتاه، لكن ما كان في أحد قادر أن يزايد عليه في الحجة والبرهان، ما في أحد، ولا أن يزيد عليه. ومن هنا أصلاً تصحح معايير: كونك وجيهاً اجتماعياً هذا ليس معياراً، كونك كبيراً في السن هذا ليس معياراً، كونك صاحب أموال هذا ليس معياراً، كونك تمتلك الحجة والبرهان هذا المعيار. الحق لابد أن يكون مرتبطاً بالحجة والبرهان، هذا معيار أساسي، هذا معيار كبير، هذا معيار مهم.

ولعلكم يا جماعة يعني على المستوى الشخصي حقيقة أحاول أن أمتثل هذا المنهج في عرض الدلائل. يعني مثلاً لما تتكلم مع واحد عن المنهج الإصلاحي ولا كذا، الواحد ما يريد أن يعرض مثل هذه الأشياء باعتبارها نظريات شخصية ولا فلسفية ولا اكتشافات لا معرفية، لا، حاول الواحد أنه كل شيء يتذكر لما أخذنا مع "إحياء منهاج النبوة" أخذنا 42 معلماً، المفترض أن يكون هناك استعداد أنه أي أحد يقول: معلش كيف تقول هذا معالم منهاج النبوة؟ وين الدليل؟ لذلك ما ذكر معلم من هذه المعالم إلا ذكر، ليس فقط ذكر لها دليل، يمكن ما في معلم ذكرنا له عدة أدلة، لأنه أصلاً إحنا ادعينا الادعاء أنه ما نسمي القضية معلم من معالم منهاج النبوة إلا يكون مستمراً أو متكرراً، ما يكون مثلاً سنة مفردة، فلازم مو بس تجيب الدليل، لازم تجيب الدليل اللي يثبت أنه هو أمر متكرر. المفترض أنه الأمر إذا عرض بهذه الطريقة أن يكون له قوة. صاحب المتجرد للحق الباحث المفترض أن مثل هذا الكلام يقتنع به، ليس لأجل القائل ولا لأجل الأسلوب، لأجل الدلائل، هذا منهج، يعني هذا منهج يتعلم من دعوة الأنبياء.

هذا البيان ليس خاصاً بدعوة المشركين ولا الكفار ولا الملحدين ولا أهل الكتاب، لا شك أنه هناك من باب أولى، لكن بما أننا في زمن يا جماعة الخير نحن في زمن من شعاراته ومن صفاته الأساسية زمن الاختلاف، اختلاف المناهج بين المسلمين. إحنا اليوم في مرحلة جماعات وأحزاب وتيارات وأفكار ومذاهب وأقوال، وهذه كلها الخلافات فيها على قسمين: منها ما هو خلاف تنوع لا بأس به، مهم أن يكون موجوداً ومهم أن يبقى صح ولا لا؟ وهناك ما هو اختلاف تضاد واختلاف اضطراب واختلاف فتنة واختلاف تشتيت واختلاف ضياع بوصلة. هنا أنت حتى تأتي بشيء ترى أن فيه قدراً من الصلاح أو من الرشد في ظل هذه الاختلافات لابد أن يكون مبرهناً، ما يعتمد فيه على اسم شخص ولا اسم جماعة ولا اسم تيار ولا اسم دولة ولا اسم إلى آخره، ما في اليوم ما يصلح الشعارات ولا بد من الدلائل ولا بد من البراهين.

طيب نكتفي بالكلام عن هاتين الآيتين في صدر قصة إبراهيم عليه السلام في سورة الأنعام، وإن شاء الله في اللقاء القادم ندخل في تفصيل المحاجة المبتدأة بقول الله سبحانه وتعالى: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا.

ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد والهداية والرشد، ونحمده سبحانه وتعالى على ما وفق، ونستغفره من ذنوبنا ونتوب إليه، ونسأله أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن ينصر دينه، وينصر عباده المجاهدين في سبيله، وأن ينصر كل من ينصر دينه، ونسأله سبحانه وتعالى أن يذل أعداءه، وأن ينتقم من المجرمين الذين يحاربون دينه ويصدون عن سبيله ويقاتلون عباده المستضعفين من المؤمنين في كل مكان. اللهم يا ربنا صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وآته الوسيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، واحشرنا في زمرته، واجعلنا من الواردين على حوضه، وارزقنا مرافقته في الجنة. سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.