تسجيل الدخول

مدارسة سورة الأنعام 02

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. أما بعد: نستعين بالله ونستفتح المجلس الثاني من مجالس دراسة سورة الأنعام، نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد والهداية والبركة. المجلس الأول كان فيه حديث عن مقاصد السورة، وكان فيه حديث عن أهمية الدخول إلى السيرة النبوية من خلال السورة، وأنه هذه السورة من أهم السور التي تكشف عن طبيعة الحجاج الذي كان في مكة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين.

قبل أن نبدأ بالآية الأولى من السورة، أريد أن أنبه أيضا إلى قضية مهمة جدا مرتبطة بفهم السورة أو بما فهم من السورة، ومرتبطة بالمنهج الإصلاحي. كما تعلمون في دروس بوصلة المصلح وربما في أنوار الأنبياء كنت أتحدث عن أن من قواعد الإصلاح المأخوذة من منهج الأنبياء معالجة المشكلات الكبرى؛ وأن شعيبا عليه السلام عالج المشكلة الكبرى في زمنه، ولوط عليه السلام عالج مشكلة الفاحشة في زمنه، ولذلك دائما في القرآن يرتبط اسم النبي بالمشكلة الكبيرة التي في زمانه، وموسى عليه السلام اعتنى بتحرير المستضعفين وجعل هذه يعني كانت قضية أساسية في رسالته.

طيب لو قال قائل: ما هي المشكلة الكبرى التي عالجها النبي صلى الله عليه وسلم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؟ هذه القضية تعرف من خلال القرآن؛ ما هي الموضوعات التي عالجها القرآن؟ سنجد أننا نكتشف معالم الإشكالات التي عالجها النبي صلى الله عليه وسلم. ولكن القضية في رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ليست فقط في الدعوة إلى التوحيد وهدم الشرك ومعالجة بعض الإشكالات، وإنما لأنها الرسالة الخالدة التي ستبقى إلى يوم القيامة، وهذه الأمة خير أمة، وهذا الامتداد وليس بعد النبي صلى الله عليه وسلم نبي، فإن القضية كان فيها هدم لمجموعة من المشكلات والباطل، وبناء لصرح الشريعة الشامل، ولذلك هذا البناء الذي هو بناء الصرح ليس بالضرورة أن نقول إنه يعالج مشكلة كبرى بقدر ما هو أن هذا الدين الذي يريد الله سبحانه وتعالى وهذه الشريعة التي يريد الله سبحانه وتعالى أن تحكم.

لكن مع ذلك نقول في الشق الأول اللي هو شق المعالجة، شق المعالجة هناك اسم جامع يجمع المشكلات التي عالجها النبي صلى الله عليه وسلم خاصة في المرحلة المكية، الاسم الجامع هذا هو الجاهلية. الجاهلية؛ وهو اسم ورد في القرآن عدة مرات؛ فقال الله سبحانه وتعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ، وقال سبحانه وتعالى: وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ، وقال سبحانه وتعالى: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وقال سبحانه وتعالى: يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ، فهذه أربع آيات فيها ذكر الجاهلية بالاسم، وهناك أشياء كثيرة من أمور الجاهلية ذكرت في القرآن وإن كان لم يذكر معها اسم جاهلية.

ما علاقة هذا بسورة الأنعام؟ علاقة هذا بسورة الأنعام أن سورة الأنعام من أهم السور التي عالجت مشكلات الجاهلية، وذلك أن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال كما في صحيح البخاري: من سره أن يعلم جهل العرب، من سره أن يعلم جهل العرب فليقرأ ما بعد المائة من سورة الأنعام. سورة الأنعام هذه ذكرت جهل العرب وعادات وشرائع وتفاصيل كانوا يقومون عليها، فجاء القرآن فهدمها.

الآن هذا من جهة القرآن، من جهة السنة ذكرت في كثير من الأحاديث لفظ الجاهلية واسم الجاهلية، وهدم النبي صلى الله عليه وسلم في عمله وفي أفعاله وبأقواله كثيرا من أمور الجاهلية وعاداته. بل لما اجتمع العدد الأعظم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وقام فيهم خطيبا -وكأنها ختام هذه الرسالة هذه الخطبة الجامعة- قال: ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع. هنا ما بعث لأجله النبي صلى الله عليه وسلم تم، ما جاء لهدمه هدم؛ ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ألا وإن ربا الجاهلية موضوع، وقال: وأول دم أضع من دمائنا أول ربا أضع من ربانا ربا العباس، وهكذا كان بهذا المقام الكبير إيذان بأن ما جاء النبي صلى الله عليه وسلم لهدمه قد هدم وانتهى وفكك وأبطل، ثم جاء مكانه الشريعة.

لذلك تلاحظون في القرآن المكي كان التركيز على الإبطال للباطل أم البناء التفصيلي للشريعة؟ إبطال الباطل طبعا، وإحقاق الحق اللي هو القضية الكبرى فقط؛ اللي هي التوحيد والعقيدة وأسس الدين. لكن ما يتعلق ببنيان الشريعة إنما جاء بعد إبطال الباطل. يعني ايش القضية الكبرى عند الجاهلية؟ طبعا الجاهلية اسم جامع، أكبر قضية تدخل في الجاهلية اللي هي عبادة الأصنام وعبادة الأوثان. طيب هذا ليس فقط في عبادة الأوثان والأصنام، وإنما أمور من الجاهلية كثيرة، منها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية. هذا الآن في قضية ايش؟ اللي هو عدم الصبر على المصيبة، النياحة على الميت والندب له وما إلى ذلك، والاعتراض على قدر الله.

أيضا كما في البخاري كان النبي صلى الله عليه وسلم مرة في سفر، وكان -وهذا اللفظ يمكن مو مشهور كثيرا عنه في البخاري- قال: وكان من المهاجرين رجل لعّاب، هكذا جاء به اللفظ، فضرب رجلا من الأنصار فغضب الأنصاري، فذهب الأنصاري فقال: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين! فاهتموا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما بال دعوى الجاهلية؟ ولاحظوا هذه الآن الأسماء شرعية، اسم الأنصار واسم المهاجرين أسماء أنزلها الله في القرآن، لكن لما كان الاحتماء إليها بطريقة غير صحيحة ايش صارت؟ دعوى الجاهلية. فما بالكم بالأسماء التي لم ينزلها الله في القرآن؟ أي انتساب؛ انتساب لحزب، انتساب لجماعة، انتساب لفصيل، انتساب لدولة، انتساب لوطن، انتساب لقبيلة أيا كان، لما يتم التصرف بمثل طريقة الاحتماء هذه تكون جاهلية.

وأيضا في البخاري قالت عائشة: وهدم النبي صلى الله عليه وسلم نكاح الجاهلية، وذكرت أنواع النكاح الذي كان، قالت: هدم نكاح الجاهلية. هذا معناه ايش؟ معناه كان في مشكلة كبرى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فجاء لأجل علاجها لهدمها؛ تلخص هذه المشكلة في اسم الجاهلية، ابتداء من عبادة الأوثان (360 صنم حول الحرم) ومرورا بأنواع العادات والإشكالات الجاهلية من النكاح والعدة، وهذه أيضا مذكورة في الحديث الصحيح؛ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: قد كانت إحداكن في الجاهلية تفعل كذا وكذا، وذكر ماذا كانوا يفعلون عند الحداد، عند موت الزوج، وهي قصة يعني كيف كانت المرأة معذبة في الجاهلية في هذا المعنى. وفي أنواع الأمور والعادات الجاهلية الباطلة، الربا، الأخذ بالدماء والثأر بطريقة غير صحيحة. ولخص هذا وجمع في الخطبة الجامعة في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم: ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع.

طيب هذه قضايا الجاهلية، عرضها النبي صلى الله عليه وسلم بالتوحيد؛ يعني هي قضايا كثيرة، أكبر وأخطر قضية في الجاهلية الشرك عبادة الأوثان، ولذلك دائما نجد في القرآن المكي التركيز على ما يقابل هذه القضية الخطيرة، دائما التوحيد، وأن الله هو الخالق، وأنه الذي يستحق العبادة وحده، تجد بالموازاة سورة الأنعام. ونحن نتدارس سورة الأنعام، هي سورة أبرزت كثيرا من إشكاليات الجاهلية وعادات الجاهلية وعبادات الجاهلية وأشكالات الجاهلية، وكيف جاء الدين وجاء القرآن وجاء الوحي وجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليهدم هذه الجاهلية.

ومن هنا تستمر هذه القاعدة المهمة في المنهج الإصلاحي، وهي أهمية أن يعالج المصلح المشكلات الكبرى في زمانه. فالمشكلات الكبرى في زمانه؛ فهذا منهج نبوي، منهج الأنبياء عموما، ومهم جدا الاقتداء بالأنبياء في هذا المعنى. طبعا ايش التفاصيل التي في الجاهلية التي بينت في سورة الأنعام وهدمت؟ هذه لما نأتي إليها إن شاء الله في وقتها، وهي طبعا المرتبطة باسم السورة، مرتبطة بالأنعام، ففيها يعني كما قال ابن عباس: من سره أن يقرأ جهل العرب. إذا هذه القضية التي الأولى التي أردت أن أذكرها في سورة الأنعام في هذا المجلس. القضية الثانية، أو خلاص يعني نبدأ إن شاء الله في السورة.

طيب هذه السورة ابتدأت بقول الله سبحانه وتعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ. هذه سورة من خمس سور في القرآن بدأت بالحمد لله، أولها وأعظمها سورة الفاتحة: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، ثم سورة الأنعام: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، ثم سورة الكهف: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، ثم سورة سبأ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ، ثم سورة فاطر: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

الحمد عبادة عظيمة ومركزة، بل يمكن أن تقول إن الخلق خلقوا ليحمدوا ربهم ويوحدوه سبحانه وبحمده. ولذلك إحنا لما نتعامل مع الحمد حتى ندرك قيمته، دعونا نأخذ كذا نظرة في القرآن وفي العبادات، كيف أن الحمد صار أو هو أمر مركزي، وأمر عليه مدار من مدارات الدين؛ يعني هو مدار من مدارات الدين الكبرى، مدار من مدارات العبودية الكبرى. ولذلك الآن لما نقرأ سورة تبدأ بالحمد ونتعامل مع كلمة الحمد، لا يجب أن نتعامل معها بتعامل استثنائي، وهذا التعامل الاستثنائي يجب أن ينعكس على حياتنا انعكاسا استثنائيا، فيظهر الحمد في حياة المؤمن ظهورا استثنائيا.

سبحان الله، ما تقرأ القرآن وترى أين ذكر الحمد وسياق الآيات، ستجد أن الحمد مبتدأ ومنتهى؛ يعني يبدأ من بداية حياة الإنسان أو من بداية العبادة وإلى آخر شيء. ولذلك جاءت بعد بعد بعض السور فيها الحمد فيما يتعلق بالبدايات، وأهمها سورة الفاتحة؛ هي طبعا فاتحة، هي فاتحة الكتاب، يعني هذا الكتاب، هذا القرآن بما افتتح؟ بالحمد. وهناك آيات توضح أنه يعني ختام الأشياء، ختام المراحل تكون بالحمد أيضا. فمثلا بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى سورة الصافات ذكر الآيات العظيمة، قال في آخرها: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وأوضح منها فيما يتعلق بالختام لما ذكر الله سبحانه وتعالى أهل الجنة، فقال: دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وهذا يذكر أيضا بالآية الأخرى: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ. وأيضا: وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وأيضا: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ، هذه كلها نهايات ذكر فيها الحمد.

طيب، الحمد في الآخرة له شأن مرتبط بنا كلنا، أو كلنا مرتبط بالبشر كلهم، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم له المقام المحمود، وهذا المقام المحمود سيكون مفتاحه الحمد. بمعنى أنه تعرفون لما يجتمع الخلق على الأنبياء: اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ كل نبي يقول: نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، ويدلهم على الذي بعده، يذهبون إلى الذي بعده، يذهبون إلى الذي بعده، إلى النبي صلى الله عليه وسلم. النبي صلى الله عليه وسلم قال: فأذهب فأسجد تحت العرش، قال: فيفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه ما لم يفتحه على أحد قبلي، فيقال: يا محمد ارفع رأسك وسل تعط، واشفع تشفع.

هذا المقام، يعني هذا مقام، يعني تعرف هو: عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا، هذا تحمده الخلائق كلها، كل الخلائق تحمد النبي صلى الله عليه وسلم وتثني عليه في هذا المقام المحمود. كيف طرق باب هذا المقام في ذلك اليوم؟ بالحمد لله سبحانه وتعالى، قال: فيفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه ما لم يفتحه على أحد قبلي. طبعا الحمد هو الثناء على الله، الثناء المصحوب بالأجل، الثناء المصحوب بالمحبة، الثناء على الله سبحانه وتعالى بما يستحقه الثناء عليه سواء من جهة ما يستحقه في ذاته لكماله سبحانه وتعالى وجلاله ولعظمته ولعظيم أفعاله، سواء كانت نعمة متعلقة بك أو ليست كذلك، أو الحمد له على ما أنعم وأعطى ووهب، فكلاهما يدخل في موجب الحمد.

وهذا نجده في القرآن؛ فمن الأول ايش مثلا؟ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا. هذا الآن حمد على ايش؟ لله ذي الجلال الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا. ومن الثانية: فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، الآن الحمد هذا حمد شكر، صح؟ هل الحمد الأول حمد شكر؟ اللي هو الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا، هو ليس حمد شكر، هو ليس مقابل نعمة معينة، هو حمد ثناء على الله لجلاله وعظمته وكماله. طيب إذا هما حمدان: حمد لله فيما يستحقه في ذاته، وحمد لله فيما أنعم به على عباده.

جيد، هذا الثاني الحمد لله فيما أنعم على عباده، حمد على قسمين أيضاً: القسم الأول هو ما أنعم الله على عباده من النعم الدينية، من الهداية، طبعاً من إنزال الكتاب، من بعث الرسل، من الهداية، من الفتح، من الخير، إلى آخره. والثاني هو ما يهبه الله لعباده من النعم الدنيوية. فمن الأول قوله سبحانه وتعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا. ومن الثاني: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ. وأوضح منه قوله صلى الله عليه وسلم: إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها. وهذا في صحيح مسلم عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما ذكرت أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

إذاً الحمد عبادة عظيمة جليلة ذات مهابة، ويجب أن يعني يسير الإنسان فيها على طول الطريق وفي طول حياته. طيب كيف تحقق؟ كيف تقام هذه العبادة، عبادة الحمد، كيف تقام؟ العلماء يفرقون بين الحمد والشكر، وإن كان الحمد يتضمن معنى الشكر، لكن يفرقون بين الحمد والشكر من جهتين: من جهة أن الشكر لا يكون إلا مقابل نعمة، بينما الحمد أعم، فيكون مقابل النعمة ويكون لمجرد الثناء على المحمود، فهنا أيهما أعم؟ الحمد أعم من الشكر. ومن جهة أخرى فالشكر أعم من الحمد من جهة كون الشكر يكون بالقلب وباللسان وبالعمل الجوارح، بينما الحمد بالقلب وباللسان. ومن هنا نعلم مركزية عبادة اللسان فيما يتعلق بالحمد، يعني هذا الحمد الاسم العظيم الكبير العجيب الذي انتظم، يعني أو الذي هو منتظم في القرآن من أوله إلى آخره، ترى مداره على اللسان من حيث الأداء العملي، وإن كان مداره على القلب من حيث يعني تحقيق هذه العبودية، فهي عبادة اللسان ومصدرها القلب.

جيد، طيب بما أنها عبادة لسان إذاً هي داخلة تحت اسم الذكر. الذكر على قسمين: منه ما هو ذكر مؤقت، مؤقت يعني أو مقيد، أو يعني خلنا نقول ما هو منصوص عليه، ما هو وارد عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومن الذكر ما هو مفتوح للعبد يأتي فيه بما شاء، ودائماً إذا كان عندك ذكر فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء وفيه ما هو مجال مفتوح، فالالتزامك بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه أفضل من التزامك بالأمر الذي فيه، يعني بما هو مفتوح، فضلاً عما لو كان -وهذا من الضلال ومن الحرمان- فضلاً عما لو كان البعض يعرض عما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في طريقة الذكر، وحتى يعرض عن الاسم العام للذكر ويتخذ طرائق مخصوصة محدودة يؤديها بتوقيتات معينة كأنه يضاهي بها ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا حرمان قبل أن يكون إشكالاً.

طيب لما ماذا نذكر هذا؟ حتى نقول إن ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحمد كثير جداً، وبناءً على ذلك هذا الاسم العظيم الذي جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى كثيراً قد بين النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الطرق لأدائه، وبالتالي اجمع قلبك أثناء ذكرك بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم في شأن الحمد وهو كثير جداً. كثير جداً؛ فمنه ما هو داخل تحت أو ما هو مجموع مع غيره من الذكر، وأكثر ما يجتمع الحمد مع التسبيح: سبحان الله وبحمده. ولذلك سئل النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح: أي الكلام أفضل؟ أي الكلام أفضل؟ قال: ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده: سبحان الله وبحمده. اصطفاها الله لملائكته، ولذلك جاء في القرآن أن الملائكة ماذا يفعلون؟ يسبحون بحمد ربهم. لما خلق الله آدم قالت الملائكة: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ. صح؟ وأيضاً في سورة غافر: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ. ليس كذلك؟ وكذلك في سورة الشورى ايش كذلك: يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ ۚ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ. إذاً التسبيح بحمد الله هو ذكر الملائكة، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه أفضل الكلام، وهنا تتأكد القضية، ومن هنا ينبغي الالتزام الدائم بـ "سبحان الله وبحمده".

هذا الآن فقط نصوص مجملة في فضل "سبحان الله وبحمده"، ثم جاءت النصوص المفصلة؛ مثلاً موضع من مواضع "سبحان الله وبحمده" في الصباح وفي المساء، وهذا حديث صحيح: "حين يصبح وحين يمسي مئة مرة". هنا الآن خلاص أنت الآن تعرف تخيل هذه العبادة الكبيرة الحمد تنزل على شكل ايش؟ تسبيح مئة مرة في الصباح، تسبيح مئة مرة في المساء، هذه واحدة من صور تحقيق الحمد الآن. جيد، بالمناسبة إحنا ايش الذكر الوارد في أول الاستيقاظ من النوم؟ "الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني". صح؟ ومن أذكار النوم الصحيحة الثابتة قد يكون يعني هو مشهور لكن ليس جداً، لكنه من الحديث الصحيحة يعني في الصحيح النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند نومه: "الحمد لله الذي أطعمني وسقاني وكفاني وآواني، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي". لاحظ تبتدئ من استيقاظ النوم بالحمد، تختتم يومك بالحمد، "الحمد لله، الحمد لله". وهذا تفصيل "الحمد لله الذي أطعمني وسقاني وكفاني وآواني فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي".

طيب الصلاة الحين، شوف لاحظوا إحنا كله تحت عنوان ايش؟ أنه ترى هذه العبادة المركزية الكبرى ترى بين النبي صلى الله عليه وسلم السبيل لتحقيقها. عندك الصلاة، الصلاة مليئة بالحمد، جيد، ابتداءً من دعاء الاستفتاح، واحد من صيغ دعاء الاستفتاح: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك..."، وبعد ذلك الفاتحة وهي فرض وفيها الحمد، ومروراً بـ "سمع الله لمن حمده"، "سمع الله لمن حمده"، ثم "ربنا ولك الحمد"، وتمام الذكر هذا عظيم أيضاً وارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح الإمام مسلم: "ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد". ثم في الركوع وفي السجود كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي". ثم بعد ذلك في التحيات، التحيات ترى هي حمد وثناء على الله: "التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي..." إلى آخره. ثم بعد الصلاة، سبحان الله طبعاً قبل سبحان الله ترى الأذكار اللي بعد الصلاة في ايش؟ "له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير". ثم سبحان الله ٣٣، الحمد لله ٣٣، الله أكبر ٣٣، ثم ختامها ايش؟ "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير". أف، يعني صارت الحياة كلها حمد، هي يعني العبودية، صار اليوم كله حمد، وإحنا ما تتبعنا أذكار الصباح ذكراً ذكراً، وإلا فيها طبعاً أيضاً غير سبحان الله وبحمده مئة مرة، "سبحان الله وبحمده عدد خلقه" وفضلها النبي صلى الله عليه وسلم على ذكر طويل، وعندك "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" مئة مرة، وعندك أيضاً "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" عشر مرات، هذه ليست مرتبطة بالصباح والمساء، هذه حث النبي صلى الله عليه وسلم على قولها.

جيد، طيب كم تأكل في اليوم؟ كل أكلة طبعاً لعل الأصح ليس اللقمة وإنما الأكلة، يعني بعد ما تنتهي: "الحمد لله". هذه أيضاً من الأشياء الواردة، لاحظ أنت الآن كيف سلك لك النبي صلى الله عليه وسلم وبين لك ومهد لك الطريق لتحقيق هذا الاسم العظيم من العبودية، اسم الحمد. وإذا تأملت في الكتاب ستجد أيضاً من عبوديات الأنبياء الحمد، تحاول تفهم أين جاءت ما سياقاتها كذا إلى آخره، فتظهر يظهر للإنسان المسلم قيمة هذا الحمد في الحياة، وقيمة هذا الثناء على الله سبحانه وتعالى في هذه الحياة، وأن هذه العبودية من أعظم العبوديات ومن أزكاها ومن أهمها. في سورة الأنعام جاء الحمد هنا مرتبطاً بالثناء على الله سبحانه وتعالى أنه خالق السماوات والأرض: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ. لاحظ لاحظ من بداية السورة أنت وضعت في السياق بسياق السورة من أول آية وضعت في السياق، سياق التمجيد لله والتعظيم له وأنه المستحق للعبادة وحده، وسياق ملاحظة الإشكال العظيم الذي كان في تلك المرحلة وهو إشكال الشرك بالله.

إشكال بالمناسبة هذه السورة طبعاً تعرفوا الشرك عرض القرآن المكي كثيراً صح؟ عرض ونقض، في هذه السورة هناك سمات لعرض الشرك ونقضه، من السمات التي في هذه السورة سمة التعجيب، أنه يعني ما أعجبها كيف هؤلاء يشركون، أنه يعجب الإنسان المؤمن، أنه شوف حتى هذه ظاهرة في الآية الأولى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ. أي يسوون به غيره. طيب من غير الله خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور؟ من غير الله خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور؟ لا أحد، إذاً كيف يسوى؟ ها كيف يسوى غير الله بالله؟ ولا يوجد أحد، هكذا في السورة الأخرى: هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ. لذلك الاستدلال على عظمة الله من خلال المخلوقات هو منهج قرآني أساسي مكرر في السور القرآنية وخاصة المكية. الاستدلال على عظمة الله وجلاله، ودائماً يا جماعة القرآن يجمع بين طريقتين، أولاً الاستدلال على عظمة الله وجلاله وكبريائه وعظمته وأنه الواحد، ولازم بعدها على طول أنه بما أنه كذلك فالمطلوب هو ايش؟ العبودية له وحده والاستسلام له وحده لا شريك له. دائماً هذه المقارنة، ولذلك فكرة أنه انحراف بعض من كتب في خلنا نقول أو من اشتغل بالعقيدة في تاريخ المسلمين بأن جعل القضية متمحورة على مجرد معرفة الله سبحانه وتعالى وأقل من ذلك مجرد إثبات وجوده سبحانه، أنه ما هو التوحيد؟ التوحيد يدور على إثبات وجود الله. لا، إثبات وجود الله هذه مقدمة، يعني ايش في البدايات بس، ترى إبليس يؤمن بوجود الله، يؤمن بوجود الله وهو في النار، فليست القضية، أنتم تعرفون حتى المشركون الذين يعني الذين بعث النبي صلى الله عليه وسلم فيهم ما كانوا ايش ينكرون وجود الله، لكن المنهج القرآني من خلال المخلوقات إثبات عظمة الله وجلاله وأنه الواحد الخالق الرازق المدبر، ثم وبناءً على ذلك تجد معها أفغير الله تتقون؟ أو تجد معها أنه يعني التقبيح لمن جعل مع الله إلهاً آخر، يوم ما تسمع إلهاً هذه فيها معنى العبودية، هذه فيها معنى العبودية. إذاً الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ. طيب إحنا قلنا هذه الآن الآية تضعك في السياق.

من مميزات الإمام الطبري رحمه الله، ولعله يتكرر معنا الإمام الطبري كثيراً وهو يستحق حقيقة أن يبرز كإمام مفسر عظيم جداً، من جاء بعده استفاد منه كثيراً، ولكن لم ينقل لم ينقل كثير من المتأخرين أهم ما في تفسيره. عموماً الإمام الطبري انتبه أنه هذه الآية جعلتك في سياق السورة، سياق السورة كاملة، لذلك أخذ هذه الكلمة ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ وجالساً يعيدها عليك في التفسير كلما جاء ذكر الذين كفروا، مثلاً كل ما يجي مثلاً "قل"، إحنا قلنا السورة هذه فيها "قل" كثيرة صح؟ أن النبي صلى الله عليه وسلم الله سبحانه وتعالى يأمر نبيه أن يقول كذا ويلقنه الحجة ليحج المشركين، كلما تجي آية فيها "قل" فيما يتعلق بالمشركين يقول الطبري: قل يا محمد لهؤلاء الذين عدلوا بربهم غيره، لهؤلاء العادلين بالله غيره، أخذها من وين؟ من أول آية في السورة: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ. تبع أن هذه مفتاح للسورة، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ. هو ينظر في الآيات، كلما تجي آية يقول: قل لهؤلاء الذين بربهم يعدلون، قل لهؤلاء الذين بربهم يعدلون، قل لهؤلاء الذين بربهم يعدلون. السورة هذه تنقلك في آفاق الكون لتجمع تشتت قلبك بعد أن نظر نظرت عينك في هذا الكون الواسع، ليخبرك له، لذلك نجد تنوعاً في المخلوقات، يذكر في هذه السورة، ثم توحيداً في توجيه القلب لله سبحانه وتعالى. لاحظوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ * هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ. إحنا قلنا أسلوب السورة في تعجيب يعني من حالهم: ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ. لاحظوا كيف هاتان الآيتان نقلت القارئ والمتدبر من الظلمات والنور، ثم التاريخ أساس الخلقة للبشر، خَلَقَكُم مِّن طِينٍ، ثم النهايات اللي هي ايش؟ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ. والفرق بين الأجلين أن الأجل الأول هو الأجل المرتبط بالموت، ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا الأجل الذي تموتون فيه، وأجل مسمى عنده وهو ما استأثر الله به من أجل قيام الساعة، فهما أجلان، أجل الموت في هذه الحياة هو أجل، آخر مسمى عنده، ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ، وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ.

يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون، وهو الله في السماوات وفي الأرض، هو المعبود في السماوات والأرض، كمثل قوله سبحانه وتعالى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ.

هو الله المعبود في السماوات والأرض، الله هذه هذا اللفظ يؤخذ منه معنى العبادة، معنى الألوهية، وهو الله في السماوات وفي الأرض، وابن كثير يقول: وهو الله في السماوات والأرض المدعو الله في السماوات والأرض، فليس غير الله، ليس غير الله إلهاً، ليس غير الله اسمه الله الذي يعبد في السماوات وفي الأرض، الذي هو الإله الذي يعبد في السماوات والأرض، الذي هو الإله الحق في السماوات والأرض، فهو الله وحده لا شريك له، وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون، يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون.

الآن كم آية؟ ثلاث آيات، ها الثلاث آيات ربطت العبد بالله سبحانه وتعالى، وبينت أحوال من أحوال المخلوقات، وكيف تعظم في النفس، يعني الله سبحانه وتعالى الخالق، وأنه هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وأما أولئك فهم يعني قد عدلوا بربهم غيره وظلموا أنفسهم في هذا الفعل، العلم في سورة الأنعام هذه الآن آية: ويعلم سركم وجهركم، إحنا ذكرنا في الدرس الأول أن من مركزيات السورة العلم الإلهي، ذكرناه طيب، هذا هذا من مركزيات السورة، يعني وأنت تقرأ السورة يعني إيش تلاحظ التركيز على قضية أن الله يعلم، يعلم كل شيء، وذكرنا اللي هو إيش: وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا، وكيف أنه إذا كانت الورقة التي هي ليست حدثاً مهماً في الكون، يعني سقوط الورقة ليست حدثاً مهماً في الكون، لكن الله يعلم، أو ما من ورقة تسقط إلا وهو يعلمها، وهنا كذلك: يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون.

ثم بعد ذلك: وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ، هذه إن شاء الله تكون في الدرس القادم، لكن هذا مطلع السورة وهذه بدايتها، ارتبطنا فيها بالله من جهة كونه خالقاً مدبراً، وبالله من جهة كونه إلهاً في السماوات وفي الأرض، وارتبطنا فيها بأنه هناك جاهلية على الأرض، هناك ظلم على الأرض، هناك إشكال في الأرض، لم يقدر هذه القضية الكبرى قدرها، ولم يعط هذه القضية العظمى ما ينبغي أن تستحق، فاتخذ وسلك طريقاً عجباً، سلك طريقاً غريباً، سلك الإنسان طريقاً خطأ، سلك الإنسان طريقاً أضل به الدرب، وأضل به عن الهدى، وجاء القرآن يقوم ضلال الإنسان، فيرجع من هذا التيه إلى الصراط المستقيم المبين في هذه السورة: وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ، كما في الآية التي في هذه السورة.

ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد والعفو والعافية والمغفرة والهدى، وأن يعز الإسلام والمسلمين، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك يا ربنا على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، واحشرنا في زمرته، واجعلنا من الواردين على حوضه، وأحينا على سنته، وأمتنا عليها، وارزقنا مرافقته في الجنة.