الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد.
نستعين بالله الولي الحميد، ونتوكل عليه، ونستهدي به، ونستفتح مجلساً جديداً من مجالس مدارسة سورة الأنعام. هذه المجالس التي ابتدأت في شهر رمضان الفائت عام 1446 للهجرة، وكانت النية أن نمر في شهر رمضان على أكثر السورة أو كامل السورة أو ما يتيسر بعد نصف السورة، وبالفعل عقدت سبعة مجالس والحمد لله، ثم بعد ذلك كان هناك بعض الأتعاب التي حالت بيني وبين إتمام المجالس في رمضان، وبعد ذلك تمت العودة إلى المجالس بشكل متفرق ما بين مجلس وآخر، وبإذن الله تعالى لن أترك هذه السلسلة حتى يتم الانتهاء من سورة الأنعام كاملة، وهذا هو المجلس الرابع عشر من السلسلة.
والسورة حقيقة سورة عظيمة، ومليئة بالعلم، مليئة بالخير، مليئة بالهدى، مليئة بالنور، مليئة بالمنهج، مليئة بالوعي، لأن هذه السورة سورة الأنعام حقيقة يمكن أن تكون مثالاً للوعي بسبيل المجرمين، وهي السورة التي ورد فيها قوله سبحانه وتعالى: وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ. في هذه السورة، وأيضاً هذه السورة منهج، فيها منهج لقش، ومحاجة، وإبطال، ونقض إشكالات المذاهب المخالفة للإسلام، مذاهب والتوجهات والتيارات والأديان إلى آخره، لأن هذه السورة هي برأيي أهم سورة يؤخذ منها المنهج الحجاجي في القرآن، وإن نازع أحد في الإطلاق إطلاق الأولوية، وهذا لا شك بالنسبة لي ليس استقراءً تاماً تفصيلياً، فلن ينازع في كونها من أهم السور التي يستخرج منها المنهج الحجاجي في القرآن.
وهي أكثر سورة من سور القرآن ورد فيها لفظ قل في تلقين الحجة للنبي صلى الله عليه وسلم ما الذي يقوله لهؤلاء المشركين، ولهؤلاء الكفار المعارضين لكتاب الله سبحانه وتعالى، ولهذا الحق الذي نزل. ولذلك هذه السورة من كان في سياق الدعوة في سياق المحاجة في سياق الرد على الشبهات وما إلى ذلك فليتأمل فيها. الحين قلنا هذان عنوانان في السورة، صح؟ الأول: الوعي بسبيل المجرمين، والثاني: في المحاجة، وما إلى ذلك. أيضاً من العناوين التي يمكن أن تؤخذ من السورة هو عنوان السنن الإلهية، وبالفعل يوجد من ألف كتاباً مفرداً في السنن الإلهية في سورة الأنعام أو على ضوء سورة الأنعام، ضمن مجموع مؤلفات الشيخ عبد العزيز الجليل في عنده مجموعة من الكتب وفيها تأملات قرآنية فيها كتاب في السنن الإلهية في سورة الأنعام أو نحو ذلك.
وبالفعل هذه السورة فيها مجموعة من الآيات التي يمكن أن يستخرج منها السنن الإلهية، وبما أنها مكية فغالب السنن الإلهية أو خلينا نقول من أهم موضوع السنن الإلهية في السور المكية وما يتعلق بإهلاك الكفار والمشركين وأن العاقبة للمؤمنين على الرغم من عدم وجود المعطيات المادية التي تؤدي إلى ذلك، وأيضاً كل ما يتعلق بالتدافع. لذلك هذه السورة فيها بعض الآيات التي تعتبر آيات مركزية في باب السنن الإلهية، منها من يأتي بآيات تعتبر مركزية في باب السنن الإلهية في سورة الأنعام؟ مثلاً: وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا. هذا معناه أن قضية العداء للحق هي أمر مقدر ماضٍ، وفي كل قرية، وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا، هذا يدخل تحت سنة التدافع بين الحق والباطل، ترى الباطل ليس موجوداً لأنه بالضرورة يوجد حق قوي ويخاف منه، لا هو من قدر الله أنه أوجد الخير والشر وأهل الباطل وأهل الحق.
وأيضاً: وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا. هذه الآن سنة ماضية، يقول الله سبحانه وتعالى: وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ، خلاص هذه سنة ماضية مستمرة. أحسنت، وأيضاً من الآيات المهمة في باب السنن الإلهية: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ. إذاً هي سورة الأنعام من السور التي تؤخذ منها الآيات المرتبطة بالسنن الإلهية وفهم السنن الإلهية وما يتعلق بها، حتى في البداية ذكر في بداية السورة ذكر الأقوام، وكذلك ذكر: وَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ، وفيها قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ، وغير ذلك من الآيات. إذاً هذه سورة يفهم منها باب في أبواب السنن الإلهية.
كذلك هذه السورة من السور المهمة في تقرير العقيدة، هذه السورة أساس في العقيدة الإسلامية، فيها الإجمال والتفصيل، سورة ترسم أركان وخلينا نقول ملامح العقيدة الإسلامية، وفيها حديث كثير عن الله سبحانه وتعالى وعن أفعاله وأسمائه وصفاته وأقداره. وفيها حتى القصص التي وردت في السورة هي مرتبطة بالعقيدة ومرتبطة بالحجاج أيضاً، يعني ما هي أهم قصة أو أشهر قصة في السورة أو تكاد تكون الوحيدة كقصة متكاملة؟ قصة إبراهيم بمحاجته قومه، صح؟ كلها في الحجاج، وموضوعها حجاج في العقيدة. وهذه السورة أيضاً فيها تثبيت المؤمنين، ورعاية المؤمنين، وحماية المؤمنين، وحفظ المؤمنين، والحفاوة بالمؤمنين في سياق الحديث عن الكفار والمشركين وإشكالاتهم وشبهاتهم وكيدهم ومكرهم، ولكن فيها متكرر هذا المعنى: وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ، إلى آخر الآيات في هذا المعنى.
على كل حال من يستقرئ السورة ويتأمل فيها يجد فيها من المعاني الواسعة العظيمة الكبيرة الشيء الكثير، وهذه سورة واحدة من كتاب الله، وهكذا يمكن الإنسان أن يقف مع سور كتاب الله وقفات أوسع من المرور السريع، أوسع من التفسير اللفظي، أوسع من حتى تفسير المعنى الإجمالي، لا، وإنما الوقوف، تأمل، تفكر، تنزيل على الواقع، النظر في، وأشياء كثيرة. هذه الموضوعات التي ذكرتها ليست هي كل موضوعات السورة، هذه فقط إشارة في مقدمة الدرس. طيب، الدروس السابقة والمجالس السابقة كان فيها توسع في صفحة واحدة قريباً من صفحات السورة، من قوله سبحانه وتعالى: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ. وكان هناك تقريباً ما أدري مجلس أو ثلاثة مجالس، مجلسان أو ثلاثة مجالس في الآيتين أو الثلاث آيات في: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ، والكلام عن علم الله وعن قدرة الله، والتأمل في أسماء الله وصفاته.
اليوم إحنا في الدرس الماضي ختمنا عند: وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ ۚ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ. لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ. وقلنا إنه هذه الآية مفتاح مهم بين المرحلة المكية والمدنية: لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ، يعني مستقر، أي زمن استقرار، يعني لكل نبأ مستقر، يعني زمن سيأتي فيه استقرار هذا النبأ أي وقوعه وتحققه، وأن الأنباء التي أتت في مكة استقر كثير منها في المدينة زمن استقراره وخاصة يوم بدر. ولذلك الطبري مثلاً في تفسير الآية ذكر أن لكل نبأ مستقراً أنه كان المستقر يوم بدر، وبالتالي ضرورة النظر في الأنباء التي جاءت في القرآن قبل يوم بدر، والنظر إلى يوم بدر باعتباره يوم المستقر للأنباء التي هدد بها المشركون في مكة وقيلت لهم، وهذا هذه نظرة مهمة جداً تحت عنوان السنن الإلهية للأحداث النبوية، أحداث المرحلة الأحداث التي وقعت في السيرة النبوية.
لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ، قلنا هذا النوع من الآيات متكرر في الآيات المكية، اللي هو وسوف تعلمون، أنه ترى سيأتي هذا الزمن، تربصوا، انتظروا، ارتقبوا، سيأتي تحقق هذا الزمن، وهذا لا شك أنه من أعظم ما يزيد الإيمان ويحقق اليقين خاصة عند من عاصر النبأ قبل تحققه ثم رأى بعينيه تحقق النبأ، يعني من كان يسمع التهديدات التي تأتي للمشركين في المرحلة المكية بدون وجود أسباب مادية ثم رأى بأم عينيه يوم بدر كيف طارت رقاب المشركين من على الأكتاف، يزداد يقينه بالقرآن زيادة عجيبة، لأنه آمن بالخبر قبل وقوعه بدون معطيات مادية ثم رأى بأم عينيه كيف أن الخبر وقع كما كان، هنا ازداد اليقين.
بعدها هذا كله ننطلق في الآيات التي في مجلس اليوم، ابتداءً من قول الله سبحانه وتعالى: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. هذه الآية أتت في سياق الدعوة، سياق الدعوة: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا، فَلا تَقْعُدْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ. هؤلاء الذين يخوضون في الآيات هل هم جميع الكفار الذين كان يبلغهم النبي صلى الله عليه وسلم القرآن والرسالة؟ لا، هؤلاء فئة من الكفار، فئة من المشركين يخوضون في آياتنا، يعني ليس فقط يقابلونها بالتكذيب، وإنما يتجاوزون التكذيب إلى الاستهزاء والتشكيك، ويعني ضرب الأمثال والسخرية وما إلى ذلك، فهؤلاء النبي صلى الله عليه وسلم أُمِر بأن يجتنب مجلسهم حين يخوضون في هذه الآيات حتى، في سياق كلام بعض المفسرين لو كان المجلس للدعوة، حتى لو كان المجلس للدعوة.
يعني هنا يكون وجه النهي أشبه ما يكون بالنهي من باب التأديب والتعزير والزجر لأولئك الذين كانوا يستهترون حين سماع الآيات وحين سماع الدعوة، أنه لا تقعد معهم. وهذا يقتضي أن يكون قيام النبي صلى الله عليه وسلم عنهم شديداً عليهم وإن كانوا كفاراً، واضح؟ هذا يقتضي أن قيام النبي صلى الله عليه وسلم عنهم وتركه مجالسهم شديد عليهم ولو كانوا كفاراً، يعني هم يكذبون من جهة، ولكن ترى داخل نفوسهم للنبي صلى الله عليه وسلم عندهم مكانة، فإذا خاضوا قام عنهم، فإذا كانوا كانوا حريصين على أن يكون على أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم غير معتزل لمجالسهم تماماً، فلا بد أن يتوقفوا عن هذا الخوض. وهذا لا يعني أنهم هم حريصون دائماً على جلوس النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن أن تركهم تركاً كلياً فهذا يشق عليهم. هذا الآن باعتبار سياق تفسيري معين للآية، يكون فيه النهي عن الخوض والنهي في سياق الدعوة، النهي في سياق الدعوة.
وإذا قيل إن هذا وجه الآية فمن باب أولى أن يكون النهي في غير سياق الدعوة، يعني مثلاً في سياق المجلس العادي، يعني في سياق اجتماعي أو القرابة أو أياً كان، ويكون هذا النهي عاماً للمسلمين الذين قد يكون لهم مجلس مع الكفار بطريقة أو بأخرى، لكن إذا تم هذا الخوض فلا بد أن يقوم الإنسان. وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا، وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.
هنا وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ، قيل إنه أنها في سياق أنه حتى وإن كان هناك عدم قعود معهم وقت الخوض، فقد ينمو أو يُنمى إلى أسماع المسلمين شيء من هذا الخوض، فليس عليهم في ذلك حساباً: وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.
نلاحظ هنا في هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى يوجه نبيه والمسلمين التوجيهات المعينة في السياقات الدعوية. يعني التوجيه ليس بمجرد الأمر المجمل بالدعوة، الأمر المجمل بالدعوة موجود في قوله: ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ. التوجيه إلى الأسلوب موجود: وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. التوجيه بالحجة المفصلة موجود: قُل، تلقين إلهي مباشر للنبي صلى الله عليه وسلم، يعني في الموضوع المباشر في الحجة المعينة للرد على المشركين، حتى التوجيه التفصيلي في بعض المقامات في مثل هذه الآية أيضاً موجود، وهذا كله بمجموعه يدل على شأن الدعوة عند الله سبحانه وتعالى، وأن هذا الموضوع عند الله بمكان، يعني إذا كان الله سبحانه وتعالى بنفسه يرد على الشبهات التي يثيرها المشركون، يعني هذه الردود التي في سورة الأنعام وفي غيرها، الله هو الذي رد بها على المشركين، أليس كذلك؟
مثلاً إن في سورة آل عمران: إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ، هذا رد على شبهة كبيرة عند أهل الكتاب، وغير ذلك في سورة الأنعام كثير من الشبهات نوقشت، سواء لما تأتي الآية مباشرة في الرد أو حين يكون فيها قُل كذا. وهذا ليس خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم، يعني مثلاً لما ذكر الله حوار إبراهيم عليه السلام مع قومه، بعد أن انتهى ذكر الحوار قال الله سبحانه وتعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ، أي أحد الآن يسمع هذا الكلام يسمع هذا المعنى يجب أن يرتفع في شأنه مباشرة شأن الدعوة وشأن الرد على الشبهات وإبطال مقولات ومنطلقات وإشكالات الكفار والمجرمين والمنافقين التي يحاربون بها المسلمين، كمثل شأن الجهاد بالسيف للأعداء الذين يصولون على أمة الإسلام وعلى المستضعفين، الصيالة سواء.
الصيال الذي بالسيف يجب أن يكون له شأن في نفوس المسلمين في رده بالسيف، والصيال الذي بالشبهات والتشكيك يجب أن يكون له شأن عند المسلمين في رده بالحجة والبيان، كلاهما جهاد، وإقامة الحق فيهما كلاهما يسميان فرقانا. يعني كلا المقامين يسمى جهاداً، وكلا المقامين يسمى فرقاناً، ولا ينبغي التهوين من أي نوع من الجهادين على طول الطريق.
أين سمى الله مقام الحجة باللسان جهاداً؟ لأن الثاني واضح أنه جهاد؛ اللي بالسيف ما يحتاج يعني أدلة مفصلة، كلها يعني أدلة عليه. أين سماه الله جهاداً في قوله سبحانه: فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا. وهذا أصلاً بحد ذاته يجعل في شأن الداعية أنه ليس من شأن، ليس من هم الداعية أنه مجرد يوصل رسالة، لا، يوصل الرسالة ويردع الإشكال ويحاج ويحاور ويناظر ويدعو ويصبر ويعيد الكرة ويعيد الإتيان بباب جديد؛ يعني دعوة مشروع عمر كبير يعيش الإنسان لأجله ويدافع فيه عن الحق، وهو جهاد.
طيب أين سمى الله هذا الباب أو هذا المجال فرقاناً؟ نعم: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ. يعني تسمية القرآن فرقاناً، تسمية القرآن فرقاناً هو أصلاً يعني في الجهاد الأوضح؛ إيش؟ الجهاد بالسيف في الفرقان الأوضح، الفرقان بالحجة. طيب أين سمى الله القتال والنصر المادي فرقاناً؟ في سورة الأنفال؛ إذ سمى يوم بدر يوم الفرقان. يعني أن الحجة تقوم على الكفار والمشركين والظالمين والمجرمين. الحجة تقوم عليهم بالبابين، تقوم الحجة حتى بالجهاد. تقوم الحجة، اقرأ سياق سورة الأنفال، ها ستجد أن الحجة، يعني لنسمع سوياً قول الله هذه الآيات التي ذكر فيها الفرقان، كيف ذكر فيها الحجة أو البينة؟ قال الله سبحانه وتعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَىٰ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ ۚ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ ۙ وَلَٰكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ إلى آخر الآية.
نفس الشيء في الفرقان الذي بالحجة والبيان، وهذا جهاد وهذا جهاد، وقد جمع الله سبحانه وتعالى بينهما في سورة الحديد في آية هي من أعظم الآيات. شوفوا يا جماعة، أي إنسان يسير في طريق الإصلاح، هذه الآية التي سأذكرها الآن يجب أن تكون مركزية في حياته، هذه آية يعني ترسم المقاصد الكلية الكبرى في طريق الإصلاح: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ. بالبينات، هذه واحد. وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ. هذه آية عظمى ترسم المقاصد الكبرى في هذا المجال. أنا أذكر وقفت معها في مجلس فقط في جملة واحدة منها، اللي هي: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ، وتحديداً كلمة بالغيب، كان مجلساً كاملاً في التأمل في كلمة بالغيب في سياق النصرة، وكيف أنه قيمة أن تنصر الله ورسوله بالغيب؛ كما تؤمن بالغيب تنصر بالغيب، إيش دلالتها، إيش كذا، ممكن يراجعها بنفس العنوان: وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب.
إذاً، هذا فرقان وهذا فرقان. الله سبحانه وتعالى يحب الفرقان، الله سبحانه وتعالى يحب أن يفرق بين الحق والباطل. أما إذا وجدت الحالة المعاكسة للفرقان فهذا من أخطر ما يكون على وجود المسلمين وعلى حياتهم وعلى فكرهم وعلى إيمانهم، من أخطر ما يكون. ألا توجد حالة الفرقان؟ أيهما أخطر في غياب الفرقان؟ في غياب نوعي الفرقان أخطر شيء؛ في غياب نوع الفرقان البياني أخطر شيء؛ ألا يفرق بين الحق والباطل من جهة الحقائق. لكن قد يسلط ترى الأعداء على المسلمين، قد تحصل مجازر، قد تحصل كذا، إذا كانت هذه قد حصلت مع وضوح الحقائق، فالأمر أهون من أن تكون الحقائق غائبة، فيموت من مات على غير هدى. لذلك اليوم تسمية الأمور بأشيائها بحقائقها، الحق حق، الباطل باطل. الله سبحانه وتعالى يعني على مختلف سور القرآن يفرق بين الحق والباطل، يفرق بين الحق والباطل: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ۚ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ. ما لكم كيف تحكمون؟ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ. إيش الفساد الكبير وإيش الفتنة في الأرض بمجرد إيش؟ التباس الحق بالباطل. أنه إذا ما كان الكفار بعضهم أولياء بعض، وما كان المؤمنون بعضهم أولياء بعض، واتضحت القضية: هؤلاء المؤمنون، هؤلاء الكفار، إِلَّا تَفْعَلُوهُ، يقول الله: إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ. فما بالكم إذا وجدنا في زمن تضخ فيه الأموال الهائلة لإنشاء مشاريع تذويب الفرقان بين الحق والباطل، وإنشاء الحق بالباطل، لا ليكون الحق هو الأعلى، بل ولا حتى ليكون مساوياً، ليكون الباطل هو الأعلى وليكون الباطل هو المهيمن.
لذلك اليوم من أعظم صور الجهاد الجهاد بإحقاق الحق وإبطال الباطل، بتسمية معالم الحق وصفات من يسير عليه، وتسمية معالم الباطل وصفات من يسير عليه. يا جماعة الخير، لما نزل القرآن، النبي صلى الله عليه وسلم ومن معهم من المؤمنين عدد قليل، والجهاد آخر ١٣ سنة أكثر، أو ١٣ سنة إلى قبل للمدينة، لكن من أول الأيام نزل الفرقان بين الحق والباطل، ومثل ما ذكرنا في مجالس إحياء منهاج النبوة عددنا سوراً من سور القرآن، سواء السورة التي نزلت في البداية أو حتى السور بترتيب المصحف، إنه كل سورة تقريباً يعني من اللي درسناها، وأنا أظن لو درسنا يمكن كل سور القرآن أو أغلبها ستجد فيها كلاماً عن المجرمين، عن الباطل، عن أهل الباطل، عن المشركين، عن الكفار، عن أهل الكتاب، عن أي صورة من صور الباطل.
وقلنا إيش أوائل السور نزلت؟ العلق، فيها: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ، أو قبلها: كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ... أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَىٰ * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَىٰ * أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ * أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ * كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ. ولسان الحال لمن ينظر من بعيد كيف النبي صلى الله عليه وسلم يقول هذا الكلام؟ هو هو كم واحد مسلمين بس، تهديد لرأس الكفار لنسفعاً بالناصية، وإهانة لهذه الناصية؛ ناصية كاذبة خاطئة. سورة المزمل: اصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا * وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا، تهديد: إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا إلى آخره، من البداية يعرف المؤمن أن هناك طريقاً غير هذا الطريق. المدثر: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا إلى آخره. القلم: وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ * أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، إيش سنسمه على الخرطوم. تبدأ من ترتيب المصحف من الفاتحة نفسها، ما يكتفى بأنه في صراط مستقيم، لا، هذا الصراط المستقيم هو صفته أنه واقع بين صراط ضال من جهة، وصراط ضال من جهة أخرى، هو كذا هو صراط مستقيم بين طرق، هو هكذا شأنه، ليس صراط مستقيم فقط، لا، صراط مستقيم بين طرق غير مستقيمة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، كذا أنت في كل صلاة كل ركعة تستحضر أنه في صراط حق، وفي طرق ضلالة. سورة البقرة كلها مناقشة أهل الكتاب واليهود إلى آخره، سورة آل عمران نفس الشيء، سورة النساء، سورة المائدة، تعددها سورة سورة، هذا موضوع مركزي في القرآن، أساسي في القرآن، إحنا اليوم هذا من الواجبات والأولويات.
بالمناسبة ترى أحياناً يرفع السيف ها يرفع السيف أحياناً للقتال بس هذه الحقائق ما تكون واضحة، فيكون إشكال، ممكن يبدأ بسبيل الله وتنتهي بوطنية خالصة محضة بعيدة عن ولا تكون حتى مجرد أنها يعني وسيلة أحياناً، قد أو يتنبه لهذا إنه ما يقع، فهذه الحقائق يجب أن تكون واضحة. نعم، هذا كله إيش؟ لا بد فيه من الحكمة والرشد، وأنه يعني ليس مطلوباً أنه الإنسان يواجه الجميع مواجهة، لكن لما يبين لا بد أن يبين الحق، لا بد أن يبين الحق، قد لا يستطيع الإنسان أحياناً أن يدخل في مجال المسميات خوفاً أو إكراهاً أو أياً كان، لكن لا أقل من الوصف الواضح الذي يعلم من خلاله المؤمن والمتلقي أنه ترى من يكون بهذه الحال فهو من المنافقين، من يكون بهذه الحال فهو من المجرمين، من يكون بهذه الحال فهو من الضالين، وما يحتاج فلسفة، هي كلها في القرآن يعني تأتي بها.
الشاهد، هذا كله، هذا كله يعني فائدة نابعة عن أن الله وجه نبيه صلى الله عليه وسلم توجيهاً تفصيلياً في شأن الدعوة، حتى دخل في الحالات الدعوية المعينة اللي هي: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ، هذا التوجيه التفصيلي هو لشأن الدعوة عند الله، فكان هذا الأمر إيش؟ يعني ينبغي أن يكون له شأن عند المؤمنين والإدراك لمثل هذه المعاني مهم ومركزي جداً، وبرايي يعني لا ينبغي للمؤمن اليوم أن يتأخر عن أحد نوعي الجهادين أو عن أحد نوعي الفرقان، لا بد أن يكون في سياق المعركة العظمى التي تجري أن يكون للإنسان سهم ونصيب في أن يكون في أحد خندقي الجهادين أو في أحد خندقي إيش الفرقان، كل بحسبه وبحسب الفرض الكفائي والعيني والواجب إلى آخره في التفصيل الفقهي المعروف.
ثم بعد ذلك الآية التالية ما هي؟ وَذَرِ الَّذِينَ... صحيح ها: وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا ۖ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ.
هذه الآية يعني من جهة قريبة من الآية اللي قبلها اللي قبل قبلها اللي هي إيش: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ، لكنها يعني أوسع منها، هنا الآن: وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا، هنا الأمر هل هو مطابق للأمر بـ فَلَا تَقْعُدْ مَعَهُمْ؟ الذي يبدو والله تعالى أعلم أنه ليس مطابقاً، أنه هذا باب واسع، ليس المقصود في المجلس المعين، وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا يعني هذا أشبه ما يكون بالاستغناء والإعراض العام، اللي هو تكرر في الآيات المكية، إنه هو يعني جزء منه داخل إلى الاهتمام الداخلي، إنه لا تهتم، يعني لا يشغلوك، لا يهموك، لا يحزنك قولهم، لا، يعني مع الحرص على دعوتهم لكن ذرهم. وهذا المعنى متكرر، مثلاً: فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وأيضاً في سورة الكهف: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ، يعني هذا تشكيل حالة من الاستغناء والاستعلاء، وعدم الحزن أو الضيق أو الهم، وأنه ترى هذا هو الحق وهذا هو السير عليه، وإن كان في نفس الوقت الحث على الدعوة والحث على إبلاغ الرسالة لكن لا يأخذ في النفس أكثر مما ينبغي، لا يأخذ في النفس أكثر مما ينبغي، وَإِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ، يبلغ الإنسان الرسالة لكن أسلموا لم يسلموا، آمنوا لم يؤمنوا، استجابوا لم يستجيبوا، كم تكرر في القرآن هذا المعنى؟ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون، ذرني ومن خلقت وحيداً إلى آخره.
إذاً: وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا، الآن يمكن اختصار الجمل الواردة في الآية في كلمة واحدة لأنه الآية فيها جمل واصفة: وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا هذه واحدة، وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا، هذه الأوصاف يمكن اختصارها في كلمة المشركين صح، لكن لما يأتي وصف تفصيلي أو جملة واصفة فهي تعزز من قيمة أمر، يعني هذا الأمر لأنهم يستحقون ذلك لأجل هذه الأوصاف، واضح؟ يعني مثلاً: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، لا قبلها إيش، إيش قبلها؟ وين الحفاظ؟ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، الآية اللي قبلها إيش؟ طيب: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ۚ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۖ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ. لما يذكر الوصف مثلاً خلينا في الواقع، لما تيجي تقول مثلاً الرد أهمية الرد على المنافقين، هذه كلمة ممكن تقول أهمية الرد على الذين يفعلون ويفعلون ويفعلون ويفعلون، فتسمي مجموعة من الأفعال والصفات التي يفعلها المنافقون، فيكون هذا الوصف محرضاً على الفعل، يعني أنت تسند الأمر بالوصف، واضح الفكرة؟ فلما...
ويقول الله سبحانه وتعالى: وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا. هذا الوصف تنفيري؛ يعني هم يستحقون أن تذرهم، يستحقون أن تتركهم، يستحقون أن لا تهتم بهم، يستحقون أن تعرض عنهم. لماذا؟ لأنهم اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وغرتهم الحياة الدنيا.
جيد، اليوم هذه متى تنفع؟ كثير يعني أسلوب هذا أسلوب قرآني الآن. من أفضل مواطن استخدامه لما يكون المسلم مغتراً بالعدو، مغتراً مثلاً بالثقافة الغربية؛ فأنت بدل ما تقول له يا أخي لا تهتم بالثقافة الغربية هذه اسم اسمها الثقافة، أنت ممكن تقول له أنت الآن معظم لهؤلاء الذين وتسمي الأفعال: الذين وصلت بهم ثقافتهم إلى كذا وكذا وكذا، الذين كانوا كذا وكذا، الذين قالوا كذا وكذا، الذين فعلوا كذا وكذا، الذين حموا المجرمين في كذا وكذا. هي نفسها هي نفس المؤدى، يعني هم نفسهم هؤلاء، نفس القوم، لكن ذكر القوم بالوصف من الأساليب التي تعزز الأمر أو النهي؛ فإذا أمرت بالصلة فوصفت الموصول بما يوجب الوصل، يكون هذا أدعى في تحقيق الأمر بالصلة، كما أنك إذا نهيت عن الصلة أو أمرت بالترك وعززت هذا الأمر بالتنفير عن المخالف، هذا يعزز حالة النهي.
نفس الشيء الجهاد، وهذا أسلوب قرآني في سورة التوبة: أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ. هي نفسها ألا تقاتلون المشركين، هم أنفسهم المشركون، لكن ذكر الوصف يعزز الامتثال أو يعين على الامتثال على الأمر أو يشرح الصدر في امتثال الأمر، سواء كان أمراً أو نهياً، واضح؟
إذاً وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا، هم يستحقون أن يتركوا لأنهم اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وغرتهم الحياة الدنيا.
وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت. هنا الآن وذر وذكر، هناك أمران في الآية. ممكن يفهم من قوله سبحانه وتعالى: وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا أنه لا تدعوهم ولا تذكرهم، بينما يأتي الأمر بالتذكير بعد الأمر بأن يتركوا؛ يؤكد أن المأمور به هو ليس الترك المطلق، هو ليس الإعراض المطلق الذي لا يكون فيه اتصال بأي وجه من الوجوه.
إذاً وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا؛ يعني الآن لما تجي أنت نفس الشيء تقول لا تغتروا بالثقافة الغربية ومادري إيش، واحد يجي يقول لك يعني أنت خلاص ما تبغى تنغلق على نفسك، طيب هم يمكن يستفيدوا، طيب أنت يمكن إيه؟ هذا الأمر لا يستلزم الترك المطلق ولا يعني إغلاق كل الوسائل والطرق، لأنه في نفس الآية: وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا، وأيضاً فيها وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ. أن تبسل نفس، أي لئلا تبسل نفس، تبسل تسلم إلى العذاب أو ترتهن أو تحبس. لالا وذكر به أن تبسل، أن تبسل يعني لئلا تبسل هذه النفس إذا حبست أو أسلمت إلى العذاب فستمر بأمر عظيم وفضيع، ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع.
طيب كيف يخلص الإنسان نفسه؟ عادة أما بولي أو بشفيع أو بفداء، يعني يفدي نفسه بشيء، هنا وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا. أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا ۖ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ.
ثم يأتي قوله سبحانه وتعالى: قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا. شوفوا يا جماعة، سورة الأنعام إذا قرأتها بعين مركزية الدعوة محاجة المشركين وما إلى ذلك، تخرج بنتائج عجيبة وعظيمة منها أنه الاستمرار بمختلف الوسائل والطرق ومن شتى الجهات وباستعمال مختلف البينات والحجج على إعادة نفس الحقائق؛ السورة ترى من بدايتها تعيد الحقائق، مرة من هنا ومرة من هنا ومرة من هنا.
الآن ممكن الواحد يفكر أنه انتهت السورة من ناحية سياق الموضوعات، لأنه صار في كلام صار في حقائق كثيرة من بداية السورة وفيها نقاش كثير، ثُمَّ لِكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ، ممكن واحد يقول هنا تنتهي السورة؛ يعني أنه خلاص ذكرت كل شيء وترى هذا الذي ذكر النبأ له مستقر وسوف تعلمون خلاص انتهينا. ممكن الواحد يفكر أنه انتهى الموضوع، لا، بعدين نرجع وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ، ثم مرينا، ثم الدخول في لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ. ممكن واحد يقول خلاص انتهينا هنا عند العذاب والآخرة، نرجع من جديد قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا. سورة الأنعام هكذا سبحان الله، تطلع تطلع تطلع لما تصل إلى خلينا نقول نهاية الجملة ثم ترجع تبدأ من الحجة من جديد، تنتهي وترجع وأنت تتعجب كيف ما آمنوا؟ كيف ما آمنوا؟ هذه السورة كلها تدعوك للإيمان كيف ما آمنوا؟ لكن تأمل في السورة من بدايتها، تجد الصعود وأنه كأنه أغلق الموضوع ثم يرجع من البداية.
مثلاً في الصفحة الثالثة من السورة وآخر الصفحة الثالثة وبداية الصفحة الرابعة، ممكن تقول خلاص هذه نهاية الموضوع التي هي: وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ ۖ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. يعني ممكن تقول هنا، لأنهم حتى لو وقفوا على النار سيندمون ولو أعيدوا سيكذبوا خلاص انتهى، فترجع إلى الحجج بعد ذلك. وقل هذه تتكرر كل بعد مقطع في السورة قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا. عودة من جديد إلى محاجتهم، عودة من جديد إلى إثبات الحق، عودة من جديد إلى إثبات التوحيد، عودة من جديد إلى إبطال أقوالهم، عودة من جديد إلى هدم باطلهم. قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا.
إحنا تكلمنا عن منهج المقارنات، أكيد أني ذكرته في السلسلة، أنه القران من أهم وسائل الحجة في القران اعتماد منهج المقارنة. لما تذكر الباطل تذكر ما يضاده من الحق للمقارنة، سواء ذكرت نصاً أنه هذه مقارنة، وهذا موجود في القرآن ليس بلفظ مقارنة لكن بما يدل مباشرة على أن هذه مقارنة، أو بمجرد ذكر الحقيقة أو الحق بعد ذكر مقولة الباطل أو إشكالاته هذه مقارنة. الآن لاحظوا، سيكون هناك ذكر للباطل وإشكالاته ومع ذلك ستأتي المقارنة بذكر ما يتعلق بالله سبحانه وتعالى. إن هنا قال قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا، بعد قليل سياتيك من الذي ينفع ويضر صفات الله سبحانه وتعالى وأفعاله، ذكر صفاته وأفعاله. دائماً المقارنة هكذا، قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا، وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ؛ يعني ماذا تريدون؟ ماذا تريدون أيها المشركون؟ تريدون منا أن نترك هذه الحقيقة ونرجع إلى أصنامكم؟ ترى لا تنفعنا ولا تضرنا، تريدون منا أن نرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله؟ كلمة بعد إذ هدانا الله هذه لا يدركها أهل، البعض لا يدرك ما فيها، بس دائماً ترى صاحب الحق يعني هي تعني له كل شيء. مثل ما حاج إبراهيم عليه السلام قومه فقال لهم أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ؟ أنتم ما تعرفوا قيمة الهداية أنا أعيشها هنا.
قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ؛ يعني كأنه مثل الذي تاه في الأرض، وكان الشياطين ضربته بشيء من الجنون والحيرة والتيه في الأرض حيران. هذا الذي تريدون أننا نرتد على أعقابنا فنصبح في حالة التيه والحيرة بعد إذ هدانا الله. كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ؛ هنا الأصحاب هم المؤمنون يدعونه إلى الهدى، اتنا هذا على قول بعض المفسرين في هذا السياق. قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۖ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. هذا الإسلام الذي أمرنا به، أما أنتم من بداية السورة إلى الآن ما خرجنا منكم شيء، يعني ما تدعون إليه من بداية السورة إلى الآن ما ذكر عنكم أيها المشركون في هذه السورة لا يشجع أي أحد أنه يلتحق به. وهذا تذكير مرة أخرى أن أنا أدعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا.
طيب أما نحن أمرنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ ۚ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ. وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ؛ هنا قلنا المقارنات دائماً وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق. طبعاً هذه الآية تتميز بالجمل القصيرة المليئة، كل جملة قصيرة ولكنها تتحدث عن الله سبحانه وتعالى بشيء: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ الْحَقُّ ۚ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ۚ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ. هذا الذي أمرنا أن نسلم له، يعني أمرنا لنسلم لرب العالمين من هو رب العالمين؟ هو الذي خلق السماوات والأرض بالحق، ويوم يقول كن فيكون قوله الحق، وله الملك يوم ينفخ في الصور، عالم الغيب والشهادة، وهو الحكيم الخبير.
أما من حيث النفع والضر فقد ذكر في نفس السورة من صفات الله سبحانه وتعالى ما يضاد صفة الآلهة، آلهة المشركين التي لا تنفع ولا تضر، وذلك في قوله سبحانه وتعالى في بداية السورة قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا؟ نفس الشيء هنا قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا، قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ؟ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ. شوف بالله ركزوا كيف السورة منتظمة منتظمة للمعاني المكررة، قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ، وفي الآيات التي معنا وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ، وفي آخر السورة قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ. شوف هناك وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۗ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ، شوف في بداية السورة قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وفي آخر السورة وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ، وفي أوسطها وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. لذلك قلنا أنه هذه السورة من أهم موضوعات العقيدة تحقيق موضوع الاستسلام لله والانقياد له.
قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ. ها هنا يأتي النفع والضر: وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ. وهو الحكيم الخبير نفس الاسمين التي تنتهي بهما هذه الآية التي معنا الآن عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير، وهناك وهو الحكيم الخبير.
لذلك يا جماعة زي ما قلت لكم سورة الأنعام، هل كذا لمستم من خلال الكلام مقدار السعة الهائلة في الفوائد والدروس التي يمكن أن تستخرج من السورة؟ يعني ترجع وتعود وترجع وتعود، ترجع تلتمس منها أنواع الفوائد والخيرات والتوجيهات والمنهج. هنا الآن نفس الشيء، يعني ممكن واحد يقول والله خلاص انتهت السورة الآن، يعني رجع الحديث مرة أخرى قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا بعد النهاية التي قبلها، وختمت الآن بِوَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ الْحَقُّ ۚ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ۚ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ.
ينتهي هذا المقطع نرجع من جديد فَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً. يعني إذا ما نفعت فيكم الحجة المباشرة، ارجعوا للقصص التي حصلت سابقاً، اسمعوا ماذا قال إبراهيم لقومه وماذا قال هؤلاء وكيف ردوا وكيف إلى آخره. ولذلك لا يستغرب لمن يتأمل في السياق كله، ويتأمل في قول النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه بعدها بآيات ستأتي الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ، إن الظلم المقصود به الشرك؛ ليش كل السياق عن هذا المعنى؟ كل السياق عن هذا المعنى ولم يلبسوا إيمانهم بظلم بشرك. يقرا سورة الأنعام يعني يفهم هم لماذا فسر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بالعكس لما فسر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك كذا أنت تأخذ ضوءاً واضحاً في فهم سياق السورة. سياتينا في الآيات القادمة في المجالس القادمة بإذن الله قصة إبراهيم مع أبيه آزر والحوار، تِلْكَ حُجَّتُنَا، بعدين أنتم من سلفكم أيها المشركون؟ ما عندكم، أما هؤلاء الأنبياء أما هذا النبي محمد صلى الله عليه وسلم فهؤلاء سلفهم إبراهيم وقصته، ثم بعد ذلك ذكر الأنبياء متتالين، ثم ذكر الحقيقة الجوهرية: ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۗ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا.
يعملون، إذا القضية ليست مرتبطة بمجرد أسماء. حقائق هذه الأسماء سارت على هذا الطريق الحق. أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ.
أيضًا هنا تقول إنه الموضوع ايش؟ يعني مرت دوائر حجج في السورة، دائرة على إثر دائرة، تقول انتهت، تنتقل بعدها إلى ايش؟ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ، ورجعت مرة أخرى من نقطة بداية جديدة في مقولة للمشركين وإشكالات للمشرك، صح؟ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا.
بعدين تستمر، تستمر، ترجع إلى الآخرة، ولو تلاحظوا السورة تمر بموضوعات ثم تأتي لذكرى الآخرة والنار، ويتكرر هذا فيها، مر معنا قبل قليل أول شيء في بداية السورة: وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ ها؟ بعدين لهم شراب من حميم، بعدين هنا: وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ، وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ.
أيضًا هنا تقول ايش؟ انتهى الموضوع، يرجع الآن اللي هو المقارنة؛ لأنه شركاؤهم ايش؟ ضلوا عنهم، ها؟ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ، هؤلاء هم. أما هو فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ، فَالِقُ الْإِصْبَاحِ، ويأتي الحديث عن الله سبحانه وتعالى وعن أفعاله.
ينتهي الحديث عن الله سبحانه وتعالى ها؟ في هذا المقطع يأتيه: وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ. ايش بعدين؟ ها؟ وَلَا تَسُبُّوا، بعدها: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ. طيب، بعدين يأتي ايش ذكر؟
أي، لا لا، بعد آيات آيات آيات نرجع من جديد لصفحة جديدة من صفحات إشكالات المشركين، اللي هي ايش موضوع الأنعام؟ والأكل؟ ولا بعد من البداية من قوله: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ، وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ، تدخل الآن في موضوع الأنعام من جديد، ها؟ تأخذ يعني بعض الآيات في هذا المعنى ثم ترجع إلى الآخرة؛ لأنه بعد بعد قليل ستأتي آيات ايش؟ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الْإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا.
لاحظ السورة كيف مقطع وتعود من البداية، ومقطع وتعود من البداية، ومقطع وتعود من البداية، ومقطع وتعود من البداية، وهذا يعني كل مقطع أنت تأخذ منهجاً، وقضيةً، وأسلوباً، والتأكيد العام على معنى بيان القرآن، وأهمية الحجة، وأهمية الدعوة، وأهمية إبطال أقوال المشركين، وأهمية الفرقان، وأهمية وأهمية إلى آخره.
ولذلك ما تستغرب أنه ما ذكره الإمام مالك في الموطأ، أن ابن عمر أخذ سورة البقرة في ثمان سنوات يتعلمها، ومر معنا في سلسلة إحياء منهاج النبوة أن من معالم منهاج النبوة في تلقي القرآن وتلقي الدين، التأني. أنت ودك، ودك اليوم تنادي كذا فيه كثير من البرامج أو الحلقات أو المعاهد أو الكذا، إنه جماعة ليش مستعجلين؟ ليش مستعجلين يا جماعة؟ عادي ترى مو لازم يعني الآن تم الحفظ بسرعة، نهدى، نأخذ، نقوم بهدوء، تأني، تفكر، بتدارس، إلى آخره.
على أية حال، نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد، والعفو والعافية والهدى والتقى، ونسأل الله المغفرة، نسأل الله أن يحفظنا بحفظه، وأن يحفظ عباده المؤمنين في كل مكان، وأن ينصر المجاهدين في سبيله في غزة وفي كل مكان، نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينتقم من أعدائه الظالمين المجرمين، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظ المسجد الأقصى من كيد اليهود، وأن يحرره على أيدي المؤمنين، وأن يجعل لنا من تحريره أوفر الحظ والنصيب، بعزته وقوته وفضله، إنه هو العزيز الوهاب. ونسأل الله سبحانه وتعالى الستر والعافية. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.
الشيخ أحمد السيد