تسجيل الدخول

مدارسة سورة الأنعام 18

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله الحكيم الخبير الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، الحمد لله الذي لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، الحمد لله الحميد المجيد. الحمد لله ربنا كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، يا رب لك الحمد في الأولى والآخرة، ولك الحكم وإليك المصير.

صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: نستعين بالله ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس مدارسة سورة الأنعام، وهذا هو المجلس الثامن عشر من مجالس هذه المدارسة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتمها علينا على خير.

وكما تقدم معنا في أكثر المجالس أو في كل المجالس، أن هذه السورة سورة مليئة بالحجج والبينات والبراهين التي تقمع باطل أهل الباطل، وخاصة من مشركي قريش وأهل مكة الذين كانوا هم الدائرة الأقرب في النطاق الجغرافي للنبي صلى الله عليه وسلم، فهم الذين توجه إليهم الرسالة ابتداء وإن كانت الرسالة عامة لكل البشر، ولذلك نجد في هذه السورة: وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا، فأم القرى هنا هي مكة، وهم أول من وجه لهم الخطاب، وهم الذين يستمعون هذه الآيات والبينات ابتداء.

وقلنا مرارا أن هذه السورة لو لم ينزل من كتاب الله حجة على أهل الكفر والشرك إلا هذه السورة لكفت، فإن فيها من أنواع البينات ووجوه البراهين وتصريف الحجج ما لم يترك لأهل الباطل حجة بعد ذلك، ولكن رحمة الله واسعة، فينزل السورة والسورة والآية والآية والحجة والحجة، فسبحان الحليم الكريم الذي يقابل أهل الشرك بمزيد من البيان والبينات والحجج لعلهم يهتدون.

هذه السورة وصلنا فيها بعد قصة إبراهيم عليه السلام وذكر الأنبياء، رجع الحديث إلى المشركين ومحاجتهم بشكل مباشر. قال الله سبحانه وتعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ. وما قدروا الله حق قدره، بأي شيء؟ كيف؟ ما وجه عدم قدرهم الله سبحانه وتعالى حق قدره؟ ما هو السبب في ذلك؟ ما وجه ذلك؟ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ.

إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء، شوف كيف جعل الله هذا القول من أعظم ما يمكن أن يكون من عدم تقدير الله حق قدره، ومن الإساءة لمقام الألوهية أن تقول ما أنزل الله على بشر من شيء، وأن الإساءة لمقام الألوهية ليست منحصرة في أن يدعى لله الولد مثلا، أو أن يجحد وجود الله سبحانه وتعالى، لا، وإنما أن تجحد النبوات وأن تقول ما أنزل الله على بشر من شيء، فهذا في غاية السوء من القول في حق الذات في حق الله سبحانه وتعالى.

وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء، حسنا لماذا قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء؟ قد يكون يعني استهانة بشأن الاختيار الإلهي، أنه كيف بشر يقوم مقام أن ينزل عليه الوحي من بين الناس؟ البشر أقل شأنا من أن ينزل الله سبحانه وتعالى على أحد منهم وحيا من السماء فيتحرك به في الأرض فيكون هاديا، كيف من بين الناس واحد يكون له هذا المقام؟ ولذلك في سورة الإسراء ماذا قالوا؟ قال الله سبحانه وتعالى: وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ إِلَّا أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا * قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا.

ولذلك في نفس السورة، سورة الأنعام في أول صفحة ماذا قالوا؟ أول بداية السورة: وقالوا لولا أنزل عليه ملك، ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون * ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون. إذا هذا المعنى متكرر، وكانت شبهة عند المشركين أنه لا ما ينزل الله على بشر من شيء. ولذلك في سورة القمر، فقالوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ، وفي سورة ص: أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا، بل هو كذاب أشر. إذا هم كانوا يستغربون من هذه القضية وكانوا ينكرونها.

وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء، سواء لهذه الحجة أو لغير ذلك. اليوم تتجدد هذه المقولة عند اللادينيين، تتجدد هذه المقولة، يعني بعضهم من الربوبيين الذين يعترف بوجود الخالق ولكنهم ينكرون النبوات كلها، أو ينكرون الأديان، إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء. نحن نتعامل مع هذه المقولة على أنها من أظلم الظلم ومن أشد الباطل، وأنها إساءة مباشرة، فنحن لا نتعامل مع هذه المقولة باعتبارها رأيا من الآراء، وإنما نتعامل معها باعتبارها من أبطل الباطل الذي ينبغي نقضه وينبغي الرد عليه.

ولأجل ذلك رد الله سبحانه وتعالى بنفسه في هذه السورة على هذه المقولة، فقال لمحمد صلى الله عليه وسلم: قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ. الآن الخطاب لمشركي مكة على قول عند المفسرين، طبعا المفسرون احتاروا في من المخاطب في هذه الآية، هل هم المشركون أم اليهود؟ لأنه ذكر كتاب موسى عليه السلام، وذكر فيها: تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا، وأنه هذا كان شأن اليهود، لكن السورة مكية والخطاب كله في المشركين، فهل المخاطب بها المشركون أم المخاطب بها اليهود؟ في نقاش بين المفسرين في هذه القضية.

وسبحان الله من الأمور العجيبة والجميلة كذلك أنه جاءت قراءتان في هذه الآية من القراءات المتواترة، فمن القراءات في هذه الآية: قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا، فهنا يصبح الخطاب لمن واضح؟ للمشركين، وأن أولئك اليهود هم الذين يجعلونها قراطيس يبدونها ويخفون كثيرا. والطبري نصر هذه القراءة في تفسيره.

وإذا قلنا بالخطاب وهي عامة القراء: تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا، فقالوا: هل المخاطب بها المشركون أم المخاطب بها اليهود؟ فالمشركون ليس من شأنهم القراطيس اللي هي الصحف، فإن الله سبحانه وتعالى يقول لهم في الكتاب الذي نزل على موسى: إنكم تجعلونه صحفا مفرقة، تبدونها وتخفونه كثيرا، فإنه تخفون بعض الصحف التي فيها ما لا يعجبكم وخاصة من ذكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وتبدون كثيرا، قل تجعلون قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا. ومن هنا جنح بعض العلماء إلى أن هذه الآية مدنية وليست مكية، وكما تعلمون قد تكون السورة مكية وتتضمن آيات مدنية. ومنهم من قال بلى كلها مكية وليس فيها مدني، وأن هذه الآية للمشركين، ولكن هناك في القرآن وفي اللغة العربية عموما في قضية تغيير الضمائر، بدون أي وضع أقوال معينة تكون حاجزا عن تغيير الضمائر بشكل واضح، فتجعلونه قراطيس تبدونها يعني كان المقصود بها اليهود.

هذا على قول حتى وإن كان الخطاب للمشركين، لكن هنا تجعلونه قراطيس إنه خوطب اليهود بذلك، طيب ما علاقة مشركي مكة؟ هناك تواصل كان بين المشركين وبين اليهود، والمشركون كانوا سببا في هذا الإخفاء من جهة التواصل والسؤال عن النبي صلى الله عليه وسلم وما إلى ذلك، فجعلوا كأنهم أيضا فعلوها. وقيل غير ذلك، لكن الشاهد أن هذه الآية سبحان الله من الآيات التي لما تقرأها تشعر أنها تحتوي على كثير من المعاني والحجج والنقاشات والضمائر، وتحتاج تأمل، وفيها فوائد كثيرة.

فنرجع مرة أخرى، أهم فائدة في بداية الآية أن من أظلم الظلم أن يقال لم ينزل الله على بشر من شيء، وأن هذه المقولة القديمة تجددت اليوم، وكما رد الله بنفسه عليها حين قيلت في مكة، يجب أن يرد عليها اليوم حين تقال وتتردد في أرجاء العالم، وهذا القول الآن ليس قولا ميتا، ليست من الشبهات الميتة. من يعيش يتصل في العوالم الأكاديمية والغربية وما إلى ذلك، ومن تأثر بها في العالم الإسلامي وفي الأروقة الثقافية، ترى هذا القول حي، ومع الأسف حي في بعض بلدان المسلمين وفي بلدان بعينها لا أريد أن أسمي، ينتشر فيها هذا القول تحديدا بين أبناء المسلمين، طبعا من يؤمن بهذا القول لا يكون مسلما بطبيعة الحال.

طيب الآن المخاطبون من المشركين بهذه الآية، لماذا اختار الله لهم كتاب موسى مع أن انتسابهم أكثر شيء إلى من؟ لا الكفار مشركي قريش إلى إبراهيم، صح، إلى إبراهيم عليه السلام، لكن الكتاب الذي ذكر هو كتاب موسى عليه السلام. إذا كان المخاطب بذلك هم اليهود فهذا واضح وبين، وإذا كان المخاطب هم مشركو قريش، فقيل لم يذكر إبراهيم أو صحف إبراهيم لأن صحف إبراهيم ليست مشهورة عنده وإن كانت ملة إبراهيم والانتساب إليها مشهورا، لكن كتاب موسى عليه السلام كان منتشرا خبره في أرجاء الجزيرة العربية، واليهود بجوارهم في المدينة، ويعلمون أخبار اليهود ويعرفون أنباءهم، ولذلك استعانوا بهم على مناقشة النبي صلى الله عليه وسلم. فكتاب موسى عليه السلام كان مشهورا ومنتشرا ومعروفا، وبالتالي: قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ.

الآن المفترض أنهم هم لا ينكرون أن موسى عليه السلام جاء بكتاب صحيح، لا يختلفون أن موسى عليه السلام جاء بكتاب. طيب، قفوا هنا، من أنزله؟ لا تمروا على هذه الحقائق التاريخية هكذا، لا تمروا على هذه الحقائق التاريخية هكذا. من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى؟ كذلك نقول لمن ينكر القرآن: من أنزل الكتاب الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؟ تعالوا قفوا، لا تحسبون مغفلين هكذا تمرون، تقول تجحدون النبوة وتجحدون القرآن وتجحدون من أنزل الكتاب الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، كما قال الله: قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ.

وهذه الجملة فيها حجة عظيمة ينبغي استعمالها أبد الدهر: وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ. تعالوا، هذا الكتاب فيه من العلوم ما لا تعلموه لا أنتم ولا آباؤكم، من أين أتى النبي صلى الله عليه وسلم؟ جاء بهذا الكتاب، من أين جاء بالعلوم التي فيه؟ جاء به من عند الله سبحانه وتعالى، لذلك: تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا.

قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ. تعالوا يا قريش، حدثوني عن قصي بن كلاب، وحدثوني عن عبد مناف، وحدثوني عن عبد شمس بن عبد مناف، وهاشم بن عبد مناف، ونوفل بن عبد مناف، والمطلب بن عبد مناف، وحدثوني عن أبنائهم وأبناء عمومتهم وعن عبد الدار، وعن كل هذه البطون، وكل أولئك الرموز وأحفادهم وأولادهم وأبنائهم وأبناء عمومتهم، والذين كانوا يجتمعون في دار الندوة، من حدثكم منهم عن هود عليه السلام؟ من حدثكم منهم عن صالح عليه السلام؟ من حدثكم منهم عن أنباء موسى عليه السلام؟ من حدثكم منهم عن طغيان فرعون وكفره وشركه؟ من حدثكم عن الدلائل الكثيرة على وحدانية الله؟ من حدثكم عن تفاصيل الجنة ونعيمها؟ من حدثكم عن تفاصيل النار وجحيمها؟ من حدثكم عن قصة يوسف بتفاصيلها؟ ومدار قصص القرآن على وحدانية الله وعظمته وجلاله وكبريائه وصدق سننه إلى آخره، وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ. أين آباؤكم وأين علوم آبائكم؟ وغاية ما لديكم ما هو؟ أن تتفاخروا بالسقاية والرفادة، ويعني التحكيم بين الناس، وغاية ما لديكم أن تتفاخروا بأن تسقوا الحجاج زمزم، وأن تطعموهم من الطعام، وأن تتحدثوا عن بعض الحروب التي خضتموها، وأن تتحدثوا عن السيول والأمطار، والسنة حر والسنة برد، وأن تخططوا لرحلة الشتاء والصيف، وماذا تجعلون في القافلة القادمة؟ وماذا تستقبلون في القافلة الآتية من بلاد الشام؟ وكيف ترسلون القافلة إلى اليمن؟ هذا حد علمكم أنتم وآباؤكم. فمن أين جاءت هذه العلوم التي تضمنها هذا الكتاب؟

وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ. قُلِ اللَّهُ، قل الله هو الذي أنزل ذلك، أنزل هذا الكتاب الذي جاء به موسى، وأنزل الكتاب الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. وها هنا يظهر من الآية أنهم يسلمون بأن هناك كتابا جاء به موسى صح، وأنهم يسلمون أن هناك شخصا اسمه موسى عليه السلام، وهذا تواردت البشرية عليه، وإن كانوا ينكرون من الكفار، ينكرون ماذا؟ أن يكون الوحي قد نزل عليهم. على أننا في هذا الزمن الذي اختلط فيه حابله بنابله، ورأسه برجله، ومرجت عهود الناس وأماناتهم، حتى كانوا هكذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وحتى صار أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وصدق الكاذب وكذب الصادق وخون الأمين وائتمن الخائن، واختلطت المعارف والعلوم وصرنا في مرحلة.

من أبأس مراحل المعارف في تاريخ البشرية على أن البعض يظن أنها من أفضل أنواع أو مراحل المعارف وهي أفضل من نواحي بعض النواحي التخصصية ليس لكن ليست من النواحي المنهجية الحقيقية. في هذا الزمن البس الذي وجد فيه كل ذلك، وجد من ينكر حتى وجود موسى عليه السلام وعيسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم، ويطلع ويخرجون الآن في القنوات التلفزيونية ويرفعون عقيرتهم بمثل هذا الكلام الذي لا قيمة له لا في التاريخ ولا في المنطق ولا في العرف ولا في الأخبار ولا في الأحوال ولا في الدلائل ولا أي شيء.

وقد قيض الله سبحانه وتعالى من يرد عليهم شبهاتهم ويبين الدلائل الكثيرة على وجود الأنبياء، تخيل وصلنا إلى هذه الدرجة، ثم بعد ذلك الدلائل على ماذا؟ على أنهم أنبياء فعلاً وعلى أن الله أوحى إليهم وعلى أن الكتب التي أتوا بها هي من عند الله سبحانه وتعالى، فهذه قصة يعني قصة غريبة. على أن هناك استدلالاً لطيفاً يعني ما وقفت عليه لربما ذكره بعض العلماء وبعض الباحثين المعاصرين، ويعني الباحثون المعاصرون ما شاء الله فيهم مجموعة اهتموا بهذه القضية وردوا عليها رداً كبيراً منهم الدكتور سامي عامري، عنده بحوث في الرد على هؤلاء الذين ينكرون أساس وجود الأنبياء ردود طيبة، لكن يوجد بعض المباحث اللطيفة لا أدري حقيقة إن كانوا ذكروها في الكتب أو لا لكني أخذت أتأمل فيها ووجدت فيها بعض المعاني اللطيفة في هذا الباب، وهو يعني رصد الموروث الثقافي والاجتماعي في العرب مع الزمن والتاريخ والرجوع إلى تلك النقطة التاريخية والمعرفة كيف انعكس وجود الإسلام على كل النواحي الثقافية والاجتماعية بما لا يدعو مجالاً للشك أنه كانت هناك نقطة تحول وانفجار مرتبطة بالمعارف الإسلامية.

إلى درجة مثلاً ابتداءً من الأسماء، إحنا عندنا سجلات بالأسماء موجودة في مختلف الكتب في الشعر دواوين العرب وفي كتب الرجال والرواة والتراجم والأخبار والوثائق التاريخية، انظروا إلى الأسماء قبل زمن النبي صلى الله عليه وسلم وإلى الأسماء بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم، انفجرت الأسماء المرتبطة بالإسلام والعبودية لله وكذا وإلى آخره، ها والأسماء التي اسمه محمد انفجرت انفجاراً، ها وغير ذلك، عبد الرحيم وعبد الحكيم وعبد اللطيف وعبد إلى آخره من أسماء الحسنى التي جاءت في ميراث النبي صلى الله عليه وسلم ولم تكن موجودة عند العرب، عبد الرحمن كان المشركون ينكرون اسم الرحمن وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ، ثم تأتيك في مرحلة تاريخية عندك عشرات ولا مئات الناس عبد الرحمن، عبد الرحمن، عبد الرحمن، عبد الرحمن في في لحظة واحدة، ها يعني من جيل مثلاً التابعين الذين عدد أسمائهم عبد الرحمن يعني عدد كبير جداً، وهذه ليست أسماء مجردة، يعني البعض ما يعرف الكتب التاريخية والكذا ويتعامل معها بسخافة، وحقيقة يعني هذه أحياناً ما لهم حل، يعني أنت مثل ما قال الشافعي: تناظر العالم فتغلبه، تناظر الجاهل فيغلبك، يعني أحياناً الإنسان ما يعرف ولا شيء، ما يعرف ولا شيء مثل بعض أحوال ذكر، يعني مثل هؤلاء الذين لا يعرفون ولا شيء أحياناً لما تناقش بعض منكر السنة من القرآنيين يلعبوا لعب بال يعني لعب تنتهك فيه حرمات العلم، حرمات العقل، حرمات المعرفة، ما تقدر يعني جهل مركب على أشياء سخيفة مع أشياء لا قيمة لها ولا معنى لها ولا يعتبرها أحد من الناس ممن له أدنى مسك من العلم، ولكنهم يعني يناقشون بقوة ويظنون أنهم ويدعون ادعاءات هكذا، فلا أريد أن أجنح إلى بعض أولئك الذين في إنكار السنة.

لكن هذه الكتب والتي فيها توثيق الموروث الثقافي والعلمي أشياء عجيبة، وحتى أحياناً تلمس لمسات تقف على لمسات غريبة وجميلة ولطيفة، مثلاً تأتيك في الرواية في الحديث: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، صح ولا لا؟ وهذا محدد بالتاريخ في روايات السيرة النبوية صح ولا لا؟ وأنه في آخر المرحلة النبوية وكذا وإلى آخره، ارجع الآن إلى علم الفلك اللي فيه إحصاءات، إيش الآن تعرف الآن في الحسابات الفلكية تستطيع أنك ترجع للكسوف إلى ذلك الزمن، معروف يعني من العلم المشترك بين البشرية ستجد أن الشمس كسفت ما أدري في السنة الثامنة أو التاسعة تقريباً للهجرة في كسوف محدد في ذلك المرحلة وأظن في عدة سنوات ما كسفت إلا مرة واحدة أو شيء، خلاص يعني فهمت الفكرة هذه، طبعاً أنا ما أقول هذا دليل وحده قائم بذاته لا، ستجد مئات الأدلة بهذه الاعتبارات، لما تجمع بين هذه وهذه وتنظر إلى هذه وتلك وتجد أشياء عجيبة جداً.

وهذه كلها معروفة، يعني مثلاً الواحد يظن أنه في أسماء قائمة أسماء المحدثين كذا، يعني الناس اخترعوها من عندهم ما في شيء اسمه اخترعوها، مثلاً كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد، ما يعرفه طبعاً ولا قد قرأوا فيه، ولا إيه هذا كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد تعرف ايش فيه؟ لما مثلاً يوثق أسماء الصحابة والتابعين تعرف ايش يوثق؟ يوثق أسماءهم بأنسابهم وأسماء زوجاتهم ومن كل زوجة ايش اسم الأولاد اللي جابهم الصحابي أو التابعي فهمت، وبعدين يقول لك لا هؤلاء الثلاثة أولاد فلان من أمهات أولاد ما هم من الزوجات وإنما من أمهات الولد يعني الإماء ومسجلين واحد واحد، وبعدين يجيب الأولاد أنفسهم هذا تزوج مين وهذا تزوج بنت فلان وهذا تزوج بنت فلان وهذا تزوج بنت فلان، كأنه شيء في السجلات الوثائق الاجتماعية الرسمية ها، في رصد شمولي للمعارف الثقافية وللأسماء وللأحوال شمولي جداً وموثق وبالأسانيد، فمن لمحة معينة من هذه اللمحة الثقافية تعرف أنه في لحظة معينة تغير كل شيء، تغير كل شيء في الثقافة العربية، تغير كل شيء في الجزيرة العربية حتى أسماء الأولاد تغيرت في لحظة واحدة.

فضلاً عن الصفحة التي اهتم بها الباحثون يعني كثيراً مثل الدكتور سامي وغيره اللي هي الأركيولوجيا؛ الأبحاث هذه اللي يبحثون فيها عن يعني مثلاً النقوش وبعض الآثار الحسية التي توجد في المتاحف أو في وجدت صخرة منقوش فيها كلام يدل على هذه، كثيرة طبعاً كثيرة التي كتبت في القرن الأول الهجري التي يقول فيها مثلاً: من عبد الله الفقير إلى رحمته ومغفرته فلان ابن فلان الفلاني، تلقاها مثلاً سنة ٢٥ للهجرة سنة ٣٠ للهجرة، كتبه الفقير إلى عفو ربه ولا الراغب في جنته ولا إلى آخره مما لم يكن العرب يعرفونه ولا يتكلمون به ولا إلى آخره.

فأنا أقول إنه إحنا ابتلينا في هذا الزمن بمن ينكر أساس الأساسيات، ها ويعني بينما لم يكن أولئك المشركون ينكرون هذه الأساسيات، يعني هم ما كانوا ينكرون أنه هناك شخص اسمه موسى وكان معه جاء بالتوراة، ما كانوا ينكرون هذا ولا ينكر أن في شخص اسمه إبراهيم عليه السلام وكذا، وإنما كانوا ينكرون أن تكون وحياً، وحتى ترى بالمناسبة هم ما كانوا ينكرون أن الوحي نزل على موسى عليه السلام، لكن يعني ليس بالضرورة أنهم ينكرونه على سبيل القطع وإنما على سبيل اللجاج والخصومة أو اللجاج والخصومة، يعني لما يجي يتحاجوا ويجادلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ، تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً، وفي قراءة غيرهم: تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا، وهذا قد يكون أصلاً القراءتان الله أعلم، قد تكون القراءتان يعني ايش تشمل الفئتين، يعني أنه يعني هم يجعلونه الخطاب لليهود والخطاب للمشركين، وقد هاتان القراءتان تعمم من ايش؟ يعني دلالة الآية وسعة الخطاب فيها، قل ذلك والله أعلم.

وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم، إذاً هنا يجب أن نقف لو تذكرون في حلقة مواقع القرآن سورة فاطر ذكرنا قدراً من الاستعراض التفصيلي لقضية علمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم وأنه ما هي موضوعات الشعر العربي التي كانت عند كل العرب وما هي موضوعات القرآن، ما أقول لك في نقلة ما أقول لك في يعني تغير، قل لك ذاك شيء وهذا شيء آخر مختلف تماماً، يجب هذا المعنى يجب أن يبصر عند قارئ القرآن المؤمن، يجب أن يعرف أن هذه معجزة، يجب أن يعرف أن هذا شيء مختلف، لو تراجع هذا المدخل في مواقع القرآن سورة فاطر يمكن النصف ساعة الأولى أو شيء حتى كل الحلقة يعني هي لوحظ فيها ذلك، يعني استعرضنا سورة فاطر باعتبار مقارنة بين سورة فاطر وبين المعلقات الشعرية، وهذا مما ذكره يعني في بمنزع آخر ذكره أظن الباقلاني في إعجاز القرآن لما نقد قصيدة قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزلي ها، نقدها نقداً يعني باعتبار البشرية والربانية وإشكاليات القصيدة والاعتبار مقارنة بإعجاز القرآن، وكذا أنه هذا ترى أقصى ما وصله العرب يعني أقصى ما وصله من موروث الثقافي الكبيرة ترى قصيدة قفا نبكي من ذكرى حبيب ها، وأمثال ذلك من القصائد، يعني هذا غاية ما لديهم، يعني أما الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۚ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إلى آخر الآيات هذا ما هو ليس لديهم يعني.

فهذا لم يكن لديهم، هذا الآن في قوله: وَعَلِمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ، قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ، قلنا يلقن الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم السؤال اللي هو من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ويلقنه الجواب، وكما قلنا مراراً هذا بحد ذاته من أهم الأدلة على مركزية البيان والحجة والرد على الباطل وأن الله بنفسه اعتنى بذلك وأن الله لقن نبيه صلى الله عليه وسلم الحجة، يلقنه السؤال ويلقنه الجواب سبحانه وتعالى.

قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً، طيب ماذا كانوا يخفون من هذه القراطيس؟ ها، من أهم ما يخفونه ما يدل على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، طيب هذا الذي يدل على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم من صحف أهل الكتاب هل بقي منه شيء بعد أن أخفوا وعدلوا وبدلوا وأصلحوا وأفسدوا وكله إفساد طبعاً، كله تغيير في هذا، هل بقي شيء في كتب أهل الكتاب الموجودة الآن بعد كل هذه القرون يدل على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم؟ نعم بلا شك يوجد، وقد اعتنى بذلك أيضاً جماعة من الباحثين طبعاً هذا ليس فقط بالباحثين المعاصرين، من قديم يعني العلماء والمسلمون اعتنوا بذكر الدلائل وبذكر بعض المقتبسات من كتبهم وما إلى ذلك، وهناك من المعاصرين من اعتنى بهذه القضية كذلك، يوجد كتب كثيرة يعني كثيرة كتب معاصرة وميزتها أنه من كتبها بعض من كتبها عندهم من العلم باللغات الأصلية ها التي كتبت بها الكتب السماوية أو التي كتبت بها التوراة، وكذلك الإنجيل، وهناك تتبع للألفاظ وللمعاجم ولدلالاتها حتى وصلوا إلى بعض الحقائق المهمة في إثبات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم من خلال هذه الكتب.

طيب الآن هذا كله من هذه الجملة، ايش ختام الآية؟ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ، يعني الآن يأتي الجواب من الله سبحانه وتعالى نفسه ويلقن نبيه الحجة ويقول له اسألهم عن كذا ثم يقول له رد عليهم بكذا، وبعد هذا كله بعد إقامة الحجة وطرح السؤال وذكر الجواب والاستدلال العجيب والانتقال بين الحجج، انتهى هذا الآن المشهد، يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بعد أن لقنه كل ذلك: ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ، يعني يرد الله عليهم بنفسه وهو يعلم أنهم ايش؟ في خوضهم يلعبون، وهو يعلم أنهم يكابرون وهو يعلم أنهم يتعالون ويتعنتون في هذه الاعتراضات وفي هذه الإشكالات، ومع ذلك ايش؟ يرد عليهم وتقام عليهم الحجة ثم ذرهم في خوضهم يلعبون، وهذه مفارقة يعني عجيبة فيها استعلاء عجيب الحق، يعني مشهد من ينظر في مجموع هذه الآية وما فيها وختامها يخرج بنتيجة يعني عظيمة جداً في هذا المعنى.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ۚ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۖ وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ، شوفوا يا جماعة الخير لو تتذكرون في مجلس النبوة والكتاب، أنه الله سبحانه وتعالى الذي أرسل الرسل وأنزل الكتب وجعل الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم السلسلة، خاتم سلسلة الأنبياء، وجعل القرآن خاتم سلسلة الكتب، قلنا لا بد هذا المعنى أن يبرز في القرآن، لا بد أن يبرز هذا المعنى في القرآن، ولذلك دائماً نجد الارتباط بين هذه الكتب، لأن الذي أنزل القرآن وأنزل بقية الكتب هو الله، والذي بعث محمداً صلى الله عليه وسلم وبعث عيسى وموسى وإبراهيم ونوحاً وبقية الأنبياء والمرسلين هو الله، فهذه الرسالة هي المتممة وهي الختام، فلا بد أن يبرز كل هذا المعنى في آيات القرآن، ولذلك بدأ بالكتاب الذي أنزل على موسى ثم قال ايش؟ وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ، وهذا كله أتى بعد أي شيء كل هذه الآيات.

التي ذكرناها الآن يعني هي هذه الآية، والتي قبلها كلها أتت بعد ماذا؟ بعد ذكر الأنبياء وتسميتهم، ولذلك ناسب أن يذكر بعدها ماذا شبهتهم، تذكر شبهتهم: مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ، هو قبل قليل ماذا ذكر؟ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ، وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۚ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ، ذكر هؤلاء الأنبياء ثم ذكر قول المشركين: مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ، ثم رد عليهم، ثم بعد ذلك: وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ.

فرق بين هذه العالمية وبين هذا الارتباط العظيم بالتاريخ وبين هذا الارتباط بالأنبياء وبالكتب وهذه المعاني الكبرى، وبين أولئك الذين في خوضهم يلعبون ويدعون هذه الادعاءات الكبيرة بلا حجج وبلا بينات، مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ، هكذا يقولون.

إذا وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ يعني وهذا كتاب آخر، وهذا كتاب يصدق ما قبله، وهذا كتاب أنزله الذي أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ، مصدق الذي بين يديه، وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا.

وقد ذكر الله من صفات هذا الكتاب أنه يصدق ما بين يديه من الكتب، وفي نفس الوقت وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ، وهذا التصديق هو نقطة قوة وليست نقطة ضعف، بينما نرجع مرة أخرى إلى زماننا هذا الذي انقلبت فيه الأفهام والعقول، فصارت نقطة القوة هذه نقطة ضعف في أفهام بعض المشككين في الإسلام، فجعلوا التوافق بين الكتب سبب ادعاء لهم أنه هم أن هذه الكتب والله ينقل منها الأشخاص بعضهم من بعض، بينما هي دائما نجد في القرآن أنها نقطة قوة، مصدقاً لما بين يديه، مصدقاً لما بين يديه، مصدقاً الذي بين يديه، لماذا؟ لأن الذي أنزل الكتب واحد سبحانه، الذي بعث الرسل واحد سبحانه، ويقول للبشر هذا الرسول الذي جاءكم في آخر عمر الزمان إنما هو امتداد للرسل الذين أتوا في أول الزمان، رسالتهم واحدة، مركزيتها واحدة وهي توحيد الله وحده لا شريك له، والإنذار من عذابه سبحانه وتعالى، والدلالة إلى سبيل النجاة، والدلالة إلى سبيل الفلاح، ثم بعد ذلك الشرائع المفصلة تختلف ما بين شريعة وأخرى.

وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا، وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا، تسمية مكة بأم القرى هذه تسمية شريفة وعظيمة وكبيرة، ومن أعظم ما يمكن أن تتفاخر به مكة على البلدان أن الله سماها أم القرى، هي أم القرى وفيها أول بيت وضع للناس، فحق لها أن تسمى أم القرى طالما أن فيها أول بيت وضع للناس، هو المدار، كل مسلم على وجه الأرض في أقاصيها وأدانيها إذا كبر استقبل أم القرى، استقبل الكعبة.

لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا، من حولها أول ما يدخل فيه في البداية هم القبائل الذين حول مكة مباشرة، من خزاعة وأمثالها من القبائل، وهذا لا يحصر بطبيعة الحال الرسالة في أم القرى وما حولها من القرى ومن حولها من القبائل، وإنما يجعل لها أولوية معينة في تبليغ الرسالة وفي إيصالها، وفي أولوية الاستجابة وأولوية الإنذار، لكن حتى في هذه المرحلة المكية كان القرآن ينزل بعالمية هذه الرسالة، فأين نزل قوله سبحانه وتعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا في مكة أم في المدينة؟ في مكة، في سورة سبأ، نعم أحسنت سورة سبأ، وكذلك في سورة الأنبياء: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ، هذه أيضاً سورة مكية وغير ذلك، لكن مع هذه العالمية الجمع بين هذه العالمية وبين المحلية، محلية اللي هي أنه أول ما نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، فهذا التحرك الذي في الابتداء تحرك بوشر فيه الخطاب لأهل مكة، أنذروا، حذروا، نوقشوا، جودلوا، ثم بعد ذلك انتشرت هذه الرسالة شيئاً فشيئاً، وما إن انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وحسم الصراع العسكري مع أهل مكة حتى انفجرت هذه الرسالة في الآفاق، وأرسل الرسل إلى هرقل وإلى كسرى وإلى غيره، وتحققت هذه العالمية على أرض الواقع بعد سنيات أو سنوات من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إن أقدام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وطئت إيوان كسرى بعد خمس أو ست سنوات من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، كسرى الذي ما رضي أن يقرأ الرسالة لأنه ليس من شأن أولئك العرب الذين في الجزيرة العربية أن يتجرؤوا على أن يرسلوا رسالة إلى كسرى الذي يملك نصف الأرض، ولا يملك أقطاراً واسعة من الأرض، ما مرت سنوات حتى وطئت أقدام الصحابة إيوان كسرى، وقالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً.

ولذلك قال هرقل لما بلغته الرسالة، قال: وإني أعلم أن ملكه سيصل إلى ما تحت قدمي، وقد وصل إلى ما تحت قدميه هرقل، ومعركة اليرموك كانت في الخامس عشر للهجرة، يعني بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بأربع أو خمس سنوات، ومعركة اليرموك فتحت بلاد الشام كلها في زمن عمر بن الخطاب، وصل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم إلى جنوب تركيا، وإلى مصر، وأجزاء من المغرب العربي، وإلى أذربيجان، وإلى العراق وإيران، وبعض أجزاء تركستان، وأجزاء من باكستان، وأجزاء من أفغانستان الحالية، والنبي صلى الله عليه وسلم وضع في قبره قبل عشر سنوات فقط، وكان قبل ذلك ينهى عن أن يصلي عند الكعبة: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ، وكان قبل ذلك صلى الله عليه وسلم يهدد وأحياناً حتى يعتدى عليه باليد، كما حصل لما تجرأ بعض مشركي قريش وأخذ أحدهم بثياب النبي صلى الله عليه وسلم بما عند رقبته صلى الله عليه وسلم، أراد خنقه فدفعهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه وقال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي، ولما سجد كما تعلمون عند الكعبة جاء أشقى قريش عقبة بن أبي معيط فأخذ سلى الجزور فوضعه على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك من الأحوال الصعبة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يستطيع أن يهدم الأصنام التي عند الكعبة، 360 صنماً لا يستطيع أن يهدمها وهو يدعو إلى التوحيد ويرى هذه الأصنام أمام عينيه، وكان هو وأصحابه مستضعفين بمكة، ولم يجد أصحابه إلا أن يهاجروا إلى بلاد بعيدة وهي بلاد الحبشة، حتى بقي النبي صلى الله عليه وسلم وبعض من معه من المسلمين، كل العدد أصلاً قليل، وَتَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ كما قال الله سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك ما إن توفي النبي صلى الله عليه وسلم وبعد جولة من الصراع مع قريش والرسائل والدعوة إلى آخره، حتى بلغ الدين هذا إلى الدنيا بعزة وكرامة وقوة وبجيوش المسلمين وباستعلاء وبعلاء كلمتهم، وبعد هذا كله أداروا البلاد المفتوحة، ووضعوا النظام الاقتصادي، أو يعني طبقوا النظام الذي جاء في الأسس، وسووا كل شيء، عملوا كل شيء، سر ذلك كله هو في هذا الكتاب العزيز الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من رب العالمين سبحانه وبحمده.

إذا وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا، من هناك بدأت الرسالة، من أم القرى وما حولها، كان يأتي الآحاد من الناس، وحتى يعني حين يأتي بعض الآحاد من الناس كانوا يسمعون الإشاعات عن النبي صلى الله عليه وسلم، حتى جاءه ذاك الجائي، من كان؟ الذي ذكر حديث في صحيح مسلم لما جاء فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: إني أشفي من هذه الريح، ضماد الأزدي، إنه يعني هو سمع أنه النبي صلى الله عليه وسلم به جنون أو شيء، وأنه هو عنده علاج وجاء للنبي صلى الله عليه وسلم وقال له يعني إني سمعت كذا وإنه أنا أشفي من هذه الريح، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

ذاك الرجل قال: أعدها علي، فأعادها عليه ثلاثاً، قال: لقد سمعت كلام الشعراء، هو لسه ما قرأ قرآن النبي صلى الله عليه وسلم وقدم له بهذه المقدمة يعني السمع، قال: لقد سمعت كلام الشعراء وكلام الكهنة، فما سمعت مثل هذا، ولقد بلغت كلماتك ناعوس البحر، تخيلوا يا جماعة كان هذا هو الحال، الناس تأتي آحاد هذا يسمع أنه النبي صلى الله عليه وسلم مجنون، وهذا يسمع أنه مريض، وهذا يسمع أنه صبأ عن قومه، وهذا يسمع أنه فرق بين الناس، والنبي صلى الله عليه وسلم هذا الطاهر المطهر يعاملهم بالحلم، ويطوف عليهم، يبلغ الرسالة، يدعو هذا ويكلم ذاك، ويعطف على هذا، ويحاول أن لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، يعني مهلكها بسبب أنهم لا يؤمنون، يريد منهم أن يؤمنوا.

وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا، بدأت هناك من أم القرى، أيش كانت أم القرى؟ وادٍ غير ذي زرع، البيت في وسطه ومجموعة من الأحياء، أحياء معروفة إلى الآن ترى تقسيماتها معروفة، هؤلاء بنو سهم، وهؤلاء بنو مخزوم، وهذا الشعب اللي فيه بنو هاشم وبجوارهم بنو عبد شمس، وهناك في المنطقة البعيدة نوعاً ما بنو عدي، وهكذا قبائل قريش، وكما قلنا كان غاية ما لديهم هو كيف نخطط لتجارة الصيف وتجارة الشتاء؟ ومين حيخرج مع القافلة هذه السنة؟ ومين اللي يحميها؟ وكيف نستقبل الحجاج هذه السنة وأيش نقدم لهم ضيافة؟ ويلا يا بني، اللي هو ابن شو اسمهم؟ طلحة اللي هم الحجبة، حجبة البيت، ويا بني فلان، ويا العباس وعندك السقاية، ويا فلان رتب الأمور، وحل الأمور، وكذا، هذه حدودهم يعني.

ثم جاءهم ذاك الذي كان صبياً صغيراً يجلس مع جده عبد المطلب بجوار البيت، مجلس عبد المطلب كان قريباً جداً من الكعبة، والذي كان صادقاً أميناً عندهم هذا الفتى محمد صلى الله عليه وسلم، إلى أن جاءهم بهذه الرسالة، كان من أول المقامات التي قامها إن لم يكن أول مقام، أنذرهم، لأن الله سبحانه وتعالى هنا قال: وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ، وقام قال: إني نذير لكم، الإنذار بين يدي عذاب شديد، ولذلك يا جماعة الخير يعني هذه المراحل الأولى مراحل مهمة لا بد دائماً نقف معها، ومن أهم وأجمل وأفضل وأذكى وأعظم ما نقف معها فيه هو أن نقف مع الآيات القرآنية التي نزلت في تلك المراحل، ونحاول أن نستكشف من خلالها ما الذي كان يدور؟ وكيف وقع هذا الحق عليهم؟ وكيف بني المؤمنون بهذا القرآن؟ وكيف هدمت أصنام الباطل بهذا القرآن العزيز؟

لا بد أن نقرأ القرآن بهذا الاعتبار يا جماعة الخير، لازم القرآن هذا هو الذي هدم تلك الأصنام كلها، القرآن هذا هو الذي تلي في إيوان كسرى وفي قصور قيصر، ولولا هذا القرآن الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم، ولولا التربية التي ربى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عليها بهذا القرآن لما بلغوا ما بلغوا، ولا يزال يا جماعة كل شر معاصر، وكل فكرة باطلة معاصرة، وكل جهل وجاهلية تدعى في المعرفة أو في أي مجال، ستهدم أصنامها بالقرآن، كذلك جذور الباطل كلها تهدم بالقرآن، ثم بحملة القرآن الذين يتحركون بحججه وببيناته، والذين يحملون كذلك سيوفهم نصرة له، فلا بد أن يرجع هذا القرآن في جذور قلوب المؤمنين مغذياً ومحيياً ومزلزلاً لكيان المؤمنين، ويصل إلى أعمق أعماق جذور نفوسهم، فيتخلل في هذه النفوس ويتخلل في الأفهام والأذهان، حتى تتفتق عن معرفة قرآنية راشدة عميقة لها قواعدها الكبرى المحكمة، والتي تثبت النفوس من جهة، وتصحح الأخطاء من جهة أخرى، وتربي حملة القرآن من جهة ثالثة، ولذلك لا يمكن اليوم الثبات أمام الشر المعاصر، الشر الشمولي، العميق، الكبير، إلا بأساس قرآني متين، لا يمكن، أما أن تكون علاقتنا بالقرآن علاقة سطحية، أو مجرد تلاوة وحفظ فقط دون هذا الإدراك العميق الكبير هذا إشكال، وأنا حين أصل إلى هذه النقطة في الحديث، قد يظن الظان أنه انتهى الحديث هنا، لا بالعكس أنا أشعر الآن بالعجز لأنه المفروض الآن الإنسان يبتدئ بالحديث عن القرآن، فهمتوا الفكرة؟ يعني أن الأمر أكبر من ذلك، والأمر أعظم من ذلك، والأمر أزكى من ذلك، والأمر أشمل من ذلك، هذه ليست ادعاءات، هذه ليست شعارات، ولا مقاطع عشان تقتطع ويصير مقطع جميل، الله اسمعوا ماذا يقول عن القرآن، كلام جميل، ما أجمل أن يكون، الموضوع ليس هنا، الموضوع ليس في هذه الدائرة، موضوع أكبر من ذلك وأعمق من ذلك، ولكن فعلاً الإنسان ما يعرف كيف يصف هذا، تعرف مثل أيش؟ هذا مثل ما كان النبي صلى الله عليه وسلم ينزل عليه القرآن فيتعجب منه، ويرى فيه ما فيه من العظمة والجلال، وبعدين لما يتلوه على قومه يستهزئون، بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ، هو يعجب منه وهم يسخرون.

يعني أنت حتى لو تتذكرون مقاصد سورة النجم، لما في مطلع السورة الحديث عن السماء وعن المعراج، الألفاظ والجمل والعبارات وما فيها أمر عجيب جداً لما تنزل في الآيات اللي بعدها إلى مقولات المشركين أو إلى ما.

كان عليه المشركون، تشعر أنك نزلت من أعلى العلو إلى أسفل شيء، ليس من جهة الألفاظ لأنه كلها شريفة وعالية في بلاغتها وفي كل شيء، ولكن من جهة الفرق بين ما كان يتصوره أولئك المشركون وما كان عليه المصطفى صلى الله عليه وسلم. أي تخيلوا بعد الآيات التي فيها وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى، ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى، ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ، مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ، أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ، عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ، عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ، مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ، لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ. كنا هناك في السماء وفي سدرة المنتهى وفي الأفق الأعلى.

بعدين لما يذكرهم أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ، أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَىٰ، تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ، إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ، إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَىٰ، إلى آخر الآيات. يعني نحن نحدثكم عن السماء، عن سدرة المنتهى، عن الجنة، عن الله، وأنتم تتحدثون عن حجارة وأشجار ناحتينها. ترى نفس الشيء، كل زمن له أصنامه، كل زمن له أشكاله، له رموزه، له باطله. نفس الشيء ترى ما بين الآفاق العليا وما بين الدرجات السفلى أو الدركات.

وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا. أنذرهم صلى الله عليه وسلم، أنذرهم في وقت صعب، أنذرهم في وقت حرج، أنذرهم في وقت ما معه أحد. تخيلوا يا جماعة النبي صلى الله عليه وسلم يسير في مكة ومعه امرأة خديجة وصديق أبو بكر ومولى زيد وقريب صغير فتى غلام علي، بعدين أبو بكر يكلم كم واحد ويسلم، كيف طيب؟ كيف يبدأ؟ كيف كذا؟ أمر يعني صعب جداً صعب، صعب. لذلك من أوائل ما ينزل عليه إيش؟ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ، وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ، فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ.

طبعاً تعرفون إيش طباع النبي صلى الله عليه وسلم، حيي، صاحب خلق، صاحب كرم، صاحب حياء، صاحب يعني مروءة، يحب أنه يحسن إلى الناس وكذا، ثم سيأتي يواجههم بهذا الحق ليكسر به باطلهم الواسع المنتشر المتجذر. طب كيف سيحدثهم عن ذلك؟ كيف كذا؟ ولذا لذلك كان يحتاج صلى الله عليه وسلم هو إلى المثبتات العظمى، فأكرمه الله سبحانه وتعالى بها، ثم سار بهذا التكليف، ترى تكليف صعب جداً صعب. طيب ما هي هذه المغذيات التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يتغذى بها ليتقوى على هذه الدعوة؟ بالمناسبة ترى التغذية واللفظ، الإطعام هو لفظ نبوي، لفظ الإطعام "إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني"، وكما هو مشهور عند العلماء المقصود به إطعام معنوي.

فما هو هذا القرآن؟ قرآن واختار الله له وقت الليل ليقرأ هذا القرآن على هدوء، إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا. ففي النهار إيش يصير؟ يذهب إليهم ويسمع من باطلهم ويرد عليهم ويتلو عليهم ويستهزئون به، إذا رجع إلى الليل إذا جاء الليل دخل محرابه صلى الله عليه وسلم، وكبر، وتلى ما كان يسمعه من جبريل عن رب العالمين، فيقرأ ويجد في هذه الآيات الأنس والتثبيت والمعارف والعلوم والأشياء التي يتجدد فيها في قلبه أن هذا هو الحق العظيم ويذهب.

الشاهد مرة أخرى وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا، أنذرهم صلى الله عليه وسلم إلى أن تمت هذه المسيرة بالنتيجة النهائية في المرحلة المكية رفضوا. يعني إحنا الآن كما تعلمون هذا الدرس الثامن عشر من سورة الأنعام، إحنا الآن وصلنا إلى نصف السورة تقريباً في عشرات الساعات، وكل مرة نقول يعني مستحيل أحد يكفر بعد هذه الآيات! ها صح أنه خلا يعني خلاص يعني واضحة، يعني نحاول نرجع الآيات إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم وكذا، واضح هذا الحق يعني ما في نقاش. هذه سورة واحدة تخيلوا 13 سنة النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم في سورة الأنعام وغيرها، وآخر شيء النتيجة النهائية رفض ومحاربة وتهديد وإخراج وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ.

إيش أخذ النبي صلى الله عليه وسلم يفعل؟ أخذ يبحث فيما حول أم القرى، يذهب إلى الطائف وما حولها، وكما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم كان يذهب إلى السوق، الأسواق العربية الكبيرة التي تجمع العرب من القبائل، فيقول "من يؤويني حتى أبلغ رسالة ربي؟ يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا". أكثر من حديث وهو يسير صلى الله عليه وسلم ويقول: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، خلفه أبو لهب يقول: لا تصدقوه فإنه كذاب، فيقولون: من هذا الذي وراءه؟ فيقولون: عمه أبو لهب. يبحث يبحث يبحث صلى الله عليه وسلم إلى أن رزق في مرة في سنة بستة من الأنصار من أهل يثرب، قال: "هل تسمعون مني؟" قالوا: نعم. تحدث معهم، تلى عليهم، وقر الإسلام في نفوسهم، رجعوا أتوا بأكثر منهم، سمعوا، أبسط يدك، بسط يده، نبايعك على النصرة، يبعث معهم معلمين، هذا مصعب بن عمير فلان وسالم مولى أبي حذيفة، ويسمعوا ويدخل الإيمان في قلوبهم. وكأنك تنظر إلى الأرض من الفضاء أرض مظلمة، فإذا ركزت الصورة على المدينة كل بيت يشتعل فيه نور، اليوم الثاني النور اللي جنبه، النور، نور، نور، نور، نور، جاءت بيعة العقبة الثانية ببضع وسبعين رجلاً وامرأتان أو ثلاثة.

ومن شدة قوتهم، قوة إيمانهم قالوا: يا رسول الله ألا نميل على أهل الوادي؟ يعني بالسيوف، نقاتلهم. ويذهب النبي صلى الله عليه وسلم طبعاً قبلها بقليل عرض نفسه على بعض رؤوس القبائل، ابن عبد ياليل بن عبد كلال، رده. رد النبي صلى الله عليه وسلم يعني حتى النبي صلى الله عليه وسلم لما استعمل اللفظ قال: عرضت نفسي، يعني عرضت نفسي، يعني كأني بذلت إيش؟ يعني ماء وجهي وبذلت نفسي وبذلت كل شيء، يعني عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب. وكما تعلمون في البخاري لما عائشة سألت النبي صلى الله عليه وسلم هل مر عليك يوم كان أشد عليك من أحد؟ قال: نعم، هذا اليوم. إذاً أنذر أم القرى ومن حولها لكن لم يستجيبوا، انتقل إلى المدينة.

انتقل إلى المدينة، مرحلة جديدة، موضوعات جديدة في القرآن؛ لأن الفئة المستقبلة الأساسية التي حول النبي صلى الله عليه وسلم تغيرت. تو كنا نقرأ سورة الأنعام والأعراف وكنا نقرأ سورة يونس وسورة هود وكنا نقرأ سورة الزلزلة وسورة القيامة وسورة الإنسان وسورة المدثر وسورة المزمل والسور المكية، ما الذي فيها؟ آمنوا، توحيد، القيامة، الآخرة، التهديد، الوعيد، الإنذار، التبشير، الجنة، دلائل الحق، المخلوقات، الكائنات، السماوات، الأرض، الجبال، كذا إلى آخره، وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ، ما آمنوا. لما رحنا المدينة، الأنفال، الأحزاب، النساء، المائدة، البقرة، خطاب أهل الكتاب، رد على شبهاتهم، التشريعات، الأحكام، الجهاد في سبيل الله، القتال، صف الصفوف، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا، والتشريعات والأحكام ونقاشهم والوفود، جاء اليهود، جاء النصارى، جاء كذا، تنزل سورة آل عمران، والمتشابه والمحكم والنقاش معهم إلى آخره، تختلف الموضوعات.

وشيئاً فشيئاً مع كل خطوة تتقدم أو تتوسع مساحة أم القرى ومن حولها، حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم تلك الرسالة إلى هرقل، فرد هرقل على من حوله قائلاً: سيبلغ ملكه ما تحت قدميه، وكسرى مزق الرسالة مزق الله ملكه بعد سنوات يسيرة. وهنا وهنا وهنا وهنا، توفي النبي صلى الله عليه وسلم وتلميذه الحبيب الذي رباه معاذ بن جبل في اليمن قاضياً ومعلماً، والصحابة متوزعون، ترى حتى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ترى كان في ولاة على المعلمون، وولاة على الأمصار، الأمصار القريبة يعني في أطراف الجزيرة العربية، إلى أن حصلت الفتوحات التي تعلمون، فانتقلت الدائرة من أم القرى ومن حولها إلى العالم. اليوم لم يصل في التاريخ أبداً لا في زمن العثمانيين ولا غير العثمانيين أن وجد عدد المسلمين كالعدد اليوم، ولا عدد البلدان التي فيها الإسلام كما هو اليوم، وإن كان بطبيعة الحال القوة وكذا هي أضعف من السابق.

بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، طيب ما بين الغربة الأولى والغربة الثانية إيش كان؟ يعني كانت غربة ولا زالت الغربة؟ زالت الغربة، يعني بدأ غريباً وسيعود غريباً يعني ما بينهما لم يكن غريباً. طيب عاد غريباً، سيعود بعد ذلك إيش؟ ليس بغريب، وهنا تأتي الوعود الكثيرة في آخر الزمان، في عز الإسلام والمسلمين وفي رفع راية الإسلام وفي نصرة الحق وفي وفي إلى آخره. فنرجع نقول هذه الآية التي وقفنا عندها الآن وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ.

ختام هذا المجلس أؤكد ما ذكرته قبل قليل، يا أيها الناس، يا أيها الكرام، يا جماعة الخير، لن يعود عز هذه الأمة ولن يعود حملتها الثابتون القادرون على أن ينتشروا بهذا الإسلام في الأرض وأن يكسروا شوكة الباطل، إلا إذا غذيت جذور نفوسهم بالقرآن كتغذية نفوس الصحابة بالقرآن. ومن هنا يأتي الباب الذي دائماً أذكره في الدروس، باب في تلقي القرآن على منهاج النبوة، وأن مفتاح الإصلاح يكون بإصلاح التلقي، وأن تلقي القرآن على منهاج النبوة، منهاج النبوة في التلقي واضح، له معالم واضحة، الآيات القرآنية في ذلك كثيرة، والأحاديث في ذلك كثيرة. نرجع مرة أخرى نتلقى القرآن على مكث آية آية، كل آية لها قدرها ولها وزنها ولها قيمتها، ويجب أن تلامس نفوساً تدرك قيمة هذه الآية. إحنا اليوم نسوي محاضرة طويلة عن الصدقة عشان ممكن واحد يتحرك نفسه بشيء من الصدقة، في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ينزل قوله لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ، آية. أسمعها مين؟ كان أبو طلحة، يا رسول الله سمعت الله يقول لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ، أحب... حتى ما أخذ مما يحب لا أخذ الأحب، وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإني جعلتها صدقة. لأنه هي مو درس ويتأثر، لا، هي مسيرة حياة أسست على أنه القرآن مركزي، وأنه الآن يتنزل، وأنه كل آية لها قيمتها، وأنه هذا كلام الله، وأن هنا الأصل الذي تتحاكم إليه كل الأشياء وتعود إليه كل الأمور.

طيب وين هذه الأرض؟ وين بيرحاء هذه اللي بيتصدق فيها؟ دعك الآن أنه فيها ثمرات ولا فيها بئر ولا فيها نخل ولا شيء، هذه يعني أقول تسهل، يعني هي بجوار مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، هي عند البيت عند قريبة من بيت، يعني يمكن أقرب مزرعة في المدينة لبيت النبي صلى الله عليه وسلم، كيف تتنازل عنها؟ كيف تتصدق فيها؟ يعني هو فاهم، يعني إذا كانت نخل وهذا ممكن، بس يعني المكان صعب تتنازل عنه. تعرفون الآن معروف مكانها الآن داخل المسجد النبوي حتى مو بالساحات، من البوابة الخلفية الشمالية، أول ما تدخل البوابة الشمالية تقريباً على اليسار، في منطقة أصلاً مرسومة الآن بالأسود تحت الفرشات، موجود مكان بيرحاء يعني حتى داخل المسجد النبوي، يعني كان بينه وبين المسجد القديم وبين القبر قريبة جداً، بس أمتار، يعني عشرات الأمتار يعني. لكن هذه الآية عملت فيه ما عملت، وخلاص، والله المستعان.

فنرجع نقول أنه الكلام كثير، وأنه ما يقف الكلام عن القرآن وعن أحواله في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لعله الله ييسر لنا مثل ما ذكرنا أمس، يعني سلسلة مواقع القرآن، كان هي هذا هدفها، يعني بدينا بسورة فاطر، هي هدفها أنه، طب الحين لسه ما قررنا إلى الآن تصير سلسلة لكن الله يعين، هدفها أننا نمر على سور القرآن سورة سورة بهذا الاعتبار، متى نزلت، كيف، يعني مواقعها في النفوس، سياقاتها إلى آخره.

طيب، إن شاء الله اللقاء القادم نكمل من قول الله سبحانه وتعالى وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ، وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ، وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ، إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ، فَالِقُ الْإِصْبَاحِ، إلى آخر الآيات بإذن الله تعالى. نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد والعون والرشاد، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهل القرآن، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من القائمين بكتابه من المتفقهين فيه، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يؤتينا الفقه في الكتاب، ونسأله سبحانه وتعالى أن يعفو عنا وأن.

يغفر لنا، وأن يهدينا ويسددنا، ونتبرأ من حولنا وقوتنا، ونستغفر الله ونتوب إليه، ونسأل الله العفو والعافية، نسأل الله الهدى والتقى والعفاف والغنى، ونسأل الله لعباده المستضعفين من المؤمنين في كل مكان أن ينصرهم نصراً مؤزراً، وأن يجبر مصابهم، وأن يجبر كسرهم.

ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجبر مصاب أهل غزة، وأن يعوضهم خيراً، وأن يعينهم على الثبات وعلى البقاء في هذه الأرض ثابتين صابرين محتسبين، وأن يصرف عنهم شر عدوهم. ونسأل الله أن يجبر أهل تركستان وأهل بورما وغيرهم من المؤمنين ومن المسلمين المستضعفين المكلومين المقهورين، وما أكثرهم! فنسأل الله أن يجبر المستضعفين من المؤمنين في كل مكان، وأن ينصرهم، ونسأل الله أن يذل أعداءه المجرمين من المحتلين ومن أعوانهم في كل مكان.

ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يخزي المنافقين الذين يسعون بالباطل ويحاربون الحق وأهله، ويسارعون في الكفار، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يخزيهم. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعز القائمين على دينه من حملة رسالة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن ينصرهم نصراً مؤزراً عزيزاً. اللهم يا ربنا إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.