الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم يا ربنا صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد، نستعين بالله ونستفتح المجلس السادس من مجالس تدارس سورة الأنعام، نسأل الله سبحانه وتعالى الفتح والبركة والتوفيق والسداد.
طيب، كنا قد وصلنا إلى قول الله سبحانه وتعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ، ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ. انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون. هذه الآيات تتحدث عن مشهد من مشاهد يوم القيامة، ومشاهد يوم القيامة في القرآن الكريم أمرها عجيب، وسياق القرآن لهذا الأمر ولهذا الموضوع يستحق التأمل والتفكر الطويل. نحن لم نصل إلى الآخرة بعد، لم نَرَ يوم القيامة بعد، نحن نؤمن بيوم القيامة، نؤمن بالآخرة، ولا شك أنه سيأتي ذلك اليوم، وسينفذ العالمين، وسيحشر الناس جميعًا يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ.
ومشاهد يوم القيامة التي ذكرت في القرآن كثيرة جدًا، نحن نؤمن بها لكن لم نرها. أول ما يلفت الانتباه وهو أمر عجيب جدًا جدًا جدًا، أن الله سبحانه وتعالى يذكر هذه المشاهد وكأنها وقعت، ويذكر التفاصيل التي فيها وتفاصيل الحوار الذي سيقع في الآخرة وكأنه وقع، ويحكى عنه كأنه شيء ماضٍ؛ مثل ما يحكى عن الحوار الذي بين موسى وفرعون، أو بين إبراهيم والذي حاجه في ربه، بل تعرض القضية المتعلقة بالآخرة وكأنها وقعت، ثم يبكت المشرك ويخزى بناءً على هذا المشهد الذي لم يقع ولكنه كأنه وقع؛ فيقال لهم: أرأيتم هذا كله الآن في الدنيا وفقط أخبار؟ يعني مثلًا الله سبحانه وتعالى يقول في سورة الأنبياء: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ، لَوْ كَانَ هَٰؤُلَاءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا.
شوف استدلال على بطلان ألوهيتهم بسبب أنهم وردوا النار؛ هي لسه مشهد ما وقع، لكن من شدة ما كون هذا المشهد حق وكونه واقعًا، فإن الله سبحانه وتعالى يقدمه في القرآن وكأنه وقع، بل ويبني عليه استدلالًا؛ لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها، هم وردوها الآن ولا لا؟ لسه ما وردوها، لكن الله سبحانه وتعالى يقول: لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها. حتى طبيعة الحوار الذي يعرض في الآخرة في يوم القيامة هو حوار كأنه شيء قد وقع وسجل ثم نقل لك وأنت تشاهده، كأنه شيء وقع، هذا كله من علم الله بكل شيء ومن معرفته سبحانه وتعالى، وكونه قضى وقدر كل هذا، فالله ينقل لنا ما سيقع وكأنه وقع، وهذا أمر يعني تأملوا في الآيات المتعلقة بالآخرة، عجيبة في القرآن؛ هي ليست مجرد إنذار وتخويف، لا لا، هي فيها مشهد سبحان الله، مشهد مفصل ستراه كما فصل، يعني في الآخرة ستراه كما فصل الآن، مثلًا هذا نوع من الحوار: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ، ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا، ها شوف كلها حتى قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ. انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون.
هذه واحدة من الحوارات، القرآن مليء بالحوارات المتعلقة بالآخرة، ففي القرآن الحوار المتعلق بهذا الحوار بين الله سبحانه وتعالى وبين الكفار؛ مثلًا: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ، وأيضًا ويوم يحشرهم طبعًا في آيات كثيرة ومنها هذه الآيات اللي في سورة الأنعام. التأمل في المشاهد القرآنية المرتبطة بمشاهد يوم القيامة أمر في غاية الأهمية في تغذية الإيمان، يغذى الإيمان ويجعل لهذا اليوم مهابة في القلب؛ أنه ترى نحن لا ينتظرنا يوم مجمل هكذا اسمه اليوم الآخر، لا، نحن ينتظرنا يوم مفصل، كل خطوة فيه مفصلة ومذكورة. ومن الملاحظ أن ذكر الآخرة وتفاصيل الآخرة أكثر ما ذكر في السور المكية، اليس كذلك؟ بل هناك سور مكية كاملة جاءت للحديث عن يوم القيامة؛ مثلًا: إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ، وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ، وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ، وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ، هذه إذا إذا إذا نعم، ما الذي سيحصل؟ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ، يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ، كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ اللي هو الجزاء والحساب، وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ، إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ، يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ، وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ، ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ، يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ.
سورة أخرى: إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ، وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ، وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ، وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ، وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ، يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ. سورة ثالثة: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ، وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ، وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ، وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ، وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ، وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ، وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ، وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ، وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ، وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ، وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ. سورة أخرى: إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا، وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا، يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا، يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ، فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ. سورة غير أخرى: الْقَارِعَةُ، مَا الْقَارِعَةُ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ، يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ، وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ، فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ، وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ.
لاحظوا سورًا وسورًا وسورًا، الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ، كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ، فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ، وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ، سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ، فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ، وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ، فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً، إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ، فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ، وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً، فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ، وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ، وَالْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا، وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ، يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ، فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ، إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ، فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ، قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ، كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ، وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ، يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ، مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ، خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ، ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ، إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ، فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ، وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ، لَّا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ.
وسور كثيرة في كتاب الله، خاصة في القرآن المكي، كلها الحديث عن الآخرة، عن يوم القيامة: فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ، فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَىٰ، شوف هذه كلها أسماء متنوعة ليوم واحد: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ، إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ. آيات وآيات؛ كم الحديث عن الآخرة في القرآن؟ كم الحديث عن يوم القيامة في القرآن؟ كم الحديث عن الساعة في القرآن؟ كم الحديث عن الجنة والنار في القرآن؟ مليء جدًا، من أهم موضوعات القرآن، من أكثر موضوعات القرآن، وهذا كما قلت أكثر ما جاء في القرآن الذي نزل في مكة، وإن كان أيضًا في المدينة في سورة النساء ذكر وعيد النار: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ، إلى آخره.
هذا الموضوع بمجرد كونه ذكر في هذا الكتاب العزيز كثيرًا فمعناه أنه ينبغي على المؤمن، وعلى طالب العلم، وعلى من يتعلم الدين، وعلى من يتعلم العقيدة، أن يكون من أولى أولوياته العناية بهذا الموضوع. يعني ما يصلح أن يكون الحديث عن الآخرة يصنف ضمن عنوان المواعظ، أما العقيدة فبس نناقش مسائل الآخرة من ناحية تحرير القضايا التي وقع فيها الخلاف بين الطوائف، وأنه نجلس نتناقش كثير: هل الميزان يوزن الشخص بنفسه ولا الميزان بالأعمال نفسها ولا كذا؟ والنقاش التفصيلي هل الميزان قبل الصراط ولا ولا كذا؟ نعم هذه مسائل علمية، لكن لا ينبغي أن يكون حظ دارس العقيدة تحرير هذه المسائل من جهة تحرير قضية الخلاف فيها، وإنما ينبغي أن تكون العقيدة مبادئ وقضايا كبرى تتغلغل داخل النفوس لتحيي، ولتكون ما يعتقده المسلم تجاه الآخرة أمرًا يحركه، يزجره، ينفعه، يبعده عن الشر، يقربه من الخير.
أنا ما ذكرت طرفًا من الآيات المتعلقة بالآخرة ويوم القيامة إلا شيء يسير في القرآن، باقي كثير جدًا. هذا الذي في سورة الأنعام الآن في هذا المقطع تحديدًا هو شيء أو مشهد من المشاهد، يمكن أن نعنون هذا المشهد كعنوان كبير اللي هو مشهد الحوار في الآخرة بين الله سبحانه وتعالى وبين الكفار. طبعًا الكلام بين الله سبحانه وتعالى وبين عباده هذا سيكون عامًا يوم القيامة كما في الحديث الصحيح في البخاري ومسلم، حديث عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان يترجم له. هذا الحديث في البخاري ومسلم، لكن هناك أنواع؛ طبعًا حتى مع المؤمنين في حوارات، أنواع من الحوار في ذاك المؤمن الذي يأتي فيعرض الله سبحانه وتعالى عليه ذنوبه ويستره ويقر بها، وفي يعني أكثر من حديث في طبيعة أو طبعًا حتى الحساب تعرف فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، وبعدين جاءت عائشة فقالت يا رسول الله إيش اللي هو لا يدخل أحد النار، بايع تحت الشجرة، لا لا الحديث الآخر اللي هو أي من حوسب عذب، من حوسب عذب قال النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت يا رسول الله قال الله عن المؤمنين فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، قال لا ذاك العرض، ولكن من نوقش الحساب يهلك. الشاهد أنه في حساب في عرض وفي نقاش، يعني في شيء اسمه عرض، في شيء اسمه نقاش الحساب، وفي شيء اسمه الإقرار، يعني أنواع من الحوار، حتى بعد دخول النار يكون هناك حوارات، الذي يخرجه الله من النار ثم يقول يا رب قربني من الجنة، يا ربي كذا، يا رب، هذا كله فالشاهد يا جماعة الخير هذا موضوع كبير في الإسلام، موضوع كبير في الوحي، ينبغي العناية به.
قال الله سبحانه وتعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ، ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ. أمضوا أعمارهم في عبادة اللات والعزى ومناة وهبل، ومن يوم القيامة يتبرؤون، والله ربنا ما كنا مشركين! وهذا يذكر بمشهد قوم نوح لما يبعث الله عليهم نوحًا عليه السلام شهيدًا في الآخرة، فيسأل الله قوم نوح فيقول هل جاءكم من نذير؟ فيقولون: لا والله ما جاءنا من نذير، 950 سنة يدعوهم ما قالوا ما آمنا، قالوا ما جاءنا من نذير، ما نعرف نوحًا أصلاً، ما جانا ما نعرف، فيسأل الله سبحانه وتعالى نوحًا فيقول يعني بلى، فيقول من يشهد لك؟ فيقول نوح عليه السلام: محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، قال فتشهد له، وهذا قوله سبحانه وتعالى: وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا.
من مشاهد يوم القيامة أو من ما سيفعله الكفار يوم القيامة سيجحدون، أو طوائف منهم ستجحد ما كانت عليه في الدنيا من كفر ومن إشراك، وهذا الذي ذكره الله في سورة الأنعام: ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ. انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون. ما كانوا يفترون، هذا الافتراء الذي افتروه في دينهم غرهم في الدنيا، غرهم إيش معنى غرهم يعني هم أول شيء كذبوا الكذبة، يعني افتروا على الله أنه هذا طريق يوصل إلى الله، واغتروا بهذه الكذبة وساروا عليها وسيصدقون على وهم بأنهم كانوا على وهم، وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ، يعني من هؤلاء المشركين من كفار قريش من يستمع إليك أي حين تقرأ القرآن، وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا، وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا.
بها هذا مشهد من المشاهد التي كانت في السيرة النبوية. بعد أن جحد الكفار وكذبوا بالحق أول مرة، عاقبهم الله سبحانه وتعالى بأن صرفهم عن إمكان الاهتداء بهذا الحق بسبب ما كذبوا أول مرة، كما قال سبحانه وتعالى في نفس السورة -أي في سورة الأنعام-: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ.
هم كفار قريش كان لهم مقامات في الاستماع للقرآن أو في التعامل مع القرآن؛ كانوا أحياناً يقفون أمام تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم القرآن فيعملون حركات إزعاج وضوضاء ويعني أشياء تشتت الانتباه، أي في آية في هذا المعنى: لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ.
وأحياناً لا، كانوا يبتعدون عن الاستماع أصلاً، وهذا الذي حرصوا عليه مع عامة الناس ومع الناس التي تأتي من خارج مكة، أنه يا جماعة من يوم ما يجوا الناس من الحجاج وكذا، لا ترى في واحد في مكة اسمه محمد يدعي كذا وكذا وكذا، إياكم لا تقتربوا منه. ولذلك تعرف يروى في بعض السيرة اللي كان يضع في أذنيه القطن، والذي كان يعني أهم شيء أنهم يبتعدوا. وفي مشهد ثالث وهو أنه كانوا أيضاً كان بعضهم يستمع للقرآن، وهذا الاستماع أحياناً يكون بغرض فاسد؛ يعني هو يستمع عشان يقول والله ما عنده شيء، أنا سمعت أصلاً القرآن ما فيه شيء كله سحر وكله كلام فاضي. وأحياناً يستمع من باب التأثر والانجذاب، كما في القصة المشهورة مع أبي بكر رضي الله تعالى عنه؛ لما كان كانوا ينهون أبناءهم وبناتهم، لكن يأتون فيتسللون ويستمعون.
هذا مشهد من المشاهد، وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ، ولكن هؤلاء المقصودون في الآية كان استماعهم غير غير استماع، يعني استماع ليس فيه تجرد؛ كان استماعاً مسبوقاً بتكذيب واستكبار وجحود، وربما كان من نياتهم أصلاً وقت الاستماع هو الوصول إلى محاجة النبي صلى الله عليه وسلم وما إلى ذلك. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ، جعل أغطية على قلوبهم لن يفقهوا هذا القرآن، وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا ۚ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ.
الآن هم هكذا يقولون، نحن استمعنا لهذه التلاوة، طيب إيش النتيجة لما استمعتم؟ قال لك والله ما استمعنا؛ يعني هذه تشبه الأحاديث التي كانت تأتينا عن قصص الفرس. كان أحد الكبار من عتاولة الكفر في قريش اسمه النضر بن الحارث، كان كثير الأسفار، فكان من جملة ذلك أنه يسافر إلى جهة الفرس ويستمع، تعرف الفرس عندهم القصص هذه حق الملوك وحق يعني قصص المغامرات والأخبار. فكان يستمع لهذه القصص ويأتي ويجلس ويحدث الناس ويقول: يعني الذي يأتي به محمد ليس بأفضل مما عندي؛ ويجلس يكلمهم عن السواليف هذه حقتهم، قصص واحد حب واحدة بعدين خانته وبعدين تغدر فيه، بعدين إيش صار فيه بعدين كذا، وفي شيء على شكل مدري حيوان كبير له ستة عشر عين وبعدين تصارعوا وبعدين عبدون الناس وبعدين جاء إله ثاني وتصارع مع بعض، وبعدين كذا إلى آخره سواليف الأمم هذه وخرابيط. فيقول: إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ. يعني هذا القرآن هو نفس الأشياء التي نحن نسمعها عن أساطير عن الأمور عن الأولين، سواء أساطير كانت مكتوبة من المسطور أو غير ذلك.
لكن أساطير الأولين حكاياتهم وقصصهم والأمور هذه، يا جماعة الخير، أيضاً عنوان كبير في القرآن وهو ماذا كان يقول المشركون عن القرآن، كيف كانوا يتعاملون مع القرآن، ما هي مقولاتهم التي خاطبوا بها النبي صلى الله عليه وسلم وخاطبوا بها من معهم تجاه القرآن. هذا أيضاً موضوع متكرر في كتاب الله سبحانه وتعالى ومذكور كثيراً. طيب قالوا عن هذا القرآن إنه أساطير الأولين، وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ، يعني ينهون غيرهم عن أن يستمعوا لهذا القرآن ويتبعونه، وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ، يبتعدون عنه، يعني جمعوا بين الإشكالين، هم بأنفسهم يبتعدون عن القرآن ويبعدون غيرهم عن أن يستمع القرآن أو أن يستفيد من القرآن، وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ.
الآن تأتي الآيات العجيبة التي تتحدث عن مصير هؤلاء، وبنفس القضية التي قلناها تعرض القضية وكأنها وقعت وحوار مفصل أو ذكر مفصل للمشهد وكأنه أمر قد وقع: وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ. هؤلاء الذين كانوا في الدنيا ينهون عنه وينأون عنه، طبعاً قس عليهم كل من يعارض الحق ويحارب الحق وينشر الباطل والكفر، وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ، يا ليتنا نرد؛ هذا المشهد أيضاً متكرر في القرآن: يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي، وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا. فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ. قيل إن الذي كانوا يخفونه من قبل هو إيمانهم بأن هذا حق، ولكنهم كانوا يخفونه لأن وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم. بَلْ بَدَا لَهُم الآن ظهرت النتيجة، أنتم كنتم تعلمون ولكنكم تخفون هذا، الآن بدا.
الآن هذا المشهد كفيل مفترض أنه إذا سمعه الكفار أنه يعني هذا كفيل بأن يعيدوا موقفهم وحساباتهم من جديد، لكن العجيب أن الله سبحانه وتعالى الذي هو العليم بنفوس عباده -أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ- أنه سبحانه وتعالى، وهذا من أعجب الأشياء ومن أغرب الأشياء ومن الأمور التي تدعو إلى التفكر الطويل، أن الله سبحانه وتعالى وقوله الحق يقول: حتى لو بعث هؤلاء ووقفوا على النار وراوا نار جهنم وندموا ندماً حقاً هؤلاء بأعيانهم بأنفسهم، بعد أن يروا كل الذي يرونه، لو ردوا إلى الدنيا لعادوا إلى نفس الذي فعلوه، وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ ۚ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. وهذا يعني أمر عظيم وعجيب، وبالمناسبة هذا أيضاً قد يكون من المفاتيح لفهم قضية الخلود في النار، وترى هو لو رد سيعود إلى نفس الشيء، لو رد سيعود إلى نفس الشيء إلى نفس الكفر إلى نفس الشرك، وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ.
وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ. وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ، شوف شوف الآن الألفاظ نفس الشيء، قَالَ أَلَيْسَ هَٰذَا بِالْحَقِّ ۚ قَالُوا بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ. قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ. يَا حَسْرَتَنَا يقولون يا حسرتنا على ما فرطنا فيها، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجيرنا من الندم في الآخرة.
مشهد الندم في الآخرة هو من أصعب المشاهد، لأنه طبعاً هو الندم من متى يبدأ؟ قد يبدأ من عند الموت: حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ. يعني سبحان الله، الإنسان ممكن يكون من أهم بواعث العمل عنده أن يدرك ويؤمن إيماناً تاماً أن هذه الأيام وهذه اللحظات وهذه الحياة هي لحظات العمل، وأنه بعد ذلك لن يكون إلا أحد أمرين، إما الندم وإما الفرح، ولا عمل، انتهى العمل. يتخيل أنت، تخيل أنه تجي لحظة ما في عمل، ما تقدر تعمل، ما في، انتهى لن يسمح لك بالعمل، انتهى العمل، كل ما كان وضح لك كلفت بأشياء، نزل الحق وجاء، كان بإمكانك أن تعمل، تأتي لحظة على الجميع ما في عمل، انتهى. هذه اللحظة التي هي عندما ينتهي العمل ستكون إما الفرح العظيم لمن عمل وإما الندم والحسرة الشديدة لمن لم يعمل.
حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ. وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ. هذه الحياة تراها يعني يقال إنه كاللعِب واللهو يعني في مقابل الآخرة هذه العظيمة. وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ.
ثم ينتقل تنتقل الآيات إلى موضوع آخر وهو طبعاً ليس منفصلاً عن كل هذا؛ لأنه الحديث عن المشركين وعن عاقبتهم، ولاحظوا إحنا قلنا في اللقاء الماضي أن حجج القرآن تمزج الاستدلال العقلي بإيش؟ بالموعظة، أحسنت، بالعاطفة، وبالتهديد والتحذير. ترى هو ليس جدالاً بين طرفين متكافئين، ما هو جدال بين طرفين متكافئين، وفي طرف يبلغ كلام الخالق سبحانه وتعالى، وفي طرف يعني إيش يتلقى هذا الكلام. نعم هناك حجاج، هناك أدلة، هناك كذا، بس لازم يذكر هذا العبد الآخر أنه عبد لله، لازم يذكر أنه مخلوق، لازم يخوف، لازم لازم يقال له إنه ترى الأمر جد.
سبحان الله، يعني اللي يدخل في حوار الناس هؤلاء، ترى تأتي بعض المواقف، أنا أذكر يعني قبل سنوات كان في فترة الحوار مع الملحدين وكذا، أذكر أنه تحاورت مع شخص مدة طويلة، يعني أقصد في نفس المقام كان، أتذكر حتى كان صباح الجمعة، فكان لا أذكر كم ساعة أو شيء ما أتذكر، لكنه كان نقاش في قضية كذا تدليلية تفصيلية، طبعاً هي مرتبطة بأساس وجود الله سبحانه وتعالى، ثم يعني حصل موقف معين لا علاقة له بالحجة، ما في حجة ولا شيء، حصل موقف معين وقال لي: يا أخي شو اسمه، يعني زي ما تقول انتفض قلبي أو شيء، وكأنه أظن حتى راح صلى الجمعة أو شيء، والسبب ما له دخل لا بحجة ولا بأي شيء، يعني موقف معين عموماً حصل أثر فيه وموقف بينه وبين والدته وأخبرني بس بالمحادثة، فأنا تعجبت قلت: أنا لي كم الحين الوقت وأنا جالس أتجادل معه وأقول له ما أدري إيش، وبعدين صار هذا الموقف ويعني إيش انزجر كذا وانتفض قلبه وقام صلى الجمعة. فإذن خطأ أننا نتعامل في الحوارات هذه أنها مجرد يعني إيش، طبعاً كل واحد له مفتاحه في الأخير، كل واحد مفتاحه والإنسان يعرف الأشخاص، وطبعاً المحادثات كمان التي عن بعد أنت ما تعرف اللي أمامك ولا شخصيته ولا سياقه ولا تاريخه ولا مشكلاته ولا كذا، لكن المفترض أنه يتنوع في الأساليب.
فالشاهد أن هذا الأسلوب لاحظوا الآيات هذه فيها زجر، فيها تخويف، فيها وعيد، فيها ذكر العاقبة. فالنبي صلى الله عليه وسلم يستمع إلى هذه الآيات وهو يستمع، أو خلينا نقول يجادله المشركون في الواقع، ثم تأتي هذه الآيات لتكشف له مختلف الملابسات وتخبره بمصير هؤلاء الذين يجادلون ممن لم يؤمن. ثم بعد ذلك، ولا شك أن التكذيب شاق على النفوس، النبي صلى الله عليه وسلم هذا الصادق الأمين كونه يكذب وكونه يرد عليه قوله.
تخيلوا يا جماعة، أنت تعرف أنت إحنا الآن في هذه الليالي في رمضان أنت تسمع القرآن أحياناً يكاد قلبك يطير، ويعني النفوس إما أن تشعر بالسكينة أو تشعر بالخوف أو تشعر بالرجاء أو تشعر كذا، وترى أن القرآن يسير بقلبك وبنفسك ويصعد بك وينزل ويفتح لك آفاق ومساحات وكذا، وتعيش حالة من اللذة والشعور وحلاوة الإيمان، النبي صلى الله عليه وسلم هذا إحنا كيف، النبي صلى الله عليه وسلم من حيث شعوره تجاه القرآن، تخيل هو يعيش مع كل هذه المعاني، ثم لما يأتي يبلغها يجتمع يقول: أساطير الأولين، هذه أساطير الأولين، هذا كله كذب وهذا كله افتراء وهذا كله كذا، ويجتمعون إذا جاء يتلو عليهم القرآن، تخيل، تخيلوا كذا مشهد في مكة المشركون يجلسون، يأتي النبي صلى الله عليه وسلم مقبلاً إليهم ليبلغهم القرآن، بتتخيل هو يسمع بنفسه صلى الله عليه وسلم وهو قادم أنهم يقولون في بينهم: انظر جاءكم الساحر. تخيل هذا الآن المشهد، تخيل النبي صلى الله عليه وسلم أتى بكل ما يحمله وهو مشفق عليهم، وهو يحمل ثقل هذه الرسالة، ثم يسمع هذه الكلمة، إيش يكون شعور النبي صلى الله عليه وسلم؟ إيش صعوبة هذه؟ تخيل يبلغ الآيات ثم يذهب فيقولون: انظر ماذا قال المجنون، ما أصعب هذه الكلمات! ما أشدها على النفوس! يعني يجلد الإنسان ويضرب ولا يسمع هذا الكلام، صح ولا لا؟ الإنسان الحر الشريف الكريم المكرم ما يسمع ما يتحمل يسمع هذا الكلام.
ولذلك هنا يؤنسه الله بهذه الآيات، بعد أن ذكر الحوار مع المشركين وأنهم يقولون من أساطير الأولين، ذكر كلامهم، الله ذكر كلامهم الذي يسمعه النبي صلى الله عليه وسلم، يعني تخيل النبي صلى الله عليه وسلم يسير في مكة يسمع هذا الكلام، ثم ينزل عليه نفس الكلام من طريق جبريل أنه ترى قالوا وقالوا وقالوا، ثم يأتي هذا تأتي هذه الآية لتكون الأنس للمصطفى عليه صلاة الله وسلامه في قوله سبحانه: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ. نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ، ما هو الذي يقولون؟ في شيء منه ورد أصلاً في السورة تو ورد قبل آيات: إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ.
وجيد، وإيش أيضاً نفس السورة في الآيات الماضية، ارجعوا: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ. استهزئ يقولون هذا جملة، يقولون إيش هو الاستهزاء؟ استهزاء هو قولي يستهزئون، إيش يستهزئون؟ عاد أنواع الاستهزاء: أَهَٰذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ، هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ.
لفي خلق جديد، إلى آخره من الاستهزاء، ها؟ إذا النبي صلى الله عليه وسلم لما تنزلت عليه هذه الآيات، هو الآيات تأتيه آية آية، إنهم يقولون كذا، يستهزئون، يقولون أساطير الأولين، يقولون يقولون، ويعرض المشهد في الآخرة، ثم يقول الله سبحانه وتعالى له: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ. طيب، الآن قبل ما تأتي تتمة الآية، بمجرد أن ينزل على المصطفى صلى الله عليه وسلم أن الله يقول له إنه يعلم أنه لا يحزنه الذي يقول المشركون، هذا بمجرده إيناس، ليس كذلك؟ هذا بمجرده إيناس.
ثم يأتي الآناس الآخر: فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ. وهذا إيناس عظيم عظيم، يعني يا محمد وإن قالوا ما قالوا، وإن ادعوا ما ادعوا، ترى هم في داخل أنفسهم لا يكذبونك، هم في دواخل نفوسهم يعلمون أن ما بلغته حق، وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ. هذا الآناس الثاني.
الآناس الأول ايش كان؟ أن الله يعلم أنه يحزنك الذي يقولون: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ. علم النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله يعني علمه أنه تأتيه هذه الآية بعينها، الله يقول له: نعلم أنه لا يحزنك، هذا الآناس الأول. الآناس الثاني: فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ.
الآناس الثالث: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ. يعني ايش؟ لست وحدك، لست أول من يكذب، لست أول من يعترض عليه، لست أول من يستهزأ به، لست أول من يقال له هذا أساطير الأولين، لست أول من يقال له ساحر ومجنون وكذاب وشاعر، قالوها للأنبياء قبلك، الذين سمعت خبرهم في سور أخرى والذين جاءك من أنبائهم، لأنه في نفس الآية ايش؟ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ. جاءك، وهذا دليل أن هذه السورة ايش؟ هذا دليل أن السورة ليست من أوائل السور، وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ، يعني ترى في سور جاءت قبلها فيها أنباء المرسلين، ها؟ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ.
فهذا من أعظم الإيناس للمصطفى صلى الله عليه وسلم، ومن أعظم الإيناس لمن جاء بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ومن هنا يعلم أن نبأ المرسلين وقصص الأنبياء هو من أعظم الزاد الذي يحتاجه المصلح في طريقه، لماذا؟ لأن الله آنس بهذه الأنباء نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، فكما أنها كانت إيناساً له صلى الله عليه وسلم، فإنها إيناس لمن بعده ممن يسير على طريقه ويتعرض لما تعرض له النبي صلى الله عليه وسلم من الأذى.
من هنا تأتي أهمية قصص الأنبياء، والحديث عن الأنبياء، والتفكر في هدي الأنبياء، وتدارس أحوالهم وقصصهم وما تعرضوا له، فهذا كله من جملة ما يثبت به المؤمن، وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ.
نكتفي بهذا القدر، ونسأل الله سبحانه وتعالى العفو والعافية والمغفرة، وأن يرحمنا ويهدينا ويسددنا، ونسأله أن يعز الإسلام والمسلمين، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد