الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ، الحمد لله الذي لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا، الحمد لله الذي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا، الحمد لله الذي بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، ثم نسألك اللهم أن تصلي وتسلم على عبدك ورسولك محمد.
بداية قبل أن ننطلق في الوقفات مع الآيات التي في سورة الأنعام المقررة في هذا المجلس، وهو المجلس الثالث والعشرون من سلسلة مدارسة سورة الأنعام، أريد أن أقف قليلا مع أمر قد يكون معتادا أو يقدم بشكل تلقائي من غير تدبر أو روية، وهو مسألة الحمد في بداية الكلام أو بداية الدروس، لأنه كما تعلمون من ألقى درسا أو محاضرة أو شيئا يبدأ بالحمد والثناء على الله سبحانه وتعالى، وهذا الحمد والثناء هو من أعظم العبادات وأجلها، والحمد له طرق ووسائل وألفاظ، فلا ينبغي أن يكون بال المحاضر أو المدرس منصبا أو متوجها إلى المادة دون أن يكون مستحضرا أو متوجها إلى موضوع الحمد في بداية الكلام؛ لأنه أمر عظيم وباب كبير من أبواب العبادة لله سبحانه وتعالى.
وهذا يعني يذكر كذلك بدعاء الاستفتاح في الصلاة، يعني كثيرا ما يقال دعاء الاستفتاح دون استحضار أو تدبر أو تفكر، ولذلك ينبغي التنويع في ألفاظ دعاء الاستفتاح بما جاء في الأحاديث، كل مرة أو كل بعد فترة يختار ذكرا أو لفظا غير الآخر من باب أن أولا العمل بالسنة، وثانيا إعانة النفس على الاستحضار والتدبر.
ثم أما بعد، فهذا مجلس جديد في مجالس مدارسة سورة الأنعام، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتمها لنا على خير. وصلنا في مدارسة سورة الأنعام إلى قول الله سبحانه وتعالى: وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، وكان هذا ختام المجلس السابق. هذا المجلس نبتدئ من قول الله سبحانه وتعالى: اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ.
هذا توجيه للنبي صلى الله عليه وسلم في هذه السورة التي كثرت فيها التوجيهات، هذه السورة كثرت فيها التوجيهات للنبي صلى الله عليه وسلم، لكن أغلب التوجيهات في هذه السورة للنبي صلى الله عليه وسلم هي توجيهات مرتبطة بموضوع السورة الأساسي وهو مجادلة المشركين لإثبات حقيقة هذا الدين، وأن الله هو الواحد الذي لا شريك له، وأن هذا الدين حق، فأغلب التوجيهات الواردة في السورة هي توجيهات في النقاش أو في الجدال أو في تلقين الحجج للنبي صلى الله عليه وسلم في إبطال ما عليه المشركون.
لكن هذا التوجيه مختلف، هذا التوجيه هو للنبي صلى الله عليه وسلم مباشرة في أن يستجيب، في أن يتبع، في أن يعمل، وفي نفس الوقت فيه إشارة إلى الموضوع الأساسي في السورة في قوله سبحانه وتعالى: وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. طيب ما هي هذه الآية؟ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، يمكن أن نقول إن في الآية توجيهين: التوجيه الأول اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ثم صفة أو الإخبار عن الله بأنه لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ، والتوجيه الثاني هو: وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ.
طيب اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ، هذه الآية هي آية متكررة في كتاب الله في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضا وصف الله بها المؤمنين، وهي تؤسس وتؤكد على أن المطلوب من صاحب الحق أن يعمل بالحق، وأن يتبع هذا الحق، ولا يكتفي بإثبات لهذا الحق وإثبات الدلائل عليه، ومناصرة هذا الحق بالحجة والبرهان وإبطال باطل المشركين أو الكفار أو المعارضين أو أهل الباطل؛ يعني هناك نصرة للحق وهناك اتباع للحق.
النبي صلى الله عليه وسلم مأمور باتباع هذا الوحي، وفي نفس الوقت هو مأمور بالانتصار لهذا الوحي وبإبطال ما يخالفه وما يضاده، ولاحظوا أن الأوامر بالاتباع هي أكثر من الأوامر بالقراءة والتلاوة، يعني الوحي التعامل مع الوحي تعامل بالقراءة والتلاوة والحفظ، وهناك الأوامر بالاتباع، والله سبحانه وتعالى قد ذم أهل الكتاب حين تخففوا أو تركوا الأمر الثاني الذي هو الأمر بالاتباع، وحافظوا على الأمر الأول الذي هو التلاوة، وذلك في آية: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ.
وهنا وإن كان جاء بلفظ العلم وهو لفظ أعمق أو أدل أوسع دلالة من مجرد التلاوة، العلم يشمل التفقه في هذا الكتاب وإدراك حقائقه وإدراك أوامره، ثم ما يتبعه؛ لأن العلم في القرآن كثيرا ما يربط بنتيجته وهو العمل، أو تذكر نتيجته ثم تربط بالعلم، كما في قوله سبحانه وتعالى: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ.
فالله سبحانه وتعالى أوحى إلى نبيه أن يتبع ما أوحي إليه، وكما ذكرت هذا متكرر في كتاب الله، منها مثلا في صدر سورة الأعراف: الم ١ كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ٢ اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ، وكذلك في سورة البقرة: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ، وهنا التلاوة فسرها كثير من العلماء بالاتباع، ومنه قوله سبحانه وتعالى: وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا.
على أية حال، اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ، النبي صلى الله عليه وسلم مأمور بذلك، وهنا كما ينبغي على أصحاب الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم أن يسلكوا مسلك النبي صلى الله عليه وسلم فيما أمر به من الأوامر، ومنها الاتباع. اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ، وهنا الإخبار عن الله بأنه لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ مناسب لهذا السياق؛ سورة الأنعام هي سورة في إثبات التوحيد، في إثبات وحدانية الله سبحانه وتعالى، في البراءة من الشرك، فالتعبير بـ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ في سورة الأنعام وفيما يتعلق بالتوحيد متكرر.
ولذلك من اللطائف في ضبط المتشابهات في القرآن، عندنا مرت في الدرس الماضي أظن قوله: ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ، في آية تشبهها في سورة غافر: ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ، هذه آية متشابهة في اللفظ، فمن اللطائف أنه في سورة الأنعام قدم ما يشبه السياق؛ لأن السياق كله عن التوحيد، فـ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ هذه في سورة الأنعام، بينما في سورة غافر في نفس الصفحة كان هناك حديث عن الخلق، فناسبها ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ، هناك ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، فيعني السياق عن التوحيد؛ لذلك الانتباه للسياق أمر مهم جدا جدا.
وسورة الأنعام تحديدا فيها أمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم عنه أصحابه فلم ينتبهوا للجواب، أو سأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم استشكلوا المعنى، وأجاب النبي صلى الله عليه وسلم بجواب لم يكن في بالهم، ثم إذا تأملت السياق ستجد أنه بالفعل السياق يدل عليه بعد أن أخذت ذلك من جواب النبي صلى الله عليه وسلم، اللي هو أينا لم يظلم نفسه؟ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ، قالوا يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه؟ قال: إنما ذلك الشرك.
فأنت إذا رجعت للسياق هو آتٍ في محاجة إبراهيم لقومه: وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ٨١ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أي بشرك، السياق كشف عن هذا وتنبهنا لذلك من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك يعني دائما المفسر الذي ينتبه للسياق يكون له مزية على غيره.
وكما تعلمون نحن دائما نشيد بالإمام الطبري في هذه القضية، وأيضا دائما أنا أكرر تعجبي من عدم أخذ كثير من المفسرين هذه القضية من الطبري مع كونه متقدما، ومع كونهم أخذوا منه أمورا كثيرة، ومع كونهم يرجعون إلى تفسيره، ومع كونهم يصدرون عن آرائه في كثير من التفسير، لكن هذه القضية يعني تميز بها الطبري تميزا عجيبا، ولم أر من يعني تبعه فيها الاتباع الكافي.
وأنا كنت دائما أنبه على القضية الأخرى التي هي أنه ربط السياق بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، هذا كان مما تميز به الطبري ولم يؤخذ منه كثيرا، هذا الثاني الذي هو ربطه بالسيرة، هذا أكثر في عدم اتباع المفسرين للطبري فيه، الأول لا، يعني السياق وملاحظته يوجد من المفسرين لكن ليس باستحضار الطبري. خليني أقول لكم مثال؛ يعني ليس بالضرورة السياق في كشف المشكل، الآن مثلا آية: اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ، الآن احنا قلنا لها علاقة بالسياق من جهة أنه ناسب أن يخبر عن الله بعد الأمر باتباعه بأنه لا إله إلا هو بحكم أن السورة والسياق الآيات كلها في إثبات التوحيد، جيد تمام، لكن أيضا الطبري انتبه لما أؤسس لذلك، الآن هذه قبل صفحة ونصف من الموضع، هذه اللي هي أو وجه الآيات، إيش كانت بداية الربع؟
إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ٩٥ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا. طيب، ايش قال؟ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّ وَالنَّوَىٰ، وفلق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا.
شوف كيف استحضاره للسياق حتى في صفة الله سبحانه وتعالى هنا ربطها بما قبل الوجه ونصف الآيات، فضلا عن كونه مستحضرا في كامل السورة كل ما جاء قول الله سبحانه وتعالى: قُلْ يا محمد لهؤلاء العادلين بي غيري؛ لأنه في بداية السورة ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، فهذا الاستحضار الكلي للسورة وللسياق البعض يظن أنه هو مثلا من اهتمامات المعاصرين، الطبري كان إماما في هذه القضية.
طيب عموما، اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، ما مقتضى هذا اللفظ الذي هو الأمر بالإعراض؟ اعرض عن المشركين، نحن تلاحظ جاء الأمر بالإعراض عن المشركين في أكثر سورة في القرآن يمكن فيها جدال المشركين، مع أن عموم اللفظ في الإعراض، يعني كلمة الإعراض ككلمة كدلالة لفظية ممكن يفهم منها عدم جدالهم، ممكن بذاتها صح ولا لا؟ وهنا يأتي أهمية أيضا فهم السياق وجمع الآيات وجمع النصوص، لأنه ممكن واحد يقول وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، فإذا رآهم مشركين في أي مكان في العالم ولا شيء، يقول لك ممكن تقول له: يا أخي تعال نقيم عليهم الحجة ولا ندعوهم إلى الله ولا شيء، يقول لك قال الله تعالى: وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ.
فلا ننتبه أنه وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ بطبيعة الحال ليس المقصود بها أعرض عن دعوتهم، ولا أعرض عن جدالهم بالتي هي أحسن، ولا أعرض عن إقامة الحجج والبينات عليهم. طيب ما الذي يشمله الإعراض؟ يشمل أكثر من شيء، منها الإعراض عن مثلا قتالهم أو مجابهتهم مجابهة أكثر من مجابهة الحجة والبيان وإقامة الحق، وممكن أيضا يدخل أعرض عن أذاهم، وعن ممكن حتى يدخل فيها الإعراض عن الخصومة التي تتجاوز إقامة الحق؛ بمعنى أنه مثلا أحيانا مغالطات معينة، استهزاء معين كذا قد يطلقه المشركون وأهل الباطل، أعرض عنهم، يعني لا أكتفي بدعوتهم وإقامة الحق وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فالمجادلة بالتي هي أحسن وإقامة الحق وإبطال الباطل ورد الشبهات لا تتعارض مع الأمر بالإعراض.
وإن كان يعني الأمر بالإعراض، لذلك ليش أذكر أن الإعراض يدخل في عدم القتال أو كذا؟ لأنه يأتي كثير من المفسرين عند هذه الآية يقول لك منسوخة بآية السيف، نفهم منها إيش؟ أنه أعرض عن المشركين يعني في ذلك الوقت، لكن في وقت آخر يقاتلون، فهذا باب. ومثله ما ذكره عن الآيات التي فيها الأمر بالكف عن المنافقين مثلا في سورة الأحزاب: وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ. نعم، طيب وفي نفس السورة يعني ما يؤكد هذا أنه لأن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ، ففيها تهديد إن لم ينتهوا.
طيب إذا وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ هنا ما الذي يمكن أن يستفاد في المنهج الإصلاحي أو في الدعوة أو في كذا؟ أنه يقال اعتني بإقامة الحق وإثباته وإقامة البراهين عليه والرد على أهل الباطل وكشف شبهاتهم، ولا تنجر إلى مربعات الخصومات ودوائر القيل والقال والنزول إلى مستوى الاستهزاء والرد على الاستهزاء وما إلى ذلك، وإنما ابق في دائرة الحق، وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا.
سلامه وما إلى ذلك؛ لأنه خطاب، إيش يعني إذا خاطبهم الجاهلون؟ وحتى في سورة القصص إيش؟ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ، أي مع أنهم مأمورون بدعوتهم، فهي إذا وصل الجاهلون إلى دائرة الاستهزاء والسخرية والخطاب القبيح وما إلى ذلك، خلص يعرض عنهم.
لا هذه مختلفة نوعاً ما طيب، أو ممكن تدخل فيها في الجملة يعني، طيب إِذَا اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. إيش الآية التي بعدها؟ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ. طيب وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ. طيب ولو شاء الله ما أشركوا، نعم لو شاء الله ما أشركوا يعني لو شاء الله لآمن في الأرض كلهم جميعاً.
طيب إذاً هناك مشيئة إلهية في أن يكون هناك مؤمنون وهناك كفار، وهناك هيمنة إلهية على القلوب وعلى النفوس وعلى العقول، لَوْ شَاءَ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ، وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا، وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا. إذاً الله سبحانه وتعالى لو شاء لجعلهم مؤمنين، ولو شاء لأسمعهم، ولو شاء لجعل لسلك هذا الحق في قلوبهم، ولكنه لم يشأ ذلك سبحانه.
طيب هنا المشيئة هذه لا شك أن فيها إيش؟ حكمة، أدركها الإنسان أو أدرك شيئاً منها فالحمد لله هذا مما يزيد الإيمان، لم يدركها أو لم يدرك كثيراً مما فيها، هنا يجب على العبد أن يسلك مسلك التسليم لله سبحانه وتعالى، دائماً باب القدر ينبغي فيه التسليم، متى ما جاوز الإنسان حده ليظن أنه يحيط بالله علماً وبكل أو ليسائل الله سبحانه وتعالى، يعني ليقول ما، كأنه سؤال واعتراض على الله سبحانه وتعالى، هذا إشكال ودخول في دائرة ومزلق قد لا يخرج الإنسان منه، لذلك الله سبحانه وتعالى بين كثيراً من الحكم في أفعاله، وفي نفس الوقت كثيراً من الأحيان الله سبحانه وتعالى يذكر المشيئة فقط، وأنه أنت عليك أن تسلم لهذه المشيئة وتسلم لهذا الذي ذكره الله ما تتجاوز حدك يعني، الله سبحانه وتعالى هو مالك الملك.
فمثلاً قال الله سبحانه وتعالى في آيات متتاليات في سورة الأنبياء: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ * وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ * أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ * لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ. إيش؟ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ.
إذاً الله سبحانه وتعالى لا يسأل عما يفعل، هو مالك الملك وهو مقدر الأقدار وهو خالق العقول وهو خالق القلوب وهو خالق الحياة وهو خالق الموت وهو خالق الدنيا وهو خالق الآخرة، وهو خالق ما يقع في قلوب الناس من اعتقادات وخواطر إلى آخره، فالإنسان لا يتجاوز حده، الله سبحانه وتعالى قادر على كل شيء والله سبحانه وتعالى حكيم في أفعاله. أنت أيها المؤمن عندك مقامان: المقام الأول مقام التسليم في أي شيء مرتبط بأفعال الله سبحانه وتعالى وأقداره، مقام التسليم الإيمان والتسليم. المقام الثاني مقام العلم بالحكمة المرتبطة بهذا القدر أو بهذه المشيئة، وهذا العلم إذا سلكت مسالكه الصحيحة فإنه يزيد المؤمن إيماناً، ولكن مقام العلم بالحكمة لا ينفي مقام التسليم، مقام التسليم ملازم مقام العلم بالحكمة، لا يتأتى لكل أحد لا يتأتى لكل أحد.
ولذلك الله سبحانه وتعالى يبين لنا كثيراً من الأمور، يعني نحن تخفى علينا حكم كثير من أفعال المخلوقين الذين يكون لديهم من العلم ما ليس لنا، صح؟ ثم بعد ذلك ممكن يستميل للإنسان معنى معين أو حكم معين، يقول: عجيب سبحان الله، هذا عنده علم عجيب، شوف كيف تصرف هذا التصرف، هذا مثل ما حصل بين موسى عليه السلام والخضر عليه السلام، كيف حصل بينهم الحوار وموسى عليه السلام كليم الله، ومع ذلك خفيت عليه جوانب من الحكمة في أفعال الخضر عليه السلام، ثم قال: وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي، وبين له، فما بالك بأفعال الله سبحانه وتعالى وأقداره ومشيئته؟
ما يتعلق بالهداية والإضلال وما إلى ذلك، هذا يجب أن نؤمن بأنها من قدر الله سبحانه وتعالى، الله سبحانه وتعالى يقدر الهداية ويقدر الضلال أو الإضلال، ومع ذلك نؤمن أن الله جعل للإنسان مشيئة، نؤمن أنه جعل للإنسان مشيئة، فمشيئة الإنسان يختار من خلالها، ومشيئة الإنسان ليست مستقلة، وإنما هي تابعة لمشيئة الله. من فهم ذلك أو أدركه على حقيقته أو أدركه، فهذا يزيد إيماناً ويفهم، ومن لا يدرك ذلك يجب أن يقوم مقام التسليم لله سبحانه وتعالى.
والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يحب لأصحابه ولا لأمته أن يخوضوا في أمور القدر وإنما أن يستثنوها، ولذلك من أوائل الانحرافات التي حصلت في الأمة الانحراف في باب القدر، والذين زلوا فيه هم أناس من المعتنين بالقرآن والعلم، يعني باب القدر لم يبدأ به انحراف، لم يبدأ به الزنادقة وإنما بدأ به أناس من القراء، كما في صحيح مسلم لما ذكر لعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن أناساً بالبصرة يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم، وأنهم يقولون لا قدر وأن الأمر أُنُف، فقال لهم عبد الله بن عمر قال للقائل: قل لهم إنهم بريئون مني وأنا بريء منهم، وذكر قضية الإيمان بالقدر، وأسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم قصة جبريل: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر إلى أن ذكر: وتؤمن بالقدر خيره وشره.
إذاً هذا هو، ولذلك حتى بعض كبار المحدثين والعلماء زلوا في هذه الفتنة في تلك المرحلة، يعني من التابعين من التابعين المشهورين الكبار من زل في باب القدر وإن كانوا من أئمة المسلمين، لأنه هذا باب من يخض فيه بغير باب التسليم يزل، فـهذا الذي هو القول بالقدر اللي هم القدرية، الذين ينفون، يعني هم لا ينفون مطلق القدر ولكن ينفون خلق أفعال العباد، والغلاة منهم ينفون علم الله بأفعال العباد، وهؤلاء كان العلماء مجمعين على تكفيرهم الذين ينفون علم الله سبحانه وتعالى، وهذه ما زل فيها أحد من العلماء ولا أحد من المحدثين، ولكن من زل فيها زل في نفي تقدير الله سبحانه وتعالى وخلقه لأفعال العباد، وخاصة باب الإشكال عندهم فيه هو الشر، هو هذا المنزع أصلاً، أنه أن يكون قدر الله سبحانه وتعالى الأقدار التي فيها المعاصي أو الشر أو ما إلى ذلك.
هذا الإشكال حقيقة كما قلت من يدخل فيه بغير باب التسليم والإيمان وتسليم العلم لله سبحانه وتعالى يزل وينحرف، وهناك من الأمور ما تحل بها بعض الإشكالات مثل التفريق بين المشيئة والإرادة الكونية والإرادة الشرعية، فالله سبحانه وتعالى كونه قدر الأمر لا يعني أنه لا يأمر شرعاً بتجنب بعض الآثار أو بعض ما يستلزم مثل هذه الأقدار، يعني مثل الله خلق الشيطان وأمر بمعاداته، فلم يخلق الشيطان لأنه يحبه، لكن خلقه لحكمة ليخرج كل هذه الابتلاءات وكل هذا الإغواء وكل هذه الوسوسة وكل هذه الانحرافات، ثم أمرنا بأن نعادي هذا الشيطان وأن نجتنب طريقه، إذاً خلقه بمشيئته وإرادته صح، وأمر كذلك بمشيئته وإرادته سبحانه أن نعادي هذا الشيطان الذي خلقه الله سبحانه وتعالى بقدره، إذاً هذا الجمع بين المشيئة أو الإرادة الكونية والإرادة القدرية هو باب الحل، لأنه هناك من زل من جهة أخرى؛ هؤلاء نفوا لتنزيه الله، وهناك أناس بالعكس قالوا ما قدره الله فهو يحبه، فانغمسوا في معنى القدر وغفلوا عن معنى الشرع ملاحظة الشرع، والمؤمن ينظر بعينين؛ عين إلى القدر وعين إلى الشرع، يعني عين إلى ما قدره الله وعين إلى ما أمر الله به، فمن نظر إلى عين القدر وحدها عطل الشرائع، ومن نظر إلى الشرائع دون أن ينظر إلى قدر الله سبحانه وتعالى قد ينفي القدر كما زل فيها بعضهم، ينفي خلق أفعال الله للعباد وما إلى ذلك، فهنا إشكال وهنا إشكال، والأمر في الجمع بين الأمرين، في أن ينظر إلى قدر الله ويؤمن به وينظر إلى أمر الله الشرعي ويتبع.
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا، إيش المستفاد سلوكياً ومنهجياً وتربوياً بعد الاستفادة العقدية التي تكلمنا عنها؟ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا، بالنسبة للمصلح أن يؤمن أنه ليس مكلفاً بأن يؤمن من دعي، وإنما هو مكلف بأن يبلغ وأن يسعى لأن يؤمن الشخص الآخر، يسعى لكن لو شاء الله ما أشرك هذا المشرك ولو شاء الله ما آمن هذا المؤمن، إذاً هي بإذن الله، أنت سبب تسعى تجتهد وتطلب أن تتحقق النتيجة، يعني ليس المطلوب أن الإنسان مجرد أنه يقول أنا بلغت خلاص مالي دخل، لا، المطلوب أن يسعى بما جعله الله من أسباب لأن تتحقق النتيجة، في نفس المقابل إذا لم تتحقق فإنه يكل ذلك إلى القدر، واضح؟ لم تتحقق فذلك للقدر، إذاً النتيجة المنهجية الإصلاحية هي أن المصلح يشتغل في إقامة دين الله، فإذا لم تتحقق النتائج والآثار ولم يكن قد قصر، يكل ذلك إلى القدر، يقول بقدر الله لم يحصل، شاء الله لم يشأ الله سبحانه وتعالى مثلاً يتحقق كذا، وهذا ليس خطأ ولا فيه إشكال، الآثار التي تترتب خلاص هي آثار قدرية، مثل المحاجة بين موسى عليه السلام وبين آدم عليه السلام.
كذلك وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ، طيب وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا هو نبي بل خاتم الأنبياء والمرسلين وأرسل رحمة للعالمين، لكنه ليس حفيظاً عليهم، ليس هو الذي يحصي أعمالهم ويعني يراقب تصرفاتهم ويتتبع جميع أحوالهم ليحصيها، لا، هو رسول يبلغ رسالة الله ويعطف على هؤلاء الناس يرحمهم ليبلغهم هذه الرسالة، لينقذهم من النار ويوجههم ويعلمهم والى لكنه ليس حفيظاً عليهم، الله سبحانه وتعالى هو الحفيظ، والله سبحانه وتعالى هو الشهيد على كل شيء، والله سبحانه وتعالى هو الرقيب على كل شيء وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ. الآن ما حكم سب الذين يدعون من دون الله، مثلاً سب الأصنام؟ ما حكم سبها؟ ما في في الأساس ما في إشكال، ما في يعني جائز وقد يكون مما يثاب عليه الإنسان إذا كان نتيجة للغيرة على حرمات الله، ولا في الأساس جائز، لكنه قد يمنع من الأمر الجائز إذا ترتب عليه أمر محرم أو ترتبت عليه مفسدة معينة، وهذه الآية من أهم الآيات التي استدل بها العلماء على سد الذرائع، خاصة المالكية الذين هم معتنون كثيراً بهذا الباب، وهذه الآية أصل عندهم، وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، وإن كان هذا السب في أساسه ليس محرماً، فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ، أي قد يترتب على سبهم سب آلهتهم وسب ما يدعون من دون الله أن يسبوا الله عدواً بغير علم.
طيب الآن المشركون كانوا يواجهون من أدلة الحق ما يعتبرونه إهانة لهم، أليس كذلك؟ ولكن هذا غير داخل في السب وغير داخل في النهي، يعني حين يبين أن هذه الآلهة باطلة وأنها لا تنفع ولا تضر، هي بالنسبة لهم تعد هذه يعني عدم تقدير لهذه الآلهة وعدم احترام لها وكذا، لكن هذا أمر ضروري لإقامة الحق، وهو غالباً تختار له مقاماته المناسبة، صح ولا لا؟ يعني مقام الدعوة، مقام المناظرة، مقام الحوار، مقام وهكذا. المقام المنهي عنه الذي هو السب الذي هو في غير هذه المقامات، أو إذا، إذاً الأول لما تبين حقيقة هذه الآية هو ليس سباً وإن اعتبره الآخر إهانة، لكن هذه الآية متوجهة إلى السب الذي هو أن يوجه الإنسان شتيمة معينة أو سباً معيناً لما يعظمه الكافر ولما يعظمه أهل الباطل، ولا يكون هذا في مقام الحوار ومقام الجدل ومقام المناظرة وما إلى ذلك، فيؤدي إلى أن يسب أولئك الله سبحانه وتعالى عدواً بغير علم، فهذا فيه إشكال فيه نهي واضح.
طيب مثال الحين معاصر وقريب منا شبكات التواصل، يعني أنا أذكر تجربة شخصية، تعرفون في اهتمام خاصة قبل 10 سنوات ونحوها بموضوع الرد على الملحدين، يعني إثبات صحة الإسلام وتعزيز اليقين وكذا، وموجود لهم هؤلاء.
الملحدة موجود لهم في شبكات التواصل جيوش إلكترونية، وهي من أقذر الجيوش. ويعني دائماً يسبون الله سبحانه وتعالى ويسبون الإسلام ويسبون النبي صلى الله عليه وسلم، وسبهم وإهانتهم يعني ليست عادية، ليست مجرد سب عادي، حتى يعني بأفحش السب وأردى وأقبح الألفاظ.
طيب أنت إيش تعمل الآن؟ يعني هل تترك بيان أي شيء من الحق المرتبط بإثبات وجود الله وإثبات باطل الملحدين؟ لا ما تترك. طب ماذا لو أدت هذه الدعوة إلى هذا السب؟ ماذا لو أدت هذه الدعوة إلى هذا السب؟ نقول إذا كانت الدعوة في مكانها الصحيح وبأسلوبها الصحيح وأدت إلى مثل هذا السب، فلست مسؤولاً عن تبعة هذا السب، لكن لا تجي تقول أنا والله الملحدون يتابعون حسابي فأنا أبغى أستفزهم اليوم، أهين كرامتهم، فتجي إيش تختار منشور كذا تستهزئ به سخرية وتقول والله أبو بكر في صلح الحديبية قال ما أدري إيش كذا، وقال وفلان، والسب للإهانة المشركين ما أدري إيش كذا وكذا وإلى آخره، وتجيب النصوص فإيش تكون نتيجة تعليقات سب لله سبحانه وتعالى؟ طيب إيش المصلحة التي تحققت؟ والله بس أبغى أغيضهم، هذا هو النوع الذي هو فيه إيش ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، واضح الفكرة.
لكن كوني مثلاً والله مثلاً والله ألفت كتاباً عن إبطال الإلحاد وذكرت شيئاً من حجج الحق وكذا، ثم بينت والله سلام عليكم، هذا بيان ولا هذه محاضرة في كذا، فجاء دخلوا في اليوتيوب في التعليقات ولا دخلوا في كذا، صاروا يسبوا الله سبحانه وتعالى ويسبوا الإسلام ويسبوا النبي صلى الله عليه وسلم ويسبوا كذا، أنت لست محاسباً على هذه التبعات ولا مكلف، لكن ما تأتي بأسلوب معين وبطريقة معينة وفي خارج نطاق الدعوة المباشرة ونطاق الحجاج المباشر، وخاصة لو قصدك الاستفزاز، وهذا موجود في شبكات التواصل، لكن هي الله المستعان، يعني حتى أنا قبل يوم يمكن على هذه الفضائح لرؤساء بعض الشخصيات الغربية المشهورة، الفضائح الأخلاقية والجرائم التي ارتكبت والمعروفة المشهورة هذه، فأنا كتبت شيئاً في الانحطاط الغربي وأن العلمانيين العرب إجرامهم خلال العقود الماضية في سعيهم في استجلاب النموذج الغربي وفرضوه علينا، وهذا شوفوا هذا النموذج الوضيع وهؤلاء المفضوحون هم ليسوا يعني من إيش من شواذ القوم ولا هم عليه القوم، يعني ما بين اقتصاديين وما بين سياسيين وما بين ممثلين وكذا، يعني هم ناس يعني واجهات وأثرياء وكذا وإلى آخره، فدخل مجموعة منهم على الحساب في تويتر وصاروا يعني يسبوا النبي صلى الله عليه وسلم ويسبوا كذا.
فيعني الواحد لا شك أنه لا شك أن هذا السب يعني مؤذي، لكنه في الأخير هو أنت ما عليك تبعة، واضح ما عليك تبعة لأنه أنت تكلمت عن حقيقة معينة قصد منها إثبات حق معين، لكن ما تعرف، ما تأتي وأنت تعرف فضاء شبكات التواصل تجلس تقول تعرف منشوراً كأنه فضفضة، تعرف فيسبوك ولا أي شيء يقول لك ماذا يخطر في بالك الآن، تروح تسب لك كم ملحد ولا تسب بعض معظمي الملحدين أو تسب بعض يعني حتى بعض نظرياتهم المركزية ولا التي هم يؤمنون بها ولا كذا، فككها جادل فيها بالحق كذا، لكن لا تجي مجرد استهزاء وسخرية وشو اسمه إيش جمعها ميم زات ولا ميمات ولا ما أدري إيش هي، عارفه بس مجرد سخرية وكذا واستهزاء، هذا يعني إذا أدى إلى مثل هذه النتيجة فالإنسان مأمور بأن يجتنب هذا السبب. وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ، بغير علم بمقام الله وما ينبغي له، بغير علم بما يعني بجلال الله، بغير علم بصفات الله سبحانه وبحمده، بجهل، بتعصب.
إيش ثم قال الله سبحانه وتعالى؟ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ، سبحان الله، هذا أيضاً من الجمل المكررة في القرآن بمعناها مما ينبغي أن يقف عنده المؤمن ومما له ارتباط بالقدر ومما له ارتباط كذلك بعمل المصلح وطمأنينته، تكرر هذا المعنى في القرآن، قال الله سبحانه وتعالى في سورة فاطر: أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا، إيش تتمتها؟ شوف ارتباطها بالقدر: فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ، فإيش؟ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ، هذه الآية جامعة بين الأمرين التي قصدته، الأمر الأول الذي هو الأمر القدري يعني ما يتعلق بمشيئة الله سبحانه، والأمر الثاني الأمر التوجيهي للمصلح، أنه ترى سبحانه وتعالى قد يزين للمجرم سوء عمله، وهذا أصلاً حتى يفسر ترى كثيراً من الأشياء أنك تبصر أن هؤلاء أحياناً تقول يا أخي هؤلاء كيف يفعلوا كذا؟ هؤلاء ليس فقط يفعلوا كذا هم زين يعني هم يرونه أصلاً حسناً، أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا، رآه حسناً، وهذه قضية خطيرة جداً يا جماعة في الوعي والإدراك والفهم، أنه ترى يزين للإنسان سوء عمله فيراه حسناً، وهذا من أس، يعني هذا من أكبر العقوبات التي يمكن أن تقع للإنسان، نسأل الله العفو والعافية، فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ.
طيب النقطة الثانية التوجيه للمصلحين بما وجه به النبي صلى الله عليه وسلم: فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ، أنت أيها المصلح أيها الداعية لا تذهب نفسك حسرات على من ضل، احرص على هدايته لكن لا تذهب نفسك عليه حسرات، فإن هذا من قدر الله ومن إرادة الله سبحانه وتعالى وأنت تسعى لهدايتهم، فهنا كذلك قال الله سبحانه وتعالى يعني بعد أن ذكر هذا العمل القبيح للمشركين الذي هو إيش؟ يسبون الله، فيسب الله عدواً بغير علم، قال سبحانه: كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.
طيب هنا دعونا ننبه على ظاهرة خطيرة منتشرة في بعض بلدان المسلمين وهي سب الله سبحانه وتعالى بدون حتى إيش؟ بدون أن يسب الذين يدعون من دون الله، يعني هذه الآية وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ أنهم غضبوا لآلهتهم فإيش فسبوا الله، يعني كأنه أصلاً ليس من فعل المشركين ابتداء أن يسبوا الله سبحانه وتعالى وإنما إذا أغضبوا في آلهتهم يسبون الله سبحانه وتعالى، فنهى الله سبحانه وتعالى عن أن تسب آلهتهم كي لا يتجاوز الحد فيسب الله عدواً بغير علم، لكن المصيبة لما يكون هناك سب لله سبحانه وتعالى ابتداء يعني بمجرد أنه الإنسان يغضب من أي شيء، وهذه الظاهرة المشؤومة التي ظهرت في كثير من بلدان المسلمين هي من أخطر الظواهر بلا شك ومن أشأمها، وهي مما يستلزم التدخل الإصلاحي العاجل، ومما لا ينبغي على أي مجتمع من المجتمعات الإسلامية أن تتهاون فيه، وهذه المسؤولية المرتبطة بالقضاء على هذه الظاهرة ليست منحصرة على المصلحين والدعاة والمشايخ والعلماء أبداً، إنما هي مسؤولية اجتماعية جماعية، وإذا كان هناك تطبيق لشرع الله في أي مكان من الأماكن التي يعني يسب الله سبحانه وتعالى فيها، فيجب يجب أن يطبق شرع الله سبحانه وتعالى وأن يردع هؤلاء، لأن الردع في مثل هؤلاء يؤدي إلى العقوبة، مثل هؤلاء تؤدي إلى الردع في غيرهم، وهذا باب ينبغي فيه الردع والتغليظ والتشديد.
وقد حصل في بعض أزمنة التاريخ أن رجلاً من أهل الذمة يعني كافر هو أصلاً سب النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن سب الله سبحانه وتعالى أعظم من ذلك، وإن كان في طبيعة الحد الذي يقام بعض العلماء قال إنه سب النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيه توبة، يعني ليس فيه توبة من جهة إقامة الحد وما إلى ذلك، هذا تفصيل أمر آخر، لكن الشاهد أن سب الله سبحانه وتعالى أعظم، فقام بعض أهل الذمة بسب النبي صلى الله عليه وسلم، فانتفض بعض العلماء انتفاضة كبيرة مهولة هائلة عجيبة شديدة، وصارت حملة عشان يقام عليه الحد ويقتل، وأنه هذا لا يمكن وهذا نقض للذمة وأنه كذا وأنه كذا، مع الأدلة والبراهين، وتمثل هذا في كتاب الصارم المسلول على شاتم الرسول لابن تيمية رحمه الله، كتاب كبير ذكر فيه حشد فيه من الأدلة والبراهين والبينات، تقرأ الكتاب تعرف مقدار الجريمة وعظمها وشيء يعني، فما بال بعض الناس يتهاونون، لا أقول في السب، لا يتهاونون في التعامل مع السب، لأن السب هذا يعني أمر خطير، لا شك أنه كفر بالله مباشرة يعني، لكن الأمر في عدم التهاون في من يفعل تجاه من يفعل ذلك، عدم التهاون تجاه من يفعل ذلك، وهذه الظاهرة يجب القضاء عليها والقضاء هذا يجب أن يكون بالتغليظ والتشديد، والأصل في ذلك أن يقام شرع الله سبحانه وتعالى عن طريق القضاء الشرعي في مثل هذه القضايا، فإذا لم يوجد هذا القضاء أو لم يق شيء فلا أقل من التغليظ الحقيقي على من يفعل ذلك في يعني في الدوائر الاجتماعية والمقاطعة وإلى آخره، كل ما يمكن والمن من الأمور المغلظة أو المغلظة التي تردع هذا الإنسان عن أن يقوم بمثل فعلته، أما أن يكون الإنسان الساب يخالط ويؤكل ويشارب، ها عادي، ويزور ويزور في بيته وما إلى ذلك، فهذه مصيبة، ولا يخشى عليه فقط فيها، وإنما يخشى على من يكون يتعامل معه كأنه ليس هناك شيء من الإشكال، فإذاً هذا باب خطير وباب عظيم، ويجب على المصلحين أن يجعلوا هذه القضية أولوية في الإصلاح وأن يقضوا على هذه الظاهرة، ويجب على المجتمعات الإسلامية أن تردع من يقوم بها وأن يقاطع من يقوم بها وأن يغلظ عليه بالقدر الممكن بالقدر الممكن، وإن كان كما قلت الأصل في ذلك أن يحاكم ويقاضى هذا الرجل أو هذه المرأة التي تفعل ذلك قضاء شرعياً يقام فيه حد الله سبحانه وتعالى على مثل هؤلاء المجرمين الذين ارتكبوا هذه القضية.
هذا، وإن من أخطر الأمور في هذه الظاهرة توريث الأولاد الصغار مثل هذا المعنى حتى يعتادوا عليه وهم صغار، ثم بعد ذلك ينشؤون أو يكبرون على هذا الانحراف فتعتاد ألسنتهم عليه، وهذه مصيبة عظيمة وكبيرة، ويعني باب الانحرافات في الألفاظ باب خطير جداً، وهذا الأمر لا يكفي فيه أن يقال والله هو يعني ساير على اللسان بس، ما في شيء اسمه على اللسان، هذا سب الذات الإلهية، سب الله سبحانه وتعالى، هذا أمر ما في أنه والله بس على اللسان ولا لسان، اللسان ما تجري بعض الألفاظ الأخرى يعني على في غير هذا الموضوع ممكن يعني أشياء مثلاً من لغو اليمين من كذا، أنه واحد يقول والله ما سويت، والله فعلته، والله راح، والله جاء، هذه لغو اليمين معروفة يعني، تجري على اللسان ولا يراد بها حقيقة اليمين، لكن ما يقال هذا في سب الله سبحانه وتعالى أبداً، فلذلك الخطورة في توريث هذه القضية، كونك معلماً في مدرسة وتقول والله أنا ماني مطوع ولا أنا ماني داعية ولا أنا ماني شيخ، فأنا ما لي دخل، كيف ما لك دخل؟ أنت مسلم، يعني لك دخل، لازم إذا تعرف هذه الظاهرة موجودة في المدرسة تسعى للقضاء عليها كأكبر ما يكون، وإذا أنت تعرف، يعني أنت تعرف لو واحد سب الملك ولا سب الأمير وأنت مدرس وتعرف الوطنية والأعياد الوطنية والأيام، تخيل واحد يطلع يسب الملك ولا يسب أمراء البلد ويشتمهم، بعدين تجي تقول والله أنا ما أدري، أنا كنت زعلان، كنت زعلان، أنت عارف أنه يعني سيسعى إذا أنت كنت في مدرسة مثلاً والله سيسعى المدرسون والطلاب لإثبات ولائهم الوطني وخوفاً من أنه هم يتهموا بالمواطأة للمخلين بأمن البلاد والمعادين للحمة الوطنية وما أدري إيش، كيف يعني الواحد يسكت على واحد سب الملك؟ طيب سب الذات الإلهية، يعني ما أنا ما أبغى أقارن أصلاً، ما في مقارنة أصلاً، يعني سب الله سبحانه وتعالى ينبغي أن يتداعى في حربه وفي حرب من يقوم بذلك وفي القضاء على هذه الظاهرة بأكثر وأقوى مما يتداعى الناس لقضية سب ملك ولا سب أمير، ولا أنت بس عشان هذه تقريب للمثال، أنه البعض يقول والله أنا ماني مسؤول، بس سبحان الله لما تجي المسؤولية الوطنية تصير مسؤول، ولما تجي هذه المسؤولية الحمد لله أن كثير من بلدان المسلمين ما في هذه الظاهرة، لكن أيضاً عدد من البلدان غير قليل موجود في هذه الظاهرة، ومع الأسف الأعداد غير قليلة، اللي يمكن تعرف إحنا اللي سمعنا يعني من أماكن وبلدان مختلفة، فيمكن كثير ممن يسمعون ما تكون موجودة في بلادهم الحمد لله، لكن ليعلم هؤلاء أنه لا ترى موجودة في بلاد المسلمين، موجودة موجودة الظاهرة مع الأسف يعني كثيراً، وطبعاً يحتاج الأمر حتى إلى يعني بحث بس من باب زيادة العلم، بحث تاريخي دقيق أنه متى نشأت هذه الظاهرة وكيف وإيش آثارها وإيش كذا، والله المستعان، نسأل الله سبحانه وتعالى العفو والعافية، نسأل الله العفو والعافية، نسأل الله العفو والعافية.
طيب ختاما نقول: اللهم ما أمسى بنا من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر، ونستغفرك ربنا ونتوب إليك، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم يا ربنا صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.
الشيخ أحمد السيد