إنه أحيانًا نغفل عن فضل القضايا المتعلقة بأصول الإسلام؛ نقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بعد الوضوء، ونقولها في التشهد، ها نقولها في الأذكار في الصباح والمساء، لكن أحيانًا نقولها لأنها مشروعة في ذلك المكان، أو حين إذا أردنا أن نتقرب في الذكر المطلق أحيانًا يغيب عن بالنا فضل لا إله إلا الله تحديدًا. فأنت مثلًا تقولها مئة مرة لأنه وردت مئة مرة، أو تقولها عشر مرات، أو تقولها إلى آخره، لكن أن تقولها في ذكر مطلق لأنها أعظم ما يمكن أن تذكر الله به من الأذكار خارج القرآن، أن تدرك هذا المعنى!
إنه هنا يقول لك: حرمه الله على النار، لكن بشرط: صدقًا من قلبه. وسبق أن نبهت في شعب الإيمان أنه أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. فضل لا إله إلا الله، وعظمة هذه الكلمة، ومنزلة هذه الكلمة، ومكانة هذه الكلمة، وأنها إذا كانت هي سبب النجاة من النار، معنى ذلك أنها عند الله بمكان.
وهي التي نجت يونس عليه السلام من بطن الحوت، قال: لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. وهي الكلمة التي تركها إبراهيم عليه السلام في عقبه؛ إذ قال: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي، والشاهد: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ؛ أي جعل: إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي -اللي هي لا إله إلا الله- كلمة باقية في عقبه. وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم، ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المتكررة التي يذكر فيها فضل هذه الكلمة. فيعني الإنسان ينتبه إلى منزلتها ومكانتها، وإلى أنه من أفضل ما يمكن أن يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بشيء من العمل وشيء من الذكر هو لا إله إلا الله.
أخذنا خمس فوائد، الفائدة السادسة هي في تفاوت الأجور والثمرات المترتبة على الذكر والعمل الصالح بحسب تفاوت ما في القلوب أثناء الذكر. وإذا أراد الإنسان أن يتلقى أو أن يحصل على ثمرة العبادات وثمرة الأذكار، ينتبه إلى أهمية مواطأة القلب لللسان. التفاوت الحقيقي هو فيما يقع في القلب أثناء العمل.
كم بين مصل ومصل يتجاوران في المكان، ويتلاصقان في الأقدام والمناكب، وأما أحدهما فتكون صلاته بعد فراغه منها مردودة على وجهه، بل قد تكون سببًا لعذابه إذا كانت رياء، والآخر الذي عمل نفس عمله من حيث الصورة الظاهرة في الركوع والسجود وإلى آخره، تكون صلاته تلك سببًا لسيما الخشوع في وجهه من أثر السجود، وسببًا لرضا الله سبحانه وتعالى عنه، وسببًا لعلوه، وإلى آخره من الثمرات. والفرق فيما بينهما هو ما الذي يقع في داخل كل منهما أثناء أداء العمل الظاهر؟
وقول لا إله إلا الله نفس الشيء؛ يمكن أن تقول لا إله إلا الله وتكون قولًا باللسان، ويقول آخر لا إله إلا الله ويكون قد استصحب في نفسه وفي قلبه المعاني التعبدية القلبية التي ترفع به أو ترفعه على من يقولها هكذا حتى يكون بينهما كما بين المشرق والمغرب. وإذا كان العمل يتفاوت بحسب ما في القلوب، فإن المنازل في الآخرة تتفاوت بحسب هذا التفاوت.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في السماء. شفتوا إذا طلعت بالليل شاهدتم النجوم؟ تشوف الكوكب، ها كوكب بعيد، هذا المشتري ولا هذاك الزهرة ولا هذاك كوكب هناك، وأهل الجنة في الجنة ينظرون هناك، يرون أصحاب الغرف، منازل عالية بين أهل الجنة وبينهم مسافات. فقال الصحابة: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها أحد غيرهم! فقال النبي صلى الله عليه وسلم كلمة، يعني النبي صلى الله عليه وسلم حين يقول هذا الكلام الآن، أنت تنتظر أنه يكون في عمل خاص أو لا؟ قال كلمة تعتبر أساسية، ولكن هي راجعة والله أعلم إلى مقدار المصاحبة القلبية لهذا العمل. قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها أحد غيرهم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين.
سؤال: هل يدخل الجنة أحد لا يؤمن بالله أو لم يصدق المرسلين؟ ها؟ طيب حين يقول النبي صلى الله عليه وسلم عمن يراهم أهل الجنة فوقهم إن سبب كون هؤلاء فوق هؤلاء، أو أن هؤلاء فوق أولئك، أنهم آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، طيب واللي تحت آمنوا بالله وصدقوا المرسلين! إذًا ما الفرق؟ ما الذي فاوت بينهم؟ هو والله أعلم مقدار التصديق، مقدار ما يقع في القلب.
آمنوا بالله؛ هل تفهم من آمنوا بالله أنهم اعترفوا أنه هو الرب، أنه لا إله إلا هو فقط؟ ها؟ أو الإيمان الذي ذكره الله في سورة الحجرات: قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ. هؤلاء الذين قال الله فيهم: قولوا أسلمنا، لا تقولوا آمنا، لم تؤمنوا قولوا أسلمنا، اختلف العلماء: هل هم منافقون، أم أناس لم يحققوا حقيقة الإيمان؟ ويرجح طائفة من محققي أهل العلم أنهم ليسوا منافقين، لم يكونوا منافقين؛ لأنه قال: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ، ولمّا تستعمل لما ينتظر وقوعه ولم يقع بعدُ لكن يتوقع وقوعه، أما المنافقون فمنافقون. قال: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ؛ لم يدخل بعد، سينتظر.
حسنًا، إيش الآية اللي بعدها؟ ها؟ شو الآية اللي بعدها؟ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. إنما المؤمنون الذين هم المؤمنون حقًّا: الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ في دعواهم الإيمان.
أما أن تقول إنك مؤمن ثم لا يصدق عملك قولك، ولا يكون لديك من الاستعداد للتضحية في سبيل الله المعبر عنها هنا بـ وَجَاهَدُوا، ولا يكون لديك من اليقين الذي يقيك من الشبهات المعبر عنه بـ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا، ثم تقول إنك مؤمن، فهذا ليس هو الإيمان الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين.
فإن أردت مطلق التصديق ومطلق الإيمان، فالذين في المنزلة الدنيا آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، وإلا لما دخلوا الجنة أصلًا، هل يدخل الجنة أحد لا يؤمن بالله أو لا يصدق المرسلين؟ آمنوا بالله وصدقوا المرسلين فدخلوا الجنة، ولكن من فوقهم من أصحاب الغرف آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ولكن بدرجة مختلفة تمامًا.
والعظيم والعجيب أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر عملًا من الأعمال الظاهرة كان سببًا في هذا التفضيل، وإن كان هناك أعمال ظاهرة تُفضّل، وإنما ذكر الأصل الذي يؤدي إلى هذا التفاوت. وهل برأيكم إذا كان الأصل متفاوتًا فلا يتفاوت بسبب ذلك العمل؟ ها؟ إلا يتفاوت، يتفاوت.
حتى العمل الظاهر الذي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم تفاوت أهل الجنة فيه وهو إيش؟ واحد من الأعمال التي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم التفاوت الكبير بين أهل الجنة فيه إيش؟ الجهاد في سبيل الله، بل هذا ذكره الله في القرآن، فقال سبحانه وتعالى: لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً. وقال أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله.
وفي رواية في صحيح مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا وجبت له الجنة. فقال أبو سعيد: ما أعجب هذا! قال: ألا أدلك على ما هو أعجب؟ إن في الجنة مئة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
هذا الآن عمل ظاهر تفاوت لأجله أهل الجنة، طيب ما الرابط بين هذا العمل الظاهر وبين العمل الباطن الذي ذكرته قبل قليل في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي جعل أهل الجنة يتراءون أهل الغرف في السماء كما يتراءى الكوكب الدري الغابر؟ أين تقع حلقة الوصل؟ أية آية هي الرابطة بين الحديثين؟
الحديث الأول إيش؟ بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، صح؟ كان هذا الحديث كما قلت سبب التفضيل فيه بين أهل الجنة وبين أصحاب الغرف أن أولئك آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، وتكلمنا عنه. الحديث الثاني أنا قلت هنا تفضيل بالعمل الباطن، صح؟ أو ذكر العمل الباطن، وإن كان العمل الباطن يستلزم تفاضلًا أيضًا في العمل الظاهر. الحديث الآخر: في الجنة مئة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله. هل هذا يختلف عن ذاك يعني اختلافًا جذريًّا أو فيه توافق، فيه تقاطع، فيه تلازم؟ نعم، هناك تقاطع وتلازم في آية تربط بينهما، ذكرتها اليوم، قبل قليل ذكرتها، في سورة الحجرات.
سورة الحجرات: بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ لَمْ يَرْتَابُوا اللي هو اليقين، اللي هو صَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ، وحتى آمَنُوا بِاللَّهِ، ولكن لوازم التفاضل في الإيمان والتصديق هو التفاضل في العمل والوصول إلى أعظم ثمرتين تظهران على من يتفاوت إيمانه ويتعالى إيمانه على عموم المؤمنين. ما هما هاتان الثمرتان في كلمتين؟ ما هما؟ جيد، إذا أردنا أن نأتي بها في الآية: اليقين والجهاد، اليقين والجهاد.
هنا يمكن أن تستبدل، يعني مثلًا كلمة الجهاد يمكن أن تأتي بمرادفات لها فتقول أيضًا إيش؟ التضحية في سبيل الله، البذل في سبيل الله، القدرة على تحمل المشاق في سبيل الله، الدعوة إلى الله وتحمل ما... واضحة الفكرة؟ واضح؟
فهي: أنتم أيها الأعراب تقولون إنكم آمنتم، والله يقول لكم: لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا، مع أنهم لم يكونوا منافقين، لكن إذا كنتم مؤمنين حقًّا فلا بد أن تأتوا بما يصدق دعوى إيمانكم، فقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. أما من يدعي أنه مؤمن ثم لا يكون منه يقين ولا جهاد، أو لا تضحية، فلا تقل آمنت، قل أسلمت.
ولذلك من عيون كلام أهل العلم مما سمعت وقرأت كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وذاك الكلام كلام عجيب جدًّا في هذا المعنى تحديدًا، قال: وعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر لا يكون معهم من المحبة لله ورسوله، أو لا يكون معهم من اليقين ما يدرأ عنهم الريب، ولا من المحبة لله ورسوله ما يجعلهم يقدمونه على الأهل والمال. عادي، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا نفسها: لم يكن معهم من اليقين ما يدرؤون به الريب، ولا معهم من المحبة لله ورسوله ما يقدمونه على الأهل والمال، وهل الجهاد إلا تقديم محبة الله ورسوله على الأهل والمال؟ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ... أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا، واضح؟
قال: لم يكن معهم من اليقين ما يدرؤون به الريب، ولا من محبة الله ورسوله ما يقدمونه على الأهل والمال، فهؤلاء إذا عوفوا من المحنة فماتوا ماتوا مسلمين، وإذا ابتلوا بمن يورد عليهم شبهات لم يكن معهم من اليقين ما يدرؤون به الشك وماتوا على شعبة من النفاق.
ويعني هذا الذي يلخص المعنى، فحين يقول لك النبي صلى الله عليه وسلم: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه إلا حرمه الله على النار، هل المراد هنا هو التلفظ الذي يأتي في الذهن فيه معنى الانعزال بين اللفظ وبين العمل؟ لا، يقال صدقًا من قلبه، فإذا كان صدقًا من قلبه ينطبق عليه ما قيل في سورة الحجرات، ما قاله الله في سورة الحجرات.
سؤال: قال الأعراب: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، وإلا لما قال الله لهم: قولوا أسلمنا؛ إذا لم يكونوا قد شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله لم يقل الله لهم: قولوا أسلمنا، ما دام قال لهم: قولوا أسلمنا، معناه أنهم شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
ولكن هنا تأتي حقيقة الرسالة المحمدية وخلاصة النور القرآني وخلاصة ما خلق الله لأجله السماوات والأرض؛ القضية ليست كلامًا يقال وإنما هو شهادة منبعثة من عمل القلب وحركته وليس من عمل اللسان وحركته، وعمل القلب وحركته يستلزم استلزامًا وثيقًا لا يمكن أن يتخلف، يستلزم العمل استلزامًا وثيقًا وإلا لما كان القلب صادقًا، وإذا لم يكن القلب صادقًا لم يتحقق فيه حرمه الله على النار.
واضحة الفكرة؟ فهي بهذا التلازم. ولما كان بعض الناس يمكن أن يفهم من هذا المعنى غير صورته الظاهرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: لا تبشر به الناس فيتكلوا. وأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا.
فخلاصة القول هي: أن ما يتفاضل به أهل الجنة وما يتفاضل به أهل الإيمان لا تبحث فيه عن دقائق الأعمال الظاهرة حتى يرجو الإنسان أن يكون في الدرجات العلى، وهذا خطأ يقع فيه كثير من العاملين، أنه يعني يبحث عن دقائق دقائق دقائق الأعمال التي تفضله على غيره، ليس رياء، لأنه يريد فعلًا رضا الله سبحانه وتعالى، ممتاز جيد، لكن لا تبتعد عن المركز، مركز الإسلام اللي هو أصول الإسلام، توحيد الله، هذا المركز، مركز الإسلام، مركز الشهادتين، مركز أركان الإسلام، هذا المحور هو المحور الذي يتفاضل فيه الناس.
هل امتدح الله الأنبياء بدقائق الأعمال أم يمتدحهم بهذه الأعمال الأساسية؟ ها؟ أنت حين ترى امتداح الله للأنبياء تقول جنس هذه الأعمال يعمله المؤمنون، أليس كذلك؟ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا، إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ، ها؟ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ، هذا أصل التوحيد والتوكل والاعتصام وإلى آخره.
طيب، سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، إيش في شرف أكبر من هذا؟ سبعون ألفًا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يدخلون الجنة بغير حساب، يأتي يوم القيامة على الجنة، بدون لا تنصب الموازين، ولا على الجنة! حاول أن تبحث عن يعني ما الذي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من أعمالهم؟ خلاصتها خلاصتها: وعلى ربهم يتوكلون.
طيب، تقول لي التوكل؟ إيوه هو التوكل، هو شفت اللي أنت تقول لا ما في شيء ثاني؟ إيوه هو هذا، أنت لما تبحث عن الشيء الثاني أنت تكون ابتعدت، لما تبحث عن الشيء الثاني تكون ابتعدت، ارجع ارجع إلى محور الإسلام، هو الذي سيجعل الناس متفاوتين: إن أهل الجنة ليتراءون أصحاب الغرف كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في السماء. قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها أحد غيرهم؟ قال: بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، آمنوا بالله وصدقوا المرسلين. واضحة الفكرة؟
أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لم يُعرف بأنه مثلًا كان يقوم الليل كله، وعبد الله بن عمرو بن العاص كان أكثر قيامًا من أبي بكر الصديق والله أعلم، تعرفون أنه لما اتفق مع النبي صلى الله عليه وسلم وكذا كان يختم القرآن في كل ليلة، والنبي صلى الله عليه وسلم يفاوضه على التخفيف، أليس كذلك؟ يفاوضه على التخفيف. يعني أبو بكر الصديق لم يذكر عنه هذا، لم يذكر عنه هذا، طيب أبو بكر الصديق طبعًا أبو بكر الصديق أكثرهم عملًا بشكل عام، لكن القصد أنه حين تبحث عن أبي بكر الصديق أنت تبحث عن عالم الصديق الباطن، عن عالم الصديق الذي لم يكن يهتز بأي ظرف خارجي، عن عالم الصديق الذي يرى الحق رؤية ثابتة من أول يوم دخل فيه الإسلام إلى حين غرغرة روحه، بنفس الطريق، بنفس المبدأ، بنفس القوة، بنفس المتانة، بنفس الثبات، بنفس... إلى آخره.
عمر بن الخطاب ثاني أفضل رجل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الأمة من الصحابة، وهو من هو، كان أبو بكر أكثر ثباتًا منه، وأعظم إيمانًا منه، وأكثر استحضارًا لحالة الإيمان منه. ولذلك لما جاءت الحديبية ثبت أبو بكر ثباتًا تامًّا ليس فيه لحظة اضطراب. حين توفي النبي صلى الله عليه وسلم كان مستحضرًا المعنى استحضارًا تامًّا، واستطاع أن يستجلب الآية، ولا تقل لي حافظين الآية، اشهد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ثم استحضر الآية، ها عمر قال: والله كأني أول مرة أسمعها، يعني كأني أول مرة أسمع هذه الآية، ما كأنه سمعها قبل ذلك، عمر رضي الله تعالى عنه! فأنت تقول لي استحضر؟ لا، أبو بكر الصديق يستحضرها تمامًا تمامًا.
إلى آخره، فالفكرة هي أنه إذا أردنا المنازل العليا في الجنة، وإذا أردنا أعلى ما يمكن أن يناله الإنسان من الخير والثواب، فلا تبتعد عن محور الإسلام الأساسي، ولا تنظر في الأطراف وفي دقائق الأعمال وفي دقائق السنن، لا، ليس هذا هو معيار التفاضل، إنما معيار التفاضل هو المحور. إيش المحور الذي يعرفه الجميع؟ التسليم، التصديق، التوكل، المحبة، الإنابة، التوبة، الدعاء، الانكسار، التوحيد، الاعتصام، هذا المحور رأيته هو الذي رفع أولئك إلى الغرف، ها؟ كل التفاصيل ناتجة عنه، كل التفاصيل ناتجة عنهم، وكلما كان الإنسان أكثر تحقيقًا لهذا المحور كان أتبع للأنبياء، تعرفون الأنبياء رسالتهم واحدة من حيث الأصل.
أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لما جاءته فاطمة تطلب ميراثها من النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد سمع من النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة، قال كلمة هي اللي تفهمك من هو أبو بكر الصديق، هي تفهمك إيش كان عالم الصديق الداخلي، قال: والله لقرابة رسول الله أحب إلي أن أصل من قرابتي، ولكني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم -أو قال النبي صلى الله عليه وسلم- كذا وكذا وكذا. قال هذا النص العظيم الجليل، قال: وإني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ! مين يقول؟ أبو بكر الصديق! تمام؟ هذه الخشية وهذا الخوف، وهذا الرجوع إلى أنه حتى وأنا أمير المؤمنين أبو بكر الصديق الذي... لا، أنا ترى أحتاج أن أتبع أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأخاف إني إذا تركت أمره يعني أن يضلني الله: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. إي، هذا أبو بكر الصديق.
كما في البخاري لما جاء رجل إلى أبي بكر الصديق أتى له بطعام فأكل، ثم فهم أبو بكر الصديق أنه هذا الطعام بثمن كهانة تكهن بها هذا في الجاهلية، اللي هو خادم ومولى كان كاهنًا في الجاهلية زمان، فلقي قومًا من الذين تكهن لهم سابقًا وأعطوه، اشترى بهذا المال طعامًا، وأتى به إلى أبي بكر الصديق، فلما علم أبو بكر الصديق أدخل يده في فمه فقاء الطعام. يا أخي هذا أبو بكر الصديق! الخشية والورع والخوف من الله والاقتراب من... هذا هو الدين، هذا هو الذي رفعهم.
تخيل انظر هذه الصورة وانتقل ببصرك إلى صورة أخرى التي نعاني من كثير من مشاهدها اليوم: صورة القلب الخاوي من الخشوع، من المحبة الحقيقية، من الصدق الحقيقي، من التواضع، من الأدب مع الله، التواضع للمؤمنين إلى آخره، والأدب مع الله، والظاهر الممتلئ بالمظاهر، ممتلئ بالمظاهر، ملابس دينية، ملابس دينية لاحظ، ملابس دينية حتى تحصل عليها تحتاج إلى درجات علمية معينة ودرجات من الطلب وإجازات معينة حتى تنال شرف هذا اللباس، جيد؟ وإلى آخره من الحرص على دقائق الأمور المتعلقة بالظاهر، فإذا أردت أن تتكلم تستشكل إلى آخره تجد الإعراض والتكبر عند البعض طبعًا، الخشية إلى آخره من أعمال القلوب تجدها ضعيفة جدًّا. لاحظ الصورة: تضخم الظاهر على حساب الباطن.
وخذوا قاعدة يقينية لا شك فيها ولا ريب: كلما كان الباطن أعظم امتلاءً بمعاني التوحيد والإيمان، يكون الظاهر متواضعًا بسيطًا، لازم لازم، وكأنها حالة تلازم عكسي؛ يمتلئ الباطن فيخمل الظاهر. ولا أريد أن أقول العكس حتى ما يعني يتجرأ الإنسان على بعض المظاهر الموجودة، أنه كلما تضخمت المظاهر الظاهرة فهي دليل على الخواء الباطني، لا أريد أن أقولها كذا لأنه قد لا تكون دقيقة جدًّا، لكن أن يكون امتلاء الباطن إيمانيًّا سببًا للاستغناء عن المظاهر فهذا... عارفين القصد؟ يعني مو القصد عدم التجمل ولا عدم ظهور أثر النعمة، ولا أتكلم عن ملابس العيوق ما يحتاج هذه احترازات يعني، أنا أتكلم عن الرسوم وعن التكلفات وعن وعن وعن.
إي، حقيقة ما ودنا ننهي الكلام مع أني طولت عليكم جدًّا، لكن هذا الموضوع: موضوع أصل الإسلام، موضوع فلك الرسالة المحمدية، موضوع خلاصة رسالة الأنبياء، موضوع الأعمال الباطنة وأعمال القلوب، هو حقيقة ما يريده الله من عباده، وهو الحق الواضح السهل الذي أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يوصله لأصحابه وقد أوصله.
حين كانوا يسألون بعض الأسئلة فيقول: ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه. إي هذا هو، هذا هو الإسلام خلاص! يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك؟ إيش؟ قل: آمنت بالله ثم استقم. بس كذا؟ إيوه بس كذا، هو إيش تبغى ثاني؟ هو هذا الإسلام!
ما يحتاج إيش يقول؟ ما يحتاج أوصيك وصايا، هاتوا وصايا النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: أبو بكر الصديق: يا رسول الله، علمني دعاء أدعو به في صلاتي؟ قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم. علي في صحيح مسلم النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: قل: اللهم اهدني، لعلي، ها شو الوصية؟ اهدني!
سؤال: هل علي كان مهتديًا قبل أن يقول له الدعاء أو لم يكن مهتديًا؟ كان مهتديًا، طيب لا لا، خلك في المحور، هو هذا المحور ابقَ فيه، ابقَ في المحور لا تبتعد: قل: اللهم اهدني وسددني، واذكر يا علي بالهدى هدايتك الطريق إذ يضل الإنسان عن الطريق يشتبه عليه فيُهدى للطريق، وبالسداد سداد السهم.
يا معاذ، والله إني لأحبك، فلا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. أبو معاذ عالم يربى ليكون ممثل النبي صلى الله عليه وسلم في اليمن معلمًا وقاضيًا، ما يحتاج؟ لا ما يحتاج، ما في، هي هذه: أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
الصورة المعقدة لتفاصيل الالتزام الشرعي تخرج حالة دينية مشوهة، هرم الأولويات فيها منكوس ومقلوب، المظاهر فيها أعلى من المخابر، أو ما هو المظهر أعلى من المخبر، ما هو من داخل الإنسان، لا تُقبل في السياق إلا من لديه لبس معين بطريقة معينة بهيئة معينة وإلا لا! لا تنظر إلا إلى من؟ إلا هنا، هي الرسالة الحقيقية التي يكون فيها اتباع للنبي صلى الله عليه وسلم هي الأقرب إلى محور النبوة.
وتأملوا كما قلت لكم في الأحاديث النبوية ستجدون أن النبي صلى الله عليه وسلم -وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم- حينما جاء ذاك الأعرابي فقال: يا رسول الله، علمني فإني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، الأذكار اللي تقولها أنت ومعاذ، معاذ رمز لعلماء الصحابة، ما أعرفه، فيعني أنه أنا الجنة والنار، هذا اللي أسأله: أسأل الله الجنة وأعوذ بالله من النار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حولها ندندن.
طيب، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: المرء مع من أحب. قال أنس: ما فرحت بشيء سمعت به النبي صلى الله عليه وسلم كهذا. طيب هذا إيش هو؟ أنت تراه إيش؟ بسيط، صح؟ قال: فأنا والله أحب رسول الله وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم. هذا أنس بن مالك اللي خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنوات، هي هكذا بسيطة، هي هكذا بسيطة. كيف أحب؟ كيف يحبني الله سبحانه وتعالى؟ وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، إي بس أنا أبغى... لا، هي هو هكذا، تريد أن يحبك الله؟ أفضل شيء تتقرب به إلى الله ما افترضه عليك، أداء المفترضات، ثم بعد ذلك: ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه.
المهم، نسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرزقنا الفقه في الدين، ونسأله سبحانه أن يجعلنا من الصادقين، وأن يجعلنا من المتوكلين، ونسأله سبحانه أن يجمعنا عند حوض نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يجعلنا يوم الفزع الأكبر من الآمنين، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أصحاب الغرف في الجنة، اللهم آمين، بفضلك ورحمتك يا رب العالمين. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
الشيخ أحمد السيد