تسجيل الدخول

تأثير المشاعر على وجه النبي صلى الله عليه وسلم

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.

اليوم الحديث عن وجه المصطفى صلى الله عليه وسلم، التركيز فيه راح يكون ليس على الناحية الخَلْقية، كنت سأتعرض لها ولكن التركيز فيه راح يكون على أثر المشاعر على وجهه صلى الله عليه وسلم. الذي يقرأ في الأحاديث النبوية يرى بشكل واضح أن وجه النبي صلى الله عليه وسلم كان صفحة يظهر فيها ما يعتلج في نفسه، أو ما ينطبع في قلبه من مشاعر.

في البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره الشيء عُرف في وجهه، عُرف في وجهه. وأذكر في غيث الساري الحديث اللي في البخاري: عمر رضي الله عنه لما رأى تغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله، رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا؛ فقط رأى ما في وجهه.

المشاعر التي كانت تؤثر على وجه النبي صلى الله عليه وسلم مشاعر متنوعة: ما بين مشاعر الفرح، والحزن، والغضب، والاستنكار، والكراهية، كلها كانت تنطبع في وجه النبي صلى الله عليه وسلم. أنا اليوم سأركز على نوع واحد من المشاعر فقط وأثرها على النبي صلى الله عليه وسلم.

قبل أن أذكر ما هو، أذكر بعض الأحاديث التي تدل على شيء من المشاعر النبوية وأثرها على النبي صلى الله عليه وسلم غير النوع الذي سأركز عليه: واحدة من هذه المواقف لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم خبر مقتل جعفر، وزيد، وعبد الله بن رواحة في مؤتة، قال راوي الحديث: فجلس النبي صلى الله عليه وسلم يُعرف في وجهه الحزن، أو يُعرف فيه الحزن، واضح الحزن مؤثر على وجه النبي صلى الله عليه وسلم.

وكذلك في حنين، لما قسم النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم، اتهمه رجل لا يفقه شيئًا في القسمة، وبلّغ أحد الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، قال: فتلون وجه النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر كلمة نسيتها تصف تلون وجه النبي صلى الله عليه وسلم، هو الصبغ الأحمر يصبغ به الجلود، من تأثره من تلك الكلمة في وجهه.

كذلك أيضًا قريبًا في صحيح البخاري في غيث الساري: غضب النبي في الموعظة، أو غضب الإمام في الموعظة، باب الغضب في الموعظة، لما واحدة من الأحاديث اللي فيها اللي هي: ضالة الغنم، ضالة الإبل، تلون وجه النبي صلى الله عليه وسلم أو تغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ما لك ولها؟ دعها فإن معها حذاءها وسقاءها، إلى آخر الحديث. وكذلك دخل النبي صلى الله عليه وسلم بيت عائشة، قالت: فرأيت ما في وجهه، دخل رأى سترًا فيه تصاوير صور ذوات أرواح، فتغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم.

إلى آخره من أحاديث كثيرة جدًا تدل على مقدار الشفافية في وجه النبي صلى الله عليه وسلم وفي روحه، وأن ما يعتلج في نفسه من مشاعر يظهر أثرها على وجهه عليه الصلاة والسلام. أما التي سأركز عليها اليوم فهي في مجال شريف وعظيم جدًا، والذي دفعني إلى الحديث عنه هو أصلًا السؤال التالي: إن كان قد انقطع عنا إمكان إحداث الأثر الذي سأتحدث عنه في وجه النبي صلى الله عليه وسلم، فهل بقي لنا مجال أن نفعل شيئًا يكون له في الأجر مثل هذا؟

ما هو هذا الشعور؟ هو زوال الهم والكدر عن وجه النبي صلى الله عليه وسلم، يعني تكدر، زواله عنه بسبب موقف يُسَرِّي همه؛ يعني يكون النبي صلى الله عليه وسلم إما مغضبًا وإما مهمومًا، وحتى في موقف كان قد أصابه الأرق، فيأتي أحد الصحابة فيعمل موقفًا فيُسَرّى همّ النبي صلى الله عليه وسلم وأحيانًا يضحك، تمام؟

فإمكان عمل هذا العمل، أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مهمومًا فتأتي أنت فتزيل هم النبي صلى الله عليه وسلم، هذا انتهى، صح؟ تلك خصلة فاز بها من فاز، وظفر بها من ظفر. أما نحن اليوم وقد انتهى عنا هذا، ما نستطيع؛ فلن يتكدر وجه النبي صلى الله عليه وسلم ولن نستطيع بطبيعة الحال إزالة هذا الكدر، ولكن هناك أسباب تكدر وجه النبي صلى الله عليه وسلم موجودة اليوم، فهل إذا قاومنا هذه الأسباب يكون لنا مثل أجر من أزال الهم عن وجه النبي صلى الله عليه وسلم؟ فهمتم الفكرة؟

هذه القضية المشغلة، وهي السبب أصلًا لنتحدث في هذا الموضوع، بمعنى أنه: هل ممكن تأتي يوم القيامة فيكون لك مثل ثواب من سُرِّي عن النبي صلى الله عليه وسلم همه، لأنك قاومت وأزلت الشيء الذي لو كان النبي صلى الله عليه وسلم موجودًا لتكدر وجهه منه غضبًا أو همًا أو قلقًا أو حزنًا؟ واضح؟ طبعًا هي مواقف متعددة، وكلها تشترك بأنه اطمئنان، مرة يعبر عنه بالضحك، ومرة الصحابة يصفون وجه النبي صلى الله عليه وسلم حين يحدث هذا الشيء: أحيانًا يقول لك: فأشرق وجهه، وأحيانًا يقول لك: فاستنار وجهه حتى كأنه مذهبة، وهي الفضة المذهبة كيف تبرق، وفي آخر قال: فنظرنا إليه فإذا وجهه كأنه ورقة مصحف وبُهِتنا، هذا وهم كانوا يصلون شافوه، يعني جاءتهم مثل الصدمة.

المواقف التي سأذكرها الآن هي عدة مواقف، خمسة أو ستة مواقف تقريبًا: الموقف الأول، وكان في بدايات مقدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وطبعًا كل الأحاديث اللي أذكرها صحيحة كلها في البخاري أو مسلم. وفائدة جانبية: البخاري ومسلم ترى فيهما مدار السيرة النبوية التفصيلية، وفيهما جل ما حدث حتى من الأحكام أو أصول الأحكام على الأقل.

المهم، كان في مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة تعرفون كان فيه قلق أمني، كان هناك قلق أمني، أنه ما كان لسه فيه ظهور للإسلام، وتعرفون المنافقين كانوا يتربصون وينتظرون. قالت عائشة، وهذا في البخاري وفي مسلم أيضًا، النبي صلى الله عليه وسلم ليلة كأنه قلق من الناحية الأمنية تحديدًا، فقال عليه الصلاة والسلام: لعل رجلًا صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة. ما أكمل كلمته صلى الله عليه وسلم حتى سمعوا خشخشة سلاح، صوت سلاح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من هذا؟ قال: أنا سعد بن أبي وقاص. قال: ما الذي جاء بك؟ قال: خفت عليك يا رسول الله فجئت أحرسك. قالت: فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا غطيطه.

الآن، ائتِ لي بأعمالك كلها التي تعملها طول عمرك، وائتِ بتلك الليلة التي أمن فيها النبي صلى الله عليه وسلم بسبب حماية سعد فنام حتى سمع غطيطه، حاول أن تقارن! واضحة الفكرة؟ ولذلك ما تتعجب لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه. يعني أنت عندك جبل أحد تنفقه في سبيل الله ذهبًا، يجي واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينفق المد، مقدار المد في سبيل الله، لو أنفقت هذا ما تبلغ مثل هذا.

فهذا الموقف الأول، وإذا أردنا أن نتكلم عن فكرة التعميم هذه، وهل قابل أن إنسان يعمل عملًا قريبًا من هذا؟ يعني ما فيه شيء متعلق بشخص النبي صلى الله عليه وسلم الآن، لكن ممكن نقول إنه حماية ميراثه، الدفاع عن ميراثه صلى الله عليه وسلم، لعل وعسى يكون داخلًا في شيء من هذا المعنى، استئناسًا ورجاءً فقط.

الموقف الثاني، هو في صحيح مسلم، رواه جرير رضي الله تعالى عنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم وجاء قوم النمار، نِمار ثياب من صوف تدل على الفاقة والفقر وعدم وجود الملابس الجيدة، عامتهم من مضر بل كلهم من مضر. قال: فلما رأى ما بهم النبي صلى الله عليه وسلم من الفاقة تغير وجهه، ثم أمر بلالًا فأذن بالصلاة، جمع الناس فصلى وخطب، بدأ بـ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ، ثم قال: تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من صاع بُرِّه، من صاع تمره، ولو بشق تمرة.

قال: فجاء رجل من الأنصار يحمل صرة عجزت عنها كفه أو كادت، ووضعها بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تتابع الناس على إثره حتى صارت أمام النبي صلى الله عليه وسلم كومتان من طعام ومؤونة وثياب وما إلى ذلك. قال جرير: فرأيت وجه النبي صلى الله عليه وسلم استنار كأنه مذهبة، المذهبة اللي هي كما قلنا الفضة المذهبة، وقال: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها غير أنه لا ينقص من أجورهم شيء، إلى آخره.

كانت هذه إحدى المواقف التي تغير فيها كدر النبي صلى الله عليه وسلم وغضبه أو حزنه أو همه إلى حالة الإشراق والاستنارة والإضاءة التي هي أصلًا حالة النبي صلى الله عليه وسلم. وإذا قلنا: هل من عمل لعله يحقق شيئًا من ذلك؟ نقول لعله الإحسان إلى الفقراء من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، تفقد أحوالهم، متابعة النوازل التي تنزل بالأمة تؤدي إلى الفاقة والفقر، العمل على السعي على الأرامل والمساكين وما إلى ذلك، لعله من سعى في ذلك يكون، خاصة إذا سن سنة حسنة لذلك.

وإذا كنا نحن نتحسر على هذه المواقف ونتمنى حضورها، فما بالكم لو قلت إن الصحابة أنفسهم كانوا يتحسرون أو يتمنون أن يشهدوا بعض المواقف التي شهدها غيرهم في حياتهم، ممن قام بمثل هذه الأعمال التي تؤدي إلى تغير حال النبي صلى الله عليه وسلم؟ مع أنه صحابي ومع النبي صلى الله عليه وسلم ويجاهد معه وكل شيء، لكن هذه المواقف تحديدًا يقول لك: آخ يا ليتني أنا صاحب الموقف، يا ليتني أنا صاحب الموقف!

ومن ذلك ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود قال: لقد شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا، لأن أكون صاحبه أحب إلي مما يُعدل به، يعني من كل شيء، قام إلى النبي صلى الله عليه وسلم في بدر وقال: يا رسول الله، لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ، ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك ومن بين يديك ومن خلفك. قال: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه من الفرح والسرور والاطمئنان والرضا. تخيل الآن ابن مسعود وله ما له، قد فعل ما فعل، وحصل ما حصل، هذا الموقف تحديدًا يقول: أتمنى أن أكون أنا صاحبه، ولو دفعت كل شيء في مقابل أن أكون صاحب هذا الموقف.

أيضًا من المواقف: موقف عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، تذكرون موقف عمر لما قيل طلق النبي صلى الله عليه وسلم زوجاته، وتكلمنا عن القصة هذه، صاعدًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المشربة، الغرفة العالية هذه، طبعًا حصلت عدة مواقف، ومنها أنه قال: فلم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه، ثم كشر فضحك، تحول من حالة الغضب، لم يزل يتدرج به الرضا حتى ضحك. هذا المشهد، هذا الامتلاء بالسعادة والرضا والسكون أن يكون على يدي إنسان بحق خليل الله وحبيبه عليه الصلاة والسلام، هذا شيء عظيم جدًا، تسكب الدموع وتهون دماء في سبيل تحقيقه.

أيضًا من المواقف، وهو موقف صحيح أنه لم يفعله شخص بعينه، إنما فعله مجموع الصحابة، وهو أكثر موقف ممكن أن نقول إنه يمكن أن يفعل ويلتمس فضله وتلتمس بركته في هذا الإطار تحديدًا، وقد كان ذلك الموقف في آخر يوم من حياة النبي صلى الله عليه وسلم. قال أنس رضي الله تعالى عنه: كنا نصلي مع أبي بكر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد اشتد به الوجع وكان في الحجرة ما خرج معهم.

قال: فبينما نحن في الصلاة إذ كشف النبي صلى الله عليه وسلم الستر، الحجرة عند المصلى، كشف وأطل بوجهه عليه الصلاة والسلام ينظر إلى أصحابه وهم يصلون. قال أنس: فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم ضاحكًا، علامة على الرضا والطمأنينة أنهم مجتمعون، كلمتهم واحدة، يصلون خلف أبي بكر، قد قدموا خيرهم، قد قدموا من يستحق التقديم، وانتظموا خلفه، ليسوا عدة جماعات وليسوا عدة فرق، هم جماعة واحدة خلف أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

قال: فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم ضاحكًا وكان وجهه كأنه ورقة مصحف وبُهِتنا، في بعض الروايات: كدنا نفتتن في الصلاة، يعني أخذ أبو بكر يتراجع حتى يأتي النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه لما رآه في هذه الحال ظن أنه بعافية وأن النبي صلى الله عليه وسلم سيخرج، فأشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم: أن ابقَ مكانك، وأرخى الستر بينه صلى الله عليه وسلم وبينهم، وكان هذا آخر منظر رآه الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم.

هذه حالة الرضا في آخر يوم، الابتسام، الضحك في آخر يوم نتيجة أفعال الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، هذا هو الأثر تحديدًا الذي أتحدث عنه. ولكم أن تتخيلوا لو كان آخر موقف يراه النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة هو التنازع والتفرق، كيف كان سيكون وجه النبي صلى الله عليه وسلم؟ وكيف كان سيغادر الدنيا وهو بحال من الكدر والغضب وما إلى ذلك؟ لكن أن يكون الصحابة سببًا بأن يتبسم ضاحكًا في آخر لحظاته عليه الصلاة والسلام، هذا هو المعنى تحديدًا الذي أتحدث عنه.

ذكرني موقف أبي بكر الصديق ومحاولة رجوعه بموقف آخر حصل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم مشابه لهذا في قضية أبي بكر الصديق: وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، حصل بينهم خصومة أو شيء، فتأخر النبي صلى الله عليه وسلم في العودة، فالصحابة قالوا: ننتظر نصلي، فصلوا وقدموا أبا بكر فصلى بهم، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وأدركهم وهم في الصلاة، وهذا الحديث أيضًا في صحيح البخاري وفي مسلم، وصفّ خلف أبي بكر، ولم ينتبه أبو بكر إلى مجيء النبي صلى الله عليه وسلم.

حاول الناس ينبهونه حتى صفقوا، فالتفت أبو بكر وهو في الصلاة، التفت إنه إيش اللي صاير؟ فرأى النبي صلى الله عليه وسلم، فتقهقر راجعًا لكي يتقدم النبي صلى الله عليه وسلم، الآن كل هذا في الصلاة، فأشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة: ابقَ مكانك، فرفع أبو بكر يديه فحمد الله تعالى، ثم رجع إلى الصف وتقدم النبي صلى الله عليه وسلم وصلى بهم.

ولما سلم قال: يا أبا بكر، ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟ هذا الأمر بالإشارة: ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟ قال أبو بكر كلمة عظيمة جدًا جدًا، وأبو بكر يعني فيه معانٍ في داخل نفسه تتأمل فيها تأملًا حقيقيًا تفهم لماذا كان أبو بكر أبا بكر، تفهم لماذا كان هو الصاحب الذي اختاره الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم. قال أبو بكر بعد أن قال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر، ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟ قال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. ما قال: ما كان لأبي بكر، ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

طبعًا هو لما رفع يديه حمد الله على ما أكرمه به النبي صلى الله عليه وسلم أن جعله إمامه، ثم نبه النبي صلى الله عليه وسلم على أن التصفيق لا يكون في الصلاة للرجال وإنما للنساء، وإنما التسبيح يكون للرجال.

هذه المواقف التي يظهر فيها أثر الرضا والفرح والسكون والسكينة على النبي صلى الله عليه وسلم تثير فيك الشوق، فإذا عرفت أن النبي صلى الله عليه وسلم هو نفسه يشتاق إلى أناس من أمته لم يرهم بعد، كما في الحديث الصحيح قال: وددت لو أني رأيت إخواني، النبي صلى الله عليه وسلم قال: وددت لو أني رأيت إخواني، قالوا: ألسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي، إلى آخر الحديث.

لما تعرف أن هذا الشعور متبادل، أنه بقدر ما أنت تتمنى، وبلا شك طبعًا ليس بنفس الدرجة، فأنت تتمنى أن تفديه صلى الله عليه وسلم أو أن تقدم أهلك ومالك على أن تراه وعلى أن تصاحبه، لكن تفهم أيضًا أن الشعور متبادل، أنه كما أنت تشتاق وتحب وتتمنى، فهو أيضًا صلى الله عليه وسلم كان يشتاق ويحب ويتمنى أن يرى أناسًا من أمته، من أهل سنته وأتباعه.

ولذلك يعني الإنسان يأمل ويرجو إذا ثبته الله سبحانه وتعالى، وإذا غفر له، وإذا أكرمه، وإذا رحمه، وإذا تجاوز عنه، أن يلقى النبي صلى الله عليه وسلم عند الحوض. فإذا لقي النبي صلى الله عليه وسلم عند الحوض يفكر الإنسان: إيش الأعمال اللي ممكن يتشرف بها أمام النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك المكان؟ يعني هل من الممكن أن يأتي الإنسان فعلًا له ميزة عند النبي صلى الله عليه وسلم؟ تعرفون أمة النبي صلى الله عليه وسلم مليارات من بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليوم، وهم سيأتون غرًا محجلين من أثر الوضوء، فسيعرفهم النبي صلى الله عليه وسلم من هذا، طيب من بين هؤلاء هل هناك أناس سيكون لهم شأن خاص مع النبي صلى الله عليه وسلم؟

أنتم تعلمون أنه في يوم القيامة سيكون هناك سبعون ألفًا على صورة معينة، يعني يختلفون عن بقية الناس، سبعون ألفًا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على صورة القمر ليلة البدر، والذين بعدهم على أشد كوكب دري إضاءة، الكوكب إضاءته قوية، طيب إذا طلع البدر؟ فرق هائل، صح؟ هناك أناس من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ستكون إضاءة وجوههم كإضاءة البدر، وهناك أناس ستكون إضاءة وجوههم كإضاءة الكوكب الدري، فيه تمايز، فيه فرق بين الناس في الآخرة، بين أتباع النبي صلى الله عليه وسلم، بين أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

الإنسان مما يحدوه إلى العمل، ويثير فيه مكامن الشوق إلى البذل والتضحية والعطاء، هو الأمل بلقي النبي صلى الله عليه وسلم في الآخرة، وأمل أن يكون له شيء يختص به مع النبي صلى الله عليه وسلم. هذه من المواقف التي تثير الشجن وتثير الأشواق، وحبذا لو أن الإنسان حاول أن يبحث، أنا حقيقة ما وجدت فرصة جيدة لجمع هذه المواقف، لكن حبذا لو أحد استطاع أن يجمع هذه المواقف التي سُرِّي فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم بسبب فعل من أفعال الصحابة، يكون مبحثًا لطيفًا وعملًا من الأعمال الحسنة بإذن الله تعالى.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.