الغزالي رحمه الله تعالى ولد في عام أربعمئة وخمسين للهجرة بمدينة اسمها طوس، فطوس هذه مدينة الآن موجودة في إيران، هي منطقة موجودة في إيران بمعنى أنها ليست معمورة الآن، خربت في وقت التتر الهجوم المغولي ولم تعمر بعد ذلك، ولكن عُمِّر ما حولها، قريب منها يوجد قبر الإمام الرضا وقبر هارون الرشيد، وبعد ذلك عُمِّر ما حول هذه القبور وصارت المدينة الآن اسمها مشهد، مشهد معروفة، مدينة مشهد إيرانية معروفة جدا، فمدينة مشهد هي أقرب شيء إلى طوس بل تعتبر الآن يعني.
أنا بالنسبة لي دائما في المواقع، يعني حين أبحث مثل هذا أنا أحب المواقع التاريخية أحب أن أبحث فيها كثيرا، حتى أفتح جوجل مابز وأدخل وأحاول أشوف الموقع بالضبط وفين وإيش علاقته بالمواقع اللي جنبه، وأسوي له حفظ في هذا حتى يكون، لأنه فيه مواقع تاريخية حقيقة مهمة تمر عليك في أشياء كثير في سياقات علمية متعددة. مثلا مدينة نيسابور، نيسابور لها علاقة بالغزالي، ونيسابور تعرفون آتية في كل القصص التاريخية، وكثير من العلماء النيسابوري، مثلا الإمام مسلم، مسلم بن الحجاج النيسابوري، الحاكم النيسابوري، كتاب تاريخ نيسابور، أشياء كثيرة جدا.
طيب نيسابور هذه فينها بالضبط؟ لما تتصور موقعها على الخارطة وإيش المدن اللي حولها، وبعدين لما يجيك في سيرة الغزالي أنه رحل من طوس إلى نيسابور، حسن وجميل أن تكون متصورا أين تقع نيسابور وأين تقع طوس، والرحلة كم أخذت؟ أو تتصور كيف ممكن تكون الرحلة، هذا أدعى يعني أن تعيش اللحظة بشكل جيد. على أية حال الإمام الغزالي ولد بطوس، وقلنا عام أربعمئة وخمسين للهجرة، وطوس تابعة لإقليم خراسان، أيضا كلمة معروفة جدا خراسان إقليم كبير، أكبر مدينة في خراسان هي نيسابور، المدينة رقم اثنين في خراسان هي طوس التي ولد فيها الإمام الغزالي، وكلها الآن في إيران، كلها الآن في إيران.
الغزالي رحمه الله في مرحلة مبكرة ابتدأ بطلب العلم، أبوه توفي مبكرا عهد به إلى أحد الأصدقاء، هذا الصديق أدخله في مدرسة من مدارس الصوفية، وكان الإدخال نيته النية فيه ليس النية العلمية ابتداء وإنما النية الرزق ابتداء؛ لأنه يعني ضاقت النفقة على الأبناء، على أبي حامد محمد الغزالي وعلى أخيه أحمد، فرأى هذا الوصي أن يدخلهما مدرسة من المدارس التي تصرف أموالا لطلاب العلم، ولذلك الغزالي كان يعلق يقول: ابتدأنا بطلب العلم لغير الله فأبى إلا أن يكون لله بعد ذلك، يعني فكانت هذه في مرحلة مبكرة من حياته.
رحل إلى جرجان، رحل مبكرا إلى جرجان، طبعا سمع في البداية في طوس من بعض علماء بلده، وهذه كانت سنة ماضية عند العلماء أنهم كانوا في البداية يسمعون من علماء بلدهم ثم بعد ذلك يرحلون فيستمعون من بلدان أخرى. إذا كان تقووا لنا المكيف بس. رحل إلى جرجان، وجرجان هذه أيضا الآن في إيران، تعتبر شمال إيران قريبة من حدود تركمانستان، وتعرف الجرجاني الجرجاني علماء ينتسبون إلى هذه البلدة. رحل أبو حامد الغزالي إلى جرجان إلى بعضهم قال أبي نصر الإسماعيلي، وكأن الأقرب والأصح هو أبو القاسم الإسماعيلي، وأخذ عنه في الفقه وكتب عنه تعليقة.
وحصل له موقف طريف وهو عائد إلى طوس، مصعب يبتسم شكلك عارف الموقف! لما رجع في الطريق تعرض لهم اللصوص وأخذوا ما عندهم، ومن جملة ما أخذوه أخذوا هذه التعليقة اللي كتبها عن أبي القاسم الإسماعيلي، وحين تحرك قطاع الطرق هؤلاء لحقهم أبو حامد الغزالي، وقالوا له يعني معنى الكلام: اطلب العافية والسلامة وارجع أحسن لك. فهو قال: أنا عندي شيء أو لي شيء معكم ما تستفيدون منه شيء، لكنه يعني لي كل شيء، هذه التعليقة التي كتبتها ما تفيدكم شيء لو سمحتم أبغاها، فهذه يعني تعبت في تحصيلها وهي علمي وهي ما إلى ذلك.
فقال له: يعني أنت الآن تقول هذا العلم وحريص عليه وكل شيء ويروح بلحظة إذا أنا أخذت منك هذا الكتاب؟ هذا ما هو علم، هذا ما هو علم! يقول الغزالي: فكأن الله سبحانه وتعالى أنطقه، يقول: حين عدت إلى بلدي مكثت ثلاث سنوات أراجع في هذه الأوراق حتى أستغني عنها إذا ذهبت، يعني هذا تأكيدا على أهمية الحفظ والضبط.
بعد ذلك الإمام الغزالي رحمه الله انتقل إلى نيسابور، انتقل إلى نيسابور تقريبا في يعني تقريبا عام أربعمئة وثلاثة وسبعين للهجرة في هذه الحدود، أربعمئة وثلاثة وسبعين يعني كم كان يكون عمره؟ ثلاثة وعشرين، يعني هذه الرحلة السابقة هذه كانت مبكرا، يعني يمكن تقريبا رجع إلى بلده طوس بعد الرحلة الأولى تقريبا عمره عشرين أو في هذه الحدود، جلس ثلاث سنوات وبعدين رحل إلى نيسابور، رحل إلى نيسابور رحلة محطة أساسية في حياته، لماذا؟ إذ كان الشخصية الكبرى من أكبر الشخصيات التي كونت الغزالي كانت في نيسابور: الجويني، إمام الحرمين الجويني.
كان في نيسابور في تلك المرحلة، والمعروف إذا ذكر الجويني من ناحية أنه من طلاب الجويني رقم واحد وأبرز واحد هو الغزالي، إذا ذكر شيوخ الغزالي رقم واحد هو الجويني. الجويني إمام الحرمين كان في نيسابور يدرس، الغزالي ذهب رحل إليه، تقريبا مكث عنده أربع خمس سنوات إلى أن توفي الجويني أربعمئة وثمانية وسبعين، الجويني أربعمئة وثمانية وسبعين للهجرة. لما توفي الجويني، طيب قبل ما نذكر قضية الوفاة، هذه المرحلة اللي هي مرحلة تلقي الغزالي من الجويني برز فيها الغزالي؛ لأنه في تلك المرحلة بدأ يظهر تميزه على أقرانه من ناحية النقاشات، المناظرات والمجادلات، أو خلينا نقول النقاشات العلمية والكتابة؛ لأنه في تلك المرحلة تقريبا كتب أول كتبه الذي هو المنخول في الأصول.
كتاب المنخول في أصول الفقه كتاب مطبوع موجود، هذا أول كتاب كتبه وألفه الإمام الغزالي، على أن بعض المحققين قالوا أول كتاب هو التعليقة، لكن كأنه يعني شيء لا وجود له أو غير معروف، فالكتاب المعروف للغزالي أول كتاب هو المنخول. طبعا المنخول في الأصول للغزالي هو كتاب يدور حول ما أخذه من الجويني، يعني ما فيه عقل الغزالي، ما فيه إضافات الغزالي، لا، هو كتاب استفاده من شيخه أبي المعالي الجويني، وهذا المنخول هو منخول من كلام الجويني في الأصول. يروى أن الجويني أخذه نوع من الغيرة أو من يعني مثل هذا الشعور من تلميذه الغزالي، وأنه قال: دفنتني وأنا حي! يقال عن تلميذه الغزالي: دفنتني. طبعا الغزالي بلا شك كان يعني حاد الذكاء جدا، وهذه سمة مشتركة يعني سمة يشترك في وصفها عنه كل من يترجم له، الغزالي له سمات ستأتينا إن شاء الله أو إشارة إليها، من أبرزها وأوضحها ظهورا قضية الذكاء، الذكاء وحدة الذكاء هذا مسلم به عند الجميع.
بعد أن توفي الجويني رحمه الله خرج الغزالي إلى المعسكر، المعسكر ليس قتالا وإنما معسكر مخيم أو منطقة كانت تابعة للوزير نظام الملك. الوزير نظام الملك معروف في التاريخ بإيش؟ لا لا غير المذهب الأشعري، أيوة أول شيء هو وزير للدولة السلجوقية، يا سلام على البداية والنهاية لابن كثير تطلع! وإيش أيضا؟ بدأ بالإصلاح، مدارس خلاص هي الوزير نظام الملك، إذا ذكر الوزير نظام الملك تذكر المدارس النظامية. في هذا الكتاب المدرسة النظامية من يعني اللي يحب يتوسع فيها؛ لأن هي تجربة تعليمية في التاريخ الإسلامي تجربة مهمة حقيقة، على أنه كان فيها بعض الإشكالات يعني، بعض الإشكالات يعني مثلا من شروطها أنه ما يدخلها إلا اللي على مذهب الشافعي، بس! ما أنت شافعي ما تدخل!
الآلوسي في تاريخ مساجد بغداد يقول: كانت المدرسة النظامية لا نظير لها في غيرها من البلاد ومأوى الكتاب والسنة. فعلا كانت هي محطة تاريخية مهمة من ناحية التعليم، كان فيه تسع مدارس تلقب بالنظامية وتابعة لنظام الملك، تسع مدارس، أشهر مدرستين نظاميتين لنظام الملك هي في بغداد، التي في بغداد وهي رقم واحد على الإطلاق ثم التي في نيسابور، وفيه في بلدان أخرى المدارس النظامية تابعة لنظام الملك، لكن مدرسة بغداد هي الأهم والأكبر والأشهر وهي التي أخذت اللقب الكبير والشهرة التاريخية الكبيرة.
انتقل كما قلنا الغزالي إلى المعسكر، معسكر نظام الملك، هناك نستطيع أن نقول إنها كانت محطة الشهرة رقم واحد للغزالي، يعني كان عند الجويني بدأ يبرز لكن على نطاق مين؟ على نطاق طلاب الجويني، أنه برز فيما بينهم بز أقرانه، لكن في معسكر الوزير نظام الملك بدأت الشهرة العالمية للإمام الغزالي؛ لماذا؟ لأن الحاضرين في ذلك المكان هم العلماء ونخبة القوم من مختلف البلدان، فالوزير اشتهر بقضية العلماء أن مجالسه كانت مجالس علمية ويحضرها الكبار وما إلى ذلك. الغزالي في تلك المرحلة برز أكثر ما برز بمناظراته ومجادلاته مع الخاصة، اشتهر وبرز وانتبه الناس لعلومه وذكائه، وبالتالي بدأت تنتشر شهرته في الآفاق.
ولذلك المحطة التالية للغزالي بعد محطة المعسكر النظامي، المحطة التالية كانت أنه صار مدرسا في المدرسة النظامية ببغداد. لما ذهب إلى بغداد كانت شهرته قد سبقت إليه فتلقاه الناس واستقبلوه وما إلى ذلك، وكان في سن لا زال في سن ليس كبيرا يعني، كان أظن في أربعة وثلاثين الحدود تقريبا، أربعة وثلاثين أو في بداية الثلاثينات، ليست سنا كبيرة. على أية حال، ظل الإمام الغزالي في المخيم السلطاني إلى عام أربعمئة وأربعة وثمانين. احنا قلنا من متى ذهب إلى المعسكر السلطاني؟ ثمانية وسبعين، من ثمانية وسبعين إلى أربعة وثمانين، يعني حين انتقل عام أربعة وثمانين، أربعة وثمانين انتقل إلى بغداد مدرسا في المدرسة النظامية فعلا كان عمره كم؟ أربعة وثلاثين. لا لا معسكر نظام الملك ليس في بغداد، معسكر نظام الملك كان في ضواحي نيسابور، إلى أربعة وثمانين، أربعة وثمانين انتقل إلى بغداد مدرسا في المدرسة النظامية مكلفا من الوزير نظام الملك.
طيب، هنا في هذه المدرسة كما قلنا حين قدم إليها كان مسبوقا بشهرته واستقبله الناس، كان يحضر عنده ثلاثمئة إلى أربعمئة عمامة، يعني من طلاب العلم والعلماء يحضرون عنده في ذلك المجلس في تلك المدرسة النظامية. وفي تلك المدرسة بلغ غاية ما يمكن أن يبلغ أو يوصل إليه، أو غاية ما يمكن أن يبلغه ويصل إليه العالم من ناحية التقدير والحشمة والرسوم، يعني الرسوم اللي هي المراسيم والأمور التقديرية الدنيوية الرسمية. في تلك المرحلة بلغ المجد، بلغ المجد من ناحية الشهرة والصيت والجاه السلجوقي، السلاجقة هم اللي كانوا في تلك المرحلة، أربعة وثلاثين، طبعا السلاجقة تابعين للخلافة العباسية صح، بس أنه يعني فعليا السلاجقة هم المتحكمين في الأمر يعني.
طيب، في تلك المرحلة وهو في هذا المجد والغاية التي وصفت وصفات كثيرة من ناحية ما الذي كان يقدم له من احترام وتقدير، بدأ يطالع كتب الصوفية، خليه بعدين، بدأ يطالع كتب الصوفية، ومن أهم ما طالعه كتاب قوت القلوب لأبي طالب المكي، كتاب أو كتب الحارث المحاسبي، وهذه الكتب حين طالعها أصابته يعني حالة شعورية ضخمة جدا، بدأ يراجع نفسه مراجعة صادقة أنه هل ما أنا فيه من هذه الحال وما قرأته عن أحوال القوم من ناحية التقوى والمراقبة وما إلى ذلك، هل هذا الحال يوافق هذا الحال؟
طبعا هو الإمام الغزالي سيأتينا بعد ذلك، لم تكن عنده المعرفة الكبيرة خلنا نقول بالآثار والحديث وأخبار السلف الصالح وما إلى ذلك، ولذلك هو وجد فيما نقل عن الصوفية المتقدمين وجد فيه أقرب ما يكون للحالة المقاربة للحالة النبوية، لم يكن عنده حالة وسيطة توصله إلى طريق نبوي أكثر وضوحا، وكان يرى في الحالة الصوفية أو فيما نقل عن كلام المتقدمين من الصوفية كان يرى فيه الحالة المشابهة أو الموصلة إلى تحقيق علم الآخرة. وكان -وهذا شيء عجيب جدا وهي وقفة يعني تستحق الالتفات بشكل قوي- كان جريئا في محاسبة نفسه وفي الاعتراف بأنه وهو في تلك الحال في التدريس والعلم والذي كان يشار إليه بالبنان في أعلى الدرجات، كان صريحا وقويا في الاعتراف أن هذا لم يكن لوجه الله، لم يكن لوجه الله! قوية جدا! ويتكلم بصراحة ووضوح.
ولذلك لما راجع كتب المتقدمين في المحاسبة والمراجعة وأعمال القلوب وما إلى ذلك استيقظ. ودعوني يعني ممكن أقرأ لكم شيئا من كلامه في هذه، هو يعني بصراحة هذه الأشياء، يعني هذا الكلام اللي ذكره عن نفسه ينبهك أنه ممكن يكون في الوسط العلمي ممن يشتغل بالتدريس وتعليم الناس ويلتفت إليه الناس ويجتمع إليه الخلق من تكون نيته فيها إشكال، وأنه الإنسان ممكن يلتفت فعلا إلى قضية الجاه والدنيا، فالإنسان يحتاج إلى درجة كبيرة من الصدق حتى يتخلص، يعني يحقق النية الصالحة. لا، كلام كلام الغزالي كبير جدا! الكتاب أنا ما كان معي قبل قليل، أتاني فلم أحدد الموقع بالضبط، لكن ضروري نقرأ النص.
أيوة هنا، امشوا معي في رحلة سأقرأ لكم عدة صفحات أو يعني مقطعا طويلا إلى حد ما، يقول: ثم إني لما فرغت من هذه العلوم -وهي العلوم الشرعية- أقبلت بهمتي على طريق الصوفية، وعلمت أن طريقتهم إنما تتم بعلم وعمل، وكان حاصل علمهم قطع عقبات النفس والتنزه عن أخلاقها المذمومة، وكان العلم أيسر علي من العمل، فابتدأت بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم مثل قوت القلوب لأبي طالب المكي وكتب الحارث المحاسبي والمتفرقات المأثورة عن الجنيد والشبلي والبسطامي وغيرهم من المشايخ، فظهر لي أن أخص خواصهم ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلم بل بالذوق والحال، إلى آخره.
ثم قال: ثم لاحظت أحوالي فإذا أنا منغمس في العلائق وقد أحدقت بي من الجوانب، ولاحظت أعمالي وأحسنها التدريس والتعليم فإذا أنا فيها مقبل على علوم غير مهمة ولا نافعة في طريق الآخرة، ثم تفكرت في نيتي في التدريس فإذا هي غير خالصة لوجه الله، بل باعثها ومحركها طلب الجاه، باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت. بكل وضوح! بكل وضوح تماما، هذا في كتابه المنقذ من الضلال: تفكرت في نيتي في التدريس فإذا هي غير خالصة لوجه الله تعالى بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت.
فتيقنت أني على شفا جرف هار، وأني قد أشفيت على النار إن لم أشتغل بتلافي الأحوال، فلم أزل أتفكر فيه مدة وأنا بعد على مقام الاختيار، أصمم العزم على الخروج من بغداد ومفارقة تلك الأحوال يوما وأحل العزم يوما، وأقدم فيه رجلا وأؤخر عنه أخرى، لا تصدق لي رغبة في طلب الآخرة بكرة إلا ويحمل عليها جند الشهوة حملة فيفترها عشيا، وصارت شهوات الدنيا تجاذبني بسلاسلها إلى المقام، ومنادي الإيمان ينادي: الرحيل الرحيل! فلم يبق من العمر إلا قليل، وبين يديك السفر الطويل، وجميع ما أنت فيه من العلم والعمل رياء وتخييل، فإن لم تستعد الآن للآخرة فمتى تستعد؟ وإن لم تقطع الآن هذه العلائق فمتى تقطع؟
فعند ذلك تنبعث الداعية وينجزم العزم على الهرب والفرار، ثم يعود الشيطان فيقول: هذه حالة عارضة، إياك أن تطاوعها فإنها سريعة الزوال، فإن أذعنت لها وتركت هذا الجاه العريض والشأن الخالي عن التكدير والتنغيص والأمر المسلَّم الصافي عن منازعة الخصوم ربما التفتت إليه نفسك ولا يتيسر لك المعاودة. فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا ودواعي الآخرة قريبا من ستة أشهر، ستة أشهر! أولها رجب سنة ثمان وثمانين وأربعمئة، وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار، إذ أقفل الله على لساني حتى اعتقل عن التدريس، وكنت أجاهد نفسي أن أدرس يوما واحدا تطييبا للقلوب المختلفة إلي فكان لا ينطق لساني بكلمة واحدة ولا أستطيعها البتة.
ثم أورثت هذه العقلة في اللسان حزنا في القلب، بطل معه قوة الهضم ومراءة الطعام والشراب، وكان لا ينساغ لي شربة ولا تنهضم لي لقمة، وتعدى إلى ضعف القوى حتى قطع الأطباء طمعهم من العلاج، وقالوا: هذا أمر نزل بالقلب ومنه سرى إلى المزاج فلا سبيل إليه بالعلاج إلا بأن يتروح السر عن الهم الملم. ثم لما أحسست بعجزي وسقط بالكلية اختياري، التجأت إلى الله تعالى التجاء المضطر الذي لا حيلة له، فأجابني الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وسهل على قلبي الإعراض عن الجاه والمال والأهل والولد والأصحاب.
وأظهرت عزم الخروج إلى مكة وأنا أوري في نفسي سفر الشام، حذارا من أن يطلع الخليفة وجملة الأصحاب على عزمي على المقام بالشام، فتلطفت بلطائف الحيل في الخروج من بغداد على عزم ألا أعودها أبدا، واستهدفت لأئمة أهل العراق كافة إذ لم يكن فيهم من يجوز أن يكون الإعراض عما كنت فيه لسبب ديني، إذ ظنوا أن ذلك هو المنصب الأعلى في الدين اللي كنت فيه يعني، وكان ذلك مبلغهم من العلم. ثم ارتبك الناس في الاستنباطات وظن من بَعُد عن العراق أن ذلك كان لاستشعار من جهة الولاة وأما إلى آخره.
ففارقت بغداد وفرقت ما كان معي من مال، ولم أدخر إلا قدر الكفاف وقوت الأطفال، ترخصا بأن مال العراق مرصد للمصالح لكونه وقفا للمسلمين إلى آخره. ثم دخلت الشام وأقمت به قريبا من سنتين، لا شغل لي إلا العزلة والخلوة والرياضة والمجاهدة اشتغالا بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق وتصفية القلب لذكر الله تعالى، كما كنت حصلته من كتب الصوفية، وكنت أعتكف مدة في مسجد دمشق، أصعد منارة المسجد طول النهار وأغلق بابها على نفسي، ثم رحلت منها إلى بيت المقدس، أدخل كل يوم إلى الصخرة وأغلق بابها على نفسي.
ثم تحركت فيّ داعية فريضة الحج والاستمداد من بركات مكة والمدينة وزيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفراغ من زيارة الخليل صلوات الله وسلامه عليه، فسرت إلى الحجاز، ثم جذبتني الهمم ودعوات الأطفال إلى الوطن فعاودته بعد أن كنت أبعد الخلق إليه -الوطن اللي هو طوس- وآثرت العزلة به أيضا حرصا على الخلوة وتصفية القلب بالذكر. هذا يعني مجمل الحالة التي حكاها عن نفسه، مكاشفة في أعلى الدرجات، يعني مكاشفة في القوة في التعبير عن الذات والتعبير عن القدرة على التعبير عن الضعف البشري، فهم النفس أولا ثم الصدق ثم القدرة على المكاشفة في هذا الموضوع شيء صعب جدا، شيء صعب جدا.
وكأنه يقول -تعرف هو تردد ستة أشهر- وكأنه لما قرر الخروج يعني رأى أنه الحل هو في الخروج، ربما يكون من أسباب ذلك أنه لو بقي سيكون داعي الشهوة متجددا، الشهوة اللي هي الشهرة والصيت وما إلى ذلك، وكأنه رأى أنه يقطع القضية كلها وينتقل إلى مكان آخر ليس فيه كل هذه العلائق. هذه تعتبر المحطة رقم كم في مسيرته لما خرج من بغداد؟ احنا قلنا المحطة الأولى اللي هي بدأ طلب العلم قليلا ثم جرجان وتلقيه الفقه، يعني خلينا نقول ثم طوس ومكث فيها ثلاث سنوات، ثم نيسابور وطلب العلم عند الجويني، ثم المعسكر عند نظام الملك، ثم التدريس في النظامية ببغداد، ثم فترة العزلة والخروج من بغداد إلى الشام وإلى بيت المقدس، ثم أكمل العزلة في طوس في بلده.
العزلة بمجموعها كاملة إحدى عشرة سنة، إحدى عشرة سنة، يعني ألقى فيها شيئا يسيرا ثم رجع للعزلة، نستطيع أن نقول العزلة استمرت إحدى عشرة سنة، كثير جدا! يعني كم صار عمره الآن؟ لا هو أربعة وثلاثين لما جاء إلى بغداد، أظن أربع سنوات، ثمانية وثلاثين يعني خمسين، إيه يعني تقريبا رجع للتدريس المفترض يكون عام كم؟ تسعة وتسعين، تقريبا تسعة وتسعين، تسعة وتسعين. إيه علاقته أنه المسؤول الوزير نظام الملك هو اللي أصلا اللي كلفه، ولما رجع للتدريس في أربعمئة وتسعة وتسعين كان بتكليف من ابن نظام الملك؛ لأنه نظام الملك الوزير هذا صاحب المدارس كلها اغتيل، اغتالته الباطنية، طبعا كانت فترة قوة الباطنية الحشاشين ومعسكراتهم الباطنية بشكل عام، وكان شغلهم الاغتيالات، اغتالوا الوزير نظام الملك واغتالوا ولده، حتى هذا ولده اللي كلفه أنه يدرس في أربعمئة وتسعة وتسعين أيضا اغتيل عام خمسمئة تقريبا أظن على أيدي الباطنية كذلك.
اغتالوا كثيرا، طبعا استمرت اغتيالاتهم إلى منتصف القرن السادس تقريبا هجري؛ لأنه حتى صلاح الدين الأيوبي حاولوا يغتالوه، دخلوا عليه في الخيمة، صلاح الدين الأيوبي احنا بنتكلم عن منتصف القرن السادس، دخلوا عليه في الخيمة بغوا يغتالوه. طيب، إذاً الآن هذه المحطة السابعة صح؟ المحطة السابعة اللي هي محطة العزلة، وتكلمنا كيف أنه يعني كيف وصل إلى هذه الدرجة الاستثنائية من القدرة على مصارحة النفس ومكاشفتها حتى يصل إلى قضية العزلة. أيوة هذه الفترة اللي هي فترة العزلة الإحدى عشرة سنة كتب كتبا كثيرة، أو خلينا نقول كتبا متعددة، أهم كتاب كتبه في هذه الفترة إحياء علوم الدين، إحياء علوم الدين كتبه في فترة العزلة.
وهو يعني ترى اسم الكتاب اسم الكتاب ترى معبر عن الفكرة أو الحالة التي كان فيها؛ لأنه علوم الدين التي يقصدها في الكتاب إيش هي؟ علوم الآخرة، علوم الآخرة المتعلقة بالسلوك والقلوب وما إلى ذلك، وهو يرى أنها كانت ميتة، وأن السمة العامة في العلماء والمجالس العلمية والدروس هي سمة الأمور الرسمية والتقاليد وما إلى ذلك، وأنه أراد أن يجدد ويحيي علوم الدين، فكتب هذا الكتاب في تلك المرحلة. طيب، عاد إلى طوس ثمانية وتسعين أربعمئة وثمانية وتسعين تابع عزلته سنة أخرى، ثم ذهب إلى نيسابور هذه المحطة الثامنة عام تسعة وتسعين، المحطة الثامنة التدريس مرة أخرى في المدرسة النظامية ولكن بنيسابور وليس في بغداد.
المحطة التاسعة، هو مكث فترة يسيرة يدرس في المدرسة النظامية بنيسابور، ثم المحطة التاسعة والأخيرة هي أنه ترك المدرسة أيضا وذهب إلى بيته وفتح مدرسة صغيرة بجوار البيت تفرغ فيها للتدريس وقراءة القرآن والجلوس مع الطلاب والصوفية وأهل الذكر وما إلى ذلك، جلس على هذه الحال سنوات قليلة إلى أن توفي عام خمسمئة وخمسة، خمسمئة وخمسة للهجرة، يعني عمره ما كان خمسة وخمسين سنة، ما كان كبيرا. وبهذا العرض أرجو أن تكون محطات حياة الغزالي واضحة من ناحية الانتقالات، من ناحية انتقالات أقصد في المدن ومن ناحية أنه كل محطة إيش كان فيها، هذه هي مجمل سيرة الغزالي، هذه مجمل سيرة الغزالي.
إي تفضل. متفرقة لكن مرحلة مرحلة بغداد لما كان في المدرسة النظامية على أنها كانت مرحلة أربع سنوات فقط، كانت مرحلة غزيرة في التأليف، مرحلة العزلة كانت مرحلة غزيرة بالتأليف أيضا، عموما عندنا فصل خاص بالكتب. فيه عبد الرحمن بدوي، عبد الرحمن بدوي له كتاب اسمه مؤلفات الغزالي، مؤلفات الإمام الغزالي، هذا الكتاب صراحة فيه جهد عجيب يعني، فيه جهد استثنائي، طبعا هو الكتاب هذا رتب فيه مؤلفات الغزالي زمنيا من رقم واحد إلى آخر كتاب، بس أنه يعني حتى يرتبها زمنيا حقيقة بذل جهدا كبيرا في الموضوع، على أنه طبعا تعرف عبد الرحمن بدوي يعني غير متخصص تراثي أو شرعي، أنتم عارفون أنه من اختصاصه يعني فلسفي بالأساس، هو فيلسوف يعني.
طيب، هذا الفصل الأول اللي هو متعلق بسيرته المجملة. الفصل الثاني الذي أريد أو النقطة الثانية التي أريد الحديث عنها: مؤلفات الغزالي، كتب الغزالي ومؤلفات الغزالي. اختلفوا في عدد كتب الغزالي، مثلا الزركلي في الأعلام يرى أن له نحوا من مئتي مصنف، أن له نحوا من مئتي مصنف، طبعا الغزالي ممن عرف بكثرة التصنيف وسرعة الكتابة أيضا، السبكي عد له في طبقات الشافعية أكثر من خمسين كتابا، أكثر من خمسين كتابا. فيه بعض كتب الغزالي مختلف في نسبتها إليه، وهذه الكتب المختلف في نسبتها إليه يعني أثير حولها ضجة، وهي تستحق أن يثار حولها ضجة وإشكال؛ لأنه فيها إشكالات.
أبرز كتاب تقريبا أثيرت حوله ضجة والمتقدمون يذكرون الخلاف في نسبته إليه ومنهم ابن تيمية وغيره، الذهبي يذكر في سير أعلام النبلاء الخلاف في نسبة الكتاب إليه، اللي هو؟ لا، المضنون به على غير أهله، منهاج العابدين ما فيه إشكال، منهاج العابدين ما فيه إشكال، منهاج العابدين قريب من الإحياء إحياء علوم الدين لكنه ملخص، لكن المضنون به على غير أهله حتى العنوان نفسه لحاله يثير الجدل: المضنون به على غير أهله، يعني كأنه فيه أسرار معينة، وهذا الكتاب فعلا فيه بعض الإشكالات، فيه بعض الإشكالات المنهجية والعقدية. ولذلك صار فيه خلاف، يعني بعض المتعصبين للغزالي يقولون: نعيذه بالله أن يكون ألف هذا الكتاب! يعني حتى الذين يميلون له يرون أن الكتاب مشكل.
وبعض المحققين من المتقدمين يرون أنه هو الذي كتبه وأنه رجع عنه، وأن فيه بعض ما نقضه في تهافت الفلاسفة من ميل لأقوال الفلاسفة وما إلى ذلك. عموما حتى عبد الرحمن بدوي في كتاب مؤلفات الغزالي جعل ترتيبا زمنيا للمؤلفات المحقق نسبتها إليه وترتيبا زمنيا للمؤلفات المختلف في نسبتها. لو أردنا أن نستعرض مؤلفات الغزالي فنقول: أهم ما كتبه الغزالي، أهم من أي ناحية؟ أهم ما كتب الغزالي من ناحية أنها يعني هي التي جعلت الغزالي الغزالي، يعني هي التي فيها بصمة الغزالي، بمعنى هناك من المؤلفين من لو ألغيت له بعض الكتب فلن يؤثر هذا في الإضافة التي أضافها أو البصمة التي بصمها أو الشيء الخاص الذي عرف به، وهناك كتب في حياة بعض المؤلفين لو ألغيتها لزال كل ما هو مرتبط بهذا الاسم وبقي مؤلفا عاديا.
يعني الغزالي له كتب مهمة جدا في الفقه الشافعي، لكن لو أزلتها من قاموس مؤلفات الغزالي سيظل الغزالي هو الغزالي، وهناك بعض الكتب التي كتبها الغزالي لو أزلتها من قاموسه لما بقي الغزالي الغزالي، من أهمها إحياء علوم الدين، لو أزلت إحياء علوم الدين من قاموس مؤلفات الغزالي لما بقي الغزالي هو الغزالي. جيد، لكن هي ثلاثة كتب ذكرها بعض المحققين، بالضبط: تهافت الفلاسفة، إحياء علوم الدين، والمنقذ من الضلال. المنقذ من الضلال وتهافت الفلاسفة وإحياء علوم الدين، فعلا هذه الكتب الثلاثة لو حذفتها من مؤلفات الغزالي على أن له عشرات الكتب والمصنفات لما بقي الغزالي هو الغزالي، فهي التي بها عرف، وهي التي جعلت له الإضافة، وهي التي فيها بصمته الخاصة وتأثيرها في السياق التاريخي الكبير جدا.
طيب، هذا ممن ذكر ذلك عبد الحليم محمود أو هو الذي ذكر ذلك، قال: ولو لم يؤلف الإمام الغزالي غيرها لبقي هو الغزالي العملاق الصوفي الفيلسوف بطابعه وسماته الشخصية لا ينقص شيئا، ولكنه لو لم يؤلفها لما كان الإمام الغزالي صاحب الأثر الخالد على الدهر. الإمام الغزالي فقيه شافعي، وله في الفقه الشافعي عدة كتب مرتبة: البسيط، الوسيط، الوجيز، الخلاصة. البسيط يعني إيش؟ لا يعني مو السهل، لا، البسيط يعني مبسوط، إيه هذا بسيط، ها؟ لا لا لا ما له دخل.
البسيط والأكبر، بسيط؟ مبسوط؟ مبسوط، هذا البسيط، البسيط ثم الوسيط ثم الوجيز ثم الخلاصة، منظومة في بيتين: هَذَّبَ الْمَذْهَبَ حَبْرٌ أَحْسَنَ اللَّهُ خَلَاصَهْ ... بِبَسِيطٍ وَوَسِيطٍ وَوَجِيزٍ وَخُلَاصَهْ مرتبة بهذا الترتيب، ما أدري والله ما... طيب، إيش ميزة كتب الشافعي في الفقه؟ ها؟ الغزالي في الفقه الشافعي؟ السمة الشخصية في التأليف للغزالي؟ ترتيب، إيه بس السمة الكبرى والأبرز والأشهر للإمام الغزالي والتي تلمسها في أي كتاب من كتبه، انظر مثلاً المستصفى ككتاب أصولي وافتح أي كتاب أصولي آخر: حسن الترتيب، ترتيب الغزالي عقلية منظمة ومُرَتَّبَة جدًّا جدًّا.
لاحظتم المقطع اللي قرأته عليكم هنا كيف سهل وواضح؟ سهل وواضح جدًّا وسياق متراتب، هذا في السرد، التقسيم والترتيب نفس الشيء، هو في بداية المستصفى يقول لك: اعلم أن هذا العلم يدور على أقطاب أربعة؛ القطب الأول، القطب الثاني، القطب الثالث، القطب الرابع، ويرتب لك كل العلوم بهذه الطريقة. الغزالي رحمه الله يعني إنسان مرتب، في التأليف إنسان مرتب، عقلية منظمة، آه يسهل عليك القراءة، وإذا لم يكن الموضوع في ذاته شائكًا جدًّا كالمواضيع الفلسفية الدقيقة، فالأصل أن كتبه مفهومة وسهلة التناول، لكن المشكلة أنه تناول هو في ذاته مواضيع هي في ذاتها فيها نوع من العسر أو فيها عسر شديد، وبالتالي فهمها قد يترتب أو يكون عليه إشكال.
آه، إلجام العوام عن علم الكلام رسالة خفيفة صغيرة، قال الإمام الزركشي في البحر المحيط: هو آخر تصانيف الغزالي مطلقًا، أو آخر تصانيفه في أصول الدين. صار عندنا أول مؤلفات الغزالي إيش؟ المنخول، وآخر تأليفاته: إلجام العوام عن علم الكلام، وكلا الكتابين مطبوعان، جيد، وكلاهما كتابان يعني خاصة إلجام العوام كتاب صغير.
آه، كتب الإمام الغزالي رحمه الله وجدت عناية كبيرة، ومن أبرز الكتب التي وجدت عناية الكتب الفقهية، حتى إن يعني بعض الكتب مثلاً، آه عبد الرحمن بدوي أيضًا في مؤلفات الإمام الغزالي مثلاً في كتاب الوسيط -وهو واحد من كتبه الفقهية- آه ذكر عليه ثمانية شروحات وتعليقات وأربع مختصرات، هذا على كتاب واحد! أربع مختصرات للوسيط وثمانية تعليقات وشروحات. إذًا أما الوجيز، فالقائمة التي ذكرها عبد الرحمن بدوي من الشروحات والتعليقات والحواشي والمختصرات المتعلقة بكتاب الوجيز للإمام الشافعي فهي قائمة طويلة جدًّا، يعني ما عديتها، عديت هذي حقت ثمانية شروحات حقت الوسيط، أما الوجيز فالقائمة طويلة جدًّا، وبالتالي كتبه فعلاً لاقت عناية.
آه، على المستوى السلوكي كتاب إحياء علوم الدين وجد عناية كبيرة جدًّا أيضًا، المختصرات التي اختُصر بها الكتاب كثيرة، كثيرة جدًّا، آه من أشهرها المهذب يعني كشيء معاصر، لكن قديمًا منهاج القاصدين لابن الجوزي، الإمام ابن الجوزي اختصر إحياء علوم الدين في كتاب منهاج القاصدين، جاء الإمام ابن قدامة المقدسي إمام الحنابلة فاختصر منهاج القاصدين في مختصر منهاج القاصدين.
لاحظوا يعني، لاحظوا روح التسامح خلينا نقول أو التعاون والتعاهد، يعني غير القضية المذهبية الفقهية حتى في القضية العقدية، لأنه مثلاً ابن قدامة يخالف آه الغزالي مخالفة واضحة في القضية العقدية، ومع ذلك اختصر له كتابه وقدم هذا الكتاب، هذي روح يعني ينبغي حقيقة الالتفات إليها. والقضية المذهبية الفقهية قد لا يراها البعض الآن مشكلة، أنه عادي حنبلي يختصر كتاب شافعي فكان ماذا؟ لا، في ذلك الوقت لا، فكان إيش؟ يعني فكانوا كل شيء.
يعني في القضية الفقهية وأنتم رأيتم قبل قليل أنه المدارس النظامية حقت نظام الملك ما يدخلها إلا شافعي، ما يدرس فيها إلا شافعي، بل حتى الأعمال الإدارية في المدرسة لازم يكون شافعي عشان يعمل أعمال إدارية، واللي ما يشتغل في مدارس نظام الملك... لأنه هي أشهر مدارس في تلك المرحلة، بل يمكن لنا أن نقول إنها من أهم وأشهر المدارس في تاريخ التاريخ الإسلامي على الإطلاق. آه في القضية المذهبية لا قضية خطيرة، ومع ذلك تجد أن الحنبلي ابن الجوزي يختصر الكتاب، ثم يأتي ابن قدامة -اللي هو إمام الحنابلة- فيختصر المختصر، فهذي هذه قضية تسجل من ناحية يعني خلنا نقول التواصل والتعايش؛ إحنا كلنا حبايب ونحب بعض وكذا.
طيب، كانت واضحة عند الكبار يا جماعة. سامحه الله، إيه رحمه الله تجاوز عن... صحيح، وأبهر منها عند الذهبي، أظهر منها عند الذهبي ولكن في بعض الكبار صارت بينهم... ها؟ مشكلة في التشجيع حاليًّا يعني في الزمن اللي إحنا معاصرين فيه يعني؟ والله حتى زمان كان في بعض المشاكل بصراحة، إي كان في مشاكل، لكن يأتي بعض المتميزين مثل ابن كثير والذهبي فتظهر عندهم هذي الروح الجامعة، المنصفة يعني.
آه طيب، في الزبيدي المرتضى الزبيدي شرح إحياء علوم الدين، شرح كتاب كامل لإحياء علوم الدين: إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين، هذا الكتاب يعني طُبع، المطبوع فيها هي طبعة متراصة الكلمات وطبعة سيئة، يعني لو طُبع الكتاب بالطبعات الحديثة هذي والمرتبة ممكن يصل إلى مجلدات كثيرة جدًّا، ممكن أتوقع فوق الثلاثين مجلد يكون، هو الآن مطبوع في إحدى عشر مجلد ولكنها مضغوطة جدًّا، فلو بُسط لو رُتب الكتاب وحُقق بتحقيق جيد وطُبع طبعة جيدة، فأنا أتوقع ثلاثين أربعين مجلد ممكن يطبع هذا الكتاب، اللي هو شرح إحياء علوم الدين للزبيدي شرح كتاب الغزالي.
آه طيب، سأسترد سريعة ترتيب بعض مؤلفات الغزالي على حسب ما ذكره البدوي: المنخول، ثم البسيط في الفروع، ثم الوسيط، ثم الوجيز، ثم الخلاصة، ثم المنتحل في علم الجدل، ثم مآخذ الخلاف في علم المناظرة، ثم لباب النظر، ثم تحسين المآخذ، ثم المبادئ والغايات، ثم شفاء الغليل، ثم غاية الغور، ثم مقاصد الفلاسفة، ثم تهافت الفلاسفة، ثم معيار العلم، ثم محك النظر، ثم ميزان العمل، ثم المستظهري، ثم حجة الحق، ثم قواصم الباطنية، ثم الاقتصاد في الاعتقاد، ثم الرسالة القدسية، ثم المعارف العقلية، ثم إحياء علوم الدين. هذي السلسلة كلها قبل إحياء علوم الدين. متى ألفه؟ في العزلة، يعني ألفه وعمره... إيه هو أظن انتهى من إحياء علوم الدين ما أدري أنا كاتبها ولا لا، أظنه انتهى من إحياء علوم الدين في التسعين، في التسعينات، في نهاية الثلاثينات في عمره، أربعين سنة تقريبًا، وبالتالي يعني مرحلة الغزارة التأليفية متى كانت فعلاً؟ تقريبًا وقت المدرسة النظامية.
وقت المدرسة النظامية، جيد؟ وفي تلك المرحلة في المدرسة النظامية بدأ يهتم بموضوع مناقشة الفلاسفة، لأنه في تلك المرحلة هو ذكر عن نفسه أنه تعلم الفلسفة بدون أستاذ، تعلم الفلسفة بدون أستاذ وإنما تعلم الفلسفة من القراءة. ومتى كان يقرأ؟ كان يقرأ يسترق الأوقات اللي يأخذها الزائدة عن التدريس في المدرسة النظامية ببغداد زائد الأوقات الخارجة عن وقت التأليف، هذا وقتين اللي هي كانت تأخذ جل أوقاته، ما كان خارجًا عن هذين الوقتين كان يطالع في كتب الفلاسفة.
وكان عنده هو فكرة وهذي الفكرة راجعة إلى سمة شخصية في الغزالي: فكرة الغوص في الحقائق والتفتيش فيها حتى الأعماق يعني، هذي كانت سمة شخصية في الإمام الغزالي رحمه الله. ولذلك لم يرتضِ أن يرد على الفلاسفة، هو كان عنده فكرة يصرح بها أنه لا يصلح أن ترد على أحد في علم حتى تبلغ في هذا العلم الغاية، حتى تبلغ الغاية في العلم اللي بترد عليه، جيد؟ والقاعدة هذي فيها نقاش يعني، لكن هذي رؤية الغزالي. ولذلك طالع أقوال الفلاسفة وحصل علوم الفلسفة حتى تمكن منها في قرابة السنتين من القراءة.
ثم قبل أن يكتب تهافت الفلاسفة -اللي هو الكتاب الأكبر أو واحد من الكتب الثلاثة المركزية في فكر الغزالي- كتب إيش؟ مقاصد الفلاسفة. مقاصد الفلاسفة هو كتاب علم فلسفة، ما في ردود، ما في نقاش، ما في نقد، هو كتاب عرض لأقوال الفلاسفة. ليش عرض أقوال الفلاسفة؟ الغزالي شخصية مرتبة وممتازة وهم ملخبطين، فكتب لهم كتاب وقال لهم: يا جماعة ترى هذا علمكم، تفضلوا هذا مقاصد علومكم هذي، ممتاز؟ ولذلك مقاصد الفلاسفة هذا نفسه الآن مترجم إلى غير العربية وعليه اهتمام وشروح وحواشي لأنه كتاب فلسفة، جيد؟ وكتب هذا الكتاب وأشار في نفس الكتاب قال: إني سأكتب التهافت. والله إي طبعًا، في نفس كتاب المقاصد إيه مخبرهم، وكتب كتاب تهافت الفلاسفة.
طبعًا كتاب تهافت الفلاسفة الكلام عنه كثير، لكن الخلاصة أنه رأى عندهم عشرين مسألة مشكلة، طبعًا هو قسم الفلاسفة إلى أقسام وما أدري إيش في الأخير المهم استخرج عشرين مسألة ومشكلة، بدَّعهم بسبع عشرة مسألة، وكفَّرهم بثلاث مسائل، اللي هي الثلاث مسائل اللي كفَّرهم لأجلها الإمام الغزالي رحمه الله: قدم العالم، وأن الله لا يعلم الجزئيات وإنما يعلم الكليات، وإنكار حشر الأجساد في الآخرة.
طبعًا لما نقول الفلاسفة يقصد فيهم ابن سينا وأمثاله. إحنا تكلمنا المرة الماضية كيف أنه الصورة -بين قوسين الكيوت- المعروضة لابن سينا أنه هو الطبيب العالم مدري إيش، اللي ما يعرف بعض الناس إلا هذي الصورة عنه، وأنه لما يردوا عليه علماء المسلمين فهم يعني يعارضون العلم التجريبي والعلم الطبيعي وما يحبوا الطب وما يحبوا مدري إيش إلى آخره، بينما القضية هي ليست كذلك أبدًا، وإنما القضية هي قضية متعلقة بالعلوم الفلسفية.
طيب، في نص سريع للغزالي ذكر فيه شيء من مسيرته في التأليف تمام؟ يقول: ولأجل شرف علم الفقه وبسببه وفر الله دواعي الخلق على طلبه، وكان العلماء به أرفع العلماء مكانًا، ثم قال: فتقاضاني في عنفوان شبابي -لما رأيت اختصاص هذا العلم بفوائد الدين والدنيا وثواب الآخرة والأولى- أن أصرف إليه مهلة من مهلة العمر صدرًا، وأن أخص به من متنفس الحياة قدرًا، فصنفت كتبًا كثيرة في فروع الفقه وأصوله، ثم أقبلت بعده على علم طريق الآخرة ومعرفة أسرار الدين الباطنة، فصنفت فيه كتبًا بسيطة كـ إحياء علوم الدين، ووجيزة ككتاب جواهر القرآن، ووسيطة ككتاب كيمياء السعادة... ثم ساقني قدر الله تعالى إلى معاودة التدريس والإفادة، فاقترح علي طائفة من محصلي علم الفقه تصنيفًا في أصول الفقه، أصرف العناية فيه إلى التلفيق بين الترتيب والتحقيق، وإلى التوسط بين الإخلال والإملال، على وجه يقع في الحجم دون كتاب تهذيب الأصول -تهذيب الأصول لمن؟ للغزالي- وفوق كتاب المنخول.
يعني الغزالي عنده كتاب كبير في الأصول اسمه تهذيب الأصول، هذا كتاب مو معروف الآن، وكتاب صغير اللي هو المنخول، فهم طلبوا منه الطلاب أنه يعطوه يألف كتاب مرتب وما أدري إيش بين المنخول وبين تهذيب الأصول، فكتب لهم كتاب المستصفى. هذا مقدمة كتاب المستصفى، هذا الكلام من مقدمة كتاب المستصفى الكتاب الأصولي الأشهر للإمام الغزالي رحمه الله تعالى.
خلصنا كتب؟ لا ما خلصنا، باقي أشياء مهمة في كتب الغزالي. الإمام الغزالي رحمه الله من الكتب الأساسية التي كتبها وألفها -ويمكن أن يُضاف رابعًا من الكتب الثلاثة، رابعًا في سياق تاريخي معين ليس الآن ولكن في سياق تاريخي معين ربما يكون هذا الكتاب هو ركن رابع من أركان كتب الغزالي- مَن يقدر يعرف عن إيش يتكلم؟ أو الباطنية، بالضبط! الكتب المتعلقة بالباطنية، لأنه فعلاً يعني هو أصلاً ليش سُمي حجة الإسلام الغزالي؟ رد على مين هو؟ فعلاً رد على مين؟ هو رد على اثنين، يعني رد على تيارين أساسيين كشيء أساسي: الفلاسفة والباطنية. وليس رده على الفلاسفة في سياقه التاريخي بأقل شأنًا من رده على الباطنية، فعلاً كان رده على الباطنية رد له قيمة اعتبارية كبيرة جدًّا.
طبعًا هو رد على الباطنية بناء على طلب مين؟ نظام الملك، وكان في عداء كبير وعملية اغتيال يعني، وهناك لأجل هذي القضية جاءك بعض المولعين من المعاصرين بالتفسير السياسي، أسهل شيء عند الحداثيين الموجودين اليوم أنه يأتي إلى العلوم الإسلامية والتاريخ الإسلامي فيقول لك إنه هي كلها أصلاً دوافعها سياسية، جيد؟ طيب، هل فعلاً كانت في بعض الدوافع السياسية في بعض الحلقات العلمية؟ نعم، طبيعي، ما في مشكلة، لا ماشي حتى قد تكون في مشكلة ما في إشكال، لكن المشكلة الهوس والولع بإلغاء كل محرك ديني، كل محرك عقدي، كل محرك أخروي، والإبقاء على المحرك السياسي أنه هو السبب في كل شيء.
وهذي القضية قضية استشراقية في الأساس، أثارها المستشرقون ثم أخذها عنهم الحداثيون، ويا حبيبي يشرب سيجارة ويلغي كل تاريخك! كله سياسة! الحديث كله سياسة! المواقف العقدية اللي تعرفها كلها سياسة! بل بعضهم ترى تأثر ناس من الإسلاميين يعني حتى الباحثين الشرعيين، وهو بالعكس صار من علامة الوعي عنده عند بعض الباحثين أنه بدل ما أنت -يوه أنتم بتفسروا الأحداث هذي عقدية والله إنه يعني أنتم عقولكم صغيرة جدًّا- لا إحنا ترى اكتشفنا وتبين لنا أنه هذي المحركات كلها سياسية! يعني مثلاً محنة الإمام أحمد، الإمام أحمد ترى هذي قضية سياسية بحتة! حروب الردة حروب سياسية!
شوف اقرأ كتاب التأويل الحداثي للتراث -التأويل الحداثي للتراث خرافي في تفنيد هذي الإشكالية- رهيب رهيب، يعني مو رهيب فقط، هو أي متعلق ولو جزئي ولو فرعي متعلق بهذي الإشكالية نسفه نسفًا، وأظهر لك بالعكس من ذلك، أظهر لك بقالة المعرفة والثقافة لدى الآخرين الذين يفسرون هذه القضية سياسيًّا وكيف أنهم يسرقوا من بعض! يسرقوا من بعض سرقة، أنه هذا ينتج الفكرة وهذا الآخر يحطها في علبة تونة بس يغير الماركة! عارف؟ بدل ما كانت شركة كذا يحط ماركة ثانية، والثالث يأخذها من العلبة الصغيرة ويحطها بعلبة كبيرة يمدها ويحط عليها شعار جديد وغطاء جديد ولون جديد وينزلها السوق، ويتبع تاريخيًّا هذا أخذ من هذا وهذا أخذ من هذا، إيه لأنه يجيب لك مقطع من كلامه قبل ما يقابل المستشرق الفرنسي في الجامعة الفرنسية أو الألماني كيف كان يقول، ولما نقابله بعدين الأستاذ يقول: طيب ماشي تغيرت، ليش لما تعرض الفكرة تسوي أنك أنت المكتشفها؟ يا اخي قول أخذتها من ذاك ليش تسوي نفسك أنت اللي مكتشف القضية؟
عمومًا في كتابين: كتاب التأويل الحداثي للتراث، وكتاب التفسير السياسي للقضايا العقدية في الفكر العربي -التفسير السياسي للقضايا العقدية في الفكر الحداثي العربي لسلطان العميري، إيه وهذا لإبراهيم السكران التراث- هذي الكتابين بصراحة كتابين رائعين جدًّا في نسف هذي القضية. إيش اللي جاب هذا الكلام؟ ليش أنا ذكرت هذا الكلام؟ لأني وجدت من يفسر كل كتابات الغزالي على أنها كتابات سياسية، كل كتابات الغزالي، جيد؟
وجدت نصًّا للغزالي يعارض فكرة سياسية حتى في أكبر كتاب سياسي اللي هو الرد على الباطنية، إيش قال؟ أين نقلت النص؟ أيوة، هو قال إنه بدأت أهتم بالرد على الباطنية والكلام الباطني وما إلى ذلك، ثم جاءني أمر الخليفة أو الوزير في أن الخليفة المستظهر بالله أن أرد عليهم، قال بالنص: وصار ذلك مستحثًّا من خارج ضميمةً للباعث الأصلي من الباطن، هاه ضميمة للباعث... لأنه قال: أنا بدأت أصلاً أبحث، وبعدين جاني الأمر، وصار هذا مستحثًّا من الخارج ضميمة للدافع الأصلي من الباطن. هذا في الكتاب الأبرز اللي واضح أصلاً أنه سماه المستظهري باسم المستظهر الخليفة، اسم الكتاب المستظهري، فهذا في أبرز كتبه يقول لك: أصلاً كان عندي رغبة باطنية حقيقية في مناقشة هذه الفكرة، فكيفما كان يعني ساقها للرد على هذا، وإنما فقط تتكلم عن دافع تأليف الكتاب.
بقي أن أقول في كتب الغزالي نوعًا آخر من كتب الغزالي لم أذكره وهو الكتب المنطقية، الكتب المنطقية، الإمام الغزالي كتب في المنطق كتبًا متعددة، منها: معيار العلم، القسطاس المستقيم، محك النظر، ثلاثة كتب أساسية في المنطق، إضافة إلى إيش؟ مقدمة المستصفى، مقدمة كتاب المستصفى، المستصفى في أي علم؟ أصول الفقه، مقدمة في المنطق. أول من أدخل المنطق في أصول الفقه في كتاب واحد هو الإمام الغزالي، وهذا الإدخال لم يُقابل بالترحيب من كثير من أئمة المسلمين، حتى من الشافعية أنفسهم.
ولذلك من أبرز الذين ردوا عليه واستُشكل عندهم هذه القضية هو الإمام ابن الصلاح، ابن الصلاح الحديث المحدث المشهور، وهو فقيه شافعي وأشعري أيضًا، ليس لا يخالف الغزالي اعتقاديًّا على الأقل، وإن كان أشعريًّا حديثيًّا يعني أقرب، رد عليه والإمام الذهبي نقل هذا الرد، ويوجد ردود كثيرة طبعًا، ابن تيمية رده شديد عليه في هذه القضية. يعني مثلاً ابن تيمية في... هو إيش قال الغزالي؟ والإشكالية ليست أنه الغزالي فقط نقل ذكر مقدمة منطقية، وإنما ذكر التالي: يقول الإمام الغزالي: وليست هذه المقدمة من جملة علم الأصول ولا من مقدماته الخاصة به، بل هي مقدمة العلوم كلها، الغزالي في المستصفى! بل هي مقدمة العلوم كلها، ومن لا يحيط بها فلا ثقة له بعلومه أصلاً أو فلا ثقة بعلومه.
هنا المشكلة، الإشكالية ليست في فقط أنه المنطق دُمج مع أصول الفقه، وإنما من لا يضبط المنطق فهذا لا يُوثق بعلومه أصلاً! ولذلك هذا الكتاب اللي هو نقض المنطق لابن تيمية، ذكر في مقدمته في أول أول الجزء المتعلق بالمنطق -طبعًا هذا الكتاب الثلث في موضوع والثلث الأخير فقط في الرد على المنطق-: وأما علم المنطق فمن قال إنه فرض كفاية وأن من ليس له به خبرة فليس له ثقة بشيء من علومه -اللي هو كلام الغزالي- فهذا القول في غاية الفساد من وجوه كثيرة التعداد، مشتمل على أمور أو مشتمل على أمور فاسدة ودعاوى باطلة كثيرة لا يتسع هذا الموضع لاستقصائها، بل الواقع قديمًا وحديثًا أنك لا تجد من يلزم نفسه أن ينظر في علومه به ويناظر به إلا وهو فاسد النظر والمناظرة، كثير العجز عن تحقيق علم وبيانه. فأحسن ما يُحمل عليه كلام المتكلم في هذا -اللي هو الغزالي رحمه الله- أن يكون قد كان هو وأمثاله في غاية الجهالة والضلالة، وقد فقدوا أسباب الهدى كلها، فلم يجدوا ما يردهم عن تلك الجهالات إلا بعض ما في المنطق من الأمور التي هي صحيحة، فإنه بسبب بعض ذلك رجع كثير من هؤلاء عن بعض باطلهم، وإن لم يحصل لهم حق ينفعهم وإن وقعوا في باطل آخر. ومع هذا فلا يصح نسبة وجوبه إلى شريعة الإسلام بوجه من الوجوه، إذ من هذه حاله أُتي من نفسه بترك ما أمر الله به من الحق حتى احتاج إلى الباطل، ومن المعلوم... إلى آخره.
ولهذا ما زال علماء المسلمين وأئمة الدين يذمونه ويذمون أهله وينهون عنه وعن أهله، حتى رأيت المتأخرين إلى آخره، ثم قال: حتى إن من الحكايات المشهورة التي بلغتنا أن الشيخ أبا عمرو ابن الصلاح أمر بانتزاع مدرسة معروفة من أبي الحسن الآمدي إلى آخر الكلام. عمومًا الإمام الغزالي رحمه الله تعالى لا شك أنه عظم المنطق تعظيمًا كبيرًا، والمنطق هنا -سؤال: هل المنطق هو علم آلي مجرد، أو هو علم متفرع عن الفلسفة؟ المشهور هو أنه علم آلي مجرد، هذا المشهور، ولذلك يُعرَّف المنطق بأنه آلة تعصم الذهن من الخطأ، وبالتالي شيء مجرد، آلة.
بينما عند التحقيق المنطق هو فرع عن الفلسفة اليونانية، فرع عن فلسفة أرسطو، ولا يمكن أن يُفك المنطق عن أرسطو. طيب لما نقف عند عبارة أبي بكر ابن العربي الإمام -وأفكر أن نجعل له واحدة من المحاضرات القادمة، شخصية مركزية جدًّا، اللي هو أبو بكر ابن العربي الإمام المالكي الأندلسي، سيرة ثرية جدًّا وهو شخصية، وأنا ودي نأخذ شيء عن المغرب، صحيح أنه تم أخذ محاضرة ابن حزم ولكن كانت مرتبطة بابن حزم، لكن ابن العربي بودي أن يكون بوابة شيء من التاريخ الشرعي أو التراثي المغربي، مهمة جدًّا فأفكر أنه يكون في محاضرة عن ابن العربي إن شاء الله- ابن العربي معظم لمين؟ للغزالي، ومع ذلك قال كلمته الخالدة المشهورة التي وصف فيها الإمام الغزالي، قال الإمام أبو حامد -شيخنا أبو حامد-: شيخنا أبو حامد ابتلع الفلاسفة ثم أراد أن يتقيأهم فما استطاع، ابتلع الفلاسفة ثم أراد أن يتقيأهم فما استطاع!
ولذلك فعلاً يعني من يصف الإمام الغزالي من ناحية من الذي يُنتقد عليه، مما يُنتقد هو أنه بقيت فيه آثار فلسفية من خلال... هو ليس فقط تعلم الفلسفة، هو صنف كتابًا أحسن مما كتبه الفلاسفة في الفلسفة نفسها وهو مقاصد الفلاسفة. إذا قلنا إن المنطق هو فرع عن الفلسفة، وقلنا إن الغزالي متأثر بلا شك بابن سينا -ابن سينا كأكبر فيلسوف مر على تاريخ تاريخ التراث الإسلامي- فإن ابن سينا من أعظم المعظمين للمنطق، من أعظم المعظمين للمنطق، بل وله كلام في جعل المنطق هو المعيار للعلوم، ما يشبه كلام الغزالي الذي جعل المنطق معيارًا للعلوم؛ لأنه هو عنده كتاب اسمه معيار العلم، ما هو معيار العلم؟ هذا الكتاب منطق منطق منطق، علم منطق محض، منطق أرسطي.
بل نقلت أو وقفت على عبارة لابن سينا لاحظ التشابه بينها وبين قضية معيارية العلم، ابن سينا يقول بالنص: علم المنطق هو علم الميزان، وكل علم ما وُزن بالميزان لا يكون يقينيًّا وفي الحقيقة لا يكون علمًا، فلا مفر إذًا من تعلم المنطق، هذا كلام ابن سينا. فلأجل ذلك كتب... يعني الإمام الغزالي نستطيع أن نقول إنه وإن أصلح وأجاد التأليف في المنطق -وبالمناسبة كتبه التي ألفها في المنطق أول شيء من ناحية المستصفى مثلاً المقدمة المنطقية بديعة الترتيب، يعني اللي يبغى يقرأ المنطق ويبغى يأخذ مرتب كذا ومسهل ولطيف فيقرأ المقدمة المنطقية اللي هي مقدمة المستصفى، لكن في بعض كتبه الأخرى هو ابتكر ترتيبًا آخر حتى غير اللي في المقدمة، نسيت في معيار العلم أو في محك النظر ابتكر ترتيبًا جديدًا أصلاً للمنطق غير التأليف المعروف- فهذي محطة من محطات كتب الإمام الغزالي رحمه الله تعالى.
أظن نحتاج أن إحنا ننتقل إلى عنصر آخر لأنه أطلنا كثيرًا الكلام على كتب الغزالي. ابن رشد؟ ابن رشد... طيب، الإمام الغزالي، الحديث، الغزالي والحديث. إيه بس هذا مين؟ الغزالي. ولم نجد في عمرنا طولاً... ليست الغزالي، ولكن فعلاً الغزالي في أواخر عمره على الإطلاق اتجه إلى العناية بالحديث والسنة، ويعني كانت ليست لِعلم الحديث وإنما كانت علامة عنده على الرجوع إلى الآثار النبوية؛ لأنه آخر ما فعله في أواخر عمره أنه عكف على قراءة الصحيحين البخاري ومسلم.
ولذلك الحافظ عبد الغافر -الحافظ عبد الغافر هذا هو أول من ترجم للغزالي بعد الغزالي نفسه الذي ترجم لنفسه، فالمنقذ من الضلال وغيره، لكن الحافظ عبد الغافر الذي نقل عنه السبكي ونقل عنه كل من يترجم للغزالي ينقل كلام الحافظ عبد الغافر لأنه كان معاصرًا للغزالي والتقى بالغزالي- قال عن الغزالي إنه لو استمر في طلبه للحديث وعنايته بالحديث لَفَاق أهله، يعني لأجل ذكائه وترتيبه وما إلى ذلك، ولكنه لم يهتم بهذا العلم. ولذلك عدم اهتمام الإمام الغزالي رحمه الله بعلوم الحديث والآثار أثَّر فيه كثيرًا حتى على تصوراته العقدية.
لأنه الآن لما يجي الغزالي هنا رحمه الله يقول... في المنقذ من الضلال لاحظوا مقدار يعني -طبعًا أنا سأتحدث عن قضية مرحلة الشك التي مر بها- بعد أن انتهى من مرحلة الشك بدأ يبحث عن الصواب بين الطوائف الإسلامية، من الطوائف المنتسبة للإسلام وإن كانت وإن كانت هو كَفَّرها بعد ذلك. فلاحظوا إيش الطوائف اللي كانت موجودة، يقول: ولما كفاني الله تعالى مؤونة هذا المرض بفضله وسعة جوده، انحصرت أصناف الطالبين عندي في أربع فرق -انحصرت أصناف الطالبين عندي، الطالبين اللي هم السالكين اللي هم الإسلاميين بشكل عام، في أربع فرق، الحق في هذه الأرض واحد من هذه الأربع فرق، هذي مشكلة القسمة غير الحاصرة!- يقول: المتكلمون وهم يدعون أنهم أهل الرأي والنظر، والباطنية وهم يزعمون أنهم أصحاب التعليم والمخصوصون بالإقتباس من الإمام المعصوم، والفلاسفة وهم يزعمون أنهم أهل المنطق والبرهان، والصوفية وهم يدعون أنهم خواص وحضرة الربوبية وأهل المشاهدة والمكاشفة.
طيب أين أهل الحديث والسنة والاتباع؟ أين هم؟ غير موجودين! وهذي مشكلة. لذلك هو الحق الذي وصل إليه هو لا شك أنه لما تنظر في هذه الطوائف وخاصة مع ما لديه هو من مزيد عناية خاصة، وهو الذي رآه من الخير في التصوف والعبادة وكلام الأوائل الأولين، هو الأقرب إلى هذه الحالة، لكنه لم يصل إلى وجود آخرين. يعني بينما إذا كان ذكر الباطنية والفلاسفة الذين وصفهم بعد ذلك بالكفر، وصف الباطنية بالكفر لأن الغزالي هو الذي صك العبارة المشهورة عن الباطنية، لديه إيش؟ أشهر عبارة عن الباطنية صكها الغزالي: ظاهرهم الرفض وباطنهم الكفر المحض، جيد؟ فإذا كان يعتبر من الطوائف الأربعة من كفرهم هو، فأين أهل الحديث والسنة والاتباع ما لم يذكروا في هذه الطوائف؟
هو بلا شك كان فيه انخماد، لكن الخطيب البغدادي توه كان موجودًا مثلاً، البغدادي توفي أربعمائة وثلاثة وستين، يعني بعد ولادة الغزالي بثلاث عشرة سنة، والخطيب البغدادي لحاله مدرسة، وفي بغداد الحنابلة نعم ولكن في غيرهم أيضًا. هو طبعًا بلا شك أنها كانت مرحلة انحدار لأهل الحديث، في مرحلة ضعف، وأنه لأجل الأسباب السياسية وغير السياسية كانت القوة الظاهرة والضاربة هي اللي عبر عنهم بالمتكلمين اللي هم الأشاعرة كانوا في تلك المرحلة، والصوفية، هذي هي اللي كانت القوة الضاربة في مستويات التيارات الإسلامية في تلك المرحلة.
لكن مع ذلك يوجدون، كانوا موجودين، ولعل هذا فرع أصلاً من اهتمامات الغزالي نفسه، لأنه الغزالي نفسه رحمه الله لم يكن له ارتباط حقيقي أو ارتباط وثيق أو معرفة حقيقية بما ينتسب إلى هذا الفضاء أصلاً، اللي هو فضاء السنة وعلم السلف والمتقدمين وما إلى ذلك، ما كان الغزالي له ارتباط وثيق. ولذلك هو نفسه في كتاب قانون التأويل يقول بالنص: وبضاعتي في علم الحديث مزجاة، وبضاعتي في علم الحديث مزجاة. مثلاً الإمام ابن تيمية يقول: لم يكن له من المعرفة بالحديث ما يُعد به من عوام أهل الصنعة فضلاً عن خواصه، ولم يكن الواحد من هؤلاء -هو ذكره وذكر مجموعة معه- يعرف البخاري ومسلمًا وأحاديثهما إلا بالسماع كما يذكر ذلك العامة، ولا يميزون بين الحديث الصحيح المتواتر بين أهل العلم بالحديث والحديث المفترى المكذوب، وكتبهم أصدق شاهد على ذلك. ابن حجر نفسه وهو فقيه شافعي أشعري يقول: وهذا دليل على عدم اعتنائهما معًا بالحديث، اعتنائهما اللي هم الغزالي وشيخه الجويني، جيد؟ ابن تيمية له تعليق على قضية الفرق هذي، أنه أنت فين ما لاحظت يعني؟ ما لاحظت الفرقة الأخرى؟ كتاب المنقذ من الضلال ينقل، المنقذ من الضلال يمكن كاملاً إلا شوية نقله ابن تيمية هنا في الشرح الأصبهاني.
نطلب النص، يعني عارف تعرف الفكرة اللي أخذناها في الدرس الماضي، الاستطرادات، أنه قال وقال الغزالي، وذاك ملخص قصته هذي الكاملة، والفرق والطوائف اللي ذكرها، نص نص طويل. بعدين بعد ما ذكر، إحنا وقلنا الطوائف الأربعة، عيدوا لنا إياها: باطنية، فلاسفة، متكلمون، صوفية.
قال الإمام ابن تيمية: أول شيء قال عن الأربعة، قالوا: معلوم أن هذي الفرق كلها حادثة بعد عصر الصحابة، بل وبعد عصر التابعين، بل إنما ظهرت وانتشرت بعد القرون الثلاثة. ثم الفلاسفة والباطنية هم كفار، كفرهم ظاهر عند المسلمين، كما ذكر هو وغيره الغزالي نفسه، كما ذكر هو وغيره، وكفرهم ظاهر عند أقل من له علم وإيمان من المسلمين إذا عرفوا حقيقة قولهم، لكن لا يعرف كفرهم من لم يعرف حقيقة قولهم، وقد يكون تشبث ببعض أقوالهم من لم يعلم أنه كفر، فيكون معذورًا لجهله. لكن المتكلمة والصوفية فيهم ممن له علم وإيمان طوائف كثيرون، بل فيمن يعد من الصوفية مثل الفضيل بن عياض، وأبي سليمان الداراني، وإبراهيم بن أدهم، ومعروف الكرخي وأمثالهم، من هو من خيار المسلمين وسادتهم عند المسلمين. وفي عصرهم حدث اسم الصوفية وظهر الكلام أيضًا، وكلام السلف والأئمة في ذم البدع الكلامية في العلم والبدع المحدثة في طريقة الزهد والعبادة مشهور كثير مستفيض. ثم يقول: والذين اتبعوهم من أهل الآثار النبوية، وهم أهل الحديث والسنة العالمون بطريقهم المتبعون لها، لم يذكرهم أبو حامد.
هنا الشاهد: لم يذكرهم أبو حامد، وذلك لأن هؤلاء لا يعرف طريقهم إلا من كان خبيرًا بمعاني القرآن، خبيرًا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، خبيرًا بآثار الصحابة، فقيهًا في ذلك، عاملًا بذلك، وهؤلاء هم أفضل الخلق من المنتسبين للعلم والعبادة. وأبو حامد لم ينشأ بين من كان يعرف طريقة هؤلاء، ولا تلقى عن هذه الطبقة، ولا كان خبيرًا بطبقة الصحابة والتابعين، بل كان يقول عن نفسه: أنا مزجى البضاعة في الحديث. ولهذا يوجد في كتبه من الأحاديث الموضوعة والحكايات الموضوعة ما لا يعتمد عليه من له علم بالآثار. ولكن نفعه الله بما وجده في كتب الصوفية والفقهاء من ذلك، مما وجده في كتب أبي طالب ورسالة القشيري وغير ذلك، ومما في كتب أصحاب الشافعي ونحو ذلك، فخيار ما يأتي به ما يأخذه من هؤلاء وهؤلاء، اللي هم الصوفية المتقدمين والشافعية. ومعلوم أن طريقة أئمة الصوفية وأئمة الفقهاء أكمل من طريقة أبي القاسم القشيري ومن طريقة أبي طالب والحارث.
إيش يقصد بأئمة الصوفية أن أكمل من طريقة أبي القاسم القشيري ومن طريقة أبي طالب والحارث؟ اللي هم مين؟ اللي ذكرهم قبل شوية، اللي هو الفضيل بن عياض، ومعروف الكرخي، وإبراهيم بن أدهم. يقول: ومن طريقة أبي المعالي وأمثاله، وأولئك الأئمة كانوا أعلم بطريقة الصحابة وأتبع لها من أتباعهم، فالقاضي أبو بكر الباقلاني وأمثاله أعلم بالأصول والسنة وأتبع لها من أبي المعالي وأمثاله، والأشعري والقلانسي أعلى طبقة من القاضي أبي بكر إلى آخره.
ثم تعرض لقضية الشك التي تعرض لها الغزالي، يقول: ومن سلك الطريق الشرعية النبوية الإلهية لم يحتج في إثباتها إلى أن يشك في إيمانه الذي كان عليه قبل البلوغ، ثم يحدث نظرًا يعلم به وجود الصانع، ولم يحتج إلى أن يبقى شاكًا مرتابًا في كل شيء، وإنما كان مثل هذا يعرض لمثل الجهم بن صفوان وأمثاله، فإنهم ذكروا أنه بقي أربعين يومًا لا يصلي حتى يثبت أن له ربًا يعبده، وهذه الحال كثيرًا ما تعرض للجهمية وأهل الكلام الذين ذمهم السلف والأئمة. وأما المؤمن المحض فإنه يعرض له من الوساوس فتعرض له الشكوك والشبهات وهو يدفعها عن قلبه، فإن هذا لا بد منه، كما ثبت في الصحيح أن الصحابة... وذكر قصة الصحابة في ذاك صريح الإيمان.
طيب، ثم أخذ يناقش الإمام الغزالي في قضية إثبات النبوة التي ذكرها هنا في المنقذ من الضلال، هو ذكر طريقة معينة، يعني أظن أنه ما في أحد ذكرها قبل الغزالي، طريقة مبتكرة في إثبات النبوة، أنه يعني لا بد الإنسان يعيش شيء معين مما له ارتباط بالنبوة، هذا الشيء فيه جنس من جنس النبوة، إذا انفتح له فإنه يستطيع أن يدرك ما هو أوسع منه الذي كان عند النبوة. يعني يقول مثلًا: من انفتح له باب الرؤى والمنامات يستطيع أن يدرك قضية متعلقة بالأخبار الغيبية، واضح؟ أنه من عايش شيء من الأخبار الغيبية الموجودة في المنامات والرؤى يستطيع أن يفهم فكرة أو قضية الأخبار الغيبية الموجودة في النبوة، هل هي الوحي وما الوحي. وهو يتكلم عن معايشة شيء وتذوقه، ويكون له ارتباط بالنبوة إذا تذوقته تستطيع أن تعيش، من ذلك أخذ يناقش ابن تيمية في هذه الفكرة. يعني عمومًا شرح الصفدية يمكن مئة صفحة بس عن الغزالي، مهمة لمن أراد أن يتوسع في الموضوع.
طيب، خلاص إحنا نبغى نختم. طبعا الغَزالي ولا الغُزّالي؟ ليش تقولوا غُزّالي وأنا جالس أقول غَزالي من أول؟ يعني بس احترام شوية! الغَزالي ولا الغُزّالي؟ لا، هو الاختلاف ليس في اسم البلدة. أيوة، هل هو لِغَزْلِ الصوف وبالتالي يكون الغَزّالي، أو هو لبلدة غَزالة التابعة لطوس فيكون الغَزالي؟ آه، الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء في المجلد التاسع عشر، المجلد التاسع عشر ترجم للغزالي ترجمة طويلة يعني. بالمناسبة ممتاز، الترجمة لمن أراد أن يقرأ سيرة مختصرة للغزالي يقرأ من سير أعلام النبلاء جميلة جدا.
ذكر الذهبي نقل الشيخ تقي الدين بن الصلاح بسنده عن الغزالي أنه قال: الناس يقولون الغَزالي، وإنما أنا الغَزالي منسوب إلى قرية غَزالة. وإن كان السند فيه شخص مجهول يعني يمشي الحال، ها؟ أيوه، يقولون الغَزالي وإنما أنا الغَزالي. واضح أنه نسبة إلى الأولى، نسبة إلى المهنة، لأن هو أصلا الذهبي نفسه ذكر قبلها، قال: الغَزّالي والغَزالي، مثل كذا، وذكر مجموعة من الصنائع ينسب إليها، ثم نقل هذا النقل وما رجح ولا تكلم. المحققين طبعا محققين مشددين على التشتيت، تقول الغَزالي ما عليك.
آه طيب، من آثار... إحنا ما انتقلنا من عنصر الحديث، من آثار ضعف علمه بالحديث والرواية أنه انطبع هذا على كتبه، وخاصة الإحياء. الإحياء طبعا تعرفوا فيه كم أثر وحديث؟ أثر أو حديث، أربعة آلاف وستمئة، السبكي عدّ منها تسعمئة وأربعين ليس لها أصل، ليس لها... يعني مو ضعيفة، ما لها إسناد، ها؟ من اللي تكون متناقلة بين يعني مهتمين بقضية السلوك والتزكية وما إلى ذلك. فيعني هو الفكرة أنه فعلا عدم المعرفة الكافية بالحديث التي هو نقلها عن نفسه انطبعت على هذه الكتب، ولذلك هذا من المآخذ على كتاب الإحياء.
ابن تيمية له نقد دقيق جدا، فيقول: انظر ترى في كتاب كذا وكذا من إحياء علوم الدين، الأحاديث اللي فيه أجود ما في الكتاب؛ لأنه استفادها من أبي طالب المكي أو من الحارث المحاسبي، واستفاد من مدري مين، نقل... يعني أظن كتاب التوكل وكتاب العلم، كتاب التوكل أظن أخذ من الحارث المحاسبي، العلم نسيت أي كتاب، العلم من ابن عبد البر، الجامع في بيان العلم وفضله، أنه كان المصدر الأساسي للغزالي في هذا الباب من كتاب ابن عبد البر، وكان المصدر الأساسي لكتاب التوكل من الحارث المحاسبي، ولذلك أحاديثهما أجود ما في الكتاب، على أنه فيها بعض الأحاديث.
عمومًا في الإمام العراقي، الحافظ العراقي اللي هو شيخ ابن حجر، هو من الشخصيات العظيمة حقيقة. العراقي له كتاب إيش؟ المغني عن حمل الأسفار في الأسفار. المغني عن حمل الأسفار في الأسفار، مفهوم العنوان حمزة؟ المغني عن حمل الأسفار في الأسفار، لا بالعكس، تروح كذا كمثل الحمار... إيش هي الأسفار؟ تمام، والأسفار الثانية؟ هو ألّف لك كتاب يغنيك عن حمل الأسفار في الأسفار، واضح؟ المغني عن حمل الأسفار في الأسفار. ها؟ فعلا فعلا، لا عاد هم فنانين في العناوين المتقدمين، فنانين في العناوين: المغني عن حمل الأسفار في الأسفار لتخريج ما في إحياء علوم الدين من الأحاديث والآثار. تخرّج فيه أربعة آلاف وستمئة أثر وحديث في كتاب إحياء علوم الدين. طبعا أكيد نقّح يعني، نقّح بس مو معناه أنه ما بقي فيه ولا حديث ضعيف، بس نقّح يعني. إيه، غالبا نعم هذي النسخة تحديدا ما اطلعت عليها، لكن غالبا يكون نعم في تخريج وتحقيق.
طيب، خلاص أبختم بعنصر أخير، قفلت الدفتر شوف ها، وهذا العنصر الأخير. لا لا بس نقرأ الفقرة هذي. إحنا كم عنصر أخذنا إلى الآن؟ السيرة المجملة للغزالي، مؤلفات الغزالي، الغزالي والحديث، بس ثلاث عناصر. طيب، ها؟ هو عموما إحنا ذكرنا، أنا كاتب مثلًا: الغزالي والباطنية، الغزالي والفلاسفة، الغزالي والتصوف، بس كلها تحدثنا عنها في سياق الحديث عن كتبه، فلأجل ذلك ما تطرقت لها بشكل خاص.
العنصر الأخير اللي هي خلنا نقول تجربة الغزالي في قضية الشك، تجربة الغزالي في قضية الشك. طبعا الغزالي المكاشفة التي لديه التي تحدثنا عنها ونقلناها عنه في قضية الصيت والجاه، عمل مكاشفة أخرى أيضًا للتجربة التي مر بها في قضية الشك الذي وصل إليه. وهذه القضية هي قضية راجعة أولًا إلى نوع من الطبيعة الشخصية في الغزالي؛ الغزالي من طبيعته هي قضية الهجوم على الحقائق كلها وعلى القضايا هجومًا تفصيليًا، دون أن يعتبر اعتبارات مسبقة، دون أن ينطلق من أنه فيه صحيح وخطأ، لا، يحاول يهجم على كل القضايا الموجودة أمامه، يدخل إليها دخولًا مجردًا.
فيقول مثلًا: لم أزل في عنفوان شبابي وريعان عمري منذ راهقت البلوغ قبل العشرين إلى الآن، وقد أناف السن على الخمسين، أتقحم لجة هذا البحر العميق، وأخوض غمرته خوض الجسور لا خوض الجبان الحذور، وأتوغل في كل مظلمة، وأتهجم على كل مشكلة، وأقتحم كل ورطة، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة، وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة؛ لأميز بين الحق والباطل، وبين المحق والمبتدع. لا أُغادر باطنيًا إلا وأحب أن أطلع على بطانته، ولا ظاهريًا إلا وأريد أن أعلم حاصل ظهارته، ولا فلسفيًا إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلمًا إلا وأجتهد في الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته، ولا صوفيًا إلا وأحرص على العثور على سر صفوته، ولا متعبدًا إلا وأترصد ما رجع إليه حاصل عبادته، ولا زنديقًا معطلًا إلا وأتجسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته. نعم، وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني من أول أمري وريعان عمري، غريزة وفطرة وضعها الله في جبلتي لا باختياري وحيلتي، حتى انحلت عني رابطة التقليد، وانكسرت علي العقائد الموروثة على قرب عهد بسن الصبا... إلى آخره.
ثم يقول: فظهر لي أن العلم اليقيني هو الذي ينكشف معه المعلوم انكشافًا لا يبقى معه ريب، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم، ولا يتسع القلب لتقرير ذلك. ثم قال: ثم فتشت عن علومي فوجدت نفسي عاطلة عن علم موصوف بهذه الصفة اليقينية التي ذكرتها إلا في الحسيات والضروريات. شو الفرق بين الحسيات والضروريات؟ الحسيات أمور محسوسة مشاهدة والسمع والبصر، الضروريات المقدمات العقلية الأساسية المودعة في الإنسان اللي هي الجزء أصغر من الكل والسبب والحدث لا بد له والحادث لا بد له من محدث إلى آخره.
فقلت: الآن بعد حصول اليأس لا مطمع في الاقتباس للمشكلات إلا من الجليات، وهي الحسيات والضروريات، فلا بد من إحكامها أولًا لأتبين أن ثقتي بالمحسوسات وأماني من الغلط في الضروريات أهو من جنس أماني الذي كان قبله في التقليديات، أم هو أمان محقق لا غور فيه؟ فهمتوا الفكرة؟ يقول: أنا كنت واثقًا في العلوم التي أنا نشأت عليها، بعدين بدأت أراجع وفقدت الثقة في بعضها، أنا الآن الشيء الواثق منه تمامًا هي الأمور المحسوسة والأمور العقلية الضرورية، فهذه اللي أنا واثق فيها فلا بد أن أرجع إليها، ثم بعدين طرأ له خاطر جديد أنه ليش هو واثق فيها؟ ليش ما تكون هي أصلا تحتاج إلى مراجعة؟
يقول: فأقبلت بجد بليغ أتأمل في المحسوسات والضروريات، وأنظر هل يمكنني أن أشكك نفسي فيها؟ فانتهى بي طول التشكيك إلى أن لم تسمح نفسي لي بتسليم الأمان في المحسوسات أيضًا. يعني ما عدت آمن حتى من المحسوسات، وأخذ يتسع الشك فيها، وتقول نفسي: من أين الثقة بالمحسوسات؟ وأقواها حاسة البصر. وصار يجيب أمثلة على الخطأ الذي يقع في الحواس. وصف ابن تيمية بعد ما نقل هذا النقل، وصف هذا قال: وأتى بمجموعة من شبه السفسطائية في التشكيك في المحسوسات، هي نفسها الموجودة سابقًا: وتنظر إلى الكوكب فتراه صغيرًا في مقدار دينار، ثم الأدلة الهندسية تدل على أنه أكبر من الأرض. هذا يعني قضية الخطأ في المحسوسات.
فقلت: قد بطلت الثقة بالمحسوسات، فلعله لا ثقة أيضا بالعقليات التي هي الأوليات، كقولنا: العشرة أكثر من الثلاثة، والنفي والإثبات لا يجتمعان، والشيء الواحد لا يكون حادثًا قديمًا موجودًا معدومًا. فقالت المحسوسات: بم تأمن أن تكون ثقتك بالعقليات كثقتك بالمحسوسات وقد كنت واثقًا بي؟ فجاء حاكم العقل فكذبني، ولولا حاكم... إلى آخره. فتوقفت النفس في جواب ذلك، وأيدت إشكالها بالمنام، وقالت إلى آخره.
آه ثم، فلما خطرت لي هذه الخواطر، وانقدحت لي في النفس -اللي هي الشك حتى في العقليات الأولى- حاولت لذلك علاجًا فلم يتيسر؛ إذ لم يمكن دفعه إلا بدليل، ولم يمكن نصب دليل إلا من تركيب العلوم الأولية. هذي اللي دائمًا نقولها، ابن حزم وابن تيمية وغيرهما، أنه أنت عندك حد معين يجب أن تنتهي إليه، هل هي العلوم الأولية؟ العلوم الأولية يستدل بها ولا يستدل عليها. وهو نفس الكلام الآن يقوله، يقول: صار عشان أدفع الشك اللي حدث عندي في العقليات الأولية أني لازم أجيب دليل يدفع عني هذا الإشكال، والدليل هذا من طبيعته أصلا أنه لا بد يكون مستندًا إلى إيش؟ إلى مقدمات عقلية ضرورية، وأنا جالس أطلب دليل يستند إلى مقدماته العقلية الضرورية لأثبت صحة المقدمات العقلية الضرورية الأولية، فكيف أجيب دليل من جنس ما أريد الإثبات عليه؟ واضح؟ فأت بدوام فعلا.
فاعضل هذا الداء، ودام قريبًا من شهرين، أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال لا بحكم النطق والمقال، حتى شفى الله تعالى من ذلك المرض والاعتلال، وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال، ورجعت الضرورات العقلية مقبولة موثوقًا بها على أمن ويقين، ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله في الصدر، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف. اللي هو إيش؟ يسمى... لا، الكشف، الكشف. بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف.
وهنا النقطة، هل هي محل نقاش كبير في قضية التصوف أنه هل الكشف فعلا مفتاح للمعارف؟ هو يتكلم عن المعارف الآن، لا يتكلم عن هذي النقطة الحالية فقط، أنه من أين تستقى المعارف أو مصادر المعرفة؟ جيد، واحد منها الكشف هنا، وهو ينص على ذلك، قال: وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف، فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المحررة فقد ضيق رحمة الله تعالى الواسعة، إلى آخر الكلام الذي ذكره في قضية الشك.
طبعًا المستفاد من هذي القضية، برأيي أن المستفاد من هذه القضية هو ضرورة إحكام طالب العلم الأصول والقواعد المعرفية الكبرى في بداية الطلب؛ لأن إحكام الأصول والقواعد الكبرى في بداية الطلب يختصر عليك المسافات، ويجعل العلوم التي تتلقاها هي علوم تراكمية، تأخذ المعلومة وتضعها على القاعدة التي أصلا هي مؤسسة لديك، وتختصر العمر لا يضيع عمرك هباء. يعني الآن هذه القصة فيها شيء لطيف من الناحية المعنوية الشعورية صح؟ أن هو يعني مر، بحث عن، ومر، وبعدين وصل. طيب هذا من ناحية شخصية، بس من ناحية العلوم والمعارف هو خسر كثيرًا، خسر كثيرًا، خسر زمنًا كثيرًا، خسر اضطرابًا وتقلبًا، وهذا ظاهر في الآثار التي تركها. بينما لو كانت هذه العلوم منتهية لديه من البداية، وصارت علومه علومًا بنائية يبني على ما تم تأسيسه من القواعد المبكرة، لتجاوز كثيرًا من المشتتات والمشغلات في وقته التي ألهته، أو خلنا نقول أشغلته كثيرًا في سياق تكوينه المعرفي.
لو قارنت بين الغزالي وابن تيمية في هذه النقطة، بالمناسبة في كتاب اسمه بين الغزالي وابن تيمية، محمد رشاد سالم، جيد، اللي ينزله يطلع عليه جيد. بين الغزالي وابن تيمية، لو قارنت بين الرجلين في هذه النقطة تحديدا ستجد الفارق الكبير، الفارق الكبير بين شخص اللي هو الغزالي بعد أن قطع مشوارًا علميًا أخذ يراجع علومه كلها من البداية، ويبحث عن الحقيقة بين الطوائف حتى أدخل الباطنية والفلاسفة في إطار البحث. ماشي، معنويًا شعوريًا: يا سلام! شيء جميل، شوفوا ما شاء الله التجرد والبحث، وهذي خاصة مع الذوق العصري الجديد، هذا ممتاز جدا ورائع، ماشي! بس أيهما أكمل؟ أن تكون هذه القضية تأتيك بعد مسيرة عشر سنوات أو خمس عشرة سنة في طلب العلم فتعيد تأسيس علومك، وتدخل في حيرة واضطراب في أساس البناء، أو بين أن تكون هذه القضايا واضحة لديك من البداية بالبرهان والدليل، وبالتالي مسيرتك كلها تكون مسيرة تراكمية بنائية؟ فرق واضح بين الرجلين في هذه الناحية.
ولذلك تجد أن مثلًا ابن تيمية ما قرره وهو في العشرينات يتفق مع الأصول التي قررها وهو في الستينات، خمسة وستين، نفس الأصول بالضبط، اللي زاد هو سعة المعلومات، سعة المعلومات، سعة المعلومات، بس الأصول نفسها. بينما تجد أن الإمام الغزالي رحمه الله لا، الأصول التي قررها هنا ليست هي الأصول التي قررها هناك، الأصول التي قررها هناك تختلف عن الأصول التي قررها هنا، وتارة يقرر الشيء هنا وبعد مدة يقرر نقيضه تمامًا. وهذي نتيجة طبيعية لعدم إحكام الأصول، وخاصة الأصول المرتبطة بقضية الوحي من مرحلة مبكرة. هذي من الفروقات بين التأسيس المحكم في البداية، وبين التأسيس الذي لم يكن محكمًا في البداية، وبالتالي يمر الإنسان في مراحل أقل ما يمكن أن نقول فيها إنها تعيقه وتؤخره عن البناء، إن لم -كما وصف ابن العربي رحمه الله- إن لم تبقِ آثارًا في النفس: بلعهم فأراد أن يتقيأهم وما استطاع.
في الختام، إذا أردنا أن نرجع أو ننتزع من التفاصيل وننظر في صورة أخيره، نقول: هذا هو الإمام الغزالي رحمه الله، الذي هو من أهم الشخصيات في تاريخ المسلمين تأثيرًا ومكانة ومنزلة عند أئمة المسلمين بمختلف مذاهبهم. تكلمنا عن محطاته ومسيرته، صدقه مع نفسه، صدقه في المكاشفة، سعيه الجاد لتحرير نفسه من التعلقات الدنيوية، تزكية نفسه، حرصه على أعمال القلوب، حرصه على النجاة في الآخرة، قدرته وجرأته على أن يقطع الرسوم والأشياء التي كانت محيطة به من الجاه والصيت، وخروجه من ذلك إلى التصفية والخلوة وما إلى ذلك، التي أسهمت في تزكيته. ولذلك حتى وصفه عبد الغافر نفسه الذي قلت لكم هو أول من ترجم له، من أهم من ترجم له، يقول أنه التقيت به بعد الخلوة، وقد كنت أرى فيه -نسيت عبر بلفظ نسيت إيش هو، يعني شيء من زعر أو ما أدري إيش شيء كذا من الصفات اللي كانت فيه قبل ذلك- قال: أتيت بعد هذه الرحلة التزكوية لأرى فيه... هو يبغى يشوف، وفعلا يقول: لاحظت الرجل يعني لم يكن هو نفس الذي أعرف من هذه الناحية.
آه، هذا من ناحية التصفية والتزكية والتربية، وهو الغزالي الذي رد على الباطنية وجاهدهم، وهو الغزالي الذي رد على الفلاسفة، وكان من أهم المسلمين أو العلماء المسلمين الذين ردوا على الفلاسفة، وهو الغزالي الذي يعني لم تكن لديه المعرفة الكافية بأهل الحديث وبالحديث نفسه، وبالتالي أدى هذا إلى عدم جرده الواقع بشكل جيد، ومن ثم انعكس هذا على كتبه في كثير من الأشياء. وهو الغزالي الصوفي، الذي هو في العمل والسلوك والتزكية سلك طريقًا معينًا، وفي الأمور العقدية خلنا نقول أو الأمور المعرفية كان يتبنى طريق الكشف مفتاحًا للمعارف، وهذا فيه ما فيه من النقاش العقدي. وهو الغزالي المنطقي، الذي كتب معيار العلم ومحك النظر، وعظّم المنطق تعظيمًا كبيرًا، وقد يكون هذا من آثار أصلا معالجته للفلسفة وابن سينا بشكل خاص. وهو الغزالي الذي توفي وقد توجه إلى السنة وقراءتها، واعتنى عناية خاصة بصحيحيه البخاري ومسلم في أواخر حياته، ثم توفي رحمه الله. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتغمده برحمته، وأن ينفعنا بعلومه، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد