تسجيل الدخول

إلى طلاب الحديث : هذه هي الغايات

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فمن أهم القضايا التي ينبغي أن يفكر فيها طلاب الحديث في هذا الزمن في هذه المرحلة، هو السؤال التالي:

ما أنواع النيات التي يمكن أن يستصحبها طالب الحديث، حتى يسير في طلب هذا العلم الشريف بدرجة عالية من المقاصد الشريفة؟

لانه كما تعلمون يمكن للإنسان في العمل الواحد أن ينوي عدة نيات، أو لنقل إنه في العمل الواحد يمكن أن تتفاوت النيات الصالحة التي يمكن أن يعمل أو أن يدخل بها العاملون. يعني أنا ما أتكلم الآن أن هناك من ينوي نية صالحة وأن هناك من ينوي نية فاسدة، هذا معروف في كل عمل من الأعمال، الصلاة، العبادات، إلى آخره، طلب العلم؛ هناك من ينوي نية صالحة وهناك من ينوي نية فاسدة. أنا أتحدث هنا ليس عن هذا الأمر، وإنما عن أن النية الصالحة في ذاتها تتفاوت إلى درجات.

فعلى سبيل المثال، هناك من يطلب العلم وهو ينوي به رفع الجهل عن نفسه، ينوي به رفع الجهل عن نفسه، وهذا يعني بلا شك من النيات الصالحة. وهناك من يطلب العلم وهو ينوي أن يرفع الجهل عن غيره، يعني عن نفسه ثم عن غيره ممن حوله، من أهله، من أصدقائه، من الحلقة، المعهد الذي هو فيه، فهذه نية صالحة وهي أعلى من السابقة. وهناك من ينوي أن يطلب العلم ثم تصعد رتب النيات حتى يصل الإنسان إلى أشرف النيات في طلب العلم، وهي أن يكون هذا العلم سببا في إحياء الدين والإسلام وأن يكون له الصلاح أو العزة في هذه الحياة وفي هذه الأرض، فهذه درجات في النيات في العلم بشكل عام.

أنا أتحدث الآن عن علم الحديث بشكل خاص: ما هي النيات الشريفة العالية التي يمكن أن يستصحبها الإنسان اليوم في طلبه للعلم؟ وسامزج في الجواب عن هذا السؤال قضية الثمرات. يعني ما الثمرات التي ينبغي أن توضع العين عليها بالنسبة لطالب الحديث؟ ما الذي يريد أن يحققه؟ ما الذي يريد أن يصل إليه؟ هل يمكن أن يستصحب مجموعة من الثمرات التي ينوي أن يحققها بدراسته لهذا العلم؟

هذا سؤال شريف أيها الكرام، وينبغي ألا نستهين فيه وألا نعتبره من نافلة القول ولا من المكملات، وإنما ليكن هذا من الأساسات؛ لأنني إذا حددت المقصد الذي اريد أن أحققه من هذا العلم فهذا سيعين على عدة أمور: أولا، على الصبر على التحصيل. لماذا؟ لأني مستحضر دائما أني اريد تحقيق تلك الغايات الشريفة، فالصبر يأتي من أن يتلمح الإنسان الأفق، وكما قال بعض العلماء: من لمح فجر الأجر هان عليه ظلام التكليف.

فالانسان حين ينظر دائما إلى الأفق ويرى أنه سيحقق كذا ويريد أن يسعى إلى كذا ويكون ما يسعى إليه شريفا، فهذا يعينه على الصبر على تحقيق ما هو فيه من العلم. هذا واحد.

اثنين، من ثمرات أو مما ينتج من حسن استصحاب النيات -أنا لم أبدأ الآن بما هي الثمرات، لا، بما هي النيات فقط، ما الذي ينتج عن إذا استصحبنا مثل هذا الأمر؟- الذي ينتج رقم اثنين هو التحسين والتجويد، وأن يسعى الإنسان أن يحقق أفضل النتائج أو أفضل ما يمكن تحقيقه في فهم هذا العلم وفي استخلاص ثمراته أو لبه أو جوهره؛ لأن الذي يطلب العلم وهو يريد أن يحصل شهادة مثلا ترى سيذاكر ما يعينه على أن يحصل هذه الشهادة، لكن الذي يطلب علم الحديث وهو يتغير أو يريد أن يصل إلى غايات شريفة، فهذا القصد سيعينه على أن يجود وهو يطلب، وأن يحقق وهو يطلب؛ لأن عينه على تلك الغايات، وهذا في كل علم، وهنا الحديث عن علم الحديث.

وكذلك مما يعينه أو مما تحققه قضية الاستصحاب أو هذا الاستصحاب يمكن أن يحقق قضية ليس فقط التجويد والتحقيق، وإنما يمكن أن يحقق قضية التنزيل على الواقع واستثمار هذا العلم في معالجة المشكلات أو في وضعه على محل الداء؛ فالذي يطلب العلم ولديه نظرة واسعة ولديه أفق بعيد يريد الوصول إليه فيدرك أبعاد العلم ثم يقارنه بالواقع وكيف يمكن الاستفادة من هذا العلم في الواقع، فهو أثناء الطلب سيلتقط من هذا العلم ما يمكن أن يكون معالجا لمشكلة، والدخول إلى قراءة الكتب وإلى العلم، بل حتى الدخول إلى كتاب الله سبحانه وتعالى والإنسان يستصحب مجموعة من الأسئلة أو الغايات، هذا سيعينه على أن يلتقط من الدرر والفوائد ما لا يلتقطه من لا يستصحب مثل هذه المعاني. فهذه ثلاثة أمور شريفة تنتج عن استصحاب النيات الصالحة والشريفة والأفق الواسع بالنسبة لطلب العلم.

حسنا، بالنسبة لعلم الحديث: ما هي أنواع النيات التي يمكن أن تستصحب أثناء الدراسة؟ أو لنقل: ما هي الغايات التي يمكن أن يحققها طالب العلم أو طالب علم الحديث بشكل خاص من علم الحديث بشكل خاص ومما يتصل به من علوم في السنة النبوية؟ ما هي الغايات التي يمكن تحقق؟

أنا بودي حقيقة أن تعتنوا بهذه الغايات كثيرا، وأن تسجلوها لديكم، وأن تجعلوا قراءتكم للمقررات ولكتب الحديث، سواء هنا في أكاديمية الحديث الإلكترونية أو حتى في قراءتك في علم الحديث ودراستك لعلم الحديث بشكل عام، أتمنى أو أود منك أن تكتب هذه الغايات وتستصحبها أثناء الدراسة وأثناء القراءة، ومن ثم حقق ما يمكن تحقيقه منها؛ أنا لا أزعم أن كل من يطلب الحديث اليوم يمكنه أن يحقق هذه الغايات، فبعضها بعيد المنال، ولكن يمكن أن تحقق بعضها، وإذا فتح الله سبحانه وتعالى ويسر فيمكن أن يحقق الإنسان أيضا شيئا مما هو عال منها.

الأمر الأول مما يمكن أن يحقق من غايات في دراسة هذا العلم الشريف، هو تثبيت حجية السنة وصحة هذا العلم ومكانته، وما يتضمنه ذلك من زيادة الإيمان واليقين من جهة، ومن رد الإشكالات والشبهات من جهة أخرى، وهذا مقصد شريف، بل هو من أخص المقاصد التي بني لأجلها علم الحديث، ولم يبن علم الحديث تحديدا لرد الشبهات الطارئة اليوم، لا، ولكن أقصد أن علم الحديث إنما بني للدفاع عن السنة ولحمايتها من أن يدخل فيها ما ليس منها.

وهذه القضية صورتها اليوم صورة أشد مما بني لأجله علم الحديث؛ يعني إذا كان علماء الحديث قد بنوا هذا العلم خشية منهم أن يزاد في الحديث أو أن يزاد في السنة ما ليس منها، فإن الإشكال اليوم هو أن السنة من أساسها يطعن فيها ويشكك فيها، والعلم كله هذا الذي نتج كاملا يشكك فيه وتسقط مكانته. ولذلك من يطلب العلم وهو يستصحب هذه النية -أنا لا أقصد نية الجدل والمناظرة، لا، وإنما نية أن يكون لدى الإنسان الحجة والبرهان في نشر ما يثبت اليقين بصحة هذا العلم وصحة السنة النبوية وأهميتها ومكانتها وإزالة الإشكالات إن طرأت أو حصلت مقامات تقتضي إزالة الإشكالات- فهذا من أفضل ما يمكن أن يستصحب من غايات هذا العلم.

ومع أن هذا من أشرف ما يمكن أن يستصحب، إلا أنه ومع الأسف حقيقة نجد أن هذه الغاية ربما تكون آخر الغايات اليوم عند كثير ممن يطلب علم الحديث، وهذا له أثر كبير حقيقة في إدراكهم لعلم الحديث وفهمهم له؛ لأن الذي يطلب الحديث اليوم ولا يستصحب هذه النية ثم يخرج من علم الحديث بالمصطلحات: معنى حسن، ومعنى شاذ، ومعنى منكر، وهذا هو حكم المرسل، وحكم كذا، وحكم كذا، هذا القدر من العلم مع أهميته إلا أنه لا يحقق هذه الغاية، هذه الغاية لا تتحقق إلا بجهد كبير جدا، والا بالدخول في حقيقة آليات علم الحديث وطبيعة الفلسفة التوثيقية لهذا العلم، وهذا لا يكون إلا باطلاع واسع، وبحفظ، وبفهم، وبإدراك، وبقراءة معمقة لتصرفات الأئمة الحفاظ المتقدمين، ولطول الممارسة، حتى التدرب على التخريج والمقارنة ومعرفة أحوال الرواة، هذا كله ينتج لدينا -إذا نظر إلى هذا الأمر بوعي- ينتج لدينا قدرا من الثقة العالية بهذا العلم، ومن ثم قدرا من الثقة العالية بهذا الدين؛ لأن هذا العلم هو لتوثيق شيء أساسي في هذا الدين، ألا وهو سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وزيادة العلم به وبصحته هي زيادة للعلم بصحة ما وضع هذا العلم لأجله أساسا، وهو السنة النبوية.

وهذا يشبه بصورة أو بأخرى كلام من تكلم من أهل العلم في قضية أهمية اللغة العربية في فهم إعجاز القرآن، ولذلك الجرجاني له كلام في مقدمة دلائل الإعجاز يقول: فالذي ينهى الناس عن تعلم الشعر والصاد للناس عن تعلم الشعر وديوان العرب وما إلى ذلك، كالصاد لهم عن تعلم كتاب الله. هذه الجملة قد يكون فيها قدر من المبالغة، لكن هو كشف عن وجه هذه الجملة؛ فهو يقول: إن السبب الذي يعلم به إعجاز القرآن لابد أن يكون مرتبطا باللغة العربية، والذي يدرك قيمة القرآن من جهة إعجازه إنما هو العالم بهذه اللغة أو القادر على تذوقها وادراك مراتب تفاوتها.

فاذا نهي الناس عن تعلم هذه اللغة العربية في واحد من ميادينها الأساسية التي هي الشعر وديوان العرب، فهو يقول يكون هذا من الصد عن تعلم العلم الذي به يعلم إعجاز القرآن، والصد عن تعلم سبب العلم بالشيء كالصد عن تعلم العلم بالشيء نفسه. هذا وجهة نظر أو فكرة طرحها الجرجاني رحمه الله في مقدمة دلائل الإعجاز.

أنا أتحدث الآن عن الحديث بصورة أوضح من هذه الفكرة؛ فهذا العلم تعرف به ثقة وصحة ما نقل إلينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالتالي الذي يهون من هذا العلم ومن شأنه، أو الذي لا يعطيه حقه في الفهم والإتقان، يكون قد قصر في شيء متعلق أساس التوثيق لركن وثيق من أركان هذه الملة المحمدية، وهو ما يتعلق بسنة النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا إذن أول ما يستصحب من الغايات والنيات في هذا العلم، طبعا وتحت هذا كلام كثير أنا أطوي الحديث أو أطوي مراحل الحديث عنه.

الأمر الثاني مما يمكن أن يستصحب في معرفة هذا العلم أو في طلب هذا العلم من حيث الغايات: التصحيح المنهجي لطبيعة النظر إلى الحديث والحكم عليه، وهذا من الغايات بعيدة المنال والتي لا تكون إلا لذوي العلم المتقدم في مجال الحديث، والقصد من التصحيح المنهجي هو أن هذا العلم حين نشأ على تلك الدرجة العلية في وقت شعبة بن الحجاج ويحيى القطان، ثم أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبو حاتم الرازي، وأبو زرعة، والامام البخاري رحمه الله تعالى، وأبو داود صاحب السنن، ثم النسائي، والعقيلي، وابن عدي، والدارقطني وأمثال هؤلاء من الأئمة الكبار، العلم كانت له سمة معينة وآلية معينة وطريقة معينة.

ومع مرور الزمن، كما لا يخفى عليكم، حصل في هذا العلم أو دخل على هذا العلم من الشوائب والاشكالات ما أحدث له عند البعض أو عند كثير ممن يتكلم في هذا العلم شيئا من الاشكال المنهجي، وهذا الاشكال المنهجي ليس أشكالا معرفيا مجردا نظريا، وإنما ترتب على هذا الاشكال قضية الاختلاف في صحة الأحاديث، والاختلاف في صحة الأحاديث موجود من المرحلة المتقدمة، ولكن كان بقدر معقول وبأسباب غالبا تكون متعلقة بتحقيق المناط، بتنزيل القواعد على الأحاديث المدروسة، لكن مع الزمن صار هناك اختلاف أو بعدت الشقة وصار هناك كثير من الاشكال في الحكم على الأحاديث.

وبالمناسبة، كتاب مقارنة المرويات للشيخ اللاحم حفظه الله، من يفهم الكتاب بشكل جيد سيدرك قضية من أهم القضايا التي وقع فيها الاختلاف بين المتقدمين وبين بعض أو كثير ممن جاء بعد ذلك، خاصة في الدراسات أو في بعض الدراسات المعاصرة في تناول الحديث والحكم عليه.

فعلى سبيل المثال -وسأذكر قضية واحدة وإن كان الحديث هذا طويل، ذكرته في مقامات سابقة، لكن بما أن الحديث عن كتاب مقارنة المرويات أساسا- فسأذكر هذه القضية تحديدا، وهي: أن جمع طرق الحديث -ركزوا معي، هذه القضية في غاية الأهمية- جمع طرق الحديث ما الغرض منه؟

أنت الآن حين تأتي إلى حديث، مثلا نقول حديث في سنن الترمذي، وترى أن هذا الحديث فيه شيء من الضعف، فتجمع طرق الحديث، ما الغرض من الجمع؟ حصل انزياح في المعنى الذي لأجله تجمع طرق الحديث بين المتقدمين وبين كثير أو بعض المتأخرين، وخاصة في الأزمنة المتأخرة جدا.

ما هو المعنى الذي حصل فيه الانزياح؟ المتقدمون كان جمعهم للحديث، كان جمعهم الطرق والمرويات للحديث الواحد، كان من أهم أسبابها هو أن يكتشفوا خطأ الحديث.

يعني إذا جاءهم الحديث من وجهه، بالمناسبة، حتى لو جاءهم من وجه صحيح -أنا لا أتكلم الآن فقط المثال أنه يأتي حديث ضعيف- لا، لو جاءهم من وجه صحيح فإنهم يتطلبون طرقاً لهذا الحديث الصحيح من حيث الظاهر؛ حتى يكتشفوا علته الباطنة إن كانت له علة. ولذلك تأتي عباراتهم اللي هي أن الحديث إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطأه، كما قال علي بن المديني رحمه الله في عبارة مشهورة. وكذلك ابن المبارك يقول: إذا أردت أن يصح لك الحديث فاضرب بعضه على بعض، لاحظ، يضرب بعضه على بعض، إذا أردت أن يصح لك الحديث يعني أن تتأكد أنه صحيح، اضرب بعضه على بعض.

وكذلك ابن معين يقول: لو لم نكتب الشيء من ثلاثين وجهاً ما عقلناه. وكذلك يعني أنظروا إلى هذا النص من عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله، وهو أحد كبار المحققين المدركين لفلسفة هذا العلم، عبد الرحمن المهدي رحمه الله ماذا يقول؟ يقول: لأن أعرف علة حديث هو عندي أحب إليَّ من أن أكتب حديثاً ليس عندي. يعني لاحظ، وين المعنى اللي كان يشغلهم في تلك المرحلة؟ يعني كان المعنى هو، آه هذا الحديث الذي وصلني هل هناك ما يدل على خطأه؟ هل هناك ما يدل على الإشكال فيه؟ الطرق الأخرى سأجمعها حتى أتاكد أنُّه ليس هناك منها طريق يقضي أو يفسد هذا الحديث ويبين أنه ليس صحيحاً. لاحظ هذا المعنى الأساسي.

وأثناء ذلك قد يتبين لهم من جمع الطرق أن الحديث يعضد بعضه بعضاً أو يؤكد بعضه بعضاً إلى آخره، لكن كثيراً ما كانوا يجمعون الطرق حتى يكتشفوا العلل ويتنبهوا بالخلل الكامن في مظاهر الصحة، جيد. ايش اللي صار مع الزمن؟ صار وصلنا إلى نتيجة بالعكس، وهي هذا الحديث مثلاً، لاحظوا مو بس صحيح، يعني أول كان يجيهم الحديث الصحيح ويبحثون حتى يعلوه، لا، الآن صار يأتي الحديث الضعيف الضعيف، فيأتي السؤال التالي: دعونا نجمع الطرق حتى نصحح الحديث أو نحسن الحديث، فيكون حسناً لغيره أو صحيحاً لغيره. طيب، هل هذا غلط؟ أنا ما أتكلم أنه لا يوجد حديث تجمع طرقه فيصحح، لا، وإنما أتكلم عن المعنى، المعنى الذي يشغل الباحث سابقاً، المعنى الذي يشغل الباحث هو هل لهذا الحديث علة، هل بقية الطرق تفسد هذا المعنى؟ أنا أريد أن أتاكد، أحتاط، أما الآن لا، يأتي الحديث، هل هناك ما يقوي هذا الحديث؟ هل هناك ما يشهد له؟ وعين كثير من الباحثين اليوم وهم يجمعون طرق الحديث، عينهم على يا ليت الطرق هذي تقويه فتجبره فيكون صحيحاً.

بينما في السابق، حساسية الانتباه للطرق وما يمكن أن تعل به أو تُعل به أساس الحديث هي الأكثر حضوراً، وهذا اختلاف جوهري، وهذا اختلاف يعني له تعلق أساس وجوهر علم الحديث، ونتائجه كارثية في الاختلاف، يعني كثير من الأحاديث التي حسنت من قبل بعض المشتغلين في الحديث، حتى من مشاهير المشتغلين في الحديث في هذا الزمن، كثير من الأحاديث التي حسنت أو صححت إنما حسنت أو صححت تحت هذا العنوان، حديث ضعيف جاء من طريق آخر ضعيف زائد ضعيف يساوي حسن لغيره، يلا بسم الله، حسن لغيره.

وكثير من الأحاديث تجد أن المتقدمين أعلوها بجميع طرقها، بل بالعكس، أحياناً كثرة الطرق تؤكد وجود الخطأ، تؤكد وجود الخطأ حتى وصل الفرق أحياناً إلى حديث يقول فيه بعض المتأخرين إنه متواتر، متواتر، ليس فقط ليس حسناً، ليس حسناً لغيره ولا حسناً فقط ولا صحيحاً لغيره ولا صحيحاً فقط، وإنما متواتر، تمام، وتجد أن بعض المتقدمين قد نص على أنه ضعيف، ولاحظ الفرق بين ضعيف ومتواتر.

مثاله حديث: طلب العلم فريضة على كل مسلم، حديث نص بعض كبار المتقدمين على أنه ضعيف، ثم أتى بعض المتأخرين فجعلوه من قسم المتواتر، لماذا؟ كثرة الطرق، جمعها عشرين طريق أو عشر طرق، انتهى متواتر، هذا إشكال منهجي كبير جداً. ولذلك أنا برأيي أن من أهم ما يطلب علم الحديث لأجله، من أهم ما يطلب علم الحديث لأجله، وهذا كما قلت يكون للمتميزين من حذاق من يدرس هذا العلم وليس للكل؛ لأن هذا التصحيح المنهجي يتطلب فطنة وانتباهاً وطول عمل إلى آخره.

من أهم ما يمكن أن يحصل من الثمرات قضية التصحيح المنهجي، التصحيح المنهجي، وهذا كما قلت من أشرف وأهم ما يمكن أن يخرج به طالب الحديث من علم الحديث من حيث الثمرات العالية جداً المتعلقة بالتخصص والمجال، وهي ثمرة تستحق الإبداع، أقصد تستحق أن تبذل لأجلها الجهود المتميزة، التحسين والتدقيق والتحقيق حتى يصل المرء إلى هذه الدرجة.

طيب، من الغايات التي يمكن أن تحقق أيضاً في دراسة هذا العلم، قضية تنمية العقل، تنمية العقل الشرعي، تنمية العقل البحثي، تنمية العقل التوثيقي، أن يفهم الإنسان أو أن ينمى عقله ما يحويه هذا العلم الشريف من فوائد كثيرة تضيء للعقل أنواعاً من المناطق التي يصعب إضاءتها بغير هذا العلم، المتعلقة بحقيقة النقد والمقارنة بين الأقوال والتفتيش عن المستندات والتنبه لدقائق أنواع الخطأ وما إلى ذلك، وهذا لا يتعلق بعلم الحديث فقط، وإنما يفيد في نقد الإشكالات والشبهات بشكل عام والأفكار الخاطئة وما هو عري عن الدليل وما كان دليله فيه إشكال وخلل، وهذا أثر منهجي جميل وثري جداً.

وحقيقة يعني بالنسبة لي على المستوى الشخصي، أنا استفدت من هذا المعنى كثيراً في خلنا نقول في قضية النقاش مع المشككين، حين بدأت في قضية المجال الفكري ومجال الإشكالات والشبهات، أول ما دخلت على هذا المجال دخلت إليه من خلنا نقول مجموع ما تكون من العقلية النقدية من خلال هذا العلم تحديدا، يعني من خلال هذا العلم ليس فقط وإنما في أكثر ما كون هذه المادة بالنسبة لي، فاستفدت حقيقة من هذا كثيراً، استفدت منه كثيراً في قضية تعزيز اليقين، في قضية طبيعة التوثيق، في قضية طبيعة الإشكالات، طبيعة الأخطاء، التنبه لأنواع الخلل، علم الحديث إذا دخل إليه الإنسان بنية الاستفادة الواسعة مما يحويه من أدوات النقد والتحقيق والتوثيق كشف الخطأ، فإن عقله وأداته البحثية ستتطور كثيراً، وسيعينه هذا على حسن التحقيق وحسن التدقيق، وهذا في الحقيقة ينبغي أن يكون شاملاً لمختلف العلوم الشرعية وليس خاصاً بعلم الحديث.

يعني ينبغي للمتخصصين في العلوم الشرعية أن يستثمروا المعاني الكلية المتعلقة بتأسيس الفهم وتأسيس العقل الشرعي المرتبط بذلك العلم ثم يعمم ذلك على استفادتهم في مختلف الأبواب والمجالات من حيث التطبيق. فأصول الفقه المفترض أن خلنا نقول يستفاد من كثير من أبوابه مثلاً من جهة العقل والنظر والاستدلال ووجوه الدلالات والحل للإشكالات عند التعارض وما إلى ذلك، لا ينبغي أن يحصر الإنسان في الأمثلة الأصولية فقط، أو لا يفهم إلا ما هو مباشر في الأصول فقط، وإنما ينبغي أن يعمم ذلك إلى بقية الأبواب والعلوم. علم الحديث من أهم ما يمكن أن يثمر في قضية تأسيس العقل المنهجي النقدي المتعلق بالسنة وبقية العلوم والمجالات وما يستحدث من إشكالات كذلك.

الثمرة الرابعة التي يمكن أن تنتج عن هذا العلم الشريف، وهي ثمرة شريفة عزيزة، وهي أن يكون هذا العلم وسيلة وجسراً للوصول إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وصول المهتدي أو وصول المستهدي الذي يتطلب الاستفادة الفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الاشتغال بهذا العلم هو اشتغال بما هو قريب موصل إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك لا ينبغي أن نقف على الشاطئ ونحن ندرس هذا العلم، هذا العلم هو كالشاطئ والساحل للبحر العظيم الذي هو سنة النبي صلى الله عليه وسلم، أن يقربنا هذا العلم من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يقربنا من فهمها، وأن يقربنا من التفقه فيها والاستهداء بهدي النبي صلى الله عليه وسلم المنقول فيها.

ليكن هذا من أهم الغايات، لا نقف عند الصنعة الحديثية ولا نقل إن الذي ينبغي أن يشتغل في فقه السنة والتأمل فيها والتدبر واستنباط معانيها هم أهل مثلاً المشتغلون بعلم الفقه، أو المشتغلون بعلم الأصول، أو المشتغلون بغير ذلك، وأما أنا كوني مشتغلا بالحديث فأننا ساقف عند قضية الجرح والتعديل والاسناد والسماع والاتصال والعلل وما إلى ذلك، لا، هذه كلها وسائل، فليكن من الغايات الشريفة هذا الأمر، ولذلك في أكاديمية الحديث خاصة في هذه فيما بعد الدفعة الأولى تم إضافة مقررات متعلقة بفقه السنة وبعض التطبيقات المرتبطة بالاستنباط من الحديث النبوي والسنة النبوية حتى لا ينفصل طالب الحديث عن هذا المجال المهم والشريف جداً.

ثم بعد ذلك الآن ذكرت أنا أربع ثمرات وأربع غايات يمكن استصحابها من طالب الحديث وهو يدرس علم الحديث، هذا الاستصحاب كما ذكرت في البداية له ثمرات عظيمة جداً تعين على الصبر والتحسين والتجويد والتحقيق، وبالعكس ترزق الإنسان الشغف بهذا العلم. ولذلك أيها الكرام طلاب أكاديمية الحديث الإلكترونية وكل من يطلب الحديث بالله عليكم وسعوا من أفقكم ولا تنحصروا في قضية النجاح والاختبارات والشهادة، بل حتى لا تنحصروا في قضية أن أعرف هذا، أنا أعرف المصطلحات الحديثية، صحيح، حسن، ضعيف، شاذ، منكر، مقلوب، مضطرب، مدبج إلى آخره، وما الفرق بين الموافقة والبدل والعلو النسبي والعلو المطلق والفرد المطلق والفرد النسبي أو الغرابة المطلقة أو الغرابة النسبية، إيانا أن ننحصر في هذه المعاني، هذه من أقل ما يمكن أن يطلب في علم الحديث، وإنما من أهم ما يطلب له هذا العلم ما ذكرت من النيات، هذا فضلاً عن ما هو أهم من ذلك كله وهو أن يبتغي الإنسان وجه الله سبحانه وتعالى بهذا العلم، وهذه الثمرات والغايات التي ذكرتها هي مراكب يسلكها الإنسان ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى.