تسجيل الدخول

مجالس قرآنية 01 | سورة الفتح

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

طيب، الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.

ونستعين بالله ونستفتح مجلسا قرآنيا جديدا عنوانه أنوار الفتح. وهذا المجلس سنتناول فيه إن شاء الله التعليق والتدبر والاستنباط في آيات سورة الفتح. وكانت النية سابقا أن تكون هذه المجالس مطولة، بحيث إنه يكون يعني تأخذ حظنا من هذه السورة العظيمة. وبالفعل نحن ابتدأنا هذه المجالس كما تعلمون، وأخذنا أول جلسة كانت في أول ثلاث آيات تقريبا أو أربع آيات، بعدين استحسنت أن يكون مختصرا الأمر على السورة مرورا كاملا. وهذه تختلف عن مقاصد السور؛ مقاصد السور ما يكون فيها مرور على الآيات وإنما يكون فيها الوقوف على كليات السورة، بينما هنا لا نمر على الآيات، وفي نفس الوقت هذا الدرس درس ليس درس تفسير محض، يعني ليس درس نقف فيه عند جميع المتعلقات المرتبطة بالتفسير، وإنما هو مرور تدبر على هذه الآيات، محاولة استنباط بعض المعاني، الوقوف عند بعض الهدايات من هذه السورة. ونسأل الله سبحانه وتعالى، الأول مؤملا تكفي هاتين الساعتين في المرور على السورة إن شاء الله، وإذا لم يتيسر ممكن نجعلها مجلسا آخر كما تتجاوز المجلسين إن شاء الله.

قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا. ومعلوم أن هذه الآيات نزلت مرتبطة بحدث من الأحداث في السيرة النبوية، وهذا الحدث كان صلح الحديبية. وصلح الحديبية معلوم ما فيه من تفاصيل، على أن الحالة الشعورية النفسية لأصحاب رسول الله في تلك الحادثة كانت هي الإطفاء، يعني هي واحدة من العناوين الكبرى لتلك الحادثة، شعور الصحابة تجاه الحادثة تجاه بنود الصلح، حيث شعروا بحالة من خلينا نقول القهر، أنه يمكن أن تسمى يعني حالة أشبه ما تكون بقهر الرجال، الحالة أشبه ما تكون بالشعور بألم شديد جدا جدا مما حصل، وحتى وصل هذا إلى بعض كبار أصحاب رسول الله عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، حين جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد جاء قبل ذلك أبا بكر فقال: أولسنا على الحق وهم على الباطل؟ أولسنا بالمسلمين؟ أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ وفي رواية: علام نعطي الذلة في ديننا؟ وهذا الشعور من عمر أو هذه العبارات لعمر تعبر عن هذا المستوى من الشعور.

أقول هذا لأنه من الضروري أن يكون هذا مستصحبا وأنت تقرأ الآيات، لأن الآيات حين نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم كان فيها اعتبار كبير للحالة العامة التي كانت عند الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. ولو تذكرون في المجلس المطول الذي أخذنا فيه سورة الفتح حين وقفنا عند قول الله سبحانه: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا، قلت إن هذه فيها علامتان لربانية القرآن: العلامة الأولى أنه نزل على خلاف المتوقع؛ الحال تلك كانت حال غم وهم وحزن وضيق، الصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم كان يعبر بلفظه، وهذا ثبت عنه قال: إني رسول الله ولست أعصيه، إني رسول الله ولست أعصيه، أن يقصد هذا هو الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم من عنده: إني رسول الله ولست أعصيه. وقال كذلك: ومن ذهب منا من جاء منهم مسلما إلينا فرددناه فإن الله جاعل له فرجا ومخرجا، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما أمرهم بالحلق فتأخروا تضايق النبي صلى الله عليه وسلم فأشارت عليه، هذه حدود فعل النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحادثة.

أما الله سبحانه وتعالى حين أنزل الآيات، فأنزل على خلاف المتوقع، وعلى خلاف يعني حتى طبع النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى خلاف تقديرات الجميع؛ أعظم المتفائلين لم يكن ليتحدث بهذا المستوى من الخطاب فيقول: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا. ليس فتح، ليس أي فتح وإنما فتح مبين، وينصرك الله ليس أي نصر وإنما نصرا عزيزا. نزول هذه الآيات على خلاف ذلك المناخ، واحد من الأدلة على ربانية القرآن الكريم، وهذا له نظائر في مثل حادثة الإفك وفي غيرها من الآيات القرآنية.

والأمر الثاني هو في هذا الخطاب، خطاب التعظيم بصيغة المتحدث، أو الخطاب المتحدث بصيغة التعظيم الذي يتحدث به الله سبحانه وتعالى في القرآن. وهذا له شأن لو نعلم عظيم، شأن حديث الله سبحانه وتعالى عن نفسه بصيغة المتحدث: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ، إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ، إلى آخره من الآيات الكثيرة في هذا المعنى: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. هذه الآيات لمن يتأملها ويفقه خطاب العرب وأشعارهم وآدابهم وتراثهم، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم وكلام الحكماء، ويستقرئ هذا كله، كله يقف عند هذه الآيات يدرك أن هذا النوع نوع آخر وباب مختلف تماما عن كل ما عهد وحفظ عن العرب من رصيد وتراث أدبي في الخطاب، وهذا ليس بالضرورة أن يكون مقام حجاج مع غير المسلم في مثل هذا الاستدلال، وإنما للمؤمن يزداد أي معنى.

طيب، إذن هذه السورة اسمها سورة الفتح، وأول آية فيها: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا. من أعظم الفوائد التي نستفيدها من هذا غير ما ذكر من ربانية القرآن هي فائدة تصحيح القرآن أو تصحيح الله سبحانه وتعالى للمفاهيم والمعايير. قال عمر: أو فتح؟ هذا المعيار، معيار البشري العادي في التقدير: أو فتح؟ والقرآن يقول: ليس بفتح وإنما فتح مبين. واضح الفكرة؟ فهنا القرآن يوسع من أفق الناظر، يمدد له في المفاهيم، يضع ثقل التصورات في أبواب أو في زوايا دون أخرى، حتى يعاد تصحيح وتأسيس المفاهيم: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا. كان هذا هو الفتح. وهذا الفتح الذي جاء فيه، جاءت في أكثر من رواية، من أشهرها أنه صلح الحديبية، يعني هكذا كعنوان، ومنهم من جعله في حدث من الأحداث التي حصلت في ذلك في تلك الحادثة وهو بيعة الرضوان، وهذا عن البراء رضي الله تعالى عنه، قال: ما كنا نعد الفتح إلا بيعة الرضوان، إلا بيعة الرضوان. والروايات الأخرى مشهورة، وتعدون الفتح فتح مكة، ومن عد الفتح صلح الحديبية.

طيب، لكن لا شك أنه هذا الفتح المتعلق بهذا الصلح. ولما تقرأ في كلام المفسرين تجد أنهم يسلطون الضوء على نوع معين من الفتح ترتب على هذا الصلح، اللي هو اللي هو الدعوة إلى الله والأمان للناس والقدرة على النصر؛ المشركون يمكنهم أن يسمعوا كلام الله سبحانه وتعالى، ثم ما تلا ذلك من الخيرات الكثيرة. طيب، إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا.

لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. المخاطب بهذا هو النبي صلى الله عليه وسلم وحده، أو خطاب يشمل أمته؟ وحده، هذا خطاب خاص به: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم. والروايات في بعض الأحاديث التي ورد فيها "غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" فيها إشكال، فيها نظر في أسانيدها، لكن الأحاديث الصحيحة: "غفر له ما تقدم من ذنبه" ما تقدم. أما لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، هذه خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم.

الفائدة هنا، الفائدة هنا أن تعلم أن غفران الذنب، غفران الذنب هو من أعظم الهبات ومن أعظم النتائج والثمرات التي يمكن أن يصل إليها الإنسان. فإذا كان هذا مكرمة في حق النبي صلى الله عليه وسلم وقدم في سياق: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا، هذه كلها هبات وأمور عظيمة جدا، بدأها بـ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. والذي يقرأ كتاب الله سبحانه وتعالى قراءة جيدة يعلم أن غفران الذنوب قضية هي من أقصى الغايات التي يطمح إليها الإنسان، أن يطمح إلى مثل هذه الغاية. ولذلك من الخطأ في حديث بعض السالكين وأرباب التصوف والزهد والسلوك، بعضهم لما يذكر في قضية التوبة مثلا أنها من المنازل العامة، المنازل العامة في يعني هم عندهم منازل في قضية التعبد وطريقة الآخرة، فبعض المنازل يسمونها المنازل العامة، يعني هذه ليست هي المنازل الخاصة لأولياء وإنما هي للإنسان في بداية الطريق في كذا، فبعضهم يجعل التوبة منها من منازل العامة، يتركون في منازل معينة إلى أن يصلوا إلى بعض المنازل التي يعني هي الخاصة أو الخاصة الخاصة، وبعضها لا يكون الأصل صحيحا، لكن التوبة وما يترتب عليها من مغفرة الله الذنب هذه ليست، هذه كما قال ابن القيم هي مبتدأ الطريق وأوسطه وآخره، وهي ملازمة للمؤمن دائما. تحقق الغفران للإنسان هو من أعظم ما يمكن أن يتحقق له في حياته.

لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا. وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا. كما قلت في قضية المغفرة وأنها من أعظم ما يطمح له ويسعى إليه ويتحقق، ومن أعظم الهبات، ولا يختلف فيها المتقدم والمتأخر، الولي الصالح والبل وحتى النبي. فإن الهداية كذلك: وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا. فطلب الإنسان للهداية من الله سبحانه وتعالى وسعيه لأن يهديه الله سبحانه وتعالى، هذا مقام لا يختلف فيه بحسب عمر الإنسان في الاستقامة مثلا، يعني ما يصلح الإنسان يقول أنا في بداية الاستقامة أبحث عن مثلا المغفرة بعدين والهداية، الهداية قبل الاستقامة يعني خلاص، أنا الحمد لله أنا الآن ماني مستحضر كثيرا قضية الهداية لأنه الحمد لله، أنا الآن مستحضر مثلا قضية يعني والله مثلا المحبة، أريد أن أحقق محبة الله في قلبه بعدين، وكذلك الخشية والخوف، لا. تطلب الهداية الإلهية هي من مبتدأ الطريق وأوسطه ونهايته، بل حتى لما ذكر الله سبحانه وتعالى للجنة المؤمنين في الجنة ذكر شيئا من قضية الهداية. أما من حيث يعني أن نقول أثرها اللحظي أو من أثرها السابق الذي هو: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. كذلك: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ.

طيب، إذن: وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا. وهذا المعنى في كتاب الله متكرر وفيه شيء متعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم، مثل قوله سبحانه وتعالى: قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي ۖ وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي، شيء من المتعلق بعموم المؤمنين. على أية حال الهداية قضية مركزية في كتاب الله وهي في سورة الفاتحة، وأنت تقرأ تقرأها كل يوم مرات كثيرة وتدعو بها كذلك.

وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا. هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ. السكينة في هذه السورة متكررة، وهي أكثر سورة في القرآن تكرر فيها ذكر السكينة. أكثر سورة في القرآن تكرر فيها ذكر السكينة هي سورة الفتح. وعلى كل حال لفظ السكينة في القرآن ليس كثيرا، ورد في سورة البقرة وفي سورة التوبة مرتين وفي سورة الفتح ثلاث مرات وفي سورة ايش باقي السور؟ أما باقي موضوع في الفتح ثلاث مرات، في التوبة مرتين، في البقرة مرة. لاقي موضوع؟ طيب، أنا لا أستحضر الآن ستة مواضع في البقرة، في التوبة مرتين، في الفتح ثلاث مرات، لو كان لو كان باقي شايفها سيكون موضوع معين فقط يعني في سورة الفتح استأثرت من بين سور القرآن بذكر السكينة، أكثر سورة وهذا يعني يلفت الانتباه. لا نحن قلنا في البداية لاحظوا أن السورة نزلت على حدث، وأنه مراعاة هذا الحدث واضحة في السورة. ولو تلاحظوا أنه ايش أبرز شعور كان في الحدث؟ هو الغم والقلق والاضطراب.

سيد، أو السكينة أين فكرة أكثر شيء في القرآن؟ في هذا، واضح في السكينة هنا متكررة، السكينة السكينة السكينة. وهذا كما قلت يعني يفقه معناه من ذاك الإدراك للحدث المتعلق بالسورة. هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ. هنا سبب زيادة الإيمان، نستطيع أن نقول هناك سببين في سبب هيأ المؤمنين ليزدادوا إيمانا، وفي سبب مباشر هو الذي زادهم إيمانا في تلك الحال. السبب المهيئ هو السكينة، السكينة هيأتهم ليزدادوا إيمانا. زادهم إيمانا، جميل، من العلماء من قال إن زيادتهم إيمانا برضاهم وتسليمهم بما أنزل الله وبما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذلك المقام الذي كان فيه كان فيه قضية التسليم يحتاج مجاهدة كبيرة جدا حتى تفعل بمقتضاها، ايش اللي أعانهم على أن يفعلوا بمقتضى التسليم؟ نزول السكينة، فالله أنزل السكينة للمؤمن على المؤمنين، معينة لهم ليمتثلوا الأمر، الذي هو الذي ايش تسوي؟ يزيدهم إيمانا. الواضح الذي يزيدهم إيمانا، هذا السياق من السياقات، أما أن يكون هناك في سياقات أخرى في تفسير هذا الموضوع، لكن هذا من السياقات المعتبرة في هذه الآية، هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم.

هذه الآية في سورة الفتح، لاحظوا هذا المعنى، سورة الفتح من السور التي تجعل المؤمن يركز على أن النصر الحقيقي يأتي من داخله، وأن العوامل الخارجية.

ليست هي النصر وإن كانت من أسبابه، لكن النصر الحقيقي يأتي من الداخل، وإن الداخل هو المعيار الأساسي للانطلاق في قضية النصر، وأنه إذا حصل الانكسار هذا الداخلي جيد في الإنسان؛ قد يشرك، وقد يسيء، وقد يفعل ويفعل من الأمور السيئة، بينما لو حصل هذا النصر الداخلي فما يتبعه بعد ذلك إنما هو الخير والفتح والبركة.

ستجدون هذا واضحاً: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ. لما نزلت السكينة في قلوب المؤمنين، عادت ألوان الدنيا إلى نظرتها في أعين الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.

فوجود الخوف وهو المانع الأساسي، وجود الاضطراب الداخلي هو المانع الأساسي من التحقيق؛ لتحقيق ما يريد الله سبحانه وتعالى، ووجود الطمأنينة والسكينة والالتئام الداخلي على أمر الله سبحانه وتعالى هو النصر الحقيقي، وهو المقدمة الكبرى لما يمكن أن يحصل من أثر على أرض الواقع، لذلك أنزل الله سكينته على قلوبهم. وفي نفس السورة: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ.

إيش كان ظرف المبايعة؟ إيش السبب أصلاً في المبايعة؟ نعلم ما جاء خبر مقتل عثمان رضي الله عنه، ثم أن يرسل الرسول إلى قريش بحبس؛ إثر خبر أنه قتل، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى المبايعة، اجتمع شمل الصحابة في ذلك الحال للمبايعة، وهم لم يكونوا في ظرف قتال، هم جاءوا معتمرين وكان معهم البدن.

وحتى تعلمون لما جاءت بنود صلح الحديبية وجاء التفاوض، كان أرسل المشركون أحد المفاوضين -نسيت اسمه وهو من... لا، لا غير صحيح- وأرسل عدة أشخاص، عروة بن مسعود، وأرسل مكرز، وأرسل سهيل، فأرسلوا أحدهم أو واحد رابع، وكان ممن يعظم البدن. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: أظهروا البدن حتى يراها. فلما أظهروها -وهذا من السياسة العظيمة- فلما أظهروها ورآها، رجع مباشرة إلى قريش وقال لهم: هؤلاء لا يصدون البيت، وقد رأيت البدن. واضح الفكرة؟ في تلك الحال هم لم يأتوا لقتال، بعدين يعني المفترض أن قريشاً ولو كانوا مشركين، المفترض ما يردوهم؛ لأن قريشاً تخدم البيت، وقضية السياق في القضية مفترض تكون متجاوزة قضية الخصومات أو القتال أو العداوات.

لما كان الحال كذلك دعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه للبيعة، وقد سأل التابعون الصحابة: على ماذا بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فبعضهم قال: على الموت، وهذا جواب سلمة بن الأكوع، وبعضهم قال: بايعنا على أن لا نفر. وعدم الفرار في تلك الحال ومن أسباب الموت، لكن صيغة البيعة ما يعني، الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ما يعني على الموت. في هذه المبايعة هي في حال صعبة جداً، حال صعبة جداً، أنت الآن جايين إلى مكة وهذه بلدهم، ويعني غير منهم يخرجون إليكم، فهذه بلدهم وهم متحصنون فيها، ولديهم الجيوش، ولديهم من الحلفاء والأعوان، وأنتم لم تأتوا لقتال، وكان عدد المسلمين ألف وأربعمائة تقريباً، العدد ليس كبيراً، حتى في الأحزاب مثلاً كان عدد المسلمين أكبر، فهنا العدد ليس كبيراً، ألف وأربعمائة تقريباً.

فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ. سفراء، هذا كله الآن تحت عنوان أن النصر الحقيقي يأتي من الداخل، فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ، ما في قلوبهم من ماذا؟ من الصدق، واجتماع قلوبهم على نصر الله ورسوله، وعلى نصرة دينه، وعلى التضحية والبذل والإقدام والثبات على استرخاص النفس في سبيل الله. ومنهم من قال أيضاً، ابن القيم ذكر قال: وأيضاً علم ما في قلوبهم من حالة الاحتياج والاضطراب، وإلى آخره، وإن كان يبدو القول الآخر -وإن كان القول الآخر يبدو أظهر- يعني ما في قلوبهم أي من الصدق والإخلاص واجتماع القلب على العمل، فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا. قد نرجع: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ.

ومن هنا نعلم أنه إذا كان النصر الحقيقي إنما يأتي من الداخل، فإن سببه هو تأييد الله وعونه، ومن جملة تأييد الله وعونه للمؤمنين التي تحقق النصر الداخلي: إنزال السكينة، واضح الفكرة؟ ما الذي نستفيده عملياً من هذه الآيات؟ نستفيد عملياً من هذه الآيات هو أن من يريد أن ينصر دين الله سبحانه وتعالى، من يريد أن يعمل شيئاً يقدم فيه للإسلام والمسلمين تقديماً عظيماً يؤثر في معادلته، فليعلم أن المعقد والزمام والمنطلق الأساس سيكون من نفسه. إذا استجمع نفسه، وكان صادقاً، مؤمناً، راضياً بالله، وتوكل عليه، معتصماً به، فإنه قد أخذ المنطلق الأكبر والمرتكز الأساس في هذا الطريق، ثم بعد ذلك ليجتهد في تحقيق الأسباب المعينة.

ومن الخطأ العظيم والخسارة أو الخسران الكبير أن تنعكس القضية، فيظن من المصلحين أن سبيل نصرة الإسلام إنما يأتي أول ما يأتي من الخارج، لأن تتخذ مجموعة من الأسباب الخارجية ثم بعد ذلك لا تنسوا الإخلاص، هذا لا يكون. والقول الذي ذكرت الذي هو أنه ينطلق من الداخل، هذا يختلف عن قول من قال: إنه يبدأ من الداخل وينتهي في الداخل، لأن بعض الناس يقول: إنما يكون الصلاح بإصلاح النفس ثم إصلاح النفس أيضاً، وبعد ذلك إصلاح النفس، طيب متى يصلح الخارج؟ إصلاح النفس إذا صلحت النفس يصلح الخارج، لا، القضية ليست هكذا، القضية أن البداية تكون بإصلاح النفس، ثم على الإنسان كما أصلح نفسه ببذل الأسباب، وأصلحه الله بالهداية والتوفيق، فعليه أن يبذل السبب فيما يتعلق بالخارج، لا أن يظن أن القضية هي اعتكاف في زاوية، وتحريك الأصابع بالتسبيح، وأن هكذا يعود نصر الإسلام وعزه ومجده، وإنما الأمر ليس كذلك.

وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. هنا قد نفهم من هذا الختام أن السكينة هي من جنود الله، هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. قد يكون هذا، على أن بعضهم قد ذكر معنى هنا في وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فلو شاء لوسائل حقق النصر بدون يعني هذه المقدمات وهذه الثلاث، فهذا يكون المعنى مختلفاً أنه علماً، وإن كان هذا لا ينفي أن تكون السكينة جنود الله باعتبار آخر، وهذا المعنى المكرر في كتاب الله اللي هو المعنى الثاني، لكن يعني يطول الوقت في الاستطراد فيه. وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا، لِّيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا.

لِّيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ. الموجب أو العمل الذي نستطيع أن نقول إنه كان سبباً في هذا الثواب، لِّيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ، أرجع إلى القصة، قصة الحديبية، اقرأها بهذه العين وهي عين: ما الذي فعل في تلك الحادثة ليأتي هذا الثواب؟ ليس فقط هذا، وإنما الثواب الكثير المذكور في السورة، واضح؟ اقرأ صلح الحديبية قصتها وهي في صحيح البخاري مفصلة، رأي بهذه العين والنظر، ستجد الجواب على أن من أهم العناوين فيما فعله الصحابة: التسليم، والانقياد، وتطويع النفس أسرع تستجيب لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتضحية والبذل، وصدق النية في عقد العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم لنصرة دينه، فهذان أبرز العناوين مما فعله الصحابة في ذلك اليوم.

وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا. في هذه السورة، كما أن هناك حديثاً عن المؤمنين وما أعطاهم الله ووهبهم وما وعدهم، سواء من وعد الدنيا أو وعد الآخرة -وهذه السورة مليئة بوعد الدنيا وما وعد الآخرة أو لنقل العناوين فيها في وعد الدنيا والآخرة ظاهرة وقوية جداً- جيد، فإنك تجد في المقابل في هذه السورة حديثاً واضحاً أيضاً وشديداً عن المنافقين وعن المشركين وعن بواعثهم ومحركاتهم وأسباب ضلالهم، وعن النفاذ إلى داخل نفوسهم، واستخراج ما في دواخل نفوسهم، وعرضها أمام المسلمين حتى يرون أو حتى يروا ما الذي حرك هؤلاء؟ وما الذي يدور في نفوسهم؟ وما الذي يختلج في صدورهم؟

وهذا المعنى -وسيتكرر ذكر هذا المعنى في هذا المجلس إن شاء الله- مهم جداً، وسترونه في هذه السورة واضحاً، وهو المعنى خلاصته ما هو؟ من ناحية الفائدة العملية: ضرورة أن يعلم المسلمون المؤمنون الصادقون أن يعلموا بأحوال المخالفين المعادين أهل الباطل، وأن يعلموا منطلقاتهم وبواعثهم ومحركاتهم، الخلفيات الفكرية والثقافية والاجتماعية التي تدفعهم. هنا في هذه في هذه الآية ايش الباعث؟ أو خلينا نقول واحدة من العناوين المشكلة لفكرهم: وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ.

السوء، ظن السوء. هذه السورة أيضاً من العناوين التي فيها المقابلة بين حسن الظن بالله وبين سوء الظن بالله. وسوء الظن بالله، بعض العلماء يقول: هو أعظم ذنب عُصي به الله، أو من أعظم الذنوب التي يُعصى الله بها، سوء الظن بالله، حتى أنك تفهم من هذه الآية أن شركهم بالله إنما كان ليسوا، وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ. الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ. وفي المقابل ستجد في السورة وعداً وأملاً يختلف عن فكرة الظن، وأنه لا يمكن المؤمن أن يستجيب لهذا الوعد، لهذه البشريات إلا إذا كان حسن الظن بالله، إلا إذا كان حسن الظن بالله، وذلك من مثل قوله سبحانه: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا وَكَذَٰلِكَ عَجَّلَ لَكُمْ هَٰذِهِ. والسورة مليئة بالوعود، أنزلت عليهم، وذاك العقد والبيعة لا يكون إلا بحسن ظنهم بالله، وستجد أن هذا المعنى واضح أو أن هذا المعنى واضح في هذه السورة.

الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ، إذا ظن الإنسان بالله ظن السوء، إذا ظن الإنسان بالله نفسه فإن هذا قد يقوده إلى الشرك، وقد يقوده إلى الإحباط، وقد يقوده إلى القعود، وقد يقوده إلى إلى غير ذلك من السوء. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الحديث القدسي عن ربه سبحانه وتعالى: أنا عند ظن عبدي بي. أنا عند ظن عبدي بي. وهذا الظن الذي يجب أن يظنه المؤمن بربه هو ظن لا يكون بمجرد التمني، وإنما هو ظن يكون مشفوعاً بالعمل. الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا.

انتهينا حتى لو ما انتصرت على المشركين، بمجرد أن تعلم، الله قال: إن الله غضب عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم، هذا يشفي صدرك، هذا يشفي صدرك، وهذا من بركات الإيمان بالآخرة. المؤمن يؤمن بالآخرة، ويؤمن أنه لو لم يحقق النصر في الدنيا، ولو لم يقضِ بما ينبغي في حق أولئك المعتدين المجرمين الظالمين، فإن لهم يوماً: وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ. ماذا لو لم تكن مؤمناً بذلك اليوم، وكنت مظلوماً طول حياتك؟ قهر، واكتئاب، ويأس، وقنوط، أليس كذلك؟ بينما بمجرد أنك تؤمن أن الله قد جعل يوماً تقتص فيه الحقوق أو المظالم وترد فيه الحقوق، وهذا بحد ذاته من أعظم المطمئنات. وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا.

إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا. هذه ثلاث عناوين كبرى في وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه يعني أنت يمكن أن تقسم وظائف النبي صلى الله عليه وسلم باعتبارات، واحدة من هذه الاعتبارات هي هذه الثلاثة عناوين الكبرى. النبي صلى الله عليه وسلم شاهد، وليس مبلغاً فقط، بل هو شاهد. والشاهد له لفظ معظم ووظيفة كبرى، ليست فقط خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وإنما نحن أمة بشكل عام من أهم وظائفنا، من أهم وظائفنا التي وجدنا لأجلها: الشاهدين، فنحن أمة شاهدة على الناس: وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا. وفي الحديث الصحيح: يُسأل نوح يوم القيامة، يُسأل قوم نوح أولاً: ألم يأتكم نذير؟ أن يبلغكم على تسعمائة وخمسين سنة دعوت قومي ليلاً ونهاراً، ثم إني أعلنت لهم... ما فيها تكلمنا، فيسأل الله نوحاً عليه السلام: هل بلغت؟ فيقول: نعم، قال: من يشهد لك؟ قال: محمد وأمته، فتشهد هذه الأمة. لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا. سعادتنا هذه بمقتضى صدق الخبر الذي نؤمن به، وفي نفس الوقت الرسول علينا شهيد. فهنا قال: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا. وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا، عفواً، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا.

شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا. مبشراً ونذيراً، إشارة والإنذار ليست رسالة النبي صلى الله عليه وسلم مقتصرة على أحد هذين المعنيين، على أنه في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم قد يستحسن في بعض الأحوال أن يغلب الإنسان جانب البشارة، وقد يستحسن أن يغلب جانب الإنذار، إلا أن العنوان العام في التعليم وفي إرشاد الناس هو البشارة، البشارة والتيسير، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً وأبا موسى إلى اليمن، قال لهما: بشرا ولا تنفرا. لكن في نفس الوقت الداعي الحصيف والحكيم ينتبه لمثل هذه المعاني، فإذا غلب على الناس الرجاء والتمادي والأرزاء وما إلى ذلك، فإنه من المستحسن أن يدخل مكون الإنذار والموعظة التي تخبر أو تخبر الناس بما أمامهم من السوء، لما أمامهم أقصد من سوء العاقبة، من العذاب إذا كانوا غير مؤمنين أو لم يستجيبوا لله سبحانه وتعالى.

لِّتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا. تعزروه وتوقروه فيها يعني معاني متعددة ذكرها المفسرون، والضمير وعودته إلى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إلى الله سبحانه وتعالى في تسبحوه بكرة وأصيلاً أو إلى.

كلها إلى الله سبحانه وتعالى لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً، كلها متعلقة بالله سبحانه وتعالى، ويكون التعزير هنا التعظيم، والتوقير هو الإجلال والاحترام وما إلى ذلك، وهذه أعمال قلبية ولها شواهد من الجوارح من عمل الجوارح، لكنها في أساسها أعمال قلبية، وهذه السورة فيها تركيز على القلب كباعث للعمل وتسبحوه بكرة وأصيلاً.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا.

العهد مع الله سبحانه وتعالى وتوفيقه والالتزام به هو من أعظم الأمور التي امتدح الله بها صالح عباده وصادقيهم، فقال سبحانه وتعالى في سورة الأحزاب: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ، وقضاء نحبه يعني أصله قضاء النذر، والذي هنا صورته السعادة أنه وفى بعهده حتى استشهد، وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا.

وفي المقابل ذكر الله أناساً أعقبهم نفاقاً سبحانه وتعالى في قلوبهم بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ، لكن بما أخلفوا الله ما وعدوه ذكر الله سبحانه وتعالى أنه عاقبهم على ذلك نفاقاً في قلوبهم. وفي سورة الإنسان امتدح الله أهل الجنة بقوله: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا. هذا كله قبل الوفاء يدل على أن العهد والميثاق هو أمر مقدس ومعتبر ومؤكد وله شأن.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يمارس مع أصحابه كثيراً هذا التوثيق والتأكيد والعهد حتى أحياناً على أشياء جزئية، فتجد غير واحد من الصحابة يقول: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على كذا وكذا، وهذه كذا وكذا لتكون مع النبي صلى الله عليه وسلم تكون مشروعة بأدلة أخرى، لم يبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على شيء مثلاً جديد، لا ولكنها وسيلة التوثيق ووسيلة التأكيد ووسيلة التعظيم.

فمثلاً جرير بن عبد الله رضي الله تعالى عنه يقول: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم، أورثه هذا التعظيم امتثالاً خاصاً، فكان لما أن مات المغيرة بن شعبة وكان رضي الله عنه وكان أميراً على الكوفة، لما مات وكان هناك ربما بعض الاضطراب أو خشية الاضطراب، صعد جرير على المنبر وقال نصحهم ووعظهم، قال لهم: انتظروا حتى يأتيكم أمير، يعني بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم والله إني لكم ناصح، ثم نزل، هذا كان أثراً من آثار التوثيق على ذلك العمل في وقت النبي صلى الله عليه وسلم.

وكذلك في حديث عوف بن مالك: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً، وعلى ألا تسألوا الناس شيئاً، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم، قال الراوي: فلقد رأيت سوط أحدهم يسقط فما يسأل أحداً أن يناوله إياه. ليش؟ وسيلة التوثيق مع النبي صلى الله عليه وسلم (لا تسألوا الناس شيئاً) جعلهم يطبقون هذا حتى في الأشياء العادية، بينما صورة ألا تسألوا الناس شيئاً في الأساس ليست صورة أنه يسأل أحداً يناول سوطه، واضح الفكرة؟ ولكن بشدة وعظمة وسيلة التوثيق تلك، فيهم استجابة استثنائية خاصة فيما يتعلق بهذا السياق.

وكذلك: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ إلى آخر الآية، فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ. وهذه تسمى هذه البنود تسمى بيعة النساء، ولذلك عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال على رسول الله صلى الله عليه وسلم: بيعة النساء هي نفس البنود هذه؛ ألا تشركن بالله شيئاً ولا تسرقن ولا تزنين ولا إلى آخره.

وكذلك في بداية الإسلام في بداية الهجرة، قبل الهجرة لما جلس النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأنصار أخذ منهم هذا العهد، وكان عهده معهم على إيش في الأساس؟ على النصرة والمؤازرة والتأييد، فكان هذا ميثاق العهد. وهنا حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، خرج النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه وأصحابه هؤلاء يعلم النبي صلى الله عليه وسلم صدقهم وإخلاصهم ومتابعتهم وأنه لو جاء القتال سيكونون معه، لكن هنا من باب التأكيد والتوثيق وتقديس العهد أخذ منهم بيعة أخرى. وهذا التأكيد والتوثيق والعهد على الفعل الذي حصل، وهو الذي كان الآن في بيعتهم صلى الله عليه وسلم على ألا يفروا، بايعهم على الموت.

كان هذا المشهد وهم متحلقون حول الشجرة، متكالبون على النبي صلى الله عليه وسلم، وقد بسط النبي صلى الله عليه وسلم يده، ويأتي الرجل فيضع يده على يد النبي صلى الله عليه وسلم يوثق هذا المعنى، ولك أن تتخيل ذلك المشهد فيقول: أبايعك يا رسول الله على ألا أفر، أو بايع على الموت. إيش حكم الفرار أصلاً؟ من الكبائر، مو بس ما يجوز، من كبائر الذنوب، بل هو من السبع الموبقات، وقد نزل فيه القرآن قبل ذلك: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ، وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ.

فهنا ليس العمل جديداً، ليس حكماً جديداً نزل، وإنما هو حكم موجود وقد نزل قبل ذلك، ولكن هنا التأكيد والتوثيق على ذلك العمل. بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ألا نفر. الله سبحانه وتعالى سجل هذا المشهد وبينه، وبينه بيان راضٍ به سبحانه وتعالى، وقال: لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ. وهنا يبين أن الله كان معهم في ذلك في ذلك المشهد العظيم، في ذلك المقام الهائل الكبير للشرف، مقام عظيم عزيز حين اجتمعوا حول النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الله سبحانه وتعالى مؤكداً عظمة ذاك المقام وعزة ذلك المشهد: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا.

هذه الآية عظيمة في مثل هذا المعنى، ومنه كما قلت يؤخذ يعني ممكن يؤخذ معنى عام في قضية أن من الأساليب التي يمكن أن تعين الإنسان على البذل والعمل، أسلوب أي أسلوب من أساليب التوثيق والتأكيد، والأساليب التي تجعل في الإنسان تعظيماً للعمل الذي سيقدم عليه.

ثم انتقل الحديث إلى المنافقين والمنافقات، والحديث عنهم في القرآن يجب أن نرجع قيمة الحديث عن المنافقين إلى المركز، مركز الاهتمام، لأن الحديث عن المنافقين في القرآن حديث لتعليم المؤمنين صفات هؤلاء كي يحذروا أو ينتبهوا، وهذا من الحكمة فيه، وهذا التكرار الكثير في القرآن ذكر المنافقين فيه فائدة مهمة جداً جداً ينبغي التنبه لها، ألا وهي أن المؤمن ينبغي أن لا يكون غراً، وأن لا يكون خفيف العقل، وأن لا يكون سهل الخداع.

المؤمن لا ينبغي أن يكون ممن يخادع بسهولة أو أن يخدع بسهولة. هذا التكرار من الله سبحانه ذكر صفات المنافقين التي هي التي يظهر الله بواطن أحوالهم التي تخالف الظواهر، ليقول للمؤمنين لا تغتروا دائماً بالظواهر، لا. الإيمان لا يساوي السذاجة، الإيمان لا يساوي السطحية، لا يساوي الغباء. لذلك تجد أن الله سبحانه وتعالى يبين لك بعض الصفات في القرآن لأناس، لو رأيت بعض أفعالهم لتقول إياك أن تقترب لأن هذا مؤمن إيمان عظيم، القرآن يقول لك هذا مفسد: وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا هنا ماشي يعني مفهوم كثير هكذا، لكن وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ بعد ما يخلص من الكلام والله العظيم الله شاهد، الله شاهد على صحة ما في هذا الموقف، وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ شديد الخصومة، صاحب جدل وصعوبة، وعنت ما تخرج معها بكلام ما تأخذ معه نتيجة. وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ.

هذا ليس معناه أن الإنسان لا يتعامل مع الناس بالظاهر، الأصل في تعاملك مع الناس ويش؟ بالظاهر، هذا الأصل كحكم، لكن في نفس الوقت لا يكون المسلم مغفلاً. وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين. فإذا لدغ من جحر واحد مرتين فهذا لنقص في تمام إيمانه، ليس فقط في تمام عقله، وإنما في تمام إيمانه، لأن الله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول لا يلدغ المؤمن، معنى هذا في نقص في الوصف الذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم سبباً في ألا يلدغ، وهو الإيمان، فلما لم يحل هذا الإيمان بينه وبين أن يلدغ من نفس الجحر مرتين تبين أنه لم يكن محققاً هذا الإيمان، وهذا معنى مهم جداً.

هذه الآيات الآن مثال تطبيقي مباشر وواضح على هذا المعنى: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا، إحنا تخلفنا عن رسول الله ولا ولا ولا الشيء، بس إحنا أنا عندي سبعة أولاد وهذا عندهم، وعندي أنا مال، وأرعى عندي زرع، مالها وعندي شغلتنا أموالنا وأهلونا. ليس فقط هذا، والله إحنا يعني استغفر لنا بالله رسول الله، استغفر الله يعني فأتوا بطلب المشاركة استغفر، يقول الله سبحانه وتعالى: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا.

بَلْ، وهنا ركز على قضية الظن، بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَدًا، سوء الظن، السهولة، أن الله لن ينصر رسوله صلى الله عليه وسلم ولا نصر دينهم، بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ أي لا يرجع الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً، وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ.

والشيطان هنا يلعب أدواراً استراتيجية حقيقة في صناعة الأوهام في نفوس ضعفاء الإيمان أو المنافقين، مرة ثامنة وتاسعة وعاشرة إلى ما شئت من المرات. نحن اليوم نغفل دور الشيطان في الصراع بين الحق والباطل، الشيطان له دور استراتيجي في الصراع بين الحق والباطل، الشيطان يدخل في تفاصيل هذا الصراع، دعنا الآن لا نتحدث عن بعض نون الناس في هيمنة الشيطان البالغة على تصرفاتهم وأفعالهم في العين والسحر وما إلى ذلك، ما أتكلم عن هذا الباب، هذا الباب فيه حق وفيه باطل، فيه وهم وفيه حقيقة.

أنا أتكلم عن باب آخر يكاد يكون مغفلاً وقد ذكره الله سبحانه وتعالى في القرآن في مواضع ليس في الموضع الواحد، وهو دور الشيطان في الصراع بين الحق والباطل، بين المصلحين والمفسدين، بين المؤمنين والكافرين. الشيطان جندي في الصف الأول من صفوف المحاربين للإسلام، وهو جندي وفي نفس الوقت في الساقة ويعمل في وسط الجيش وفي ميمنته وفي ميسرته، وليس هو مقاتل ومحارب فقط، وإنما هو مرشد وناصح وموجه ديني وأه فكر ومنظر ومحاور ومناظر وخطيب. حقيقة اقرأ في سورة الأنفال، في قضية واضحة تماماً، هنا ذكر الله سبحانه وتعالى خروج المشركين فقال سبحانه: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ، حتى أنه تصور، تشكل على صورة إنسان، وخاطبهم وقال إني جار لكم، وكان هذا فيما روي في قصة أنه تمثل على صورة أحد رؤساء بني كنانة، وكانوا يخشون، وكان المشركون يخشونهم، فجاء فقال أنا أنا معكم، تمثل على صورة ذلك الرئيس: وإني جار لكم، فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم، إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله.

وكذلك في سورة آل عمران: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ أي يخوفكم بأوليائه فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. الشيطان هو الذي سعى في ذلك المشهد يخوفكم من المشركين في تلك الحال.

هذا دخول هنا، وسنتين في سورة إبراهيم، في الآخرة: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم إلى آخره. لكن أنا أقصد حتى في مقامات الصراع بين الحق والباطل الحالي، في سورة الأنفال واضح كان في جيش المشركين وزين لهم وتمثل لهم وشجعهم وحفزهم والغاز السبب الذي يمكن أن يرجعهم، يثنيهم عن المعركة حتى يخرجوا لأنه يريد أمرين: الأمر الأهم هو الأساس أنه يريد القضاء على الحق، والأمر الثاني أنه على الأقل يومي هؤلاء، فإن لم يفز بالأولى فاز بالثانية، لأنه في الأخير بمجرد أن يموت الشخص على الباطل والكفر فقد فاز الشيطان في مهمته تلك الجزئية المتعلقة بالأشخاص.

لذلك في نفس الوقت في تثبيت في تثبيت أهل الحق، الشيطان يثبت، ويأتي لأصحاب الإيمان أو أصحاب الحق أو أصحاب الخير، فيبدأ، وبعدين هو عنده خبرة عشرات آلاف السنين، وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله خطوات الشيطان الست أو السبع، أنه إذا عجز عن كذا يذهب إلى كذا، إذا عجز في كذا. الشيطان أمله منك ليس فقط أن تثق في الماضي، قد يأتي لإنسان طالب صالح بحبل الله والرسول وقد جعل بينه وبين الدخول في بحار.

المحرمات والشهوات حاجزا. والشيطان سمه مره ومرتين وحاول فيه مره واثنتين وعرف ان هذا الباب امامه مغلق، يقول له يا حبيبي لم تفتني، لا وقع كفى الشرور هذه الاعمال، ولكن بدل ان تجمعهم شو قصدك على الحق، على ان تفعل وتعمل وتنصر وتبذل، يبدأ يزاح كأطراف الحرس، واشوف هذه الورده تملكها الشغلة اليمين الشمال، اثنين ثلاثة، مهمة مهمتين إلى ان تتشتت ويضيع منك قصدك إلى الحق وجمع قلبك عليه. لا غير التغيير في النية، غير التغيير في النية هذا شيء آخر كمان، لكن هنا على الأقل انه يشتت كان القصد يثبتك عن العمل.

انا ذكرت موضعين من مواضع كيد الشيطان بالإنسان في الحق والباطل ذكرها القرآن. موضوع ثالث وهو في مثل قول الله سبحانه وتعالى: وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ، من الذي قال؟ يوسف عليه السلام، فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ، أنسى الشيطان هذا الرجل هذا الفتى الذي سيخرج من السجن، أنساه ان يذكر يوسف عند السلطان، فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ. قال ابن كثير رحمه الله: وهذا من جملة كيد الشيطان بأولياء الله، كان مكث يوسف عليه السلام في السجن بضع سنين من أسبابه ان الشيطان أنسى ذاك الرجل السبب الذي كان يمكن ان يخرج به يوسف عليه السلام.

وكما قلت هذا دور حفل كثيرا في هذه الصور، لذلك من أهم ما يحتاجه المسلم اليوم، وهذا خطاب خاصة للشباب المهتمين لطلاب العلم اللي يعملون، أن يكونوا مسلحين، يأملون ان يقدموا شيئاً للإسلام والمسلمين، نصيحة خاصة وصادقة لهم: تحرروا من الشيطان، واتخذوا من الأسباب ما يحول بينكم وبين ان يقعدكم ويثبتكم. وربما كثير مما يقعد الإنسان يثبته اليوم مما يعده مشكلة لا يستطيع الخلاص منها، ربما الكثير منه عائد إلى الشيطان، هذا غير المشكلات اللي أسبابها واضحة وخارجية، هذا شيء آخر، حتى الإنسان ما يعلق كل شيء على الشيطان، فيه أشياء واضحة قضايا معينة مشكلات خارجية تحتاج إلى حل، لكن أحياناً الإنسان مثلاً يعاني من الكسل، وتتاح أمامه الفرص، الكسل أو كل ما شئت من الصفات المماثلة، فتور، تشتت، إحباط، مشاعر سلبية ايا كان، ويفعل كثيراً من أو تتاح له كثير من الأسباب حتى يتجاوز هذه الإشكالية ولا يتجاوزها، هنا ينبغي ألا يغفل دور الشيطان في مثل هذا.

طيب، إذا وزين ذلك في قلوبكم، وهذا التزيين لا بد ان الشيطان فيه دور؛ لأن الشيطان من أعظم ما يعمل، من أعظم ما يعمل ان يزين في قلب الإنسان العمل السيئ، هذه من وظائف الشيطان الكبرى التي ذكرها الله في القرآن، كما قال سبحانه وتعالى في سورة الأنفال: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ، يزين لك. وفي قصة آدم في سورة الأعراف: وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ، وهذا من جملة التزيين. لكن ربما يكون هناك آية أخرى، ولا يحضرني الآن لفظها، عموما وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا، مثل هذه المعاني هذه كلها يعدهم ويمنيهم، هذه كلها فيها ان وظائف الشيطان هي ليست فقط في الإغراء بالمعاصي، بل في تزيين العمل، تزيين يعني العمل السيئ زينه لك لتقتنع انه ليس سيئاً، ويعدك ويمنيك ويقول لك لا ما في مشكلة وما في شيء والأمور طيبة إلى آخره، فهنا بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ. الشيطان زين لكم هذا الظن الذي هو ليس حقيقة، وإنما هو ظن، ولكن هو زين وجعلت له بقية أجزاء الفيلم والمشهد حتى ظننتموه حقيقة، زين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا هلك.

وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا. وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا. ثم قال الله سبحانه وتعالى: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ ۖ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ ۚ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ ۖ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا ۚ بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا.

هذه مرة أخرى من إرشادات الله للمؤمنين ان يعرفوا طرق وأساليب الأعداء، وصنف كبير من الأعداء هم المنافقون، هؤلاء المنافقون يكشف الله لنا يكشف الله للمؤمنين ما الذي عملوه وما الذي سيعملون جيد وما الذي سيعملون، هنا الله سبحانه نقول: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا، الشيء هذا تاخذوه من أهمها ان لم تكن هي المقصودة فقط فهي من أهم ما هو مقررات في هذه الآية والله تعالى أعلم خيبر؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال في نفس السورة قال: فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا، وقال سبحانه وتعالى: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا. ومغانم كثيرة يأخذونها، هنا سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا، هي خيبر وكانت بعد ثلاثة أشهر من صلح الحديبية، ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ، الذي أمر ألا يتبعوا ألا يتبعوكم، فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا.

هذا تعليم من الله سبحانه وتعالى للمؤمنين عن طرائق المنافقين وأساليبهم التي يتخذونها في تشويه البواعث الصالحة. الآن ما الباعث في ان قال المؤمنون للمنافقين لن تتبعونا؟ استجابة لأمر الله الذي عاقب أولئك المنافقين بنفاقهم وتخلفهم عن صلح الحديبية أو عن المقامات المحمودة، المهم ان الله عاقبهم وأمر ألا يتبعوا المؤمنين في ذلك المقام، هذا الباعث وهذا المحرك. المنافقون دائماً لديهم حزمة تفسيرات جاهزة لتفسير أفعال المصلحين، وهذا كثير في القرآن، المنافقون المشركون الكفار دائماً عندهم بنك فيه تهم، هذه التهم سهلة الصرف تصرف بسهولة جيد، ما تحتاج إلى براهين، ما تحتاج إلى تحقيق، ما تحتاج إلى بحث، ما تحتاج إلى موافقة للواقع ولا قرب من الواقع، ما تحتاج، تحتاج ان يكون لك القدرة على ان تصرف هذه التهمة فقط جيد.

ولذلك دائماً تجد القرآن يؤكد هذا المعنى في موسى عليه السلام وهارون قال: وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ، لا جاءتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك، تخرج التي تخرجنا وبسحرك وأيضا ايش إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد. وهكذا هنا: فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا، واضح القضية واضحة، أنتم أيها الصحابة منعتونا ان نتبعكم في هذه المغانم لأنكم تريدون ان تستأثروا بالغنائم وحدكم، ما تقول ان نشارككم عندكم حسد، فكيف يعني شوف كيف تصرفات الصحابة هذه إنسان حالهم شكل تصرفات الصحابة يحسدون خلينا نشارككم، فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا ۚ بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا.

قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ، وهنا مقياس من مقاييس معرفة الصادق من الكاذب، وهذا المنهج القرآني في التعريف بالمشركين أو بالمنافقين خاصة بالمنافقين وهو ان تنظر في عمله لا إلى قوله، فإذا كان عمله مكذباً فاعلم ان قوله انما كان كذباً. ولذلك تجد ان في سورة البقرة لما قال الله سبحانه وتعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ. وسوف ناحية العمل: وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ.

وهنا قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ، جاء لكم اختبار عملي، سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ۖ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا ۖ وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا. لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ أي في التخلف عن الجهاد، وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا. لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ.

من في القرآن تجد المفارقة بين وصف المؤمنين وآثار الإيمان عليهم من الناحية الأخلاقية والسلوكية والتعبدية وبين المنافقين والمشركين وآثار الأعمال عليهم، وهذا الفرقان في العمل بين المؤمن وأثر الإيمان عليه وبين الكافر وأثر الكفر عليه، هو من أعظم الأدلة والبراهين على صحة الدين وربانيته وصلاحياته. ونحن اليوم أحوج ما نحتاج إلى هذه المقارنة، ليس في واقع من واقع المسلمين بعينه وإنما في النموذج الإسلامي حين يتحقق في الفرد، وفي النموذج مثلاً الإلحادي حين يتحقق في الفرد، ما الذي يترتب على هذا وما الذي ترتب على هذا.

وإذا كنت لا ترى ذلك جيداً، فلتستدل عليه بس من آثار النفحات الإلهية عليك في المقامات الإيمانية الصافية في مثل أيام العشر الأواخر من رمضان وليلة القدر وما إلى ذلك من المقامات التي تذكر فيها النفوس، هل تنظر حينها إلى نفسك في ما لو كان هناك أمر عملي تطلب الأمانة مثلاً وكان فيه كان عندك خيارات أخذ أموال هائلة جيد بخمسة العراق فلا يراك فيها أحد ثم تمتنع منها ابتغاء أو خوفاً من الله سبحانه وتعالى، حين تتعرض للكثير من التصرفات فلا يكون الوازع بينك وبين الفساد أو الدخول فيها من ناحية الإفساد إلا مخافة الله في قلبك، انظر فيما يترتب على حالة النفس من الإحسان والحلم والصبر والصدق والرحمة والرأفة وإلى آخره من آثار الإيمان الحقيقي على النفس، انظر هذا واعتبرها مثلاً، ثم انظر إلى حالة إنسان الخلي القلب عن الله وعن الخوف منه وعن الآخرة عن الخوف منها ومقتضيات ذلك على سلوكه من الغلظة والظلم والبطش والسرقة والإفساد وتتبع الأهواء والشهوات، وما بين ذلك وذاك تعرف الفرق بين ربانية الدين الغاية التي خلق الإنسان لأجلها وبين ظلامية الإنسان بعيداً عن أنوار الوحي.

ومن أعظم الفساد الذي يمكن ان يحصل وهو حاصل اليوم هو ان يلتبس هذا بهذا، ان يلتبس النموذج الصالح بالنموذج الفاسد، ولا يكون معيار التقديم والتأخير هو مقدار الصلاح والفساد بالمعنى الشمولي الذي خلق الله الإنسان لأجله، وإنما يكون معيار التقديم أو التأخير والصلاح والفساد هو مقاييس بشرية محدودة جداً، إذا وجد هذا الالتباس كما هو موجود اليوم فاعلم اننا نعيش مرحلة فساد كبير جداً تتطلب التدخل العاجل البياني البرهاني الفرقاني الذي يفرق بين الحق والباطل وبين أهل الحق والباطل حتى لا يلتبس هذا بهذا. وقد قال الله سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ. ذكر الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى ان هذا الفساد والفتنة التي تكون هي بالذوبان الحواجز بين المؤمنين والكافرين بحيث لا يحصل قدر من الفرقان فيها.

هنا هنا يدعي المنافقون ان المؤمنين إنما حركتهم الغنائم، حركتهم الغنائم ومنعهم من استصحاب أولئك الحسد وخوف المشاركة، وينقل الله سبحانه وتعالى الصورة إلى من قبل فترة يسيرة لنفس أولئك المؤمنين الذين رفضوا ان يصطحبهم المنافقون حين كانوا تحت الشجرة، حين كانت المؤن قليلة والزاد قليل والعتاد والسلاح قليل والعدو كبير وكثير، وكانت حالة صعبة مفارقة ومخيفة فالتأم والتأموا حول النبي صلى الله تحت الشجرة يبايعونه على الموت وعلى ألا يفروا.

انظر بعد هذه الآيات مباشرة للمنافقين قال الله: لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ، هنا الباعث الحقيقي الذي في دواخلهم، فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ على ما في قلوبهم من الصدق والإخلاص ونصرة الله ورسوله، فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا. هذه كلمة أثابهم فيها درس عظيم جداً، وهو ان الفتح والنصر والتمكين هو من عند الله يصيب به من يشاء أو يقدره سبحانه تقديراً، ولو كان الآخذ أخذ هذا التقدير أو هذا القدر إنساناً كافراً وطالما قد يكون ثوابت وقد يكون فتنة وقد يكون عقوبة على آخرين بحسب: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ. هناك: وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا، يرجعوا إلى تلك الحال عام ستة للهجرة اللي حصل في صلح الحديبية، الحال لم تكن حال نصر، لم تكن حال يعني درجات عليه في العزة والنصر أو حتى كانت حال المسلمين بالتوتر أخرجوا من حصار المدينة يعني أنتم أنتم الأحقاب على المدينة وكادت ان تقضي على الإسلام في المدينة، يعني ما كانت القضية ترى انه في غزوات متتالية من النبي صلى وأصحابه على عقر دار المشركين، هم الآن قبل سنة واحدة خارجين من حصارها المطبق على المدينة نفسها على عقر دار الإسلام، واضح فكانت القضية يعني ترى انه الموازين القوى لنا ابداً بالعكس، وخرج في ذلك المكان بأسلحة خفيفة وعددهم ألف وأربعمائة في صلح الحديبية 1400 عدد قليل جداً، لكن هنا يقول الله لهم: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا.

كتب الله سبحانه وتعالى لأولئك العصمة ان لهم فتحاً قريباً، وبشرهم بذلك الفتح قبل وقوعه، ثم تتالت البشريات بعد هذه الآية، فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا. وَمَغَانِمَ أيها أيضاً وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا. وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَٰذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ. ولاحظ كف أيدي الناس عنكم، هذه معنى عظيم جداً، ربطهم أمام الفتح ومعنى انتشار الإسلام وتبليغ الحجة وان من أهم أسباب انتشار الإسلام هو ان تكف أيدي ان تكف أيدي الأعداء؛ لأن ثمرة صلح الحديبية كانت كفائده، أليس كذلك؟ يعني هذه الثمرة الأولى والتي نتج عنها انتشار الإسلام وتبليغه وإلى آخره، فَعَجَّلَ لَكُمْ هَٰذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ. آية، هذا الآن الحدث يعتبر حدثاً تاريخياً، أليس كذلك مما يسمى بالأحداث التاريخية.

يعني الصحابة الآن لما نزلت هذه السورة، الحدث الذي مر معهم هو حدث تاريخي، حدث صلح الحديبية، كما أن الأحزاب حدث من أحداث التاريخ، التاريخ القريب مثل ما أنت تقول السنة أو قبل عدة أشهر، هذا من أحداث التاريخ تماماً. القرآن يؤسس دائماً لفكرة أن تنظر إلى هذه الأحداث على أنها آيات لا على أنها أحداث، هيات وشواهد جيد. وهذا مثل الآيات الكونية، إحنا نسميها الآيات الكونية لأنه إحنا نأخذ من القرآن، بينما هي في كثير من التعبيرات ظواهر كونية، مثلاً في الكسوف والخسوف ظواهر كونية، بينما النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الشمس والقمر آيتان. فرق بين ظاهرة وبين آية صح.

هناك من ينظر إلى الكون، من ينظر إلى الكون ولو مسحت عن عينيه عما في نفسه بمازق، يكتشف الإيمان والكفر والمعنى وعدم المعنى، ووجدت صحراء قاحلة داخل هذه النفس، تنظر بعين جامدة وكأنها مكونة من مسامير ومعدات مواد، تنظر إلى هذا الكون بهذا الاعتبار. وهناك أناس لو وضعت هذا الماسح عليهم، فرأيتهم حين ينظرون إلى هذه الآيات، لرأيت جنات من المعاني والتفكر والآيات والمعاني التي تتولد في تواصل الإنسان مع هذا الكون. نفس الشيء في قضية التاريخ وشواهد التاريخ، دائماً القرآن، الله سبحانه وتعالى في القرآن دائماً يذكر للمؤمنين مثلاً آثار المشركين، وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ. فيقول الله لك انظر إلى هذه الآيات بعين العبرة واجعلها آيات وشواهد، لا تنظر إليها بأنها آثار فقط.

وهذا فقدان المعنى في شواهد التاريخ أو في الآيات الكونية هذا تحصل أو تتحقق بحذافيره في السياق الغربي على مر القرون، ومن يقرأ تاريخ الفكر الغربي بهذه العين، بهذه العين، بهذا الإطار، سيجد الشواهد الكثيرة على ذلك. حتى أن مذكرة عندك مثلاً وقف أمام الكنائس أو الآثار الكبيرة هذه اللي فيها إتقان الصنع، حصّلتها معالم التاريخ الكبير، ليقول فلم يشد انتباهه في هذا المعلم أكثر من الزوايا والقياسات الهندسية جيد. بينما يعني هذا التغيير تغيير كبير جداً، وقل مثل ذلك في العلاقة بالكون، يعني كان الإنسان حتى الإنسان المؤمن، الدين النصراني على ما فيه من تحريف، لكن على الأقل كانوا ينظرون سابقاً إلى الشمس والقمر والنجوم على أنها آية من آيات الله، كل ما عندهم من الانحراف، وكان هذا يحدث فيهم حالة من الصلاح، نوعاً من أنواع الصلاح الذي يمكن أن يتحقق في الإنسان، ثم بعد ذلك لم يزل، لم يزد نظر الإنسان إلى هذه المعالم على أنها ظواهر كونية لا علاقة لها بالخالق ولا علاقة لها بالتدبير ولا علاقة لها بالتسيير، وإنما هي قوانين طبيعية تحكم حركة هذا الكون.

وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا. ما هي الآية هنا في الآية؟ منهم من أرجع هذه الآية على كف أيدي الناس عنكم. ولذلك قال إن من أعظم آيات الله التي ينبغي للمؤمن أن يعتبر بها وهي آيات كف الأعداء، سواء قلت هذا أو كل المعاني المرتبطة بها من النصر والفتح وما إلى ذلك، فهي آية يجب أن تعيد لدى الإنسان علاقته بما حولهم. وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا. هذه الأخرى التي لم تقدروا عليها اختلف فيها أيضاً المفسرون، منهم من قال هي فتح مكة، وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا، وبعضهم قال أخرى هذه مفتوحة لكل ما يأتي بعد ذلك من النصر والفتح.

وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وهنا تأتي نفس القضية التي ذكرتها في البداية وهي أن الله سبحانه وتعالى يؤسس دائماً أن النصر إنما يبدأ أول ما يبدأ من الداخل، وأن الأمور الخارجية هي أمور قابلة للتغيير، وليست هي المقياس ولا هي المعيار. وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا. هذه سنة، إذا قاتلكم الذين كفروا وكنتم أنتم أمامهم أهل الإيمان، فإنهم يولون الأدبار ينصركم الله عليهم. قال ابن القيم: فإن قيل إنهم قد تواجهوا يوم أحد، وقد كانت الدولة للكافرين على المسلمين، قال ابن القيم: نعم، فإن هذا النصر الموعود به هنا هو نصر مشروط، قد ذكر الله شروطه في آيات أخرى في كتابه، فقال سبحانه وتعالى: بَلَىٰ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم. ففي الشروط الظاهرة إذا تحققت، أقصد الشروط الظاهرة من أصل معنى الإمكان، مثل أن كثيراً من إمكان، أقصد بين الجيشين، وإن كان في كثير من شواهد التاريخ حتى فيما نصر الله فيه مؤمنين، قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ. أوضح من ذلك في سورة البقرة وَكَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ. لكن كما قلت هذا مشروط بالصبر والتقوى ومراعاة الأسباب في الجملة، ومراعاة الأسباب في الجملة.

وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا. بطن مكة هذه الحديبية. وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا. هنا تأتي آية فيها نفس المعنى الذي ذكرت، وهو معنى التركيز على بواعث المشركين وحالهم وما الذي يحركهم، حقيقة ما هم عليه من سمات، لأن هذا من أعظم المثبتات. مؤمن بمجرد أن تعرف أن الذي يحركه هو ابتغاء وجه الله، وتعلم أن الذي يحرك الآخر هو أسباب سخيفة، منحطة، جاهلة، ظالمة، هذا بحد ذاته من أسباب الثبات. وهذا يجب أن تستحضره. الله سبحانه وتعالى يقول هنا للمؤمنين: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ. صدوكم وصلوا الهدي، والهدي معكوفاً أن يبلغ محله. وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ إلى آخر الآيات. ثم قال: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ. لاحظوا هنا الذي جعل في قلوبهم، لاحظوا كلمة قلوبهم، وهناك فعلم ما في قلوبهم. قلوبهم قلوبهم، القلوب الأولى قلوب المؤمنين لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِم مِّن الصدق والإخلاص والتوحيد وإلى آخره، وهنا: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ. فالذي في قلوب أولئك، يا من كان في قلوبكم الصدق نصر الله ورسوله ودينه، فإن في قلوب أعدائكم إنما فيها حمية الجاهلية، إنما فيها حمية الجاهلية، وفرق عظيم وكبير في صف يقف وهو مؤمن أنه إنما يحركه ابتغاء وجه الله دائماً عند الله، وصف أمامه يعلم أن الذي يحركه الحمية الجاهلية، ليس كذلك.

يعني هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ. لاحظوا الأثر السلوكي، هؤلاء المشركون صدوا المؤمنين ومعهم الهدي، تصدوا الهدي، وهذا فساد عظيم وكبير وتحكم في بيت الله الحرام وفي هذا المكان المقدس لا يليق. بينما انظر إلى أخلاق، الأخلاق التي أسسها الله في المؤمنين، يعني حتى يفهم الإنسان الفرق الهائل بين المؤمن وبين الكافر. قال سبحانه وتعالى في سورة المائدة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ... وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا. صنع أن البغضاء والعداوة، وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا. مهما حصل ومهما فعل ومهما أجرم وصد عن المسجد الحرام، فليس لكم الحق أن وفي آية أخرى في نفس السورة وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا. إذا أردت أن تعرف أخلاق أي قوم فانظر إليهم في الحرب وعند العهود والمواثيق، أخلاق الحرب هي التي تظهر حقيقة الإنسان من الناحية الأخلاقية والسلوكية وما عليه.

طبعاً يأتي التزام الأفراد بحسب إيمانهم، وكلما اقترب المؤمنون من تحقيق الإيمان كان التزامهم أعلى من فترات ابتعادهم. وهذا المعنى كان واضحاً في وقت النبي صلى الله عليه وسلم، لما وجد النبي صلى الله عليه وسلم امرأة مقتولة في مغازيه قال: ما كانت هذه لتقتل. التعرية أكثر من لفظ الأصح منها وال أوضح، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان، وكان يوصي النبي صلى الله عليه وسلم قادة جيوشه فيقول: لا تغلوا ولا تغدروا. القول في الغدر وكان من سمات النبي التي استدل بها هرقل على أنه نبي أنه لا يغدر، وقال لا، ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم عنده كل خصلة حميدة ولكنه يغدر، لكان لـ، لادرك هرقل أنه ليس نبياً، هذه المسألة ما فيها براغماتيات، هذه الأشياء واضحة. وكذلك يعني عموماً الأدلة كثيرة في مثل هذا المعنى، ولذلك تجد أن الفتوحات الإسلامية خاصة في بدايتها، في بدايتها اللي يعيش الفكرة أنه إشكال، لا كان على مرحلة قبل الإيمان، الإيمان الأقرب لتحقيق الإيمان غير في المراحل المتأخرة اللي اختلطت فيها كثير من الأحيان السياسة بالدين. لكن في مراحلها الأولى انظر في التاريخ في الفتوحات الإسلامية، ما كان في شيء في قاموس المسلمين اسمه تدمير المدن وحرقها واجتثاث أهلها، واضح، ما كان فيها بالعكس. كان فيه حتى لو كانت في هذا الحصن أكبر الغنائم، وكانت المعطيات الحربية تقول إنك ستستطيع الاستيلاء عليها، الإسلام يقول لك إذا قالوا كلمة لا إله إلا الله تتوقف الجيوش وترجع، حتى لو كان هذا الكلام كله بمقدوركم.

طيب على أية حال، وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا. هذه الآية من أعظم الآيات في قيمة المؤمنين عند الله سبحانه وتعالى. والله سبحانه وتعالى يقول لهم ترى لولا أن هناك بعض المؤمنين والمؤمنات المستضعفين في مكة لما تعرفونهم لولا هؤلاء لسلّطكم عليهم، ولكن من رحمة الله بهؤلاء لحكم أخرى أبعدكم الله سبحانه وتعالى عنهم. كم كان عدد هؤلاء الذين صرف جيش المؤمنين عن مكة؟ وجاء في بعض الروايات عند الطبراني كانوا تسعة، سبعة رجال وامرأة. وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ، هذه الرواية حتى في رواية أنهم سبعة وربما قد يزيدون قليلاً، القصص ما أستحضر العام في رواية الفتح ليست مذكورة، لكن ربما يكون في غيره ربما يكون بعض أهل السير بشكل تفصيلي تذكرنا، لكن إيش الفكرة؟ الفكرة هي قيمة المؤمنين عند الله سبحانه وتعالى وهؤلاء قلة مستضعفون. يمكن أن نقول كذلك قيمة المؤمنين المستضعفين.

وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا. لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ. كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أراه الله رؤيا أنهم يدخل مكة، وبشر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بهذه الرؤيا قبل الانطلاق أو قبل وقوع صلح الحديبية، وكان الصحابة في رحلتهم تلك أملهم الشوق وتحدوهم الأماني ما بين تذكر الكعبة التي لهم وبينهم وبينها سنوات، وبيوت مكة وأزقتها، ومما يحذوهم تلك الرؤية التي بشرها النبي صلى الله عليه وسلم بها، وهم يعلمون أنها حق، فكانت الصدمة لما جاء المنع ووقع النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الصلح. فكان من جملة النقاشات، ثم قال عمر يا رسول الله الم تخبرنا أن سندخل البيت؟ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: قلت لك هذا العام؟ قال: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. وهنا تأتي الآية مصدقة لهذا المعنى: لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ.

الآخر هنا في معنى منهجي يمكن أن يستفاد في التعامل مع المبشرات النبوية، تأمل المبشرات النبوية، أساس الإشكال الذي وقع للصحابة في التعامل مع هذه البشارة، التحديد غير الصحيح، أنزلوها على زمن ليس هو الصواب، ظنوا أن هذا الزمن تحديداً، هذه السنة تحديداً، وكان الإشكال ليس في أصل البشرى وإنما في التنزيل، هكذا في التعامل مع كثير من النصوص المبشرة، في سواء المتعلقة بآخر الزمان من ناحية المبشريات بالتمكين وما إلى ذلك، أو حتى بالرؤى الصالحة، أحياناً يكون الخطأ هو في التنزيل، في أن يظن الإنسان أن هذه المرحلة أو هذا هو الزمن، بينما تكون القضية ليست كذلك، هذه من الفوائد التي نستفيدها من هذه الآية. لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا. الله سبحانه وتعالى هو الذي يدبر الأمر، هذه المراحل أنت ملك محدود في معرفتكم، لكن علم الله سبحانه وتعالى متجاوز لعلمكم، فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً. هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ. إيش الفرق بين الهدى ودين الحق؟ بعضهم قالوا منهم ابن تيمية: الهدى العلم النافع، والدين الحق العمل الصالح، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا. وهذه الآية من الآيات المكررة في كتاب الله، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وهنا تجد أن من...

الأئمة من يسلط الضوء تحت هذه الآية على قضية عنوان الحجة والبرهان والبيان، وأن ظهور هذا الدين يكون بصورتين: صورة يجب أن تكون دائماً، وصورة قد تتخلف أحياناً. أما الصورة الدائمة فهي صورة الحجة والبيان والبرهان، ظهور الحق هو الدليل، ظهور الدين أن هذا هو الدين الحق. والظهور الآخر هو ظهور السنان والسيف والقوة.

وكما قال ابن حزم: وقد تهزم العساكر الكبار ولكن الحجة، ولكن من حجاج الفائدة العملية من هذه الآية هي أن الاشتغال فيما يظهر هذا الدين من جهة أدلته وبراهينه ومكانته وصلاحياته هو من أعظم المعالم أو المعاني أو الطرق أو المجالات التي يمكن أن يعمل فيها الإنسان.

مرة أخرى من أعظم المجالات التي يمكن أن تعمل فيها وأن تفني عمرك لأجلها، ومن أعظم المشاريع التي يمكن أن تجعلها وجهة لك هي المجالات والمشاريع والمعالم التي يكون فيها تحقيق لقوله سبحانه وتعالى: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، خاصة إذا كان هذا بالحجة والبرهان.

ثم جاءت الآية الأخيرة في هذه السورة، الخاتمة الجامعة العظيمة: مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ. ومن أجمل اللطائف التي ذكرها بعض المفسرين في هذه الجملة، وإلى ضيفة عزيزة لا أستحضر الآن من قالها، لكن قالها بعض الأئمة وهي أن هذا الاسم، هذه الجملة تحديداً: مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ، هي الجملة التي مُحيت في ورقة الصلح، صلح الحديبية، ليس كذلك؟ لأنه كان كاتباً، كان مكتوباً: من محمد رسول الله، وهذا ما عقد عليه محمد رسول الله أهل مكة وقريش كذا وكذا وكذا. فأشكل الأمر، نعلم أنك رسول الله، اتبعناه أم سحر رسول الله؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: امحُ، فقال: والله لا، والله، وقال علي: لا أمحو اسمك يا رسول الله. وكتب: هذا ما عقد عليه محمد بن عبد الله.

حُيت من تلك الصفحة وسُجلت في نفس هذه السورة المتعلقة بنفس هذا الحدث، تقرأ إلى يوم القيامة: مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ، وهي الجملة الوحيدة في القرآن بهذا الترتيب محمد والقرآن. في مثل هذه المعاني التي ما ينتبه إليها، يعني هذه الآية ما فيها تنبيه على أنها مرتبطة بحدث أو شيء، مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ولو لم تذكر هذا الحدث ما نقص في من تفسير الآية، الآية مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ تفسيرها ما هو؟ محمد رسول من عند الله، رسول الله إلى آخره، هذا تفسير. فلو استجلبت ذلك المعنى أو ألغيته ما نقص من تفسير الآية شيء من حيث التفسير، أليس كذلك؟

لكن لو وجدت ذلك المعنى فُتح أفق من أفق المعاني والتدبر جديد، أليس كذلك؟ يجعل الإنسان، وهكذا القرآن فيه مثل القرآن، كثيراً ما لا ينبه، يعني القرآن تجد فيه تضمين لمعاني أحياناً تبقى مستغلقة على قرون من الأمة، ثم تفتح بسبب بعض الأمور الجديدة، آية مثلاً في سورة يوسف: وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ، وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ، الملك، الملك وهو كان ملك مصر، بينما تجد في التوراة تراقصت يوسف ذكره مفصلة جداً، كل الأحداث اللي فيها في التوراة في تسوية، قال فرعون وحده قصة موسى في القرآن فرعون فرعون فرعون، لما جاءت يوسف تحديداً ما قال، قال الشهر التاريخية اللي في حجر رشيد عُرفت به اللغة المصرية القديمة، ومع التاريخ كانت تلك فترة ملوك كما يقال ملك الهكسوس وليسوا الفراعنة، وقال ولكن وراءها سيظل بينما هي في التسليم أن قصر، ولا زال شيء من حيث أصل التفسير، وقال الملك هو الملك.

ومثل ذلك نظرية الشيخ محمد رؤوف ومساعده في إعجاز القرآن، في أعجمي القرآن، تتفق تختلف، في الأخير له أدلة ليست سهلة ولا قليلة في إثبات هذا المعنى، وهو نفس الشيء ما يؤثر في التفسير من حيث الأساس، يعني تفسير الآية كما، وهذه ليست مثل النظريات التأويلية التي تحرف القرآن، التي تقول معنى الآية أصلاً وَالْفَجْرِ والانفجار الكوني، وَلَيَالٍ عَشْرٍ الفوتونات، ومدارس المراحل. وهذه الفكرة، فكرة مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ معناها الآن معناها قبل، ومُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ، لكن أحياناً يقول لك الآية تنبه إلى معنى وراء ذلك مرتبط بأشياء أخرى. هذا حقيقة إعجاز القرآن في أعجمي القرآن، يقول لك إنه القرآن يشير إلى معنى الاسم الأعجمي الذي يذكره، يشير إلى معناه في لغته.

فمثلاً واضح إسحاق، إسحاق إسحاق يضحك معناه بالعبري، يقول لك إلا ما تجد إشارة، فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ، في إشارة للضحك، وهكذا يتتبع الأعلام الأعجمية. طبعاً البحث الأكبر ليس في القرآن، البحث الأكبر في تحقيق معنى اللفظ في لغته، ويتعقب على كبار المحققين اللغويين في اللغات العبرية والآرامية، وهو محقق لغوي كبير جداً، ويرجع المعاجم ويجيب أصولها اللغوية، والجذر اللغوي، ويفصل كثيراً في اللغة العربية أو في اللغة العبرية، ثم يخرج في الأخير بما معنى الاسم في لغتهم، ثم يقول لك أنا ما تجد القرآن يشير له، وهو أصلاً عندي النظرية ليست فقط في الإشارة، ويقول لك كيف أصلاً القرآن كيف يتعامل مع الأسماء الأعجمية؟ يعني يعني هل الآن نحن نقول عيسى هل هو هذا اللفظ اسمه عيسى عليه السلام؟ طيب هل نحن نقول مثلاً يحيى الاسم يحيى هكذا كان ينطق؟ أو قبل أن القرآن يأتي بهذا الاسم هو يقول لك السر كله في كلمة "ليش"، إذاً فهمك ليس فيبدأ يرحل لك برحلة بحثية طويلة عشان يقول لك هذه الخلاصة التي أتى بها القرآن بصياغته الاسم بهذا المعنى. يعني في كلام كثير مجلدين فيه كثير، يعني يصل إلى نحو، فهو يقول لك أحياناً القرآن بمجرد تعريف يكون فيه دلالة معينة، بمجرد هذا التعريف، وفيه في لقطات في البحث مخيفة في العجب، وأحياناً لا يعني يقول لك لا في سياق الآية في كذا، مثلاً لا شك أن نفسر لوط، والله نسيت هل هو المستضيف؟ يمكن المستضيف، وذكر لك الآيات موسى عليه السلام، وَلَدًا أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا، وهكذا. تراجعوا الكتاب، الكتاب معروف وفيه بحث واجب، على كل حال: مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ.

هذا التكامل بين الأشدّاء والرحماء، وبين أدلة وأعزة في سورة المائدة: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ. وقد قال من قال من المفسرين أن المقصود بهم في سورة المائدة هم الصحابة، مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، حملها بعض المفسرين على ارتداد جزيرة العرب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، هم أبو بكر ومن معهم، أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ. وقيل أنها أمة، لكن هنا هذان الصفتان هاتان الصفتان، عفواً هذان الأمران هذان المعنيان الجمع بينهما هو جمع بين ما يحبه الله سبحانه وتعالى في صفات أوليائه وأنصار دينه، شدة على الباطل ورحمة في الحق وللحق. ومتى ما وجدت أو متى وجدت في أناس مؤمنين يزعمون أنهم يسيرون في طريق الحق، ويدعون للحق وينصرون الحق، ثم لا يكون تكون صفاتهم قد اشتملت على هذين النوعين، فاعلم أن في ذلك نقصاً كبيراً، فضلاً عما لو كان ما هم عليه هو العكس: الشدة على المؤمنين والذلة للكافرين. لكن أنا أقول أحياناً قد يحتوي على واحد أحد المؤمنين على واحد من الصفتين دون الأخرى، بينما هنا الجمع بينهما: وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا، هؤلاء هم الصحابة في مقابل أصحاب الحمية الجاهلية الذين صدوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفاً أن يبلغ محله.

تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا، وهذا اللفظ فيه دلالة على كثرتهم من الركوع والسجود، كما قال من قال من بعض المفسرين: تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا، أي تراهم متى ما شئت أن تراهم، متى سيأتي أن تراهم في كل وقت وحين، سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا، وهذه يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا هي الباعث والمحرك لهم، فهم ركع وسجد دائماً، دائم الركوع والسجود، دائم الصلاة. تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا، وأنت تقرأ في هذه الجملة تأييد الله سبحانه وتعالى ومحبة الله سبحانه وتعالى لهم ولِفعلهم هذا، فتأخذ الثمرة العملية منهم: تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ.

وهذه الجملة جملة يصلح أن تكون عنواناً لسلسلة محاضرات: سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ، فهذه من أعظم الجمل التي تتعلق بأثر السلوك، أثر الإيمان على السلوك وعلى الإنسان. سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم، هنا السمة هي سمة أثر الإسلام على الإنسان من الخشوع وسكينة الإيمان وما إلى ذلك، ليست العلامة التي كتبها طبعاً، لكن من أظهر ما يدخل في هذه السمة هو الخشوع. سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ، وهذه "مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ" عجيبة، وكأن السجود هو خلاصة العبودية لله سبحانه وتعالى. ومن المعلوم أن السجود ليس هو بحد ذاته السبب، السجود الظاهري ليس بحد ذاته السبب الذي عكس أثر الإيمان والحصول على وجوههم، وإنما ما يحتويه السجود في ذلك الظرف، ظرف الذلة والانكسار بوضع الجبهة والأنف على الأرض، ما يحتويه هذا الظرف من دعاء وثناء وإخبار وطلب ومناجاة لله سبحانه وتعالى أن بمجموعه كان من أعظم ما ترك عليهم أثراً تعرف به أنهم مؤمنون وأنهم مؤمنين.

سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ، ومن هذه الآية من هذه الجملة تعلم مركزية السجود وقيمة السجود عند الله سبحانه وتعالى، وقيمتها كعبادة، يعني في قلب العبادات التي يمكن أن تفيد أو أن تعكس آثارها آثارها على الإنسان في سلوكه وعمله وفي وجهه حتى قبل أن يكون في تصرفاته. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله ربيعة بن كعب الأسلمي عن عمل، أسأله أن يكون رفيقه في الجنة وقد خدمه عليه الصلاة والسلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أو غير ذلك؟ فقال: هو ذاك. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود. لاحظ ليس فقط بالسجود، وإنما بكثرة السجود، فكان هذا العمل هو من أهم الأسباب التي أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إليها خادمه وصاحبه ليكون رفيقاً له في الجنة. ومن هنا يعلم أن مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم منزلة أمر صعب في الجميع، والوصول إلى مرتبة مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون بمجرد الإيمان، أقصد مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون بمجرد الإيمان، ولا حتى بمجرد أن تكون صحابياً، ولا حتى بمجرد أن تكون خادماً للنبي صلى الله عليه وسلم، إن خدمة النبي صلى الله عليه وسلم وفي الأخير الصحابة بماذا تميزوا؟ لماذا كان للصحابة الفضل في الأخير لأنه نصر النبي صلى الله عليه وسلم وأعانوا وخدموا النبي صلى الله عليه وسلم، واحد من أهم الأعمال التي من نفس عائلة ما فضل به الصحابة، فهذا خادم للنبي صلى الله عليه وسلم ثم يقول أسألك مرافقتك في الجنة، فلم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم إن مجرد خدمته ستكون هي السبب، قال: أعني على نفسك بكثرة السجود. ومن هنا يعلم أهمية المكون الذاتي للإنسان المؤمن لطالب العلم، وأنه ليس المكون الذاتي أقصد العمل الذاتي الذي يفعله الإنسان من عند نفسه، غير السياق العام، يعني الصحابة هم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يصلون جماعة ويصلون معه، ويذهبون معه ويسافرون ويجاهدون، لكن في أشياء ذاتية من عندهم يفعلونها، هذه من أعظم أسباب الرفعة عند الله سبحانه وتعالى.

ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ، ثم ذكر الله سبحانه وتعالى أن الصحابة قد ذكرت سماتهم قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكره بعض سماته، وذكر الله سبحانه وتعالى سنة الزرع الذي يخرج قسطره، بعض بعض الزروع لا يقوى ولا يشتد إلا بمجموعة من الزروع حوله تنبت معهم، تنبت معهم فتكون الزروع المحيطة قوية ومثبتة لهذه الزرعة، فإذا نبتت هذه الزرعة وحولها هذا الزرع المحيط بها الذي يشدها، تكون هذه هي الصورة المثالية التي تعجب الفلاح أو صاحب المزرعة، والله سبحانه وتعالى هنا يشبه النبي صلى الله عليه وسلم وشبه النبي صلى الله عليه وسلم مع من الصحابة بهذه الزرع المحيط بها، هذه الفروق من الزرع، فكان النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الزرعة، وأولئك الصحابة الحول مهم الزروع الصغيرة الذين يبدون كما قال حسان بن ثابت في وصفه لمعركة بدر: أمام محمد قد ذروه بكل مهند خاض الكروب إلى آخره.

فَهِيَ زَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ، ومن هنا من قوله سبحانه لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ نأخذ فائدتين، الفائدة الأولى أن من كان الصحابة سبباً في غيظه وإغاظته فهو خاسر خاسر، بل وبعض العلماء استدل على كثرة بهذه الآية على أن هذا هذه القضية فيها تفصيل ونقاش، لكن هذا المعنى العام، خاصة وأن الكفر ليس بالضرورة أن يكون ليس بالضرورة أن يكون كفراً واحداً يخرج من الملة، لكن بغض النظر عن هذه المسألة الإمام مالك طبعاً استدل بها، الإمام مالك استدل بهذه الآية.

لكن هذه الآية يعلم منها مقدار ما عليه الرافضة من الخسران، لأن الله قال عن الصحابة في هذه الآية: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ، وأكثر الناس إغاظة لأصحاب رسول الله الرافضة، وهؤلاء الرافضة قوم مساكين، قد ابتلوا بأن أسسوا تصوراتهم على أوهام، على أوهام، فأنت تجد أنهم يتخذون ويقتاتون على تنمية العداء لأعداء أهل البيت الذين هم في ظنهم أهل السنة، وإذا أخذت سنياً من عرض السنة في أي مكان في العالم وقلت له: ما موقفكم من أهل البيت؟

إذا كان يعرف يكون حبهم، إنما كان يعرف من أهل البيت، بينما هم يصورون القضية على أن هذا الدين دين الانقسام، الدين السني إنما نشأ على بغض أهل البيت وعداوتهم، ولذلك يختصرون لفظ أهل السنة في نواصب، نصبوا العداء لأهل البيت، يعني اتجاه مذهب يغذي على الوهم. طيب، ماذا لو قلت لك أن من أهم ما يدخل في أهل البيت عندهم علي رضي الله عنه والحسن والحسين، تنصب العداء لعلي والحسن والحسين؟ أنت تحبهم حباً أكثر من أصدقائك وأكثر من مالك وأكثر من.. يعني المسلم السني ينشأ على أن من أعظم من أعظم الشخصيات التي يمكن أن ينظر إليها في حياته علي رضي الله تعالى عنه والحسن والحسين.

ولو قلت من النساء: من أعظم النساء عندك على مر التاريخ في قاموسك الذي تعرفه؟ لنقلت من بينهم فاطمة ابنة محمد عليه الصلاة والسلام. فهم حتى في الأحداث التفصيلية تأتي بعض المشاهد، الآن هم يقاتلون في بعض الأماكن، أن يضرب سلاح معين فيقول مثلاً يا زهراء يا فاطمة، ولا أحياناً يعني ثارات الحسين، ثلاثة وعشرين من أن تنتقل من.. حتى تثبت يعني أنك تأخذ بثأر الحسين، وهذا إثارة الحنق وتحشيد البغضاء والعداء، وذكر تفاصيل مقتل الحسين رضي الله تعالى عنه بتفاصيل تحشد فيها تجيش فيها عاطفة العداء والثأر، لذلك بتشوف الكثير من الأفعال عندهم الانتقام، حرق، قتل، تمزيق، قطع، ذبح، انتقامية، روح عداء وانتقامية جيد طول السنين. ليش؟ ضد من؟ هؤلاء الذين قتلتهم يكرهون الحسين؟ أتحداك أن تأتي بأحد من أهل السنة يكره الحسين رضي الله تعالى عنه. ولو قال أحد من أهل السنة إنه يكره الحسين، لقطعه أهل السنة قطع، علي بن أبي طالب وهكذا، خاصة علي رضي الله عنه الذي ورد فيه النص أنه العهد للنبي الأمي أنه: لَا يُحِبُّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضُنِي إِلَّا مُنَافِقٌ.

بتخيل أن مذهب كامل مبني على هذا الوهم، وليته وهم فكري، وهم فكري وبعض السلوك والقتل والحرق والتمزيق وهذا الناس وهذا المسلمين بشكل مستمر. هذه الفائدة الأولى من قوله سبحانه: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ. الفائدة الثانية هي: أن تعرف أن إغاظة الكفار مقصد شريف، ومراقبة أعداء الله مقصد شريف ينبغي أن يسعى المؤمن إليه. وحتى في نفس صلح الحديبية التي نزلت في هذه السورة، كان هناك فعل مرتبط بهذا الحدث فيه إغاظة للكفار وهو في عمرة القضاء، وهم اصطلحوا في الحديبية على العمرة من السنة القادمة، فكان من إشاعة بين المشركين أنهم قالوا إنهم يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة الأولى، نحن الآن ليشمل الثلاثة؟ الاختراع سنة، لكن ليس من أصل الرمل هذا هو أنهم فعلوه ليقولوا للمشركين نحن أشداء وأقوياء ولسنا كما ظننتم.

وهذا في المعنى اللغوي قد يسمى رياء بس بمعنى السلام جيد، لذلك قال عمر: إنما كنا رائينا بهم المشركين. عن هذا الرمل المقصود به بالمعنى اللغوي، وأظهرنا لهم هذا الفعل يرون، واللي نقول يقولون هم نحن، ها نحن هنا، ها نحن، هذه أفعال وأثر هذا، وعكس نفسي عليهم، قالوا هؤلاء الذين أوهنتهم يثرب؟ الناس الطواف. وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا.

وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.