تسجيل الدخول

الدرس 9 - الأحاديث من 126-131

حسين عبد الرازقالشيخ حسين عبد الرازق
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إbrahim انك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم انك حميد مجيد. وبعد؛ فإن أصدق الحديث كلام الله، وأحسن الهدي هدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة. أهلا وسهلا ومرحبا بطلبة العلم الكرام، بارك الله فيكم، وجزاكم الله خير الجزاء على حرصكم على طلب العلم والتفقه في الدين، وأسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا علما نافعا، ورزقا واسعا، وعملا متقبلا، وأن يعيننا على العلم والإخلاص والصبر.

إن شاء الله، سيكون آخر درس في كتاب العلم، نحاول أن ننجز فيه ما تبقى لنا من الأحاديث. عندنا من يقرأ؟ ماشي، عندنا أخ، أنا فتحته على أحد الإخوة، وصلنا إلى باب ما يستحب للعالم إذا سئل أي الناس أعلم فيكل العلم إلى الله.

السلام عليكم. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. اقرا يا شيخ، تفضل. نعم. باب ما يستحب للعالم إذا سئل أي الناس أعلم فيكل العلم إلى الله. حدثنا عبد الله بن محمد. حاول تقرا يعني تضبط الكلام، فيكل العلم إلى الله، فيكل العلم إلى الله. حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا عمر قال: أخبرني سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن نوفا البكالي يزعم أن موسى ليس بموسى بني إسرائيل، إنما هو موسى آخر. فقال: كذب عدو الله. حدثنا أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قام موسى النبي خطيبا في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم. فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فاوحى الله إليه أن عبدا من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك. قال: يا ربي، وكيف به؟ فقيل له: احمل حوتا في مكتل، فاذا فقدته فهو ثم. فانطلق وانطلق بفتاه يوشع بن نون، وحمل حوتا في مكتل، حتى كان عند الصخره وضع رؤوسهما ونام، فانسل الحوت من المكتل فاتخذ سبيله.

معلش، اضبط شوية. وانطلق بفتاه يوشع بن نون، وحمل حوتا في مكتل حتى كان عند الصخرة، وضع رؤوسهما ونام، فانسل الحوت من المكتل فاتخذ سبيله في البحر سربا، وكان لموسى وفتاه عجبا. فانطلق بقية ليلتهما ويومه، فلما أصبح قال موسى لفتاه: آتنا غدائنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا. ولم يجد موسى مسا من النصب حتى جاوز المكان الذي أمر به، فقال له فتاه: أرايت إذ أوينا إلى الصخرة فاني نسيت الحوت. قال موسى: ذلك ما كنا نبغي، فارتدا على آثارهما قصصا. فلما انتهيا إلى الصخرة إذا رجل مسجى بثوب -أو قال تسجى بثوبه- فسلَم موسى. فقال الخضر: وأنى بارضك السلام! فقال: أنا موسى. فقال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا؟ قال: إنك لن تستطيع معي صبرا يا موسى، إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت علم علمك لا أعلمه. قال: ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا. فانطلقا يمشيان على ساحل البحر ليس لهما سفينة، فمرت بهما سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرف الخضر فحملوهما بغير نول. فجاء عصفور فوقع على حرف السفينة، فنقر نقرة أو نقرتين في البحر، فقال الخضر: يا موسى، ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كنقرة هذا العصفور في البحر. فعمد الخضر إلى لوح من ألوح السفينة فنزعه، فقال موسى: قوم حملونا بغير نول، عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها؟ قال: ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا؟ قال: لا تؤاخذني بما نسيت. فكانت هذه الأولى من موسى نسيانه.

فانطلق، فاذا غلام يلعب مع الغلمان، فأخذ ظر برאسه من أعلاه فاقثل رأسه بيده، فقال موسى: أقتلت نفسا زكية بغير نفس؟ قال: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا؟ قال ابن عيينة: وهذا أوكد. فانطلق حتى إذا أتا أهل قرية استطعموا أهلها، فابوا أن يضيفوهما، فوجد فيها جدارا يريد أن ينقض فاقامه، قال الخضر بيده فاقامه. فقال له موسى: لو شئت لاتخذت عليه أجرا. قال: هذا فراق بيني وبينك، لو شئت لاتخذت -دي قراءة يعني، اقراها مرة أخرى- قال: لو شئت لاتخذت عليه أجرا. يعني في قراءة موجودة عندك إيه تشكيلها؟ ذءه. تمام تمام، خلاص، يبقى اقراها كما عندك: لاتخذت. فقال له موسى: لو شئت لاتخذت عليه أجرا. قال: هذا فراق بيني وبينك. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يررحم الله موسى، لددنا لو صبر حتى يقص علينا من أمرهما». بارك الله فيك.

هذا هو باب ما يستحب للعالم إذا سئل أي الناس أعلم فيكل العلم إلى الله. هذا الباب أو هذا الحديث ذكره الإمام البخاري عليه رحمة الله تبارك وتعالى قبل ذلك بعد أثر عمر: تفقهوا قبل أن تسودوا، وعلق البخاري بعد أن تسودوا. وذكر أن موسى عليه السلام ذهب ليطلب العلم، وهذا الحديث من أهم الأحاديث التي يفيد منها طالب العلم فوائد كثيرة، وأنا لن أستطيع أن أوفي هذا الحديث حقه، لكنه سيتكرر معنا، ولكني فقط في هذا الموضع ساتكلم إن شاء الله تبارك وتعالى عن شيء من فوائد هذا الحديث لط طالب العلم.

ولكني أريد أن أنبه بداية أن الكلام عن موسى عليه السلام والخضر في هذا الحديث أو الارتباط بينهما في تلقي العلم أو التعليم، نحن نلتمس منه الفوائد، لكن لن تجد معلما يكون حالك معه كحال موسى مع الخضر؛ بمعنى أن موسى عليه السلام لما تعلم من الخضر، بين الخضر أنه على علم من الله لم يعلمه موسى؛ بمعنى أنه على صنف من العلم ليس هو الصنف الذي يتعلمه موسى. موسى عليه السلام كان يتعلم عن طريق الوحي، ولم يذكر عندنا في هذا الحديث ما هو الطريق الذي تعلم منه الخضر عليه السلام. فانت لن تجد معلما يكون بهذه الصفات، ولا يصح أن تسلم لمعلم كما كان يجب على موسى أن يسسلم للخضر؛ فيبقى لابد أن ننتبه إلى هذا المعنى. نحن نريد أن نلتمس الفوائد التي يمكن أن يفيدها طالب العلم من هذا الحديث، لكن هل يمكن أن تجد معلما تكون معه كما كان يجب على موسى أن يكون مع الخضر؟ لا، هذا ليس كذلك.

هذا الحديث يا شباب، أول ما يستوقفك فيه أنه جاء في قصة جاءت في سورة الكهف. وسورة الكهف ذكر الله تبارك وتعالى فيها قصة أصحاب الكهف، وصاحب الجنتين، وصاحبه الذي كان يحاوره، وذكر طرفا من فسوق إبليس عن أمر ربه، وذكر النهي عن اتخاذ ذريته أولياء من دون الله. ثم ذكر قصة موسى وفتاه واتباع موسى عليه السلام للعبد الذي آتاه الله رحمة من عنده وعلمه من لدنه علما. ثم ذكر قصة ذي القرنين. هذه السورة فيها الفتن؛ الله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: 7]. وهذه القصة فيها تربية الله تبارك وتعالى لعبده ونبيه ورسوله موسى عليه السلام، وهو من أولى العزم من الرسل، اصطفاه الله تبارك وتعالى برسالاته وبكلامه، قال: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: 41]. وهو متبوع في أمة؛ يعني أمة كاملة تتبعه، والله تبارك وتعالى ذكر هذه القصة بعد ما مكن لموسى عليه السلام، واستقر له الأمر بعد أن نصره الله تبارك وتعالى على فرعون وملإه، وبعد أن نجاه الله تبارك وتعالى، وكان سيدا في قومه عليه السلام.

والله سبحانه وتعالى يربي أنبيائه، ويفتن بما يشاء؛ يعني يمتحنهم، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: 40]، وقال: ﴿وَظَنُّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ [ص: 24]، وقال تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص: 34]. فهذه القصة يظهر جدا فيها أنها من تعليم الله تبارك وتعالى وهدايته لنبيه الكريم ورسوله موسى عليه السلام. يعني هذه القصة ورد أن لها سببا؛ أن موسى عليه السلام، كما جاء في روايات لهذا الحديث، بينما موسى عليه السلام في قومه يذكرهم بأيام الله، وأيام الله نعماؤه وبلاؤه، إذ قال: ما أعلم في الأرض رجلا خيرا مني وأعلم مني! فاوحى الله إليه أني أعلم بالخير منه. وثم ذكر، يعني جاءت بقية القصة، وورد لهذه القصة أكثر من سبب، لكن الذي يظهر منها أن الله تبارك وتعالى علم من عبده موسى أمرا ما يحتاج فيه إلى هداية، ويحتاج فيه إلى تربية، ويحتاج فيه إلى تعليم من الله تبارك وتعالى.

فيعني أنا لن أستطيع أن أوفي هذا الحديث حقه، ولكن أحاول أن اختصر فيه إن شاء الله تبارك وتعالى. بداية يا شباب، أول ما وقفت فيه مع هذا الحديث هو رعاية الله تبارك وتعالى لعباده وأوليائه الصالحين من الأنبياء ومن بعدهم. فكثيرا ما يكون الإنسان على باب من الخير أو الهدى أو العلم أو العبادة، لكن الله تبارك وتعالى يعرضه لمواقف أو لمصائب أو لأمور تجعله أصوب عودا، وتجعله أحسن حالا، ويكون بعدها خيرا مما كان قبلها، والله سبحانه وتعالى لطيف بعباده. وهذا من لطف الله تبارك وتعالى، وكثير من طلاب العلم أو العباد يمكن أن يكون قريبا من الاغترار بالنفس أو الإعجاب بالنفس، والله سبحانه وتعالى يعرضه لأمور هذه الأمور من شأنها أن تحسن حاله.

أنا هنا لا أتكلم عن نبي الله موسى عليه السلام، ولكن أتكلم عما يمكن أن ننتفع نحن منه من هذه القصة، وهو أن الله سبحانه وتعالى يعني يربي عبده المؤمن، ويجعله يمر بمواقف هذه المواقف يتعلم منها، ربما تجعله أكثر تواضعا، ربما تجعله يخفض جناحه للمؤمنين، يعرف ما عنده من نقص، يفتقر إلى الله تبارك وتعالى. وهذا يعني عندي فيه قصص كثيرة، ولكن المقام لا يتسع لها. في هذه القصة أن موسى عليه السلام لما خطب في قومه وسئل، أو هو من نفسه قال: أنا أعلم الناس أو أنا خير الناس، أو لما سئل: هل تعلم أحدا أعلم منك أو خيرا منك؟ فقال: أنا أعلم. والله سبحانه وتعالى، يعني لعل الله علم من قلبه شيئا، وطبعا كان موسى في هذا الوقت، يعني كما ذكرت لكم، مكن له، فالله سبحانه وتعالى لعله أراد أن يعلمه شيئا، أو أن يربيه على أمر ما كما واضح في هذه القصة، فذكر له أن عبدا من عبادنا هو أعلم منك.

أول ما ينبغي أن تفهمه من هذا المعنى؛ ليس هذا تفضيلا مطلقا من الخضر على موسى، فهذا تفضيل في أمر ما. وحتى العلم الذي عند، لا يصح لأحد أن يقول إن الخضر أعلم من موسى من كل وجه، هذا خطأ، بل هو كما حصل تماما مع الملائكة وآدم، الله سبحانه وتعالى علم آدم الأسماء كلها، هل معنى ذلك أن آدم أعلم من الملائكة من كل وجه، أو هو خير من الملائكة من كل وجه؟ لا، وإنما هو تفضيل خاص لأمر ما، وتعليم من الله، كما أن الله علم الملائكة لما قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30]. فالله سبحانه وتعالى كذلك علم موسى عليه السلام، فلا يلزم من هذا أن يكون تفضيلا عاما، ولا يلزم كذلك أن يكون هو أعلم من موسى عليه السلام من كل وجه، بل هو نفسه قال: إني على علم من علم الله أعلمه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله تعلمه لا أعلمه. فهذا أول ما أحب أن أنبه عليه في هذا المعنى.

الأمر الذي بعد ذلك يا شباب، هو أن موسى عليه السلام أول ما علم أن عبدا من عباد الله عنده علم ليس عند موسى، طلب السبيل إليه. وهذا ما ينبغي على طالب العلم؛ أنه لا يمنعه منزلته، ولا يمنعه بعد الشقة بينه وبين تحصيل العلم، ولا يمنعه أن يكون من يتعلم منه أقل منه شأنا، المهم أن تكون غايته الازدياد من العلم. وكثير من طلاب العلم يتوفر لديه البرامج وطلاب العلم والمشايخ، ومع ذلك تضعف همته عن طلب العلم، إنما موسى عليه السلام طلب السبيل ورحل وتعب وأصابه النصب في هذا الطريق.

يعني أحاول أن أجعل الأمور الخاصة التي ستاتي معنا -لأن هذا الحديث سيتكرر معنا في كتاب التفسير إن شاء الله وغيره- أجعل هنا فقط الفوائد الخاصة بالباب: ما يستحب للعالم إذا سئل أي الناس أعلم فيكل العلم إلى الله؛ يعني يكل علم ذلك إلى الله، يعني لو قيل مثلا للعالم: هل أنت أعلم الناس؟ هو لم يحط بالناس علما فيقول: الله أعلم بذلك، أنا لا أعلم. فكون الإنسان على علم، وكونه لا يعلم أحدا أعلم منه، لا يجعله...

أن يقول أنا أعلم الناس. فكان هذا فيه معنى التواضع لله، والفقر إلى الله، وأن يكل العلم إلى الله. فكان البخاري يريد أن يؤدب طالب العلم، ولكنه ذكر أحسن ما يمكن أن يؤدب به: طالب علم نبي كريم، صابر، محتسب، من أولى العزم من الرسل، أمر الله نبيه محمداً أن يتأسف، وتعالى قال: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: 41]، وهو متبوع من أمة كاملة ومع ذلك الله سبحانه وتعالى أمره أن يكل العلم إليه، وأدبه الله تبارك وتعالى. فهذا من خير ما يمكن أن يتعلم به، أن يتعلم منه طالب العلم.

فخلينا نقف مع الإناد؛ قال: حدثنا عبد الله بن محمد هو المسندي البخاري، قال: حدثنا سفيان هو سفيان بن عيينة، قال: حدثنا عمرو هو عمرو بن دينار عبد بن دينار المكي، قال: أخبرني سعيد بن جبير. طبعا سعيد بن جبير أحد أئمة العلم والتفسير وهو تابعي، قال: قلت لابن عباس: إن نوفاً البكالي -نوف الكالي هذا ابن امرأة كعب الأحبار، وهو نوف بن فضالة أبو يزيد البكالي الحميري، يروي يروي القصص وروى عنه أبو عمران الجوني، وهو متوفى من يعني سنة يعني 81 إلى سنة 99- وواضح أنه كان قصاصاً يعني كان يقص.

فَسعيد بن جبير جاء في بعض الروايات أن ابن عباس يعني قال لهم: سلوني. فقال سعيد بن جبير: كوفة رجل قاص يقال له نوف يزعم كذا وكذا. فذكر هذه الرواية يعني كأنه أراد أن يسأل ابن عباس عن هذا الذي يزعم أن موسى ليس بموسى بني إسرائيل هو في قصة موسى والخضر، وإنما موسى آخر. قال: كذب عدو الله. طبعا يعني واضح أن ابن عباس شدد عليه في هذا؛ أما إنه يحذر من فعله لأنه خالف السنة الظاهرة وخالف ما جاء عن أئمة الصحابة في التفسير.

لكنه لم يفعل ذلك مع الحر بن قيس، مر منا هذا الحديث وتمار هو والحر بن قيس في أمر من الأمور، لم يشدد عليه، ولكنه شدد على نوف هذا، وكلمه: كذب عدو الله. ليست في كل الروايات، أنا تتبعت الروايات لم أجدها في كل الروايات، لكن حتى لو ثبتت لابد أن تحمل على وجه ما؛ أما إنه يستعظم ما صدر منه أنه تكلم بغير علم، أو أنه خالف المشهور من كلام أهل العلم أو نحو ذلك.

قال: كذب عدو الله، حدثنا أبي بن كعب. يبقى هو رجع هنا إلى من؟ رجع إلى أبي بن كعب؛ يعني ابن عباس سيروي هذا الحديث عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم: «قام موسى النبي خطيباً في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم. فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه». عتب الله عليه يعني كان ينبغي أن يقول: الله أعلم، من الأعلم؟ الله. يكل علم ذلك إلى الله. فاوحى الله إليه أن عبداً من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك. مجمع البحرين يعني ملتقى البحرين هو أعلم منك. قلنا قبل ذلك إن أعلم منك هنا يعني أعلم من وجه، وهو نفسه سيبين ذلك.

قال: يا رب وكيف به؟ هذا أول ما يعني نفهمه‌ من هذا لطالب العلم، هو أنه لم يتكبر عليه السلام، بل طلب السبيل إليه ليزداد علماً. فقيل له: احمل حوتاً -القصة معروفة في مكتل- فإذا فقدته فهو ثم. فانطلق فانطلق بفتاه يوشع بن نون، وحمل حوتاً في مكتل حتى كان عند الصخرة، حتى كان عند الصخرة وضع رؤوسهما ونام، فانسل الحوت من المكتل فاتخذ سبيله في البحر سرباً. طبعا جاء في القرآن: سرباً وعجباً، سرباً هذا ذكره الله لأن هذا هو الواقع، إنما كان عجباً لهما، يعني كيف يتحول الحوت أنه يعني يصير حياً وبعد ذلك يعني يدخل في الماء، وكان موسى وفتاه عجباً. فانطلق بقية ليلتهما ويومهما، يعني يوم كامل بقية الليلة واليوم الكامل.

فلما أصبح قال موسى لفتاه: آتنا غداءنا، لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً. فيه أن موسى عليه السلام أصابه النصب في هذه الرحلة في طلب العلم والازدياد من العلم، ولم يجد موسى مساً من النصب حتى جاوز المكان الذي أمر به. فقال له فتاه: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت. قال موسى: ذلك ما كنا نبغ. يعني موسى عليه السلام لم يعنفه، وواضح جداً من هذه القصة أن موسى عليه السلام كان رفيقاً مع هذا الفتى.

ومما يفيده طالب العلم أن موسى بين لفتاه: لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين. يعني شرح لفتاه لأن فتاه سيرافقه في الرحلة، وهذا من خصائص طالب العلم، إذا كان لك صديق أو رفيق في طلب العلم لابد أن تشرح له هدفك حتى لا يكون عائقا بينك وبين هدفك، حتى يعرف بالضبط ماذا تريد أن يفعل وأن يتحمل معك ذلك.

قال ومع ذلك كان موسى عليه السلام رحيماً به، لم يلومه ولم يعاتبه وإنما قال: ذلك ما كنا نبغ. فارتدا على آثارهما قصصاً. طبعا في قراءة: نبغي، أو نبغ. فلما انتهيا إلى الصخرة إذا رجل مسجى بثوب -التسج اللي هي التغطية- أو قال: تسج بثوبه، فسلم موسى، فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام؟ وكلمة: أنى بأرضك السلام، يعني كيف تسلم وأنت في أرض لا تعرف السلام؟ واضح أن الأرض لم يكونوا مسلمين في هذه الأرض.

قال: فقال: أنا موسى، فقال: موسى بني إسرائيل؟ هو لو كان كما يزعم بعض الناس أن الخضر يعلم الغيب، وهذا يعني قول باطل في أصله، وهذه الجمله تثبت أنه لا يعلم الغيب؛ لو كان لا يعلم الغيب لعلم من هو قبل أن يذكره، وما ساله هذا السؤال. طبعا هذه القصة يعني من القصص التي يذكرها الباطنية وبعض طوائف الصوفية، ويستدلون بها على جواز أن يخالف أحد النبي صلى الله عليه وسلم كما خالف الخضر موسى، وأن الولي يمكن أن يخرج عن هدي نبيه، ونحو ذلك من الأمور الباطلة التي ربما يأتي التنبيه عليها في بعض المواضع الأخرى.

قال: أنا موسى، فقال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً؟ طبعا أحب أن أبين هنا أن الله تبارك وتعالى ذكر لموسى لما ذكر هذه القصة قال: ﴿فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً﴾ [الكهف: 65]. ذكر الله تبارك وتعالى خصلتين: العلم بالحق، والرحمة.

والله سبحانه وتعالى لما قال: آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما. كلمة لدن؛ من لدن الله أو من عند الله، تاتي كثيراً فيما، أو تاتي في الموضع الذي يكون فيه يهب الله تبارك وتعالى فيه بغير سبب من العبد، كما قال الله سبحانه وتعالى مثلاً: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 37]. لذلك قال سيدنا زكريا بعدها: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: 38]. يعني ولو لم يكن عندي أسباب ذلك فهب لي من لدنك؛ أنت تعطي بسبب وبغير سبب. وكما جاء: واتاني رحمة من عنده، ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا. فكلمة من عند الله ومن لدن الله تأتي في هذا الموضع في أمر ليس للعبد فيه سبب.

وواضح أن العلم الذي كان عند الخضر هو علم من الله ليس طريُق الوحي، هذا هو الذي يظهر لي في هذه القصة. ولذلك قال له: أنا على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه، وكانه يتكلم عن صنف من العلم ليس هو الصنف الذي تعلمته، ولذلك أخبره بذلك ليستعد أنه سيرى أموراً لا يستطيع أن يصبر عليها.

قال: هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً؟ يبقى موسى عليه السلام أراد أن يتبعه، وموسى وهو من أولى العزم من الرسل إلى غير ذلك من الفضائل والسيادة، ومع ذلك أراد أن يكون تابعاً له ليتعلم. وهنا يا شباب فيها فائدة، وهي أن تعليمك من أهل العلم بالعيش معهم أو بمصاحبتهم، هذا مما يفيده طالب العلم ربما أكثر من يعني تعلمه المعلومات عنهم أو حضور الدروس.

أنا في رأيي يا شباب أن أي انسان ترى فيه رحمة، وترى فيه خلقاً، وترى فيه علماً، هذا تحرص عليه وتمسك به، هذا من أحسن ما يكون. فهذه خصْلة في الطالب أن يتمسك بمن كان كذلك، وخصلة في المعلم أن يخفض جناحه للمتعلم وأن يشجعه وأن يساعده وأن يأخذ بيديه وأن ينصحه وأن يرفع عزمه وأن يصحح أخطاءه، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، وأن يسهل عليه.

لكن ليس معنى ذلك أن يتهاون معه، وهذا سياتي معنا أن هو نفسه عليه السلام قال: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ [الكهف: 67]. شرح له ذلك ليستعد، وهذا من أحسن ما يكون، من أحسن ما يكون أن تكون صريحاً مع من تعلمه. في فرق بين الرحمة وبين التساهل والتهاون، فهذا فيه الحزم، فيه الإلزام، لكن ليس فيه غلظة. في فرق بين الحزم والإلزام والغلظة؛ يعني بعض المعلمين مثلاً يكون غليظاً، يهين الطالب، يحتقره، يقلل منه، يسفهه، يتجاهله، يستعلي عليه، يذله؛ كل هذه أمور مذمومة، لم يكن عليها هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا هدي أحد ممن أثنى الله عليهم كمعلمين.

ولكنه هنا يعني يجعله يستعد؛ إذا كنت تريد أن تتبعني فلا بد أن، يعني اشترط عليه: أنك لن تستطيع معي صبرى. وجزم الخضر عليه السلام بهذا الأمر يبين أن موسى عليه السلام لن يستطيع أن يصبر. ونلاحظ يا شباب أن موسى عليه السلام الذي صبر على دعوة فرعون وصبر في كل حياته: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾ [طه: 40]، وصبر على بني اسرائيل وفي صحيح البخاري: لقد أوذي موسى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر»، فصبر.

ومع ذلك لم يستطع موسى عليه السلام أن يصبر، وهذا يبين أن الإنسان قد يصبر على صنف من الأمور دون صنف، دون الصنف الآخر. وهذا يعني جواب أو كلام الخضر فيه شيء مما تستخرج به العزم والمواهب؛ قد يسالك الطالب مثلاً: هل أنا أستطيع أتعلم مثلاً علوم الحديث أو علوم كذا؟ تقول له: هذه العلوم تحتاج إلى عزم، تحتاج إلى صبر، تحتاج إلى محافظة على الوقت. أنت لا تقول له ذلك لتعجزه، ولكنك تكون صريحاً معه، كما قال ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم: ليتني فيها جذعاً إذ يخرجك قومك؛ لم يكن يخيفه، ولكن يقول له ليستعد وليكون على علم. فهذا أيضاً مما نفيد من هذه القصة.

ثم ذكر له كأنه تعليل: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ [الكهف: 67-68]. طيب لماذا قال: يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمك لا أعلمه؟ فكان هذا تعليل أن العلم الذي تتبعني أو ما تراه معي ليس من العلم الذي تعرفه، واضح.

قال: ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً. وهذا الجواب فيه عزم من موسى عليه السلام، وفيه أن طالب العلم يعني لا يكون من الصنف الذي إذا قابله مشكلة يترك الطريق. بعض الناس هكذا، أول ما يقابل مشكلة يقول: خلاص. لا، الإنسان يلقي بنفسه في معالي الأمور ويتحمل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24]. بعض الطلبة مثلاً يجدوا معلماً فيه شيء من الغلظة مثلاً أو مثلاً فيه بعض الطباع لا يحبها الطالب، لكنه من أهل العلم والفضل، فيبداً بقى يستنكف من أن يتعلم منها أو يقول: أنا لا أستطيع أن أتعلم منه. لا، لابد أن كيف نفسك على هذا، وأن تتعود على طباع المعلم، وأن تتحمل بعض الأذى، والحل يبدا منك أنت، يعني أنت لا تغير المدرس وإنما تتكيف معه وتبحث عن سبل الانتفاع منه.

فواضح جداً هنا أن، أو بما نفيد من موسى عليه السلام؛ أولاً: أنه أول ما عرف طريقاً من طرق العلم سال السبيل إليه. ثانياً: أنه اصطحب معه وشرح طريقه لمن يرافقه، هذا كل الأمور دي يا شباب يعني اكتبها لأنك تفيدها في طلب العلم. ثالثاً: التحمل والرحلة والتعب. رابعاً: الحرص الأدب والإقبال، شوف أقبل عليه: هل أتبعك على أن تعلمني؟ لم يكلمه كلام الند، ولم يكلمه كلام أنه السيد الرسول من أولى العزم. لا، أقبل عليه كلام المتعلم، يعني بطريقة المتعلم، وتواضع، ورحل إليه، وتأدب معه، وأقبل عليه، واضح. وأثنى عليه بما فيه من الخير: هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً؟ وأيضاً فيه إصرار، وفيه اهتمام، وفيه الاشتراط في العلم، وفيه كذلك الطاعة؛ الطاعة طبعا في المعروف.

طيب، قال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ [الكهف: 69]. قدم المشيئة؛ لأن كل شيء بأامر الله تبارك وتعالى، الإنسان إذا أقدم على شيء يقول: ربنا أفرغ علينا صبراً؛ لأنك لا تعرف ما الذي سيواجهه، وأنت إذا اعتمدت على صبرك انفسخت عزيمتك، وإنما يعتمد العبد على الله تبارك وتعالى. وليس الخبر كالمعاينة؛ شوف هو نفسه عليه السلام قال: ستجدني إن شاء الله صابراً، لكنه لم يصبر على أي موقف من هذه المواقف. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «وددنا لو صبر». فهذا فيه تقديم المشيئة، والله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: 23-24].

قال فانطلقا يمشيان. يبقى أول شيء الالتزام، يعني ذكر له الشرط، طبعا جاء عندنا في الشرط اللي هو قال: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: 70]. يعني أنت سترى أمورا، لا تسلني لماذا فعلت هذه الأمور؟ وهذا يا شباب طبعا أنت لن تجد أحدا من المعلمين يكون حالك معه كحال موسى مع الخضر، طبعا، لكن مع ذلك نستفيد من هذا التاني في الإنكار؛ التاني في الإنكار في الأمور المحتملة.

والاشتراك في العلم يا شباب يكسب العلم جدية وحس وتصفية للطلاب، ليس الاعتبار بكثرة طلاب العلم حولك؛ يعني أنما الناس كالإابل المائة، ممكن واحد يكون عنده آلاف الطلاب ومالهمش أي لازمة، وممكن واحد معلم يكون عند طالب أو اثنين وفيهم البركة. فالاشتراط في العلم يعطي جدية في العلم، وقبل أن تبدأ لابد: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. أول ما اتفق خلاص فانطلق، يبقى لازم لابد، احنا بنقول حتى في مصر اللي أوله شرط آخره نور.

طيب نكمل يا شباب. قال: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖ قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف: 71]. فمرت بهما سفينة فكلموه أن يحملوهما، فعرف الخضر -واضح طبعا أن موسى لم يكن رسولا على هؤلاء، لذلك عرف الخضر ولم يعرف موسى- فحملوهما بغير نول، يعني بغير أجر. فجاء عصفور فوقع على حرف السفينة، فنقر نقرة أو نقرتين في البحر، فقال الخضر: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كنقر هذا العصفور في البحر. طبعا نقص هنا ليس معناها أن علم العباد ينقص علم الله، لا، هذا فيه أن علم العباد كله من علم الله، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: 255]. واضح كده؟

فهو يريد أن يقول: نسبة علمي وعلمك إلى علم الله كنسبة ما أخذ العصفور من هذا، وأساسا العلم الذي عندنا جميعا سواء كان بالوحي أو بالتجربة أو بالعقل أو بأي سبيل إنما هو من الله، فالله سبحانه وتعالى هو الذي يعلمنا ما شاء وبالقدر الذي شاء تبارك وتعالى. واضح جدا أن هذه القصة يا شباب مرتبطه بعلم الله تبارك وتعالى، وملائكة لم يحيطوا علما بالله، ورسل الله لم يحيطوا علما بالله، ونلاحظ كثيرا الله سبحانه وتعالى قال مثل لنوح: ﴿وَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: 46]. وجاءت هذه القصة لتبين هذا الأمر، ومن زعم أنه يعلم الحكمة من كل ما شرع الله وقضى الله فيزعم هذا أن علمه كعلم الله وهذا باطل، الله سبحانه وتعالى بكل شيء عليم وكل علم عند العباد فهو من تعليم الله تبارك وتعالى لهم. فهذه القصة فيها بيان علم الله تبارك وتعالى وانه أحاط بكل شيء علما.

فعمد الخضر إلى لوح من ألواح السفينة فنزعه، فقال موسى: قوم حملونا بغير نول، عمدت إلى سفينتهم فخرقتها؟ طبعا هذا فيه جرأة من موسى عليه السلام في الحق، لأنه وجد شيئا يخالف ما عنده من العلم، ولكنه لم يصبر لأنهم اشترطوا، ولكن واضح أن هذا كان نسيانا منه. هو قال: فخرقتها لتغرق أهلها، وفي قراءة: ليغرق أهلها، هذا أمر زائد؛ يعني موسى عليه السلام رأى أن الخضر خرق السفينة لكنه زاد فقال: لتغرق أهلها. فهل هو فعلا خرقها ليغرق أهلها؟ لا، ليس كذلك، فهذا هو الذي يعني أنكره عليه خضر، وأنكر كذلك عليه أنه سأله، كان يعني لو أن الخضر أخذه بهذا وافترق عن صحبته لكان له الحق في ذلك، لانه اشترط عليه: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ﴾ وموسى عليه السلام لم يقل له اعذرني، لماذا؟ لأنه يعرف أنه أخطأ في هذا عليه السلام، قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تستطيع معي صبرا﴾ [الكهف: 75] أو جاءت عندنا في القراءة معي صبرا، قال: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: 73] بما نسيت؛ يعني بنسياني، من أدب موسى عليه السلام أنه لم يقل له اعذرني ولكن طلب ألا يؤاخذه، لانه لو أخذه بذلك لكان محقا. فكانت الأولى من موسى نسيانا، هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت الأولى من موسى نسيانا، فانطلق يعني فعلا نسي موسى.

فشوف ماذا قال له موسى عليه السلام: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: 73] يعني يقول له: إذا كنت أنا في أول شيء من أمرك أنكرت عليك فلا ترهقني يعني لا تجعلني أرى من شانك ما لا أصبر عليه.

فانطلق حتى إذا لقي غلاما فقاخت الخضر براسه من أعلاها فاقتلع رأسه بيده، وهذا هو يعني أشد المواقف، ربنا سبحانه وتعالى ذكر هذا: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾ [الكهف: 74] بدون أي مقدمات فقتله. فقال موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [الكهف: 74] هذا أيضا من موسى عليه السلام مخالفة للشرط، لأنه قال: أقتلت نفسا ذكية بغير نفس؟ يعني كأنه يقول قتلتها بغير سبب، نفس ذكية يعني محرم قتلها بغير نفس. قال: ألم أقل لك؟ يبقى كأنه هنا زاد كلمة لك: ألم أقل لك أنك لن تستطيع معي صبرا؟ شدد عليه في هذا، قال ابن عيينه: وهذا أوكد، الأولى: ألم أقل إنك، إنما زي ما أنت بالضبط تقول له: مش أنا قلت لك؟ أنت مثلا قلت تنبيه عام في البيت: مش عاوز حد مثلا يسهر بعد العشاء. وبعد كده وجدت واحد من أبنائك سهر بعد العشاء، فقلت: مش انا قلت أول شيء تقول: مش أنا قلت ماحدش يسهر بعد العشاء؟ لو كررها: مش أنا قلت لك؟ بقى في شيء من الشدة.

فانطلق حتى إذا أتى أهل قرية استطعم أهلها فابوا أن يضيفوهما، طبعا يا شباب كل الفوائد هذه ستاتي معنا، لكن فقط كنا نتكلم عن ما يمكن أن نفيد كطلبه للعلم، فوجد فيها جدارا يريد أن ينقض فاقامه، قال الخضر بيده فأقامه، فقال له موسى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: 77] قال: ﴿هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: 78]. قال النبي صلى الله عليه وسلم: يرحم الله موسى، لوددنا لو صبر حتى يقص علينا من أمرهما. حتى يقص، تقريبا الأخ الكريم اللي كان بيقول حتى يقص هي حتى يقص علينا. الله سبحانه وتعالى هذه القصة يا شباب فيها فوائد كثيرة جدا وستأتي معنا، ولكن من أهم الأمور التي يمكن أن نستخلصها من هذه القصة أخصها في نقاط:

أول أمر يا شباب هو رحمة الله تبارك وتعالى بعبده أن يجعله يمر بمواقف يتربى منها ويتمتع. ثانيا: أن يكل العبد العلم إلى الله فيما لا يحيط به علما وفيما ليس له به علم. الأمر الثاني: الازدياد من العلم والتواضع له والحرص عليه والتعب فيه، والتواضع للمعلم والإقبال عليه إقبال المتعلم وليس إقبال الند أو المماري أو المجادل، وإنما إقبال من يريد أن يتعلم. كذلك الصبر والتأني في الإنكار والصبر على المعلم. هناك أمور كثيرة جدا في هذه القصة، ولكن يمكن أن نكتفي بهذا المقدار حتى نجعل باقي الفوائد في مواضيعها إن شاء الله.

باب من يسأل وهو قائم عالما جالسا. حدثنا عثمان قال: أخبرنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن أبي موسى قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما القتال في سبيل الله؟ فإن أحدنا يقاتل غضبا ويقاتل حمية. فرفع إليه رأسه -قال: وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائما- فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله عز وجل».

بارك الله فيك. قلنا إن البخاري عليه رحمه الله يحاول أن يلتقط أي حديث يفيد طالب العلم فيذكره، فهنا ذكر باب من يسأل وهو قائم عالما جالسا؛ يعني أن ذلك لا إشكال فيه، وهذا ليس من الكبر أن يكون عالم جالس ثم يأتي شخص واقف ويساله، لا يلزم للعالم أن يقوم ولا يلزم من الطالب أن يجلس، هذا أمر عادي ما دام العالم لا يقصد منه التكبر ولا يقصد أن يتمثل له الناس قياما فلا يدخل في هذا النهي ولا يدخل بذلك في الكبر، فالبخاري لا يفوت حديثا يمكن أن يهتدى به في تلقي العلم وضبطه وأخلاق طالب العلم إلا ذكره.

قال حدثنا عثمان، طبعا عثمان بن محمد بن ابراهيم اللي هو أخو أبي بكر صاحب المصنف، وهذا عثمان بن أبي شيبة، والاسناد هذا كله كوفي. قال: أخبرنا جرير، جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي الرازي وهو من الثقات، عن منصور، وإن كان جرير يخطئ في روايته عن الأعمش أو لم يكن من كبار أصحاب الأعمش لكنه ثقة، عن منصور بن المعتمر، وهذا منصور بن المعتمر، عن أبي وائل اللي هو شقيق بن سلمة، وأبو وائل روى عنه هذا الحديث منصور والأعمش وعمرو بن مرة. قال: عن أبي موسى، طبعا أبو موسى الأشعري قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما القتال في سبيل الله؟ فإن أحدنا -يذكر أحوال الناس اتفقوا في الصورة كلهم يقاتلون، منهم من يقاتل غضبا ومنهم من يقاتل حمية- فيريد أن يعرف، هذا الرجل عاقل لا يسأل عن صورة العمل وإنما يسأل عن ننية العمل. طبعا هذا الحديث سيتكرر إن شاء الله وهو شاهد لحديث «إنما الأعمال بالنيات»، ولكننا فقط نأخذ منه موضع الشاهد هنا: فرفع إليه رأسه النبي صلى الله عليه وسلم، هذا هو وجه الشهد. قال: وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائما.

هذه طبعا هذا من فقه البخاري يا شباب، لأن هذه اللفظة لم تأتي في كل الروايات، هذه اللفظة اللي هي كلمة: فرفع إليه رأسه، قال: وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائما، لم تأتي في كل الروايات لهذا الحديث، فالتقطها البخاري من بعض الروايات حتى تكون شاهدا على أن هذا ليس من الكبر أن العالم يكون جالسا والطالب أو السائل يكون قائما. قال: فرفع إليه رأسه وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائما، فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» يعني النبي صلى الله عليه وسلم أجابه بلفظ جامع، أجابه بلفظ جامع ليبين ما معنى أن تكون مجاهدا في سبيل الله.

باب السؤال والفتيا عند رمي الجمار. حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة عن الزهري عن عيسى بن طلحة عن عبد الله بن عمر قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم عند الجمره وهو يسأل فقال رجل: يا رسول الله نحرت قبل أن أرمي، قال: «ارم ولا حرج». قال آخر: يا رسول الله حلقت قبل أن أنحر، قال: «انحر ولا حرج». فما سئل عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: «افعل ولا حرج».

بارك الله فيك. باب السؤال والفتيا عند رمي الجمار، هذا الحديث سبق معنا قبل ذلك في باب الفتيا وهو واقف على الدابة، بعض من اعترض على البخاري قال: هذا تكرار. لا، ليس تكرارا، البخاري يريد أن يقول إن العالم إذا كان مشتغلا بأمر من العبادات في الحج أو العمرة أو في الاعتكاف أو غير ذلك فلا يمنعه ذلك من أن يجيب السائل أو أن يعلم الناس ما يحتاجونه من ذلك، فيتكلم عن الزمان وعن الحال، فمرة تكلم عن الحال ومرة تكلم عن الزمان، فأراد أن يوظف هذا الحديث في أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مشتغلا بعباده ومع ذلك أجاب السائل.

قال حدثنا أبو نعيم اللي هو الفضل بن دكين، قال حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة اللي هو ابن عبد الله، عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، وهو ليس مقدما في روايته عن الزهري ولكنه تابعه هنا على هذا الحديث مالك وابن جريج وصالح بن كيسان ومعمر، وقلت لكم قبل ذلك إن البخاري إذا خرج لراو طعن فيه أو ليس ثقه عن شيخ فانه يعتني بانتقاء احسن ما عنده مما وافقه عليه الثقات. عن الزهري محمد بن مسلم بن شهاب الزهري تكلمنا عنه كثيرا، عن عيسى بن طلحة سبق الكلام عنه، عيسى بن طلحة بن عبيد الله سبق الكلام عنه في هذا الحديث، عن عبد الله بن عمرو، عبد الله بن عمرو بن العاص قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم عند الجمرة وهو يسأل، هذا هو وجه الشاهد أنه كان في عبادة ويسأل ويستفتونه.

وأنا لا أحب أبدا من الطالب أن يعيش على كتب الآداب والأخلاق المتأخرة التي تحجر الكلام عن صفة العالم الذي يريد أن يكون ذا حشمة وأن يتكلف الوقار على الناس وأن يفتعل أن يكون مميزا عنهم ومبرءا ولا يختلط بهم ونحو ذلك، النبي صلى الله عليه وسلم خير الناس دينا وعلما وخلقا وخير المعلمين وهديه أحسن الهدي، لم يكن أبدا يتكلف شيئا من ذلك، فلذلك البخاري عليه رحمه الله، هذا أحسن كتاب، هذا الكتاب يا شباب ينبغي أن يكون أول كتاب وهو الحكم بين باقي الكتب التي تتكلم عن أخلاق العالم والمتعلم، هذا الكتاب ينبغي أن يبدأ منه، يعني هو البداية وهو الميزان، فلا يحل لأحد أو لا يصح لأحد أن يقول إنه إن العالم.

المهابة شيء يجعله الله في قلب العباد، لكلا يأتي بالتكلف ولا بالتصنع ولا بالتكبر على الناس ولا ولا ذلك. أنت في أي موضع من المواضع تفيد الناس وتعلمهم وتنفع، هذا هو الذي يريد الثواب ويريد الخير.

خلاص، الحديث مر معنا، ادخل في الحديث الذي بعده: باب قول الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]. حدثنا قيس بن حفص قال: حدثنا عبد الواحد قال: حدثنا الأعمش سليمان عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: بين أنا أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في خَرِب المدينة وهو يتوكأ على عسيب معه، فمر بنفر من اليهود فقال بعضهم لبعض: سالوه عن الروح. وقال بعضهم: لا تسالوه، لا يجيء فيه بشيء تكرهونه. فقال بعضهم: لنسألنه. رجل منهم فقال: يا أبا القاسم، ما الروح؟ فسكت، فقلت: إنه يوحى إليه، فقمت فلما انجلى عنه قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]. قال الأعمش: هكذا في قراءتنا.

تمام، طبعا هذا من أجمل أبواب الكتاب، ومما يحتاجه طالب العلم هو أن يعلم أن العلم كله من الله وبالله، وأن كل علم؛ علم الملائكة، علم الأنبياء، ما يتعلمه الإنسان بتعبه ومجهوده، كله من الله تبارك وتعالى، ثم يعلم أن ما عنده من العلم هو قليل، واضح؟ وهذا عظيم جدا لأمرين: أولا، ألا يغتر بما عنده من العلم، وثانيا، أن يطلب الازدياد من العلم.

قال: حدثنا قيس بن حفص قال: حدثنا عبد الواحد قال: حدثنا الأعمش. وطبعا عبد الواحد ليس في الطبقة العليا من الرواة عن الأعمش عليه رحمة الله، ولكن الطبقة العليا عن الأعمش هما شعبة وسفيان الثوري وأبو معاوية، وعبد الواحد يعني متكلم في رواياته عن الأعمش، ليس من الكبار.

طيب، قال: حدثنا الأعمش اللي هو سليمان بن مهران، عن إبراهيم؛ إبراهيم النخعي، عن علقمة؛ علقمة بن قيس، عن عبد الله قال: بين أنا أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في خَرِب المدينة. يعني الخَرَب هو يعني فيما يقابل العمار، عكس العمار، احنا بنسميها خرابة، يعني في خرب المدينة، وهو يتوكأ على عسيب معه، يعني جريدة من النخل، فمر بنفر من اليهود فقال بعضهم لبعض: سالوه عن الروح.

لاحظ أن اليهود حينما يسألون لا يسألون سؤال المسترشد أو المستهدي، إنما سؤال المتعنت المتكلف المغالط الممتحن الشاك، واضح؟ والله سبحانه وتعالى ذكر كثيرا هذا عنهم: قالوا اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، ادع لنا ربك لن نصبر على طعام واحد فادعو لنا ربك، وذلك ربنا نهانا أن نكون مثلهم: ﴿أَم تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ﴾ [البقرة: 108]. وذكر الله سبحانه وتعالى أنه بسبب هذا قست قلوبهم وقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة. فهذه أسئلة، وهذا ينتفع به طالب العلم، أن من سال عالما أو أحدا من أهل العلم ليمتحنه أو ليشسكك فيه أو ليغالطه أو ليتعنت معه فيصعب أن يهتدي، لأنه أساسا لم يطلب الهدى من سؤاله.

طيب، ممكن نقف مع هذا الحديث فقط في: ﴿يسألونك عن الروح﴾. الروح هي من مخلوقات الله تبارك وتعالى ومع ذلك لا نحيط بها علما، فكيف بعلم الله تبارك وتعالى وكيف بالله تبارك وتعالى؟ لذلك ربنا قال: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: 110]. وهذا كما قلت لكم يا شباب يفيد الطالب أن كل علم هو من الله، ويفيد الطالب كذلك أن يطلب أو يسأل ربه تبارك وتعالى أن يعلمه وأن لا يفخر بما عنده من العلم، فهو أولا قليل وثانيا من عند الله. والعالم فيما لا يعلمه، هذا أيضا نفيد من الحديث، فيما لا يعلمه لا يتكلف الجواب عنه وإنما يكل العلم إلى الله تبارك وتعالى.

باب من ترك بعض الاختيار مخافه أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقع في أشد منه. حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسماعيل عن أبي إسحاق عن الأسود قال: قال لي ابن الزبير: كانت عائشة تسر إليك كثيرا، فما حدثتك في الكعبة؟ قلت: قالت لي: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا عائشة، لولا قومك حديث عهدهم». قال ابن الزبير: بكفر، «لولا قومك حديث عهدهم لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين: باب يدخل الناس وباب يخرجون». ففعله ابن الزبير.

بارك الله فيك، هنا البخاري عليه رحمة الله يريد أن يقول إن العالم أو المعلم أو المبلغ أو الداعي لا ينبغي أبدا أن يفعل أو أن يحدث الناس بكل ما عنده من العلم، لابد أن يكون حكيما، لابد أن يختار الشخص المناسب والوقت المناسب والمكان المناسب والأسلوب المناسب، ولا بد أن يكون عنده مقدمات؛ يعني أن ينتخب أحسن ما عنده وأن يحسن العمل بالعلم، فليس العلم أو الدعوة مجرد مجموعة معلومات، لابد أن يكون فقيها.

فقال هنا: باب من ترك بعض الاختيار؛ يعني أمور مختاره، أمور من الأخبار أو الأفعال تركها مع أنها يعني حقها أن تفعل، لكن تركها لماذا؟ لعله مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقع فيما في أشد منه. فهذا فيه بقى إضافه؛ يعني نحن تكلمنا عن الحرص والحفظ وكتابة العلم والرحلة في طلب العلم، لا، هذا صنف جديد لم يمر معنا وهو الفقه والحكمة والتأني في العمل بالعلم وتطبيق العلم، واضح؟ باب من ترك بعض الاختيار مخافه، يبقى هذا يؤكد أن طالب العلم أو الداعي يكون عالما بالواقع وعالما بالناس الذين يعلمهم، يختار احسن ما عنده مما يحتاجونه.

وهذا يؤكد أن طالب العلم أو العالم قد يكتم بعض العلم أو يخفي بعض العلم أو يتغافل عن بعض العلم، لماذا؟ أما لأن الوقت لا يحتمله أو لأنه يحتاج إلى مقدمات ونحو ذلك، ولكن خير الأمور يا شباب أن يمهد العالم لما يصعب على المتعلم؛ يعني لا يكتمه تماما وإنما يحاول أن يمهد له وأن يقدم له بما يجعل الناس يقبلونه.

وفي طبعا مراعاه الشريعه للطبائع الناس، ولكن ليس المراعاة أن يغير أحكام الشريعة مراعاة لهم، وإنما يمهد لها حتى تقبلها النفوس. حدثنا عبيد الله بن موسى، تكلمنا عنه قبل ذلك، وهو يعني كان فيه تشيع وهو من كبار شيوخ البخاري سنا، قال: عن إسرائيل؛ إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، بيروي عن جده اللي هو أبو إسحاق السبيعي عمرو بن عبد الله بن عبيد؛ يعني امام في العلم والعبادة، اخذ عليه أنه يدلس وأنه تغير قبل موته، ولكنه عموما من الثقات الحفاظ، ويروي عن البراء الصحابي الكريم، عن الأسود اللي هو الأسود بن يزيد النخعي قال: قال لي ابن الزبير عبد الله بن الزبير، طبعا الأسود بن يزيد من كبار تلاميذ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وكانت تخصه وكانت تجله، وعائشة رضي الله عنها يعني كانت تخصه بأشياء وتعلمه وتذكر له أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فعبد الله بن الزبير بن العوام -أمه اسماء اخت أمنا عائشة رضي الله عنها- يطلب من الأسود أن يعلمه أو أن يذكر له شيئا مما كانت تسر إليه به عائشة.

قال: كانت عائشة تسر إليك كثيرا، فما حدثتك في الكعبة؟ يعني هل هي حدثتك في أمر من شأن الكعبة؟ وفي رواية أن الأسود قال: يعني نسيت بعض ما حدثتني به. قال ابن الزبير: ما نسيت، أذكرتك. وهذا فيه المذاكرة بين طلاب العلم، وفيه أن طالب العلم لا يفوت الأقران الثقات، يتعلم منهم ويفيدهم ويذاكر. فما حدثتك في الكعبة؟ قلت -الأسود هو يتكلم-: قالت لي: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا عائشة، لولا قومك حديث عهدهم» -يعني كانوا قريبين من الكفر أو الشرك في رواية من الجاهلية-. قال ابن الزبير: بكفر -اللي هو الأسود نسي هذه الكلمة وذكره ابن الزبير بها، اللي هو عبد الله بن الزبير-: لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين: باب يدخل الناس وباب يخرجون. هذا إن شاء الله، هذا الحديث سياتي، قال: ففعله ابن الزبير. سياتي معنا إن شاء الله هذا الحديث ونتكلم عنه في موضعه.

باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن يفهموا. وقال علي: حدثوا الناس بما يعرفون، اتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ حدثنا عبيد الله بن موسى عن معروف؛ معروف بن خربوذ، عن أبي الطفيل، عن علي بذلك. حدثنا إسحاق بن ابراهيم قال:

خلينا نقف هنا الان نشرح هذا سريعا، طبعا وجه الشاهد يا شباب في الحديث الفائت وجه الشاهد واضح، أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يفعل شيئا، لكنه وجد أن الناس لا يحتملون هذا الشيء، يعني ربما يشعرون أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يستأثر بالبيت لنفسه أو أن يكون أو أن يسلب منهم شرف البيت أو أي معنى من المعاني، المهم أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك ذلك الأمر مع أنه حق، لماذا؟ لأن قومه لم يهيئوا لذلك، فهذا فيه، وفعله ابن الزبير؛ يعني ابن الزبير فعله في وقته.

فهذا يدل على أن العالم قد يترك أمرا مؤقتا ليهيئ له أسبابه، طبعا الباب الثاني هذا متمم لما قبله: باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية ألا يفهموه. هذا أيضا متمم، وفيه التأني، وفيه فقه الواقع، وفيه الحكمة في التعليم، وأنك المعلومات لابد أن تختار لها اهلها، ولا بد أن يعني تكتم العلم في في الموضع الذي يكون نشر العلم فيه شرا، فهذا أيضا من ضبط فكرة عدم كتمان العلم، لأن احنا سبق معنا أن أبا هريرة كان يتكلم عن وجوب نشر العلم: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187] كما سبق، فهذا يبين كذلك الدعوة الحكمة في الدعوة إلى الله والتعليم.

باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية ألا يفهموا. فهذا معناه ايه؟ أنك أنت إذا خشيت ألا يفهموه هل معناه أن أنت تترك العلم؟ في رأيي لا، ليس هذا هو المعنى، وإنما المعنى أن تمهد لهم ليفهموا، يعني تحاول بداية أن تختار من يفهم، وأن تمهد لمن لا يفهم مادام هو يحتاج هذا العلم. وهذا فيه يعني أنا أتذكر مثلا قول أم سليم بنت ملحان رضي الله عنها لما مثلا مهدت لأبي طلحة لما جاء ليتزوجها قالت: ما مثلك يرد، ولكنك مشرك وانا مسلمة، فإن تسلم فذلك مهري. وايضا عند لما مات ولدها فقالت: يعني لا تخبروا أبا طلحة حتى أكون انا أخبره. فبعد ذلك يعني لما جاء أبو طلحة وضعت له صنعت له طعاما وأكل، ثم أصاب منها، ثم قالت: يا أبا طلحة، إن آل فلان استعاروا من آل فلان عارية ثم يعني حاولت أن تمهد له حتى لا يأخذ هذه الصدمة. وهذا من فقه الإنسان عموما وليس فقط العالم أن يمهد للأمر الذي يصعب على المتلقي أن يتحمله.

نلاحظ هنا ذكر أثر علي رضي الله عنه وقدمه لأن الأثر كقاعدة عامة قال: قال علي: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ يعني انك قد تحدث الناس بآية أو حديث لكن هذا الشخص لا يتحملها لا يفهمها فسينكرها، فأنت إذا حدثته بهذا وهو لا يعرفه فسينكره وسيؤدي به هذا الكلام إلى أن يكذب الله ورسوله. في رواية: حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما تنكرون.

فهذا معناه أنك أنت تختار القوم الذين تحدثهم أو تمهد لما تشعر أن الناس قد ينكرونه. أنت مثلا بتقرا مع الناس مثلا في كتاب رياض الصالحين في المسجد فجاء حديث فيه ذكر اسم من أسماء الله أو فعل من أفعال الله، مثلا: ينزل ربنا إلى سماء الدنيا أو نحو ذلك، فانت تشعر أن الشخص سينكر هذا ويكذبه، فتحاول أن تمهد له بأن الأخبار التي جاءت في القرآن والسنة نقبلها ونسلم لها ونحو ذلك.

تمام، باب وقال علي: حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ قال حدثنا عبيد الله بن موسى، هو هو السابق، عبيد الله بن موسى عن معروف بن خربوذ -هذا متكلم في روايته- عن أبي الطفيل؛ عامر بن واثلة، هو آخر الصحابه يعني موتا، وكان من شيعة علي؛ يعني كان من أنصار علي رضي الله عنه، ليس له في البخاري إلا هذا الموضع عن علي بن أبي طالب.

نلاحظ أن البخاري أخر الإسناد وقدم المتن، لماذا؟ لأن هذا الحديث ليس على شرطه. لماذا ليس على شرطه يا شباب؟ لأن البخاري اشترط في هذا الحديث ما جاء من أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أثرا فالغالب أنه لا يسند الآثار ولكنه قد يسندها لأنها تأخذ حكم الرفع أو لعله ما، فهو هنا يعني أخر هذا الإسناد، وتاخير هذا الإسناد لابد أن يكون له علة، لا يمكن أن يكون أخر هذا الإسناد بغير سبب، واضح أنه أخره لعلة. طيب يا شباب!

أنا كنت أريد أن أكمل ولكن عندي سفر، وأظن أن الوقت لا يحتمل.

لعلنا إن شاء الله بعد الغد نكمل ما تبقى لنا، كنت أوي أن أنهي اليوم لكن أعتذر لكم، اليوم الدرس سيكون ساعة فقط.

ما أحببت أن أفوت اليوم لكن إن شاء الله نعوضه، بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.