تسجيل الدخول

الدرس 10 - الأحاديث من 132-138 نهاية كتاب العلم

حسين عبد الرازقالشيخ حسين عبد الرازق
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. صباح الخير يا شباب، تقبل الله منا ومنكم، أسأل الله أن يبارك فيكم. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

نكمل إن شاء الله تبارك وتعالى، قد وصلنا إلى باب في كتاب العلم، من كتاب الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه وهو صحيح البخاري. قد وصلنا إلى كتاب العلم باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية ألا يفهموا. قد اخذنا أول أثر فيه ولكننا سنقرا مرة أخرى ثم نكمل إن شاء الله تبارك وتعالى. معنا وئام، تفضل اقرا.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. قال الإمام البخاري رحمه الله: باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية ألا يفهموا. وقال علي: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله. حدثنا عبيد الله بن موسى عن معروف بن خربوذ عن أبي الطفيل عن علي بذلك. حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي عن قتادة قال: حدثنا أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ رديفه على الرحل. قال: يا معاذ بن جبل. قال: لبيك يا رسول الله وسعديك.

عندك يا معاذ يا شيخنا بالضم والفتح يا معاذ ويا معاذ. نعم تنفع هكذا كذا وهكذا أفضل.

نعم، قال: يا معاذ. قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، ثلاثا. قال: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار. قال: يا رسول الله، أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ فأخبر بها معاذ عند موته تأثما.

نتابع شيخ.

نعم، حدثنا مسدد قال: حدثنا معتمر قال: سمعت أبي قال: سمعت أنسا قال: ذكر لي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة. قال: ألا أبشر الناس؟ قال: لا، إني أخاف أن يتكلوا.

بارك الله فيك. ذكرنا في هذا الباب يا شباب أنه أراد الإمام البخاري عليه رحمة الله أن يبين خلقا من خلق المعلم والمتعلم. فالمعلم قد يخص بعض الناس بالعلم دون بعض، وقد يكتم عن بعض الناس علما أو صنفا من العلم، أما لأنهم لا يفهموه أو قد يكون لهم فتنة. وقد وردت آثار عن غيره كما ورد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ما أنت محدث قوما حديثا لا تبلغ عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة.

وأخذنا طرفا من هذه الأحاديث في مقدمة الإمام مسلم عليه رحمة الله، ومنها آثار عن الصحابة لأن الحديث لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع، هذا الصواب فيه أنه مرسل لا يثبت مسندا. ولكن وردت آثار كثيرة في هذا المعنى عن الصحابة وأنا جمعتها لكم في الملف الخاص بخصائص مصنفات الأئمة المحققين.

فإذا هذا الباب يخص العالم ويخص المتعلم؛ يخص العالم من جهه أن العالم يكون فقيها فيما يبثه وينشره بين الناس، ويفرق بين دائرة المطالعة ودائرة الضبط ودائرة التعليم. فدائرة المطالعة أوسع، الإنسان قد يستمع حتى إلى دروس أهل البدع ليعرف كيف يستدلون ويكتشف أخطاءهم وليتصور مقالاتهم. ثم بعد ذلك تأتي دائرة الضبط، ودائرة الضبط أضيق وهو ما ضبطه طالب العلم من المعلومات الصحيحة وما حفظه. ثم بعد ذلك دائرة التعليم والنشر يختار احسن ما فيها وانسب ما يحتاجه المتلقي. وذكرنا كذلك أنه قد يهيئ المتلقي لما يحتاجه من العلم، ذكرنا ذلك في الدرس الماضي.

أحببت فقط أن أنبه على أن هذا الأثر رواه البخاري في هذه الرواية التي بين أيدينا بصورة التعليق، ثم بعد ذلك أسنده. لكني وجدت عددا من الروايات في نسخة أبي ذر بعد قوله ألا يفهم -اللي هو بعد ذكره للباب- قال: حدثنا عبيد الله عن معروف عن أبي الطفيل عن علي قال: حدث الناس بما يعرفون، يعني ساق الرواية على نفس الطريقة التي يسوق بها الأحاديث المسنده.

فقد يكون البخاري تعمد إسناده وراى أنه يدخل في حكم الحديث المرفوع، والبخاري يفعل ذلك كثيرا؛ قد يأتي إلى أثر من كلام الصحابي أو فعله فيجعله في منزلة المرفوع، بمعنى أن هذا الحكم أخذه الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولكن الرواية التي بين يدي هي التي فيها كان الحديث في صورة المعلق، فأخر الإناد.

وتأخير الإسناد عن المتن هذا يفعله بعض العلماء فيما لا يدخل في شرط الكتاب، أما لأن الحديث ضعيف أو لأنه لا يدخل في شرط الكتاب، مثلا هذا أثر ليس حديثا مسندا عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا فالله أعلم. قد يكون البخاري قصد منه الإسناد وقد يكون قصد منه التعليق، لكنه ذكر لنا إسناد الحديث أو إسناد الرواية كما فعل قبل ذلك في بعض الآثار، وكما يفعله البخاري كثيرا أنه يأتي في بعض الآثار حتى لو كانت عن التابعين فيسندها.

ندخل في الحديث الثاني في هذا الباب، وهو حديث إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم اللي هو إسحاق بن راهويه. قال: حدثنا معاذ بن هشام. معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي. قال: حدثني أبي اللي هو هشام الدستوائي أحد الثقات الحفاظ خصوصا في روايته عن قتادة، ومن أثبت الرواية عن قتادة. قال: حدثنا أنس بن مالك، وواضح أن رواية قتادة هذه صرح فيها بالتحديث من أنس.

قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ رديفه على الرحل. قال: يا معاذ، قال يا معاذ أو يا معاذ بن جبل. عندي أيضا في روايتان. قال: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: يا معاذ. قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، ثلاثة. قال: ما من احد يشهد ما من احد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار. قال: يا رسول الله، أفلا أخبر الناس فيستبشروا؟

وهذا يعني يأتي أحيانا في القرآن بعد فاء السببية، قد يكون الفعل منصوبا وقد يكون مرفوعا كما هو مثلا ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: 36]؛ لأن الفاء إذا سبقت بطلب أو نهي أو استفهام أو نحو ذلك فإنها تكون فاء السببية فينسب الفعل بعدها، ولكن في بعض المواضع قد يبقى مرفوعا. فوردت عندنا رواية فيستبشروا أو فيستبشرون. إذا يتكلوا، يعني النبي صلى الله عليه وسلم قال لو أنت أخبرتهم يخشى أن يتكلوا على ذلك. قال: وأخبر بها معاذ عند موته تأثما.

هذا الحديث مروي من طرق أخرى وله روايات كثيرة، وليست هذه هي الرواية الأشهر. الرواية الأشهر لهذا الحديث هي الرواية التي ذكرها البخاري في كتاب اللباس وغيره من حديث همام عن قتادة حدثنا أنس بن مالك عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: بين أنا رديف النبي صلى الله عليه وسلم ليس بيني وبينه إلا آخِرة الرحل فقال: يا معاذ، قلت: لبيك رسول الله وسعديك، ثم سار ساعة، ثم قال: يا معاذ، قلت: لبيك رسول الله وسعديك، ثم سار ساعة، ثم قال: يا معاذ، قلت: لبيك رسول الله وسعديك. قال: هل تدري ما حق الله على عباده؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. ثم سار ساعة ثم قال: يا معاذ بن جبل، يا معاذ بن جبل، قلت: لبيك رسول الله وسعديك. قال: هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوه؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد ألا يعذبهم.

هذه الرواية هي كأنها الرواية الأشهر في هذا وهذا هو السياق الأشهر، وكان هذا الحديث مختصر منها. فطبعا هذه الرواية لماذا أتى بها البخاري تحديدا؟ لأن هذه الرواية فيها وأخبر بها معاذ عند موته تأثما.

فهذه الرواية من رواية معاذ بن هشام عن أبيه ومعاذ ضعفه عدد من أهل العلم، وهذه الرواية الرواية الأشهر عن قتادة هي الرواية التي ذكرتها لكم. ولكن لماذا أتى البخاري بهذه الرواية تحديدا؟ لأن في هذه الرواية أنه قال: أفلا أبشر أو أفلا أبشر الناس؟ قال: إذا قال أفلا أخبر به الناس فيستبشروا. ففيه فائدتان؛ الأولى: أن النبي صلى الله عليه وسلم كأنه نبهه أنه إذا بشر الناس بذلك قد يتكلون عليه. وفيه كذلك: أن معاذا أخبر به عند موته تأثما لأنه كلمة تأثما يعني خشية الوقوع في الإثم.

ففيه مقصد الباب، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم خص معاذا بهذا لعلمه بأنه لن يتكل عليه. وفيه كذلك: أنك إذا خشيت من عدم فهم المتلقي أو أنه سيفهم الحديث خطا أو يفهم أقصد المعلومه خطا أو لا يحسن العمل بها، فإنك إما أن تكتم عنه هذا العلم أو أنك تمهد له أو تبين له كيف يطبق هذا العلم أو كيف يفهمه.

إذا هذا الباب يا شباب ليس المراد منه أن يكتم العلم عن من كل وجه، ولكن المراد أمران؛ الأمر الأول: فقه العالم بالمتلقي أن يكون عالما بالمتلقي وعالما بفهمه ويمهد له قبل أن يذكر له من العلم ما يشكل عليه أو ما لا يحسن فهمه، هذا باب. والباب الآخر أو المعنى الآخر في هذا الباب: أن كتمان العلم عن بعض الناس لا يعني أن يكتم العلم من كل وجه، والدليل أن معاذا أخبر بذلك عند موته لأنه خشي من الإثم -اللي هو إثم كتمان العلم-.

فطبعا هذا الحديث سياتي معنا كثيرا إن شاء الله هذا الحديث برواياته الأشهر لأن هو روي من أكثر من رواية؛ من رواية أنس التي ذكرناها هذه في كتاب اللباس برقم 5967، وياتي كذلك من رواية عمرو بن ميمون عن معاذ وهو أصح وأشهر -يعني هذه الأسانيد أصح وأشهر من هذا الإسناد الذي بين أيدينا-.

كذلك في حديث أبي هريرة وهو شاهد لهذا، لما كان الناس قعودا عند حول النبي صلى الله عليه وسلم وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ل- أخبر أبا هريرة بنفس معنى هذا الحديث، ولكن عمر بن الخطاب نهاه -نهى أبا هريرة أن يحدث الناس حتى لا يتكل الناس على ذلك-. وقال: يا رسول الله خل الناس يعملون، قال فخليه، قال ف-لهم، يعني عمر رضي الله عنه خشي أن يتكل الناس على هذا الحديث أن من قال لا اله الا الله صدقا من قلبه حرم الله عليه النار أو ادخله الله الجنة كما في بعض الروايات، فيكون ذلك سببا في ترك العمل.

طيب، إن شاء الله سياتي معنا التعليق على هذا الحديث بأوسع من ذلك. ولكن في هذا الحديث كما قلنا، إن استئذان العالم في نشر ما حفظ عنه من العلم -طالب العلم لابد أن يكون ذكيا-. قد يكون العالم خص بمعلومة له هو، أما لكونه يفهمها أو لكونه يحسن العمل بها أو لكونه لا يغتر مثلا بها؛ فليس معنى ذلك أن ينشر هو ذلك العلم عند كل الناس، بل لابد أن يكون حكيما.

فإذا سمعت -ركز بقى في هذا هذا ينفعك أنت- فإذا سمعت أنت كطالب علم معلومة شعرت أن المعلم خاصك بها أو أن هذه المعلومة تحتاج إلى فقه في فهمها أو في العمل بها فلا بد أن تستاذن العالم: هل أحدث بهذا؟ هل ترى؟ وهذا من أحسن ما يكون يا شباب أن طالب العلم يشاور شيخه فيما يبث من العلم. وبعض الطلبة يغفل هذا الجانب تماما؛ يبث للناس كل ما يقرأه، قد يقرأ معلومة مثلا في بطن كتاب ليست مشهوره بين الناس أو يأتي بلفظ مثلا ليس الأولى أن يذكر على العام فيحدث به.

وكثير من الطلاب لديه معلومات لكن ليس لديه حكمة، فهذا الباب في رأي من أحسن الابواب التي يحتاجها طالب العلم أو المعلم سواء في تلقي العلم أو في تعليم العلم واضح. وألخص ما فيه مرة أخرى حتى يركز الطالب؛ أولا هذا الباب: من خص بالعلم قوما دون قوم، يبقى إذا مشروع أن يخص العالم بعض الناس بالعلم دون بعض، أما لأن ذلك هو الذي يحتاجه أولئك بأعينهم هم خاصة يحتاجونه أو لكون غيرهم لن يفهمه أو لن يحسن تطبيقه أو سيحدث له إشكالا واضحا.

فإذا أراد أن يحدثهم فإما أن يمهد لهم وإما أن يشرح لهم كيف يعملون بهذا الحديث أو يذكر معهم ما يكمله. مثلا إذا ذكرت أنت الكلام عن رحمة الله وسعة مغفرته مثلا حديث أن عبدا اصاب ذنبا فقال: يا ربي أصابت ذنبا فاغفر لي، قال: علم عبدي أن له ربا يأخذ بالذنب ويغفر بالذنب، غفرت لعبدي. وفي آخر الحديث: فليفعل عبدي ما شاء.

فأنت إذا حدثت بعض الناس بهذا قد يغتر ويتجرد من المعاصي كان يتوقاها، فلا بد أن تبين له كيف نفهم هذا الحديث وكيف نعمل به، وأن هذا الحديث يحببنا في الله ويبين لنا سعة رحمة الله ويفتح لنا باب الرجاء والعمل والاستغفار والتوبة، لكنه لا يجرنا على المعاصي ولا يضعف في قلوبنا اجتنابها.

المعاصي وهكذا. يبقى هذا من فقه طالب العلم.

يبقى احنا أول فائدة ذكرناها: جواز أن يخص بعض الناس بصنف من العلم دون بعض. الأمر الثاني: أن تمهد فيما يحتاجه الناس من العلم في الأبواب التي تخشى ألا يحسنوا فهمها أو لا يحسنوا العمل بها. ثالثا: أن تذكر مع كل باب ما يتممه إذا خشيت أن يفهم على غير وجهه. مثلا الكلام عن سعة مغفرة الله أو العكس، ممكن تحدث مثلا بعض الناس عن أن الله تبارك وتعالى يأخذ بالذنب وأنه يعذب، أو مثلا باب الكبائر ونحو ذلك، فأنت تحتاج أيضا أن تذكر الأبواب الخاصة بالرجاء، وأن الله سبحانه وتعالى يغفر الذنوب جميعا ونحو ذلك. أيضا في باب أسماء الله وأفعاله، تحتاج أيضا أن تمهد للناس أن هذه أنباء وأخبار من الله تبارك وتعالى نؤمن بها ونصدق بها، والله ليس كمثله شيء، ونحو ذلك من المعاني التي تدل على فقه التعليم.

التعليم يا شباب ليس مجموعة معلومات يعرفها الطالب وينشرها بين الناس. يعني ذكرت قبل ذلك هذا المعنى، عندك دوائر ثلاث؛ الدائرة الأولى: التلقي والتحصيل وهذه واسعة جدا، ثم تأتي دائرة ما تقتنع به أو ما تشعر أن هذا يعني عليه حجج وأنه صواب تبدأ بقى تضبط فيه وتذكر حججه وتثبته في قلبك وتجوّده وتطوره، ثم تنتخب من هذا ما يحتاجه المتلقي، وهذا يحتاج علما بالمتلقي، ويحتاج فطنة منك، ويحتاج اختيار الوقت المناسب والأسلوب المناسب، سبق الكلام عن ذلك كثيرا.

الأمر الأخير: وهو أنه ليس في دين الإسلام ما يكتم في كل وقت وعن كل الناس. هذا لا يكون قط، لا يكون قط في دين الإسلام من العلم ما يكتم عن كل الناس أو ما يكتم في كل وقت. والمهم ألا يكون سبب كتمانك لذلك رغبة أو رهبة، وإنما يكون ذلك لفقه تراه في أن المتلقي قد لا يفهه أو قد لا يحسن العمل به. وأنا في رأي أن هذا الحديث ليس المراد منه كتمان العلم، وإنما المراد منه أن تخص بالعلم من يحتاجه ومن يفهه، والامر الثاني أن تمهد لمن لا يفهه.

طيب، الحديث الذي بعده، طبعا قوله: من قال ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه، هذا يخرج منه المنافق، لأن المنافق يكذب عمله قوله، والمراد هنا أن يشهد بقلبه وأن ينطق بلسانه وأن يكون. الله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْـمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1]، لأنهم شهدوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم. أيضا في الحديث: أفلا أخبر به الناس فيستبيح شر بمثلها؟ هذا لا يغتر، فالمؤمن يا شباب لا يغتر بمثل هذه الأحاديث وإنما يزداد حبا في الله، ويزداد علماً بما فيه من الخير.

المؤمن يحتاج أن يعرف أنه على خير، وكثير من الشباب لكونه يقع في بعض الذنوب يظن ألا خير فيه، فلا بد أن تحرك في قلبه إيمانه بأنه على خير، فتذكر له الأبواب التي تعرف أنه عليها؛ ألسست تشهد أن لا إله إلا الله؟ ألسست تحب الله؟ ألسست مثلا تشهد أن محمدا رسول الله؟ ألسست تصلي؟ ألسست كذا؟ فأنت هنا لا تجعله يغتر بما عليه، والإنسان حكيم يعني الإنسان طالب العلم لا ينبغي أن يكون حكيماً في إذا شعرت أن المسلم في هذا الوقت يحتاج مثلا ما يخيفه عن الله أو ما يخيفه من الذنب ذكره بما يناسبه، وإذا شعرت أنه يعني كما نقول يعني منهزم نفسيا أو أو ليس عنده ثقة أو يعني فاقد الامل، فانت تبث فيه الأمل، والله سبحانه وتعالى يؤتي الحكمة من يشاء.

هذا الحديث طبعا رواه عن معاذ عدد، رواه عنه أنس، ورواه عنه عمرو بن ميمون، ورواه عنه كذلك الأسود بن هلال، وسيأتي إن شاء الله في روايات كثيرة. البخاري أتى بشاهد آخر لرواية معاذ هذه، قال: حدثنا مسدد، مسدد بن مسرهد قال: حدثنا معتمر، معتمر هذا معتمر بن سليمان التيمي، وكان من أهل العلم والعبادة كأبيه وكان ثقة في أبيه، قال: سمعت أبي، اللي هو سليمان التيمي، قال: سمعت أنسا قال: ذكر لي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ. لاحظ: ذكر لي، يعني أنه حدث عن معاذ في رواية أنه روى هذا الحديث بدون واسطة، وهي التي ذكرناها التي جاءت في كتاب اللباس، ذكر لي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ. قلنا هذا هو صورة الحديث المرسل، يعني أنه لم يحضر هذا ولكنه ولم يأخذه عن معاذ، ولكنه أخذه عن واسطة عن معاذ، وهذا في حق الصحابه له حكم الاتصال، وإن كان في صورته صورة الارسال.

قال: ذكر لي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة. نلاحظ أن في الحديث اللي فوق: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه حرمه الله على النار، طبعا التحريم على النار أما تحريم الدخول أو تحريم البقاء فيها، يعني قد يدخلها، لأنه ثبت في حديث صحيح وبإجماع أهل العلم أن بعض المؤمنين الموحدين يدخلون النار ثم يخرجون بعد ذلك، كما اخذناه في باب زيادة الإيمان وتفاضل أهل الإيمان مر معنا هذا الحديث. فالمراد هنا أن الله يحرم عليه البقاء في النار، وفي الرواية الأخرى: دخل الجنة، يعني كل رواية تكمل الاخرى؛ دخل الجنة، أنه وإن سبق ذلك بعذاب، نعوذ بالله من عذاب النار.

قال: من لقي الله لا يشرك به شيئا، هذا يبين فضل الإخلاص وفضل التوحيد، وأن خير الحسنات هي الإخلاص، وشر السيئات هو الشرك، لذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]. طبعا يطرح هنا يعني بعض المتأخرين أشكالا سبق معنا كثيرا، وهذا الاشكال متفرع عن عن طريقة النظر في الآيات والأحاديث بمنطق اليونان، أو بعلم الكلام، أو بطريقة الجدل أو الاعتراض أو افتعال الاشكالات. يقول مثلا هذا الحديث قال: من ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه، أو في الآخر: من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، أين العبادات؟ أين الصلاة؟ أين الصيام؟ أين الزكاة؟ أين ترك الكبائر؟

طبعا نحن بينا أن هذا ليس أشكالا أصلا، وفي لسان العرب وفي لسان كل طائفة لا يؤخذ حكم عام من مجرد نص، وإنما تجمع النصوص. والله سبحانه وتعالى قال: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: 208]، فلم يقل أحد أبدا من أهل العلم ولم يستشكل أحد من الصحابه مثل هذه الأحاديث وقال: أين رسول الله باقي الأعمال؟ وأين الصلاة؟ وأين الصيام؟ لا، هذه هذه تفهم مع ما جاء معها في الباب. ومثلا ياتون إلى رواية أن الله سبحانه وتعالى يدخل الجنة من يعني في في بعض الروايات: من لم يعمل خيرا قط. يقولون: لم يعمل خيرا قط؟ طيب، وأين الشهادتان؟ وأين كذا؟

افتعال هذه الاشكالات لم يكن أبدا هديا لأهل العلم، ولم يكن ولم يكن العرب يستشكلون مثل هذا، وإنما يستشكل هذا إذا قرأت الوحي بلسان اليونان أو بغير لسان العرب. لذلك الشافعي جعل من من من تعلم لسان العرب ومن قرأ القرآن به انتفت عنه الشبه التي دخلت إلى غيره ممن لم يهتموا بلسان العرب، أو قرأوا القرآن بغير لسان العرب، أو قرأوا الحديث بغير لسان العرب. فكل هذه ليست أشكالات أصلا، يعني أحيانا أنت تفتعل أشكالا وهميا ثم تطلب الجواب عنه وهو أصلا ليس أشكالا.

الله سبحانه وتعالى لما مثلا يقول: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ﴾ [البقرة: 177] إلى آخر الآيات، وفي آية أخرى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2]، وفي آية أخرى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63]، وفي آية أخرى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: 19-21] ويذكر صفات المؤمنين.

كل هذه الآيات والأحاديث يتمم بعضها بعضا، ويبين بعضها بعضا، فالقران متشابه، يعني لا يصدق بعضه بعضا. كلمة متشابه: يعني يصدق بعضه بعضا، يشبه بعضه بعضا، لا يختلف. فلا يصح لأحد أن يجعل بعض الآيات والأحاديث يعني مخالفة لغيرها، القرآن كله جسد واحد، والقران وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك، الحديث يبين القرآن. فمثل هذه الاشكالات للاسف كثير من الطلاب يتفنن فيها، ويظن أن هذا من الذكاء، وهو ليس من الذكاء، بالعكس، هذا من إضاع الوقت وافتعال الاعتراضات.

افتعال الاعتراضات هذا لم يكن شأن أحد من كبار الصحابة، بل تجد هذه الأسئلة إنما تكون مثلا من بعض الأعراب، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يخشى هذا على كبار الصحابة الذين تعلموا منه وتفقهوا عليه، وإنما خشي أن يتكل مثلا بعض الناس فيعني يغتر بهذا فيتجمع أو يكسل عن الأعمال. فلابد لطالب العلم ألا ينتهج هذا النهج، اللي هو افتعال الإشكالات والاعتراضات والشبهات حول الآيات والأحاديث. وهذا الافتعال مما حذرنا الله تبارك وتعالى منه أنه من شأن بني إسرائيل: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ﴾ [البقرة: 108]، اللي هو أسئلة التعنت أو الأغلوطات التي يريد بها الطالب أن يشكل على المعلم، أو أن يوقعه في الخطأ، أو أن يجعله في حيرة، أو أن يمتحنه. كل هذه الأمور ليست من صفات أهل العلم الذين يريدون الفقه في الدين، وأنا تكلمت عن هذا المعنى قبل ذلك.

طيب، قال: إذا في في هذا الحديث من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، قال: ألا أبشر الناس فيه؟ أن طالب العلم يحب أن يبشر الناس، ويحب أن يكون سببا فيما يعني ينشرح به صدور الناس لهذا الدين، قال: لا، إني أخاف أن يتكلوا. واضح أن كلمة: إني أخاف أن يتكلوا، هذه كأنها علة، فهذه العلة تجعل التحديث بهذه الأحاديث عند من يخشى عليه أن يتكل الأولى ألا يحدث بها، أو أنه يمهد له ببيان أن الله شديد العقاب وأن الله نهى وامرنا أن نجتنب الكبائر، وأمر أن نعمل بالفرائض ونحو ذلك.

فأما انك تكتمها عما لا يحسن فهمها أو يغتر بها، أو أنك تتممها له، وأرى أن التتميم والبيان أولى من الكتمان، لأنه قد يسمعها من غيرك. يعني أنك مثلا إذا كتمت عنه هذا، بعض الناس مثلا كان يكتم عن المسلمين أحاديث الفتن التي حدثت بين الصحابة، فتنة مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه وما حدث في الجمل وصفين، فيكتم عنهم هذه الأخبار ويقول: لا، أنا لا أريد أن أفتح لهم هذا الباب. هذا جيد، لكن في هذا العصر الذي صرنا نعيش فيه صار أي واحد عنده قناة أو على صفحته في فيسبوك أو تيليجرام أو غير ذلك يمكن أن يبث هذه الأمور، فأنت بقى لابد أن تكون حكيما، لا تتعامل بر ردات الفعل لك، أنت تنتظر لما الناس يقعون في الإشكال.

هناك مثلا كثير من المسلسلات والافلام يعرض فيها هذه القصص، ويشوه فيها الصحابه، ويكذب فيها على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، بل يكذب فيها على الأنبياء أنفسهم، فأنت يعني لابد أن تكون عالماً بواقعك، ولا بد أن تختار الأسلوب المناسب لمواجهة هذا الانحراف. فانا في رأيي أن التمهيد ببيان مثل هذه الآيات والأحاديث التي قد يشكل فهمها على بعض الناس أولى من كتمانها، لا سيما إذا خشيت أن ينتشر أن تنتشر هذه الأخبار عند من يشوهها. لاحظ، في عندنا شخص ينقل الخبر كما هو، هينقل مثلا حدثت يعني حرب بين الصحابه كذا وكذا، هذا مجرد نقل. في شخص آخر يمكن أن ينقلها ثم يستعمل ذلك في ثلب الصحابة وفي اتهامهم، فأنت أولى أن تبين هذه الأخبار.

طبعا هذه الأخبار أو غيرها يعني أن تبينها وأن تفسرها حتى تحمل على وجهها. بعض الناس مثلا يخفي مراجعة عمر بن الخطاب رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأمور، مثلا في صلح الحديبية أو في مثلا لما الحديث السابق اللي هو قراناه: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، وعمر رضي الله عنه قال: أخشى أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم غلبه الوجع. فبعض الناس يكتم هذه الأخبار خشية أن يعني يقدح بها في عمر رضي الله عنه. هذا الخوف في محله بلا شك، لكن الأولى أن أن هذه الأخبار يعلمها طائفة من الناس ويعرف وجهها، هذا هو الأول، وإلا أنت لن تستطيع أن تكتم هذا، هذا موجود في الكتب، ولو كان منهيا عنه لما نقله العلماء لنا.

حتى الأحاديث التي فيها بعض الألفاظ التي يعني لا يستحسن أن تذكر لعامه الناس، ينبغي أيضا أن تدرس في محلها وفي موضعها، وأن يععلمها طائفة من الناس وأن يعرفوا وجهها، فهذا هو الأليق في هذا الباب، والله أعلم.

طيب، الباب الذي بعده، اتفضل يا وئام.

باب الحياء في العلم. وقال مجاهد: لا يتعلم العلم مستح ولا مستكبر. وقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين. حدثنا محمد بن سلام قال: أخبرنا أبو معاويه قال: حدثنا هشام عن أبيه، محمد بن سلام، نعم، حدثنا محمد بن سلام قال: أخبرنا أبو معاوية قال: حدثنا هشام عن أبيه عن زينب ابنة أم سلمة عن أم سلمة قالت: جاءت

جاءت أم سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رأَت الماء». فغطت أم سلمة -تعني وجهها- وقالت: يا رسول الله، وتحتلم المرأة؟

قال: «نعم، تربت يمينك، فبما يشبهها ولدها؟».

حدثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من الشجر شجرةً لا يسقط ورقها، وهي مثل المسلم، حدثوني ما هي؟». فوقع الناس في شجر الباديه، ووقع في نفسي أنها النخله.

فقالوا: يا رسول الله، أخبرنا بها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هي النخلة». قال عبد الله: فحدثت أبي بما وقع في نفسي، فقال: لأن تكون قلتها أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا.

بارك الله فيك، هذا الباب يا شباب هو من أجمل أبواب هذا الكتاب، لأنه يبين أن الحياء في العلم. وفهم بعض الناس من هذا الباب أن البخاري يقول: لا حياء في العلم، وهذا انتشر حتى على ألسنة الناس، يقولون مثلاً بعضهم: لا حياء في الدين، أو لا حياء في العلم. وليس كذلك، ولكن البخاري يريد أن يتحدث عن فقه الحياء؛ ألا يمنعك الحياء من الحق، فالحياء من الإيمان كما مر معنا، ولكن الله تبارك وتعالى لا يستحيي من الحق ولا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضةً، كما في الآية في سورة البقرة.

فالمعنى: لا يبلغ بك الحياء أن يمنعك من الحق، أو أن يمنعك من الخير، أو أن يوقعك في الشر. فالحياء قد يكون ضعفاً، وقد يكون مهانةً، وقد يكون ذلاً، وقد تأثم بفعله، يعني قد يكون سبباً في أن تترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو أن تترك رد الغيبة مثلاً. فلا بد أن تكون فقيهاً، فليس الحياء محموداً من كل وجه. الحياء المحمود هو الحياء المضبوط بالكتاب والسنة.

أنتم تعرفون أن الإنسان له طبائع، طبعاً من الطبائع مثلاً أن الإنسان قد يكون حييّاً، قد يكون مثلاً عنده أنفة، قد يكون عنده غلظة، قد يكون سريع الغضب، هذه أشياء طبع عليها. والأولى نحن لا نقول فطر عليها؛ لأن لفظ الفطرة في القرآن والحديث جاء في موضع المدح، جاء كثيراً أو جاء عموماً في موضع المدح، لم يذكر الفطرة في مجرد الطبع، وإنما الطبائع جاء الوحي ليهذبها وينقيها.

إنسان مثلاً كما قلنا عنده حياء، حتى البخاري رحمه الله لما ذكر حديث عائشة رضي الله عنها -وهو حديث سنعرف أين موضعه- نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين. بينت عائشة رضي الله عنها أن الأصل فيهن الحياء وأنه ثابت، لكنهن فقيهات. يعني هذا الحياء منهن بفقه وحكمة ومنضبط بالشريعه، لم يبلغ بهن أن يمنعهن عن التفقه في الدين.

إذاً، الحياء شعبة من الإيمان. وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئاً يكرهه عرفناه في وجهه. هذا حديث في البخاري ومسلم. والعذراء هي البكر، ويضرب المثل بها في الحياء. والخدر هو الستر، يعني المقصود حينما يختلي بها زوجها؛ لأن لا عهد لها بالرجال. فهو وصف حياء النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الحالة أنها عذراء وأنها في الخدر، وهذا أشد موضع لحياء المرأة.

إذاً، كل هذا يبين أن الحياء من الدين، وأنه مما يحمد عليه صاحبه. ومر معنا حديث الرجل الذي كان يعظ أخاه في الحياء، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحياء لا يأتي إلا بخير». وفي الآية: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص: 25]. فبالتالي، هذا الباب ليس معناه أنه لا حياء في العلم أو لا حياء في الدين، هذا معنى باطل، بل الحياء في العلم زينته وكماله وتمامه، وكذلك الحياء من الإيمان ومن الدين، ولكن المعنى أن ينضبط حياؤك بالشريعه.

فهذا الباب ينتفع به صنفان؛ الصنف الأول: من ليس عنده حياء، فيقال له: لا بد أن تتحلى بخلق الحياء وأن تتعلمه، بل بالتعلم. وفي الحديث أن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله، قال: الحلم والأناة. قال: خلقان تخلقت بهما يا رسول الله أم جبلني الله عليهما؟ قال: «بل جبلك الله عليهما». قال: الحمد لله، إلى آخر الحديث. ففي الحديث أن الأخلاق منها ما يفطر عليه الإنسان ومنها ما يكتسبه، فالحياء كذلك يعلم، كما أن الصفات الأخرى مثلاً الرفق أو اللين أو الغضب، كل ذلك في موضعه حسن. فلا يبلغ بك الرفق مثلاً أنك في بعض المواضع -الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2]- يعني لا تحملكم الرأفة أن تسقطوا حدا وجب عليهما، واضح؟

يبقى الغضب كذلك: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 73]. والنبي صلى الله عليه وسلم مر معنا في بعض الأحاديث أنه اشتد غضبه في بعض المواضع إذا انتهكت حرمات الله، أو مثلاً في من أرادوا أن يخالفوا. فكل هذه الطبائع لم تأتي الشريعه، جاءت الشريعه تقر خيرها وتضبط ما فيها من التجاوز.

لذلك الله سبحانه وتعالى قال كما في الآية يتلو عليهم، كما في دعاء إبراهيم واسماعيل عليهما السلام: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: 129]. ومن جملة تزكية النبي صلى الله عليه وسلم أن تنضبط هذه الطبائع فيوضع، فتوضع هذه الصفة في موضعها. يعني مثلاً الشهوه، هذا طبع في الإنسان، جاءت الشريعه لتضبط هذه الشهوه تماماً، الشهوه أو يمكن أن نسميها الرغبة، كما ذكر ابن تيميه أن الرغبة والغضب خلقتا لأمور عظيمة، يعني الإنسان برغبته ينال العلا بما عنده من الطموح والرغبة والشهوة الشيء المعين، واضح؟ وكذلك الغضب يستثير في الإنسان شيئاً من القوة والطلب، لكن إذا انضبط بالشريعه. يبقى إذن هذه أمور مهمة جداً يا شباب.

طيب، بالنسبة لطالب العلم، طالب العلم يحتاج إلى خصال؛ منها مثلاً الإلاص، والعزم، والصبر، والجد، والتقوى، والحرص، سبق معنا كل هذا. لكن كذلك قد يكون عنده خصال تمنعه أو تقلل فرصة نبوغه؛ منها الكبر، ومنها الإعجاب بالنفس، ومنها الحياء، ومنها الأنفة، ومنها المماراة والجدال، وأنه لا يكلم معلمه أو لا يقبل على معلمه إقبال المتعلم، بل إقبال المماري والمجادل.

البخاري هنا لم يذكر بابا مستقلاً قال فيه: باب لا حياء في العلم أو باب يستحيي، ينبغي أن تكون حيياً في كل شيء، ولكنه ذكر جملة من الآثار يفهم بها المراد. فخلونا نقف مع هذا الباب، قال: وقال مجاهد. طبعا هذا الاثر مروي عن مجاهد بأكثر من إسناد؛ منها ابن عيينه عن مسعر عن مجاهد، أو ابن عيينه عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال مجاهد: لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر.

طبعاً هو يتكلم هنا عن من حمله حياؤه على ترك العلم؛ يعني مثلاً طالب كل ما يكون عنده إشكال يستحيي أن يسال، يستحيي أن يجيب، يريد أن يطلب العلم لكن يستحيي أن يزاحم الناس مثلاً. فهذا الحياء مبالغ فيه تجاوز الحد، فهذا الحياء ليس محموداً. تصور مثلاً أنت تجلس مع أبيك وأنت تستحي منه، هذا جيد، لكن وجدت أباك يقع في الحرام، يفعل شيئاً محرماً، يشاهد شيئاً محرماً، أو مثلاً يغتاب، فانت تستحيي أن تنهاه -طبعا لا اقول انك تنهاه بأسلوب سيء لا، لكن حتى تستحيي من اصل الفكره انك تأمره أو تنهاه- لا، الإنسان لا يمنعه حيائه من رد الغيبة أو الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر. فهذا مهم، يبقى إذاً لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر.

بين هنا خصلتين بهما يحرم الإنسان العلم؛ أما بسبب حيائه المبالغ فيه المتجاوز فيه وهذا لا يمدح عليه، وأما بسبب استكبار، وهذا الاستكبار كثير من الناس فيه، وهذا من أسوأ الخلق بشكل عام، وهذا يمنع الإنسان ليس فقط من طلب العلم، بل من الانتفاع بالعلم كذلك: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: 146]. ووافق تلك الآية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث عظيم، قال: «الكبر بطر الحق وغمط الناس». بطر الحق يعني أن يكون الحق أمامك وتترك اتباعه أو تعاند فيه. موافق هذا يصرف به المتكبر، المتكبر يصرف، كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار، وقال: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾ [الكهف: 28]. الله سبحانه وتعالى هو الذي أغفل قلبه خلاص، وذلك بسبب أعماله: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: 146]. يبقى هذا الكبر جعلهم لا ينتفعون بالآيات، وكما في الحديث: كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه.

مجاهد أحد أئمة العلم والفقه والتفسير والحديث، فهذه الكلمه لها قيمتها؛ لماذا؟ لأنه أولاً طالب علم، طلب العلم عند أكابر العلماء وعلى رأسهم عبد الله بن عباس وغيره من الصحابه وغيره من التابعين، ومع ذلك هو معلم مارس التعليم وكان مفسراً، فخرج بهذه الخلاصة: أن من جملة الأسباب التي يحرم بها الطالب الحياء أو الاستكبار، ولا شك أنه يقصد بالحياء المتجاوز فيه أو الغير منضبط بالشريعه، والاستكبار من كل وجه.

فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين. طبعا هذا الحديث معلق هنا في البخاري، لكن وصله مسلم، موجود عند مسلم من طريق شعبة عن إبراهيم بن المهاجر قال: سمعت صفية تحدث عن عائشة أن أسماء سالت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل المحيض، ثم في آخر الحديث قالت عائشة رضي الله عنها: نعم النساء نساء الأنصار.

نلاحظ في هذا الحديث أن عائشة -وهي فقيهه الصديقه من كبار علماء الصحابه- تصف نساء الأنصار وصفاً دقيقاً: نعم النساء نساء الأنصار. طيب، ما هو وجه التفضيل هنا في هذا الموضع؟ لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين؛ يعني الحياء أصل فيهن، هذا أصل مسلم، لكن من فقههن علمنا أن الحياء لا يمنع من العلم الواجب، ولا يمنع من الازدياد في العلم، وكل شيء في موضعه حسن. واضح؟

قال: أن يتفقهن في الدين، يعني أن يطلبنا العلم وأن يتفقهن في الدين. طيب، هذا معناه أنهن في الأصل يطلبن العلم ويتفقهن، ولكن في بعض الأمور التي تستحيي منها المرأة -قد تستحي أن تتعلمها أو أن تسأل خصوصاً الرجال- فلم يمنعها حياؤها من ذلك، من أن تتعلم ما تحتاجه من العلم وإن كان ذلك فيه شيء من الحياء، أنها بطبعها هناك أمور تستحي المرأة أن تذكرها حتى للمراه، فكيف إذا سالت الرجل عنها؟ لا شك أنه حياء.

فهذا الحديث يا شباب الذي سنقرا الآن -أو خلينا نؤجل هذه الفكره بعد قراءه الحديث إن شاء الله- روى البخاري، قال: حدثنا محمد بن سلام البيكندي، قال: أخبرنا أبو معواء -اللي هو أبو معاويه الضرير محمد بن خازم، وهو من جملة الثقات وخصوصاً في روايته عن الأعمش وهو كوفي، هو في الأعمش بعد شعبة والثوري وبعضهم يقدمه عليهما وهو ثقه في الأعمش لكنه يضطرب في غير الأعمش ورمي بالإرجاء وهو يخطئ في هشام بن عروة-.

هذا الحديث رواه عندنا عن هشام بن عروة، هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، لكن هذا الحديث توبع عليه؛ تابعها عليه مثلاً مالك في الموطأ، والقطان يحيى القطان عند أحمد والنسائي، وابن عيينه عند في مسلم وعند الترمذي، ووكيع عند مسلم وعند ابن ماجه وعند أحمد، وابن نمير في مسند أحمد.

ومن هذا تعرف فقه البخاري عليه رحمه الله، أنه لو خرج لراوي ما توبع عليه، طيب لماذا يروي هذه الرواية عنه؟ لماذا لا يرويها عن باقي الثقات الحفاظ؟ لأنه بالفعل سيكرر تلك الرواية عن الثقات الحفاظ في مواضع أخرى، أو لأنه لا يريد أن يبخس هذا الرجل حقها لأنه ضبط تلك الرواية، فلماذا لا يخرجها؟

قال: أخبرنا أبو معاوية، قال: حدثنا هشام -اللي هو هشام بن عروة- عن أبيه -اللي هو عروة بن الزبير بن العوام- عن زينب ابنة أم سلمة -زينب اللي هي ابنة أم سلمة ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم، يعني ابنة زوجته أم سلمة- عن أم سلمة -هي هند بنت أبي أمية أم المؤمنين رضي الله عنها- قالت: جاءت أم سليم -أم سليم بنت ملحان اللي هي والدة أنس رضي الله عنه- إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ إذاً -يعني هل المرأة يجب عليها الغسل إذا رأت في منامها أنها تجامع، وهو هذا يراه الرجل وتراه المرأة-.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رأَت الماء». فغطت أم سلمة -تعني وجهها- وقالت: يا رسول الله، وتحتلم المرأة؟ قال: «نعم، تربت يمينك، فبما يشبهها ولدها؟». طبعا سياتي معنا هذا الحديث في روايات أخرى إن شاء الله. ولكن شو يعني انظر إلى فقه أم سليم رضي الله عنها.

أولاً، قدمت بما يمهد للسؤال، وبما يكون عذراً لها في سؤالها؛ إن الله لا يستحيي من الحق. يعني هي تبين أساساً أنها عندها حياء، ولكن الله سبحانه وتعالى نفسه لا يستحيي من الحق، فكيف أحي أنا من الحق؟ وهذا جاء في القرآن: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: 53]، كما في سورة الأحزاب.

لأن تلك الأمور التي تسأل عنها -يعني- تستحي منها المرأة حتى أن تذكرها. المرأة بطبعها تستحي أن تذكر ذلك لأختها، فضلاً أن تذكره أمام الرجال. في رواية مسلم، قالت عائشة رضي الله عنها: فضحت النساء! وفي رواية أنس، قالت أم سليم: يا رسول الله، المرأة ترى ما يرى الرجل في المنام؟ فقالت عائشة يا أم سليم: فضحت النساء، تربت يمينك! فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: بل أنت، فتربي.

الحركة النسوية كان لها اليد الطولى في هذا الأمر السيئ، هي وغيرها من -يعني- هذه الحركة وغيرها من الحركات التي -يعني- نشأت أصلاً لإضلال المرأة، وكثير من نساء المسلمات -للأسف- دخلنا في هذا الضلال، تركت حيائها وتركت اعتزازها بدينها وتركت اهتدائها بربها تبارك وتعالى، وسلمت نفسها لشياطين الإنس والجن. والشيطان الله سبحانه وتعالى حذرنا: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا﴾ [الأعراف: 27]، فهذا من فعل شياطين الإنس والجن.

كل من يريد أن يخرج المرأة من حيائها فهو من شياطين الإنس والجن. فلذلك تبقى هذه الأحاديث في موضعها حسنة؛ لا ينبغي أبداً للمرأة إذا -مثلاً- وجدت هذه الأحاديث أن تظن أن هذا يمنعها من الحياء، أو أن هذا يذكر في كل موضع، لا، ذكر هذه الأحاديث يكون حسناً فقط في موضعه.

وللأسف، بعض من لديه بعض المعلومات لكن ليس عنده فقه، يأخذ هذه الأحاديث وينشرها، بل يتبجح بها! يعني ينشر كثيراً من الألفاظ التي وردت في بطون الكتب، والتي يذكرها العلماء في بعض المواضع من باب التعليم، فينشره. ينشر ألفاظاً وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الروايات، أو وردت عن الصحابة أو الصحابيات في بعض الروايات، ثم ينشرها على العام دون أدنى داعٍ ودون أدنى فقه وفي غير موضعها، ثم يقول: هل أستحي مما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم؟ ومما قالته أمهات المؤمنين؟ أو مما قاله كذا وكذا؟ لا، لا أستحي! طب هذا من الجهل ومن ضعف الحكمة.

إنما ذكروا ذلك في موضعه، والعلماء ذكروه في موضعه، فيكون حسناً إذا ذكر في موضعه؛ فتبقى هذه الأمور يستحيا منها بلا شك، وتقال في مقامها وموضعها اللائق. ومن نشرها على العام وبدون سبب وبغير فقه، هذا لا يقل خطأً عمن أخفاها، بل قد يكون سبباً في صد الناس عنها بجهله. والحمد لله أن هذا الباب سبق بالباب الذي قبله من خص بالعلم قوماً دون قوم، كذلك من خص بالمعلومة موضعاً دون موضع.

والذي يأتي -مثلاً- سياتي معنا حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر فيه لفظ الجماع بلفظ لم يذكر في أغلب الروايات، هل يصح للإنسان أن يذكر هذا عموماً في كل مشهد؟ لا، الأصل أن يكنى عن ذلك، كما جاء في القرآن والسنة كثيراً. فلما يذكر هذا اللفظ -مثلاً- في موضع لأنه سيقام الحد على صاحبه، فهذا من فقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكمته وحسمه؛ فلا بد أن يعمل ذلك أو يذكر ذلك في موضعه، لا أن ينشر ذلك بحجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله.

لماذا أنا أنبه على ذلك يا شباب؟ لأني وجدت من لديه بعض المعلومات يحسب أنه وصل إلى معلومات رهيبة، ويقول: أنا -يعني- يظن أنه اكتشف أموراً لا يعرفها غيره لأن غيره لم يذكرها! لا، غيرك يعلمها، بل يعلمها أفضل منك وأكمل منك، لكنه يحسن وضعها في موضعها.

إذاً يا شباب، هذا الحديث فيه فقه أم سليم، وفيه أنها كانت عاقلة، ولم يمنعها حياؤها من طلب ما تحتاجه من دينها، وأنها قدمت بمقدمات تكون ممهدة وتكون عذراً لها في ذلك. وفيه كذلك أن كل شيء في موضعه حسن، وفيه أن الحياء لا ينبغي أن يبلغ بك أن يمنع من الحق أو أن يدخلك في باطل، هذا هو فقه الحديث، وهذا من أجمل ما ذكره البخاري عليه رحمه الله ليبين أن الحياء في العلم، ولكنه ينبغي ألا يمنعك من طلب العلم، وينبغي كذلك ألا يدخلك في باطل، وألا يحجبك من طلب ما تحتاجه من العلم.

أما الحديث الذي بعده، -طبعاً- إن شاء الله الحديث سياتي معنا يا شباب إن شاء الله مرة أخرى -يعني- نجعل الحديث مروياً عن طرق، روي عن عائشة من طرق، فنجعل باقي شرح الحديث في موضعه.

قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثني مالك، عن عبد الله بن دينار. عبد الله بن دينار تكلمنا عنه قبل ذلك وعن أصحابه في الحديث رقم تسعة، وهو مولى عبد الله بن عمر، وهو من الثقات. عن عبد الله بن عمر قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من الشجر لشجرة لا يسقط ورقها، وهي مثل المسلم، حدثوني ما هي؟».

الحديث سبق معنا هذا الحديث كثيراً يا شباب، وتكلمنا عن -يعني- أشهر أصحاب عبد الله بن عمر وهم ثلاثة: نافع وسالم وعبد الله بن دينار، وكذلك يدخل مجاهد وسعيد بن جبير. وذكرنا أن أشهر أصحاب عبد الله بن دينار: شعبة والثوري ومالك وابن عيينة وإسماعيل بن جعفر وعبد العزيز بن مسلم. وسبق معنا هذا الحديث في أكثر من موضع في كتاب العلم باب حدثنا وأخبرنا، وباب الفهم في العلم من رواية مجاهد عن ابن عمر.

ولكن هذا الحديث فيه زيادة، لذلك أورده البخاري هنا، وهي قول عبد الله: قال فحدثت أبي بما وقع في نفسي، فقال: لان تكون قلتها أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا.

فهل البخاري عليه رحمه الله يريد هنا يا شباب أن يقول -يعني- يريد أن يمدح حياء عبد الله بن عمر؟ أو أن يبين أن الأولى ألا يمنعك الحياء من الجواب؟ أنا صراحة عندي شك في ذلك، لكن إيراده لهذا الحديث بهذه الزيادة يدل على أن عمر رضي الله عنه -يعني- كأنه يقول لعبد الله: ما كان ينبغي أن يمنعك حياؤك من أن تجيب، وإن لم نجب نحن -مثلاً- أنا وأبو بكر لم نجب وغيرنا، أنت إذا عرفت شيئاً فأجب، فلا ينبغي أن يمنعك الحياء من ذلك وإن كان في رأي.

يبقى أصل الحياء من -يعني- توقير الكبير في الدروس، سواء كان معلمك أو كان رفيقاً لك، هذا من أجمل صفات طالب العلم. وأنا من أكثر الأمور التي -يعني- أمقت في طالب العلم -خصوصاً من يكون عنده بعض الذكاء أو بعض الفهم- أنه لا يراعي ذلك، لا يراعي الأدب مع الكبار، مع كبار السن، فيحمله ذكاؤه ومثلاً حسن إجابته أو حسن منطقه على أن أما أن يستعلي أو أن لا يراعي حقوق الكبار.

فبشكل عام، قد يكون البخاري أراد أنه لا ينبغي أن يمنعك الحياء أن يمنعك الحياء من الجواب، حتى لو كان الكبار لم يجيبوا. والأمر الثاني فيه كذلك أن يبقى أصل الحياء هذا محموداً لطالب العلم، والله أعلم.

باب من استحيا فامر غيره بالسؤال.

حدثنا مسدد، قال: حدثنا عبد الله بن داود، عن الأعمش، عن منذر الثوري، عن محمد بن الحنفية، عن علي قال: كنت رجلا مذاء، فأمرت المقداد أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال: «فيه الوضوء».

نعم، هذا الحديث متمم. والبخاري من أجمل ما يفعله في هذا الكتاب -البخاري شباب عليه رحمه الله، البخاري في هذا الكتاب يا شباب- يعني من احسن ما يمكن في فقه الشريعة عموماً، إذا وجد باباً لابد أن يذكر معه غيره أتى به حتى يتممه. سيمر معنا إن شاء الله مواضع نكتشف بها فقه هذا الإمام وتوفيق الله تبارك وتعالى له في ترتيب الأحاديث والباب.

هو يقول: نعم، لكن نحن قلنا إن الحياء لا ينبغي أن يمنع من ذلك، لكن قد يكون هناك ظرف يكون -يعني- يصعب على الإنسان فيه أن يجهر بما في نفسه -يعني- في موقف معين يستحي الإنسان فيه من التعلم أو تعلم هذا الأمر. فيقول: شوف باب من استحيا فأمر غيره بالسؤال؛ يعني لو غلب عليك الحياء هذه صورة، أو كنت في موضع فعلاً يستحيا منه، فلا ينبغي أن يمنعك ذلك من أن تصل إلى الجواب بأي شكل كان، يعني يمكن -بقى- فلذلك أتى بحديث علي رضي الله عنه أن هو أمر المقداد أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا الباب متمم لما قبله يا شباب، وهذا من أحسن ما يفعله البخاري عليه رحمه الله.

باب من استحيا فأمر غيره بالسؤال؛ يعني استحيا في أمر لابد له من علمه، فهل معنى ذلك أن يترك العلم؟ لا، يحاول أن يجتهد. -مثلاً- بعض الناس الآن -مثلاً- ماذا يفعل؟ يستحي أن يواجهك بامر، فيرسل لك رسالة، هذا أيضاً من حسن السؤال. أو يطلب من غيره أن يسألك، أو يدخل -مثلاً- من حساب آخر ليسال؛ امرأة -مثلاً- تريد أن تسأل عن أمر ما فلا تستطيع أن تواجه أو لا تستطيع أن تكلم -مثلاً- في الهاتف، تتصل -مثلاً- بشيخ تسأله، فيمكن أن تررسل رسالة، أو تأمر زوجها أن يسأل، وهكذا. المهم ألا يمنعك الحياء من طلب ما تحتاجه من العلم.

هذا الحديث ذكره الدارمي في المقدمة، في مقدمة كتابه اللي هو السنن، باب من هاب الفتيا مخافة السقط.

نقرا إسناد الحديث: حدثنا مسدد، قال: حدثنا عبد الله بن داود -هذا الخريبي عبد الله بن داود- قال: عن الأعمش، عن منذر. -طبعا هذا الحديث تابعه عليه، وعبد الله بن داود ليس من.. هو ثقه، أخذ عليه فقط حبه للرأي، وهو من العباد، وهو كوفي، ليس -طبعا- من كبار أصحاب الأعمش، لكن تابعه عليه جرير وشعبه عن الأعمش عند البخاري، ووكيع وأبو معاويه وهشيم عند مسلم، والحديث -يعني- مروي من أوجه عن علي رضي الله عنه-.

هذا الحديث -يعني- مشهور عن علي رضي الله عنه. وفي رواية النسائي من طريق عبد الله بن حبيب بن ربيعة، قال علي: كنت رجلاً مذاء، وكانت ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تحتي، فاستحييت أن أاسأله فقلت لرجل جالس إلى جنبي: سله. يعني كانوا في المجلس، وواضح أن علي رضي الله عنه -يعني- حضر هذا السؤال والنبي صلى الله عليه وسلم يجيب عنه.

قال: عن الأعمش، عن منذر -منذر الثوري، منذر بن يعلى الثوري، وهو كوفي ثقة- عن محمد بن الحنفية -محمد بن علي بن أبي طالب، أمه الحنفية خولة بنت جعفر بن قيس، طبعا -يعني- علي رضي الله عنه تزوج فاطمة وتزوج الحنفية رضي الله عنهن جميعاً، وهذا محمد بن الحنفية هو -طبعا- من خيرة أهل البيت في العلم والعمل والصدق- قال عن علي، قال: كنت رجلاً مذاء -يعني كثير المذي، والمذي معروف، -وإن شاء الله سياتي باب في بيانه- قال: كنت رجلاً مذاء فأمرت المقداد.. وفي رواية: فاستحييت. وهذه الرواية هي وجه الشاهد بالمناسبة.

البخاري قد يذكر الشاهد في غير رواية الباب، يعني البخاري قد يذكر حديثاً تحت الباب ويكون وجه الشاهد في رواية أخرى للحديث؛ فوجه الشاهد: فاستحييت، وهذه ليست موجودة عندنا هنا. قال: فأمرت المقداد أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال: «فيه الوضوء»، وسياتي معنا هذا الحديث إن شاء الله تبارك وتعالى.

ندخل في الباب الذي بعده، تفضل يا.. ماشي، نخلي عاصم يقرأ شوية يا وئام، تفضل يا عاصم.

باب ذكر العلم والفتيا في المسجد.

قال حدثني قتيبة بن سعيد قال حدثنا ليث بن سعد قال حدثنا نافع مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب عن عبد الله بن عمر أن رجلاً قام في المسجد فقال: يا رسول الله، من أين تأمرنا أن نَهِلّ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يُهِلُّ أهلُ المدينة من ذي الحُليفة، ويُهِلُّ أهلُ الشأم من الجُحفة، ويُهِلُّ أهلُ نجد من قَرْنٍ». وقال ابن عمر: ويزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ويُهِلُّ أهلُ اليمن من يَلَلمْلَم». وكان ابن عمر يقول: لم أفقه هذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

بارك الله فيك. هذا الباب يتكلم فيه البخاري رحمه الله عن موضع الدراسة والتدريس والمذاكرة. وأعظم مكان أو خير الأماكن على الأرض هو المسجد، وخير الأماكن التي يتدارس فيها ويتذكر ويراجع ويحفظ هو المسجد، وهو وفيه بركة يعلمها من طلب العلم في المسجد.

ولكن لماذا يذكر البخاري هذا الباب؟ ذكر ابن حجر عليه رحمه الله في هذا الباب أن البخاري يرد بذلك على من كره دروس العلم في المسجد لما قد يحصل من المناقشه والجدال ورفع الصوت. أنا بحثت عن من -يعني- توقف في الدروس في المسجد أو منعها فلم أجده، ولا لا أعرف -يعني- حاولت أن أنا أبحث: هل ورد أحد عن أهل العلم أو وردت آثار عن بعض أهل العلم كراهية الدروس في المسجد خشية ما يحصل -مثلاً- فيها من المناقشة والجدال ورفع الصوت فلم أجده.

ابن حجر رحمه الله، من أجمل ما يفعله في هذا الكتاب أنه يحاول أن يبرر لك التبويبات التي قد تستغربها أنت.

لكن أنا في رأيي والله أعلم، أن بداية البخاري يريد أن يقول: إن العلم والفتيا في المسجد هذا مشهود. فهل هو بذلك ضمناً يرد على من كرهه؟ لا شك أنه يرد على من كرهه، لكن أنا لا أعلم من كره ذلك.

والله سبحانه وتعالى قال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ﴾ [النور: 36-37] إلى آخر الآيات.

وورد الحديث الآخر الذي تكلمنا عنه؛ الذي رواه مسلم: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم». وكذلك ورد في صحيح مسلم من حديث جابر بن سمرة؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى الفجر لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قام، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسمون. فهذا فيه أنهم كانوا يتكلمون حتى في الأمور العادية في المسجد، فكيف بالععلم؟

وكذلك المسجد، وردت آداب تتعلق بالمسجد؛ كما في حديث أنس في الرجل الذي بال في المسجد، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من هذا البول والقذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن».

المهم أن هذا الباب فيه طلب العلم، أو مذاكرة العلم، أو الفتيا في المسجد. وأنا والله يا شباب، أقول: من أعظم ما حرمه كثير ممن يطلبون العلم، خصوصاً بعد انتشار وسائل التواصل والتعليم عن طريق الإنترنت والتعليم الذاتي، سواء الذين يمارسون التعليم ذاتياً دون المدارسة مع الأقران، أو دون الدراسة على طلاب العلم والمشايخ، أو الذين يدرسون عن طريق الإنترنت في البرامج العلمية؛ أقول إن من أعظم ما حرمه هؤلاء، تلقي دروس العلم في المساجد، ولقاء أهل العلم، والتواصل معهم، والتعلم من أخلاقهم.

والله يا شباب هذا له بركة وفضل، وبعد عن سبل المعاصي وإضاعة الوقت التي ابتلي بها من يدرس عن طريق الإنترنت. وكثير من الشباب يقول لي إن دراسته عن طريق الإنترنت فتحت له أبواباً من المنكر؛ لا شك أن هذا ضعف فيه بلا شك. نحن لن نلوم وجود هذه الدروس على الوسائل، بل هي زينة هذه الوسائل، ولو لم يكن على وسائل التواصل هذه الدروس لكانت شراً محضاً.

هذه الوسائل تدخل الإنسان في إضاعة الوقت، وتدخله في كثير من المعاصي. يعني أنا لا أعرف كمية الإعلانات التي انتشرت على كل اليوتيوب والفيسبوك وغيره؛ أنت تكون تقرأ منشوراً، بعده ياتيك إعلان إجباري لا تستطيع أن تخرج منه، وكم من إنسان يستجيب لهذا ولا يستطيع أن يمنع نفسه عنه! فيكون داخلاً بغرض أنه يستمع إلى درس أو يقرأ منشوراً ينفعه، ثم يجره إلى المعاصي وإلى رؤية المنكرات. فهذا من أسوأ -أو هو أسوأ- قل هو أسوأ ما في الدراسة عن طريق الإنترنت.

والدراسة كذلك الذاتية يا شباب، وهذا من العيوب التي يضحك بها الشيطان على طالب العلم؛ أن يكون أمامه فرصة لطلب العلم مع المشايخ أو طلاب العلم أو الأقران في المذاكرة والمراجعه، ويقول: لا، أنا أدرس وحدي فأنا أحفظ بذلك وقتي وأنا لا أحتاج لأحد. هذا من ضحك الشيطان عليك.

بل نفس الاجتماع مع إخوانك أو مع أهل العلم هو عبادة في نفسها؛ أن تتواصلوا بالخير والحق والصبر، وأن تصبر نفسك معهم، وتقوي نفسك بهم، وتستنير بهم، وتستشيرهم، وتتقوى بهم، وتعينهم ويعينوك، وتنصحهم وينصحوك. هذا من أجمل ما يعينك على البقاء في هذا الطريق، وهو زينة هذا الطريق ويكملك.

وأنا ذكرت فضل المذاكرة قبل ذلك في الدورة الخاصة بقراءة الكتب التأسيسية. فلذلك يا شباب، نصيحتي هنا باختصار: كل من توفر منكم لديه فرصة في أن يدرس العلم على أهل العلم، أو أن يلتقي بهم، أو أن يرحل إليهم؛ لا يفوت هذه الفرصة.

الامر الثاني: أن تجتهد في طلب العلم بحسب المتاح؛ إذا كان هناك برامج علمية عن طريق الإنترنت أو تقرأ قراءة ذاتية، استعن بالله ولكن اتق الله واصبر، ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 90]. استعن بالله واتق الله واصبر.

وحاول أن تتخلص من شرور هذه الوسائل بأمرين، ركز فيهما: الأول، فضول هذه الوسائل؛ لأنك قد تقول: أنا لا أفعل شيئاً محرماً ولا أشاهد شيئاً محرماً. نعم، لكنك تضيع وقتك بالجدال، أو بالنظر إلى من الذي عمل لك إعجاب، أو بالنظر في متابعة الصفحات التافهة، أو التعليقات الفارغة، أو الترندات؛ خبر يكون منتشراً بين الناس ويكتبون عليه تعليقات وأنت تريد أن تعرف. فإذا تخلصت من الفضول أولاً، وهو كل ما لا تحتاجه؛ احرص على ما ينفعك.

والثاني: الحرام. والحرام في وسائل التواصل -زي ما احنا بنقول في مصر- على أفا من يشيل! من دخل وسائل التواصل عنده شبر من إرادة المنكر سيقع في بحر من المنكرات؛ سواء كان رجلاً أو امرأة.

وكم من فتاة كانت تدخل بنية طلب العلم أو الخير، ثم تواصلت مع شخص وانتهى بهم إلى عظائم الأمور أو كبائر الأمور! وكم من رجل كذلك كان يدخل بنية أنه يقول: أنا أتيت بهذه الوسائل لأجل أن تعينني على كذا وكذا، وهو لا ينتفع منها بأي درس ولا معلومة، وإنما إما أنها تضيع وقته في الفضول، أو أنها توقعه في بحار من الحرام لا نهاية لها.

حتى لو كان يذاكر بعد ذلك، تبدأ هذه الخواطر تأتي إليه؛ لأن يا شباب، تعلق الانسان بهذه الأمور المحرمة لا يفسد عليه ذات الوقت الذي يشاهد فيه هذه الأمور فقط، بل يفسد عليه يومه، ويفسد عليه حتى صلاته وصيامه وذكره لله وقيامه لليل، ويتعب بقلبه ويفسد نفسه. فلذلك يا شباب هاتان نصيحتان: الأولى: اترك فضول هذه الوسائل -طبعاً ذكرنا الوصية الأولى: كل من سنحت له فرصة أن يلتقي بأهل العلم أو طلاب العلم الذين ينتفع منهم لا يفوت ذلك، فذلك قيمته عظيمة جداً، وأنا ذكرت لكم ما ذكره اهل العلم في تواصل الطالب مع مشايخه وأن لذلك بركة يكرم الله سبحانه وتعالى بها الطالب والمعلم-.

والأمر الثاني: ترك الفضول؛ ترك تضييع الوقت بالجدال أو بمتابعة الصفحات التافهة. قلل وسائل التواصل التي تشترك فيها والقنوات التي تشترك فيها، واجمع قلبك على بعضها؛ فما قل وكفى خير مما كثر وألهى. هذه قاعدة مهمة.

الأمر الثالث: أبواب الحرام على هذه الوسائل لا نهاية لها، بحر من الشهوات يدخلك -حتى مش شرط الشهوات المحرمة- يعني ممكن واحد مثلاً، واحد من أصدقائك كل شوية يضع صور الفلل والبيوت والسيارات والعمارات ومش عارف صور أوبا وكذا، فيفتن وأنت جالس في بيتك، تبدأ بقى تقنط -أي تياس من عيشك- ولا تشعر بالنعم حولك، وتبدأ تتطلع لهذه الأمور، تفتح على نفسك أبواباً من الخواطر لا نهاية لها، إنك إن تفتحه تلجه، هي أبواب الفتن هكذا.

فلذلك أنا آسف أني أطلت في هذه النقطة قليلاً بأكثر مما أراده البخاري رحمه الله، ولكن نحن نتعلم من البخاري؛ ننطلق منه، لكن لا نقف عنده، وإنما نستثمر ذلك في إسقاطه على واقعنا.

وأنا أحب كثيراً أن أكلم الطالب باخص ما يحتاجه، وطالب العلم الذي بدأ في طلب العلم بعد انتشار وسائل التواصل، وطبعاً قلت الدروس من المساجد؛ إما بسبب منع هذه الدروس، أو بسبب اعتماد المشايخ وطلاب العلم على وسائل التواصل. وهذا يا شباب -أنا أرجو أن تعود المساجد إلى ريادتها في هذا الباب، وأرجو من كل طالب علم وكل عالم تيسر له الدروس في المسجد ألا يبغي عنه بدلاً، وأن يكون هذا هو الأصل. الأصل أن نجتمع مع الناس بعد الصلوات، وأن نذكرهم بالله، وأن نعلمهم. حتى طلاب العلم، الأصل أن يدرسوا في المسجد وأن يتفقهوا فيه.

وهكذا كانت دروس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعده صحابة النبي صلى الله عليه وسلم. نعم يدرسون في كل مكان ويعلم الناس في كل موضع؛ كما سبق، يعني نحن مرت معنا ابواب فيها ذلك، أن العالم يعلم في الطريق، في الرحلة، في المواصلات. لكن مع ذلك تبقى دروس العلم في المسجد، ويبقى هو الأصل، ولا بد أن تنتعش المساجد ولا بد أن نعمرها بهذا.

باب: ذكر العلم والفتيا في المسجد.

حدثني قتيبه بن سعيد -طبعاً ذكرنا قتيبه بن سعيد أحد الثقات الحفاظ الكبار، أكثر عنه البخاري جداً وغيره من أصحاب الكتب الستة- قال: حدثنا الليث بن سعد، الليث بن سعد المصري الفقيه الكبير. قال: حدثنا نافع مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب عن عبد الله بن عمر.

طبعاً من الذي روى عن نافع هنا يا شباب؟ الليث ونافع. أصحاب نافع الثقات منهم عبيد الله بن عمر؛ هذا مكثر جداً عنه، روى عنه حوالي ما يقارب اثنتي عشرة رواية في البخاري. يبقى عندنا عبيد الله بن عمر بن حفص المدني، وعندنا أيوب السختياني، وعندنا مالك -طبعاً مالك أيضاً مكثر جداً، يعني مالك بعد عبيد الله بن عمر روى عنه ما يقارب مائة حديث، مالك عن نافع، طبعاً أنا أقصد في البخاري فقط-.

يبقى عندنا عبيد الله بن عمر، ومالك، وأيوب، وعندنا الليث وهو صاحبنا في هذا الحديث، وعندنا عمر بن نافع، وعندنا جويرية بن أسماء، وعندنا موسى بن عقبة، وعندنا ابن جريج كذلك. فهؤلاء هم الثقات من أصحاب نافع.

لماذا يحتاج طالب العلم أن يعرف ذلك؟ لأنه بعد ذلك إذا وردت روايات عن نافع وتفرد بها واحد غير هؤلاء، فإن هذه الرواية تكون منكرة أو لا تقبل، فلا بد لطالب العلم أن يعرف الثقات الحفاظ، ويعرف من روى عنهم.

قال: عن عبد الله بن عمر؛ أن رجلاً قام في المسجد -هذا هو محل الشاهد، اللي هو مسجد المدينة، وطبعاً فيها أن الرجل سأل قبل أن يذهب إلى الحج-: يا رسول الله، من أين تأمرنا أن نهل؟ الإهلاب اللي هو يعني رفع الصوت بالتلبيه بالحج أو العمرة (لبيك اللهم لبيك) يعني كده. قال: يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ويهل أهل الشام من الجحفة، ويهل أهل نجد من قرن.

فقال ابن عمر: ويزعمون -يعني غير ابن عمر روى هذا الحديث تاما، كابن عباس وسياتي معنا إن شاء الله تبارك وتعالى في كتاب الحج-: ويزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ويهل اهل اليمن من يلملم. فابن عمر هنا يفرق يا شباب بينما تيقن أنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم وبينما روي له عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: وكان ابن عمر يقول: لم أفقه هذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم -سياتي معنا إن شاء الله في كتاب الحج-.

طبعاً هذا الحديث، لاحظ أن البخاري أتى بهذا الحديث كأنه أصح وأصريح ما جاء في الباب؛ اللي هو العلم والفتيا في المسجد. لو كان صح عند البخاري حديث: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم»، لكان هو أولى من يدخل في هذا الباب، لكان هذا أولى ما يدخل في هذا الباب؛ لماذا؟ لأنه ذكر المدارسة وذكر فضلها وثوابها، ألا نزلت عليهم السكينة وحفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة إلى آخر الحديث.

ناخذ آخر باب في هذا الكتاب.

يا عاصم، باب: من أجاب السائل بأكثر مما سأله.

حدثنا آدم قال: حدثنا ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن الزهري عن سالم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أن رجلاً سأله: ما يلبس المحرم؟ فقال: لا يلبس القميص، ولا العمامة، ولا السراويل، ولا البرنص، ولا ثوباً مسه الورش أو الزعفران. فإن لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكون تحت الكعبين.

تمام، بارك الله فيك. ما يزال البخاري رحمه الله يحاول أن يلتقط المعاني التي يحتاجها طالب العلم، أو العالم، أو المعلم، أو المفتي، يبوب أبواباً ثم يذكر احسن ما جاء فيها.

وواضح عندي أن البخاري يا شباب انتزع هذه المعاني ثم بوب الابواب، هذا هو الأغلب. وقد يبوب الباب ويبحث عن المعنى، ولكن الأولى أن يكون العكس؛ أن البخاري وجود هذه الأحاديث هو الذي فجر في نفسه هذه المعاني، يعني نظره في هذا الحديث ولد عنده هذا المعنى، فلذلك جعل له باباً، وليس العكس.

وهذا هو الصواب يا شباب؛ الصواب أن الآية هي البداية وليست هي في المرتبة الثانية. في فرق بين إنسان يصل إلى نتيجة ثم يبحث لها عن شاهد؟ لا، الصواب العكس؛ أن نظرك في القرآن هو الذي تخرج به، تخرج منه بالمسائل والابواب.

والتراجم، باب من أجاب السائل بأكثر مما سأل. هذا الباب يخص المعلم، ويخص المفتي والداعي إلى الله، وأن هو أن يكون عالماً بالسائل، وعالماً بما يحتاجه وبما يفهمه.

فعندنا الجواب إما أن يكون أقل من السؤال وهذا تقصير، وإما أن يكون مساوياً له فهذا هو العدل والأصل، وإما أن يكون أكثر فهو فضل وزيادة. ويعتمد فيه المعلم أو المجيب على معرفته بالسائل، وهذا يحتاج من الحكمة.

وقد جاء في كتاب الله تبارك وتعالى، لو لو أحد من الناس جمع الأسئلة والأجوبة في القرآن والسنة لخرج بباب عظيم من الفقه؛ مثلاً: ويسألونك أحق هو قل إي وربي، مثلاً: يسألونك عن الأنفال، يستفتونك قل الله يفتيكم، إذا سألني عبادي عني فإني قريب، يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم. يعني لو جمع طالب علم هذا، لن تقع به في فقه السؤال والجواب.

فالمهم أن هذا الباب يفيد عموماً في فقه المجيب وعلمه بحال السائل وما ينفعه. ومنها كذلك شباب -وهذا يغفل عنه كثيراً في الفتيا- أن تذكر السائل بفضل العمل، يعني أن ترغب وأن ترهب، هذا باب.

وكذلك أن تذكره بالله؛ يعني مثلاً إذا إنسان سأل عن حكم شرعي فيه شيء من الإشكال على نفسه، أو ثقيل على نفسه، لا ينبغي أن تذكر له ذلك فقط، وهذا لم يذكره النبي صلى الله عليه وسلم، لم يذكر الجواب فقط، وإنما في أغلب الأحوال يرغب ويرهب ويذكر الفضل ويمهد.

فكذلك الإنسان يجب أن يتعلم من النبي صلى الله عليه وسلم ذلك؛ مثلاً إنسان سأل عن ميراث، وكان نصيبه في الميراث مثلاً أقل من غيره، فهنا لابد أن تذكره بأن الله بكل شيء عليم، والله سبحانه وتعالى أعلم بك، وتمام كلمة ربك صدقاً وعدلاً صدق في الأخبار وعدل في الأحكام.

وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. فالمفترض على السائل بذكر الآيات والأحاديث وبذكر ما يمهد به للسائل أن يقبل ذلك عن الله، وأن يشرح صدره له، وأن يطمئن قلبه به، وأن يجعله يحتسب فيه.

يا سلام! شوف فرق كبير جداً يا شباب، واحد بيسأل مثلاً: والله أنا عايز أُحط فلوسي في البنك ماشي. فانت يعني يتعامل بالربا أو يأخذ قرض من البنك، فانت ممكن تقول له والله الربا من الكبائر وانتهى الأمر.

لا، الأكمل أنك أنت تذكر له الآية، وتذكر الحديث، وتذكر له حكمة الله في ذلك، وتذكر الوعيد الشديد، وتذكر فضل من يترك ذلك لوجه الله. يا سلام! تصور الفرق بين هذا وبين إنسان فقط يعلم المعلومة.

لذلك شباب كانت من يعني من حكمة التشريع أن الحلال والحرام نزل مؤخراً، وسبق بمحكمات الشريعة الكلام عن الله وأسمائه وأفعاله، والجنة والنار، والثواب والعقاب، والوعد والوعيد، وصدق الرسالة؛ لماذا؟ ليمهد قلوب الصحابة لاستقبال تلك المحرمات.

لذلك عائشة رضي الله عنها لاحظت هذا التمهيد، وقالت: لو أن الله أنزل أول ما أنزل لا تزنوا ولا تشربوا الخمر، لقالوا لا نترك الزنا ولا نشرب الخمر، ولكن الله أنزل -ثم ذكرت القرآن المكي- بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر، يعني ذكر الجنة والنار.

فلذلك يا شباب، مما ينبغي أن يتعلمه المعلم أو المربي أو المفتي التمهيد، أو توطئة، أو تهيئة المتلقي للجواب، وما يعينه على قبوله، وما يعينه على حبه والفرح به والتسليم به. ولذلك الله سبحانه وتعالى قال: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ [الزمر: 22].

الإنسان قد يكون عالماً، لكن ليس منشرحاً صدره؛ يعني اليهود كانوا يعرفون أن النبي صلى الله عليه وسلم حق كما يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ولكن منعهم الحسد والكبر، لم تكن صدورهم منشرحة، واضح؟ ليس كل من عرف الحق ينشرح صدره له.

فإذاً، المعلم لا يقتصر دوره فقط على مجرد إبلاغ العلم، وإنما أن يكون حكيماً في إيصال هذا العلم والتمهيد له وتهيئه نفس المتلقي. ليه يا شباب؟ لأننا نحب الدين، ونحب أن يحب الناس دينهم، ونحن نفرح بذلك. فكل ما أعان على أن يحب الناس دينهم في الحق، فهذا ينبغي للمعلم أن يطلبه. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يتحاشى ما يكره الناس في الدين، مثلاً: إن منكم منفرين، كما في الحديث، واضح. ومثلا لما قيل له: لماذا لا تقتل فلاناً؟ قال: «خشية أن يتحدث الناس أن محمد يقتل أصحابه».

وكذلك لما أراد أن يبني الكعبة، كما مر معنا في الحديث السابق لو تذكرون، اللي هو لما قال: «يا عائشة لولا قومك حديث عهدهم بكفر لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين» الحديث. فمراعاة كيف ينظر الناس إلى الشريعة هذا من أحسن الفقه، وقليل قليل من أهل العلم من ينتبه له ومن يحسن بيانه.

ومن الكتب الجميلة جداً يا شباب في هذا -يعني بشكل عملي تطبيقي- كتاب القواعد النورانية للإمام ابن تيمية عليه رحمة الله. هذا الكتاب من أجمل الكتب التي حاول فيها أمرين -طبعاً يعني فضلاً عن المسائل العظيمة؛ لأن الكتاب يختص بأمور ثلاثة: العبادات، والمعاملات، والإيمان والنذور، وهي يعني هي فقه الشريعه عموماً- لكنها خلاصة من أجمل ما فعله في هذه الخلاصة في رأيي أمران:

الأول: أنه بين اتساق الشريعة؛ أن الشريعة لا تأمر بشيء ثم تنهى عن مثله، واضح أنها متسقة في كل أبوابها.

الأمر الثاني: حسن التشريع، أن التشريع ليس مجرد مشيئة من الله أنه شاء أن يكون هذا حكمه كذا، أو أن هذا محرم أو أن هذا واجب، لا، أن الله حكيم عليم، حكيم لا يقضي قضاء ولا يشرع شرعاً إلا لعلم ولحكمة. فبالتالي يا شباب، إظهار حسن التشريع وحكمة التشريع وأخلاق الإسلام في مثلاً البيوع؛ تصور باب من أبواب البيوع لو دخله طالب علم وجمع أخلاق الإسلام في البيوع، وأنه لا يعتمد فقط على مجرد الربح بل يقدم الخلق ومراعاة أحوال المسلمين واجتماع القلوب، مثلاً: لا يبع أحدكم على بيع أخيه، ولا يخطب أحدكم على خطبة أخيه، وياخذ هذه الدلالات، والله لخرج بفقه عظيم.

فهذا مهم جداً يا شباب، العناية بالكلام عن الله وعن أسمائه وأفعاله وحكمته وحسن التشريع وأخلاق الإسلام في ما شرعه الإسلام من الأحكام قبل بيان الأحكام، أو مع بيان الأحكام، هذا باب من الفقه عظيم.

قال: طبعاً هذا الباب من أجاب السائل بأكثر مما سأل، هذا يدل على أن المجيب لابد أن يكون عالماً بحال السائل وبما يحتاجه السائل.

قال: حدثنا آدم، آدم بن أبي إياس، طبعاً قال: حدثنا ابن أبي ذئب. ابن أبي ذئب محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث، ثقة فقيه فاضل تكلم في روايته عن الزهري، لكن هذا الحديث مروي عن الزهري من طرق تابعه ابن عيينه وإبراهيم بن سعد، والحديث كذلك مروي عن نافع من طرق رواه الليث عن نافع، ورواه كذلك مالك وعبيد الله بن عمر وموسى بن عقبة وجويرية بن أسماء.

قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا ابن أبي ذئب عن نافع. يعني هذا الحديث طبعاً رواه عن نافع ها واضح، ولكن احنا ذكرنا أنه بشكل عام يعني فائدة أن هو تكلم في روايته عن.

ومهم جداً يا شباب، يعني أنت خد قاعدة كذا: الراوي الثقة المشهور بالثقة لا تهتم بكل تفصيلة في ترجمته، ولكن اعرف ما هي المآخذ عنه، ومن هم الثقات عنه؟ فيبقى أمران يحتاجهما طالب الحديث في الراوي الثقة: ما هي المآخذ عليه؟ والامر الثاني: من هم الثقات عنه؟

مثلاً، ممكن أن يكون ثقة ضعف في بعض شيوخه مثلاً واضح، أو يكون يعني الأغلب أن هو ضعيف، ولكنه ثقة في بعض المشايخ؛ أبو معاويه الضرير مثلاً يضطرب في غير الأعمش، لكنه ثقة في الأعمش. حماد بن سلمة ثقة ثبت بإجماع العلماء في روايته عن ثابت البناني، لكنه يخطئ في روايته عن قتادة، وفي روايته عن أيوب، وفي روايته عن عمرو بن دينار، واضح.

فيقى مهم جداً يا شباب أننا إذا كان الراوي الثقة نعرف من الذين -يعني ما هي الأوجه التي ضعف فيها؟- قد يكون اختلط، قد يكون يدلس، واضح، قد يكون ضعف في بعض البلدان في بعض المشايخ، في بعض أبواب العلم، واضح.

قال: حدثنا آدم، حدثنا ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وعن الزهري! يبقى هو الرواية الثانية رواها عن مين؟ عن الزهري. طبعاً هذا الإسناد كالتالي يا شباب: آدم عن ابن أبي ذئب، ابن أبي ذئب له روايتان: رواية عن نافع عن ابن عمر، ورواية عن الزهري عن سالم عن ابن عمر. واضح، يبقى وعن الزهري هذا إيه يعني بنفس الإسناد السابق وليس معلقاً.

وعن الزهري من الذي يقول عن الزهري؟ هو ابن أبي ذئب، قال عن سالم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن رجلاً سأله في رواية: ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام؟ وهذه الرواية وهي الأشهر: ما يلبس المحرم؟

فطبعاً الرجل سأل (سؤاله المفروض أن هو يقول: ما لا يلبس المحرم، يعني ماذا تنهانا أن نلبس؟) لأن الأصل في الملابس الحل، واضح، والذي يمكن أن يحصر هو ما لا يلبسه المحرم، وليس ما يلبسه؛ لأن دائرة المباح أوسع من دائرة المحرم أو المنهي عنه.

كما حتى في- وهذا الحديث يصلح أصلاً في الشريعة عموماً- أن الأصل في دائرة المباح أوسع بكثير جداً من المحظور، ولكن شياطين الانس والجن يصورون لك أن المحظور أوسع، كما مثلاً الشيطان فعل لادم أن هو صغر في عينيه الحلال الطيب، وعظم في عينيه الحرام أو المحظور أو المحرم، والله سبحانه وتعالى قال: ﴿قُل تَعَالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 151]، وفي الآية: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: 145].

فهذا يدل على أن دائرة المحرم أضيق، ولكن كما يفعل مثلاً شياطين الإنس في هذا اليوم في هذه الأيام، يأتون مثلاً بالحوادث والمنكرات والمصائب، ويجمعها لك كلها في منشور أو في فيديو يقول لك: شفت الظلم كيف يكون، هذا الشر من رب عليم حكيم؟!

فأول شيء لا يفقهون الحكمة من هذا الشر، والامر الثاني أنهم يعني يصرفون عينيك عن الخير العظيم، وعن النعم التي أنت غارق فيها، ويسلطون الضوء على هذه المنكرات، لماذا؟ لان هذا أكل عيشهم، هذا هو الذي يعيشون عليه. فلذلك نعم الله تبارك وتعالى لا تحصى، وفضل الله تبارك وتعالى واسع، ودائرة المحرم أضيق بكثير جداً من دائرة المباح.

طيب، وردت روايات كثيرة لهذا الحديث؛ منها مثلاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ابتداءً على المنبر: «لا تلبسوا العمائم ولا القمص» يعني في المحرم. ولكن البخاري اختار هذه الرواية، لماذا؟ لباَب اللي هو باب من أجاب السائل بأكثر مما سأل.

ولماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجابه هنا بأكثر مما سأل؛ هو سأل سؤالاً، والنبي صلى الله عليه وسلم أجاب إجابة أنفع له، قال: «ما يلبس المحرم» فالنبي صلى الله عليه وسلم علمه ما لا يلبس المحرم، واضح.

ووارد هذا من روايات كثيرة مروية عن في مسند أحمد عن سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه: سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم: ما يترك المحرم من الثياب؟ وهي مروية أيضاً عند أبي داود. وسفيان بن عيينة روي عنه مرة السؤال كالتالي: ما يلبس المحرم؟ أو ما يترك المحرم؟ فجاءت روايات هكذا وروايات هكذا.

ولكن الأكثر والأشهر: ما يلبس المحرم. وفي رواية: ما يجتنب المحرم. ولكن البخاري اختار تلك الرواية بالتحديد ليبين أن النبي صلى الله عليه وسلم أجابه بأكثر مما سأل، أو بما ينفعه أكثر مما سأل عنه، فقال: «لا يلبس القميص ولا العمامة ولا السراويل ولا البرنس».

البرنس اللي هو يعني كل ثوب يكون يعني يكون ليه زي بتسميه إيه، يكون ليه طاقية لازق فيه، سميه البرنس، بيلبسه أهل المغرب أحياناً أو كثيراً يلبسونه، فهو معروف، إن شاء الله سياتي معنا شرح هذه الألفاظ في كتاب الحج. قال: «ولا ثوباً مسه الورس» الورس كذلك شيء يصبغ به أو نبت نبات يصبغ به، أو الزعفران. إن شاء الله كل هذا سياتي معنا أيضاً أن هي أشياء تطيب أو يصبغ بها الملابس، «فإن لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكون تحت الكعبين».

طبعاً وجه الاستدلال من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أجابه بأكثر مما سأل، أو بما ينفعه. أنا في ختام هذا الكتاب يا شباب، الحمد لله أن أتم الله لنا كتاب العلم، نسأل الله أن ينفعنا بما فيه، وأن يجزي البخاري عنا خير الجزاء، وأن يجزي ابن حجر عليه يعني خير الجزاء فيما بينه وفيما خدم به هذا الكتاب عليه رحمة الله وانتفع منه كثيراً، وما يزال المسلمون ينتفعون من كتاب الإام البخاري وشروحه وخصوصاً فتح الباري.

أنا يعني ختاما في هذا يعني في ختام الكلام عن أبواب الإيمان، أريد يا شباب أن أقول إن طالب العلم بداية يا شباب الإنسان المسلم يطلب معالي الأمور، وخير هذه المعالي ما كان عليه الأنبياء عليهم السلام الذين اشتغلوا بالوحي تعلما وفقها وعملا ونشرا وبثا في الناس، والله سبحانه وتعالى أمر أن أن نكون ربانيين، يعني أمرهم: ﴿وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: 79]، ولكن أن يامرهم يعني أن يكونوا ربانيين.

النبي يأمر الناس أن يكونوا ربانيين، أن يكونوا رؤوساً للناس في تعليم الكتاب والحكمة والعمل بهما. يبقى بداية معالي الأمور، ثانياً خيرها من طلب الفقه في الدين، وطلب الوحي، وطلب سنة النبي صلى الله عليه وسلم، واجتهد في العمل بها وتعليمها للناس.

وإن شاء الله قريبا جداً، لعله في هذا الأسبوع، سيكون فكرت فيه سلسلة، دورة ممكن من خمس محاضرات للمرأة، كيف يكون للمرأة حظ من حديث النبي صلى الله عليه وسلم من فقهها في دين الله، ونفعه الله بما بعثت به من الهدى والعلم فعلمت. وعلم المرأة المتعلمة المعلمة، كيف لأن احنا عندنا قلة في النساء اللاتي يطلبن العلم، وقلة أكثر في من يعلمن العلم.

فإن شاء الله أرجو أن تكون هذه الدورة نافعة للمرأة التي تريد أن يكون لها نصيب في نشر العلم. المهم يا شباب، يبقى هذه المقدمة بعد الكلام عن فضل التعلم والعلم، نحتاج بقى أن نتكلم عن أخص الأخلاق التي يحتاجها طالب العلم.

أنا أذكر نقاط مختصرة ذكرتها قبل ذلك بتفصيل، الخصلة الأولى يا شباب الإخلاص. أن تخلص العلم من حظ نفسك، هذا أحسن ما يكون في العلم به ينفعك الله بقليل ما يبلغك من العلم.

الأمر الثاني الصبر، العلم يحتاج صبر في اتجاهين، صبر في تحصيل العلم، وهذا ليس سهلاً، وفي حفظ الوقت، وفي جمع القلب. وصبر على حفظ النفس وصيانة النفس وحماية النفس مما يفسدها، وهذا كثير جداً الإعجاب بالنفس، وازدراء الناس، والاستعلاء عليهم، واحتقارهم، وكتم ما عندهم من الفضل، وعدم التواصل معهم، والتكبر عليهم، والحسد.

كثير جداً الأبواب التي يفسد بها الإنسان نفسه ويضيع بها نفسه، وسبق معنا ذكر طرف منها عند قول ربيعة: لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه. فالأسباب التي يضيع بها طالب العلم نفسه كثيرة جداً، نسأل الله أن يحفظ لنا نفوسنا وأن يصونها وأن نكون ممن صان العلم.

كذلك شباب، مما أوصيكم به الحكمة في تلقي العلم. لا قبل الحكمة الحرص، والحرص يا شباب، شوف الإنسان الحريص، تصور انسان حريص جداً أدخلناه إلى مكان فيه كنوز، يكون حريصاً ألا يترك فيه أي شيء إلا وأخذه يعني لا يبقي ولا يذر.

فكذلك طالب العلم لا ينبغي أن يهد أبداً في باب من أبواب العلم، ولا في معلومة، يقيد ويتعب ويكتب، ثم بعد ذلك يأتي تجويد العلم، حفظ العلم، ضبط العلم، مذاكرة العلم، الكتابة، الاختصار، التلخيص، المذاكرة، المراجعة، كل هذا مما يأتي بعد ذلك.

الحكمة الحكمة في تلقي العلم وفي بث العلم ونشر العلم. يأتي كذلك خفض الجناح وترك الاستعلاء والبغي على الناس والاستطالة. إنما تتعلم لتكون على بصيرة، ولتبرأ من انسان كلما تعلم معلومة جلد بها الناس وسلخهم واستعلى عليهم واحتقرهم، وهذا من أعظم ما يفسد به طالب العلم ولا ينتفع بما يبلغه من العلم.

إنما ينتفع إذا كان خافضاً جناحه لإخوانه، يبذل لهم العلم طواعية وحباً وكرامة وابتغاء مرضاة الله تبارك وتعالى. فهذا الكتاب يا شباب تعلمنا منه الكثير، كتاب العلم في صحيح الإمام البخاري، وانا وصيتي لك أن يبقى هذا الكتاب هو المفتاح لك إذا أردت أن تقرا في كتب طلب العلم المتأخرة أو التي تتكلم عن الآاداب ونحو ذلك، يجعل هذا هو المنطلق؛ لأنه استمد أخلاق طالب العلم أو المعلم من نفس أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أعلم الناس وأتقاها، وكتابه هو الحكم، وهو المنطلق الذي نبدأ منه، وهو المرد، والقبلة التي نطلبها، وهو الفصل والحكم الذي وهو كذلك الذي حوله يجتهد المجتهدون.

فلذلك شباب، يعني انا وصيتي لكم أن يكون هذا الكتاب، كرروا قراءته واقرؤوه مع الناس واقرؤوه مع أبنائكم وعلموهم. ونقف عند هذا الحد، وإن شاء الله غداً أقصد يوم الجمعة، ناخذ نبدأ في كتاب الوضوء.

نسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وعملاً متقبلاً، وأن يفتح لنا أبواباً في العلم نزيد بها علماً وهدى وبصيرة، وأن يرضى عنا بهذا العلم، ونعوذ بالله أن يكون هذا العلم حجة علينا، أو أن نعوذ بالله ألا نصون هذا العلم، نعوذ بالله أن نضيع أنفسنا، نعوذ بالله أن نستعلي على الناس بهذا العلم، نعوذ بالله من سبل المراء والجدال الذي يضيع العلم ويضيع مقصوده.

ونسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل هذا العلم حجة لنا، وأن ينفعنا به، وأن يجعلنا سبباً في تعليم الناس، وأن يجعلنا هداة مهتدين. واخر ما اختم به هذا الدعاء، أن نكون جميعاً من خير مثال انتفع برسالة النبي صلى الله عليه وسلم، أنفقها في دين الله ونفعه الله بما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى والعلم فعلم وعلم.

بارك الله فيكم يا شباب وجزاكم الله خيراً على صبركم. أطلت في بعض الابواب وربما كانت كثيرة، ولكني أحب أن نستثمر هذا الكتاب في واقعنا. وواقعنا يا شباب مليء بالفتن ومليء بالصواريخ، والبرامج العلمية كثيرة لا حصر لها في كل الابواب، ولكن ليست هذه المشكلة، المشكلة في الإرادة وفي حسن إدارة الموارد.

أنت قد يكون عندك كل الموارد، ولكن ليس عندك إرادة أو ليس عندك حكمة في إدارة هذه الموارد. لذلك شباب، هذه الثلاثية كثيراً ما أُوصي بها، القلب السليم، ومعه القلب السليم يعني النفس الذكية، نفس الشيء القلب السليم هو النفس الذكية. والامر الثاني هو الحكمة وحسن التدبير، الأمر الثالث هو العلم الصحيح أو الحرص على جمع العلم الصحيح.

هذه الثلاثية ينتفع الإنسان فيها بما بلغه من العلم ولو كان قليلاً، وبقدر نقص واحد من هذه الثلاثة يضعف أداء طالب العلم، أما علماً وأما عملاً. وخلاصه ذلك شباب، الإخلاص والتقوى والعلم والصبر، هذه الرباعية الإخلاص والعلم والتقوى والصبر. ربنا يرزقنا منها ما يرضى به عنا، وبارك الله فيكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.