تسجيل الدخول

الدرس 5 - الأحاديث من 74-80

حسين عبد الرازقالشيخ حسين عبد الرازق
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إbrahim انك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

صباح الخير يا شباب. أهلا وسهلا ومرحبا بطلبة العلم الكرام، فهذا هو الدرس العاشر من مدارستنا لكتاب الإمام البخاري عليه رحمة الله: الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه.

وقد وصلنا بحمد الله تبارك وتعالى إلى باب الاغتباط في العلم والحكمة. وهذا الباب يا شباب يعني من أهم أبواب الكتاب. من أهم أبواب كتاب العلم هو هذا الباب، فلذلك سنقف معه وقفة؛ لأن طالب العلم إذا لم يضبط فقه هذا الباب فإنه سيخطئ خطأ كثيرا في فهم هذا الحديث أو في فهم هذا الباب، فلذلك لابد أن تنتبهوا لهذا المعنى.

نبدأ أولا بقراءة الباب ثم ندخل في التعليق عليه إن شاء الله. تفضل يا رمضان معنا.

نعم استاذنا مع حضرتك. السلام عليكم.

تفضل، عليكم السلام ورحمة الله وبركاته. باب الاغتباط في العلم والحكمة. وقال عمر: تفقهوا قبل أن تسودوا. حدثنا الحميدي قال: حدثنا سفيان قال:

رمضان، في نسخة عندي وهي نسخة يعني مشهورة، قال أبو عبد الله: وبعد أن تسودوا. يعني البخاري علق على أثر عمر رضي الله عنه. أنا ذكرت ذلك لأنها ليست موجودة في بعض النسخ. موجودة عندك؟

لا ليست موجودة.

موجودة؟ طيب، أنا أقرأها أنا: قال أبو عبد الله، يعني تعليقا على أثر عمر: قال أبو عبد الله، يعني البخاري: وبعد أن تسودوا، وقد تعلم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في كبر سنهم. أكمل يا رمضان.

حدثنا الحميدي قال: حدثنا سفيان قال: حدثني إسماعيل بن أبي خالد، على غير ما حدثناه الزهري، قال: سمعت قيس بن أبي حازم قال: سمعت عبد الله بن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها».

بارك الله فيك. هذا الباب يا شباب هو من أهم ما يمكن أن يحتاجه المسلم بشكل عام وطالب العلم بشكل خاص؛ فهذا الباب يتكلم عن الاغتباط أو الغبطة، ولكن يعني لفظ الحديث غير اللفظ الذي ذكره البخاري؛ لفظ الحديث فيه الحسد، والنبي صلى الله عليه وسلم يقصد هذا اللفظ تحديدا، لكن البخاري عليه رحمة الله كأنه بوب بشرحه لهذا اللفظ حتى يفهم، يعني البخاري يرى أنه لو قال مثلا: باب الحسد في العلم والحكمة، يرى أنه قد يفهم كلامه خطأ.

الذي أراه والله أعلم أن الأصح هو أن يذكر الباب بنفس لفظ الحديث؛ يعني إذا كان البخاري قد التزم لفظ الحديث في كثير من المواضع، فإن هذا الموضع بالتحديد كان ينبغي أن -والله أعلم- يلتزم بلفظ الحديث، وهو لفظ الحسد، وسنعرف وجه هذا الكلام.

اولا، طبعا نحن ذكرنا أن البخاري عليه رحمة الله يحاول أن يستخرج من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ومن آثار الصحابة ما يحتاجه المسلم في كل أبواب الدين. ولذلك يا شباب هذا الكتاب، اللي هو كتاب العلم، أحسن ما يقرأ في طلب العلم، وهو أحسن من كل الكتب التي صنفها المتاخرون في آداب طالب العلم وفي أخلاق طالب العلم ونحو ذلك، أو آداب المعلم.

هذا الكتاب ينبغي أن يكون الأصل الذي يبدأ منه ويشرح ويضاف إليه، لا أن يهمل ويتجاوز. كثير من الناس مثلا يذكر آدابا واخلاقا يذكرها عن مشايخ وعلماء ويغفل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم متعلما ومعلما ومفتيا وقاضيا، وهذا لا ينبغي فعله، وإنما الصواب أن نبدأ منه.

البخاري عليه رحمة الله في هذا الباب هو الباب الخامس عشر، قال: باب الاغتباط في العلم والحكمة. قلنا إن لفظ الحديث هو الحسد، وكلمة الحكمة يعني كان المراد منها هنا حسن العمل بالعلم. والله سبحانه وتعالى وإن كان علم الإنسان ما لم يعلم، إلا أنه يعني يؤتي الحكمة من يشاء، والحكمة هي فضل من الله، ليس كل من عنده معلومات يحسن التصرف فيها أو يحسن العمل بها أو ينزلها منازلها، فلذلك ربنا قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: 12]. فالله سبحانه وتعالى يؤتي الحكمة.

فالبخاري يريد أن يقول -ركز بقى في هذه الفكرة- يريد أن يقول: يعني لو قصد الاغتباط بالعلم والحكمة، يعني أن يكون الانسان مسرورا، يعني فرحا، يشكر ربه على هذه النعمه، لكان هذا المعنى صحيحا تماما، لو قصد كلمة أن الإنسان يعني ينظر إلى نفسه إذا كان عنده علم وحكمة يقوم بها ويعلمها في موضع اغتباط، يعني أنه يشكر ربه ويحمد ربه؛ فمثلا لفظ الاغتباط مثلا كما في حديث فاطمة بنت قيس لما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «انكحي أسامة»، قالت: فتزوجته فاغتبطت به، وفي رواية: فاغتبطت، يعني أنها سعدت بذلك وفرحت وشكرت ربها تبارك وتعالى.

فإن شاء الله سياتي التعليق على: هل الأولى أن نعبر بلفظ الحديث أم بلفظ الاغتباط؟ فلو كان البخاري عليه رحمة الله قصد الفرح والسرور بالعلم، وأن يحمد الإنسان ربه وأن يقدر نعمة العلم، أو أن طالب العلم يسر بكونه هدي إلى العلم، فلا شك أن لفظ الاغتباط هنا هو الأليق، لكنه قال: الاغتباط في العلم والحكمة، يعني كأنه يقول: إن شخصا صار في شيء يغبط عليه، فبالتالي يقصد بيغبط عليه هنا يقصد الذي سموه بعد ذلك الحسد المحمود، وإن شاء الله سنحاول أن نعلق عليه.

بداية يا شباب، الاغتباط يعني كما في كتب اللغة يأتي مثلا عند ابن فارس أو غيره: غبط، تدل على دوام الشيء، أو تدل على معنى آخر، وهو نوع من الحسد، أنها نوع من الحسد، أنك أنت تتمنى أو تشتهي أن يكون لك مثل مال شخص ما؛ يعني انسان عنده شيء وانت تتمنى أن يكون لك مثل هذا الشيء دون أن يزول عنه. وقالوا إن الحسد هو -الحسد معروف- الحسد أنك أنت تكره إنعام الله على غيرك أو تتمنى أن تزول النعمة عنه أو أن تتحول عنه. وقالوا إن الغبطة أن تتمنى له مثل، أن تتمنى مثل حال المغبوط دون أن تتحول عنه.

وتكلم كثير منهم على حديث بحثت عنه، لكن لم أصل فيه إلى نتيجة، وهو يذكرونه في كتب اللغة: لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: هل يضر الغبط؟ قال: نعم، كما يضر الخبط. فهم يعلقون على هذا الحديث أنه يعني فيه نوع من الضرر، ولكنه أقل من ضرر الحسد؛ لأنك تنظر إلى فلان وربما كنت سببا في حسده، أنك أنت تنظر اليه وتتعينه، فهذا يمكن أن يكون سببا في حسده.

وأطال اللغويون مثل الأزهري وغيره وابن منظور في محاولة التفريق بين الغبطة والحسد فقالوا: إن الحسد هو أن تتمنى زوال النعمة عنه، والغبطة أن تتمنى أن يكون لك مثل ماله.

واضح؟ يبقى خلينا نركز بقى هنا يا شباب، أن الحسد هو أن انسان رأى انسانا -طبعا احنا هنا نتكلم عن الحسد في الدين أو في الدنيا، بنتكلم بشكل عام- الحسد معناه: انك رايت نعمه على شخص، مثلا انت امرأة رايت امرأة تعرفينها تزوجت شخصا غنيا، أو شخصا جميلا مثلا، أو شخصا من أهل العلم والفضل، وأنت اردت أن تزول هذه النعمة عنها، كرهت أن تكون هذه المرأة في هذه النعمة، فيدخل فيه مثلا كراهه إنعام الله على الناس، ويدخل فيه إرادة أن تزول النعم عن الناس، والفرح بزوال النعم عن الناس. واضح؟

والصنف الاخر هو ألا يريد انسان ان يتميز عليه غيره؛ يعني مثلا شخص تميز عنك في شيء، فانت تريد أن تساويه أو تريد أن تكون اسبق منه، يبقى أنت تريد أن تساويه، يبقى كان الذي حرك إلى هذه الإرادة أنك رايت واحدا مثلا ابنا حافظا للقران، فانت لا تريده أن يكون مثلا أفضل منك في هذا، فاشتهيت أن يكون ولدك حافظا للقران مثل ولده. يبقى ده النوع الثاني يا شباب، لكنك لا تريد أن يزول عنه هذه النعمة، لا تتحرك نفسك إلى هذا الامر. واضح؟

فيبقى هذا بشكل عام أننا نفهم هذا المعنى، اللي هو الفرق بين أن تتمنى زوال النعمة وبين أن تريد أن تساويه في هذه النعمة. تمام، هذا هو الذي يذكر في كتب اللغة كثيرا.

إذا الغبطة نوع من الحسد، وهذا مهم جدا؛ لابد أن تفهم أنهم حتى على تفسير الغبطة بهذا المعنى هي نوع من الحسد، والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذا الحديث بلفظ الحسد، وهو الأليق. وفي رواية أخرى في صحيح مسلم، في حديث أبي هريرة منها: رجل آتاه الله، رجل علمه الله العلم فهو، رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل إلى آخره، فالآخر يقول: يعني النبي صلى الله عليه وسلم قال فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل. فهذا بيان لكلمه أوتيت، فهذا بيان لمعنى الحسد هنا؛ لأنه نظر إليه وتمنى ماله؛ هو سمعه وهو يقرا مثلا في الليل، أو وجده وهو يعلم الناس، فقال: يا ليتني أوتيت، يبقى هو تحركت نفسه لهذه الرغبة بناء على نظره للنعمة التي آتيها غيره.

وعندنا أحاديث أخرى مثل حديث أبي كبشة الأنماري وقال عنه الترمذي: حسن صحيح، وهو حديث: إنما الدنيا لأربعة نفر؛ منها رجل أعطاه الله المال فهو ينفقه في سبل الخير، ورجل أعطاه الله العلم فهو يعلمه، يقول: يا ليتني مثل ما له، والآخر الذي تمنى مال غيره في الشر.

فالمهم أن هذا هو المعنى الذي ينبغي أن نبدأ منه. الحسد يا شباب لما تكلمنا قبل ذلك في الحديث عن أمراض القلوب، لما كنا نتدارس كتاب أمراض القلوب لابن تيمية عليه رحمة الله، ذكرنا أن الحسد نوع من مرض، هو مرض أذى يلحق القلب.

فأكثر المتكلمين في الكلام عن الحسد أنه: تمني زوال النعمة عن المحسود، وإن لم يصر للحاسد مثلها. يعني الإنسان الحاسد ليس له غرض إلا أن تزول النعمة عن المحسود، هذا هو الذي يفكر فيه، هو لا يفكر مثلا في أن يكون غنيا، ولا يفكر في أن يكون متعلما للقرآن، هو فقط يضايقه أن يرى النعمة على عباد الله.

واضح؟ وهذا من شح النفس، وهذا من أسوأ ما يكون، يعني هذا أسوأ نوع من الحسد، وهو سبب عظيم للمعاصي والكبر، وسبب، اليهود ربنا قال: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يردُونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: 109]. الحسد هذا من اشد أمراض القلوب، لا ينبغي أبدا أن يكون هذا الحديث الذي نقراه سببا في أن يهون الإنسان من معنى الحسد.

لا، الحسد هو من أخص الأمور وأعظم الأمراض التي جاءت الشريعة تحذر منها وتامرك بأن تستعيذ من شر حاسد إذا حسد؛ لأن الحسد يا شباب هو مقدمة ياتي بعده شر؛ فانت مثلا إذا رايت شخصا واعجبك حاله وحسدته على ذلك، فهذه مقدمة، بعد ذلك تتمنى له الشر، وتفرح بما يناله من الشر، وتحزن بما يصيبه من الخير، فهو مرض من أوله إلى آخره. واضح؟

يبقى هذا اصل محرم في الشريعة. بعضهم بقى بدأ يتكلم عن الغبطة، اللي هي تمني مثل ماله، أن تتمنى مثل ماله من غير حب زوالها عمن تغبطه. خلاص، تكلمنا عن هذه الفكرة.

يبقى الحسد هو أن تبغض أو تكره ما تراه من حسن حال المحسود، وده بقى نوعان: النوع الاول منه: كراهة للنعمة مطلقا؛ أنت تكره أن يكون هذا الشخص على خير مطلقا. يعنى يضيقك مثلا شخص حكى لك قال لك: أنا أحاول أن أضرب لكم هذه بأمثلة عملية؛ لأن هذا هو المراد، نحن نريد أن تكون هذه أمثله عملي لنا عشان نمتحن أنفسنا بها.

أنت مثلا كنت تجلس مع صديقك فقال لك: تعرف محمد فلان؟ فقلت له: آه. قال لك: يا اخي، قال لك: يا اخي سبحان الله، ده أنهى الجامعة مثلا وحصل على الماجستير وحصل على الدكتوراه. فانت يضايقك هذا، أنت لا يهمك أصلا أنك أنت نفسك تحصل على ماجستير أو دكتوراه، ممكن أنت أساسا مش طالب علم خالص، لكن مجرد أنك سمعت حسن حال الشخص كرهت ذلك، وهذا من اشد امراض القلوب، من أشد أمراض القلوب. واضح؟

يبقى هي هذا بداية، وهذا يأكل قلب الإنسان، وربما حمل الإنسان على البغي عليه أو انتقاص بعض الناس. مثلا إذا ذكر له شخص على خير، مثلا قالوا له: فلان هذا والله طبيب جزاه الله خيرا، يفعل للناس كذا وكذا ويخدمهم مجانا، فيبدا هو يحاول، لكونه يغيظه ذلك، يبدا يحاول أن يبحث عن أسباب النقص في هذا الشخص، يقول: لكنه كذا مثلا، لكنه مثلا يفرط في كذا. هذا أيضا من آثار الحسد: محاولة الانتقاص ممن تحسده.

يبقى إذا الحسد هو معنى، لكن هذا المعنى...

يترتب عليه أمور كثيرة، منها تمني زوال النعمة، الفرح بما يصيبه من الغم والهم، الفرح بمن يقع فيه بغير الحق. يعني الناس أول ما ترى ناس تتكلم عنه تفرح، تتكلم عنه بسوء تفرح، كل هذا من العلامات التي ينبغي أن نجاهد أنفسنا عليها يا شباب، واضح؟

يبقى الحاسد ليس له غرض في شيء معين، لكن نفسه تكره ما أنعم الله به على الإنسان بشكل عام، يكره ذلك. إذا رأى إنسان مرتاح نفسياً، مثلاً يلبس جيداً، أو عنده أولاد طيبون، أو مثلاً يمشي مع زوجته في الشارع ويشعر بينهم بالحب أو الود، هو يغيظه ذلك ويكره ذلك تماماً.

يبقى هذا الذي يشفيه هو أن تزول النعمة، يبقى قلبه قلقاً إلى أن تزول النعمة، هنا بيرتاح بقى، وهذا أشد أنواع الحسد وأشد أنواع المرض.

النوع الثاني بقى ركزوا يا شباب، أن يكره أن يتفضل عليه الناس، يعني لا يريد أن يكون أحداً أحسن منه في شيء من الأمور، أو في باب من الأمور. هذا هو الذي سموه الغبطة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم في كل الأحاديث، في كل الروايات، سماه الحسد؛ سواء في حديث ابن مسعود، في حديث أبي هريرة، في حديث ابن عمر، في كل الأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم سماه بنفس هذا اللفظ.

ولذلك يا شباب أنا أريد أن نلتزم هذا اللفظ، فالعلماء حينما تكلموا في هذا الحديث قالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم قصد الغبطة، وهو أن تتمنى أن يكون لك مثل حال غيرك دون أن يزول عنه. كان المختصر أنك لا تريد أن يتفضل عليك الناس، وطبعا يدخل فيه من باب أولى أنك أنت تريد أن تكون الاسبق وتريد أن تكون الأعلى.

وفهم من ذلك أن هذا هو معنى المنافسة، يعني قالوا إن هذا هو المنافسة بمعنى ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 26] واستبقوا الخيرات. وفي رأي هذا ليس مراداً من المنافسة، وأن المنافسة باختصار هو أن تتقي الله بما تستطيع دون أن تتعمد أن تكون الأعلى، ودون أن يحزنك أن يتميز عليك غيرك، إن شاء الله سياتي التعليق على ذلك ببسط.

يبقى إذا النبي صلى الله عليه وسلم سماها حسداً. طيب، لماذا النبي صلى الله عليه وسلم سماها حسداً مع أنك أنت لا تتمنى أن تزول النعمة على غيرك؟ لأن مبدأ إرادتك لهذا الأمر الذي تريده هو نظرك إلى إنعام الله على غيرك.

يعني إيه يا شباب؟ ركزوا في الفكرة دي. واحد بيقول طيب ما هي المشكلة أن أنا عرفت أن فلان حافظ للقران، فأنا لا اريد أن يكون هو متميزاً علي في ذلك فأريد أن أحفظ أنا القرآن؟ فيقول لك طب ما ده شيء خير، ده أنا تحركت لحفظ القرآن بناءً على أني نظرت إلى هذا الشخص.

نعم، هذه هي المشكلة. المشكلة هنا أنك أنت كرهت أن يتفضل عليك، ولولا وجود ذلك لما أحببت ذلك. يعني مثلاً لو أنت كنت بتصوم يوم واحد في الأسبوع فأخبروه أن فلان ده على فكرة -أنت طبعا بتصوم يوم وفرحان- فأخبروه أن فلان ده بيصوم ثلاث أيام في الأسبوع وأثنوا عليه أمامك، فانت كرهت أن يتميز عليك في ذلك فبدأت تتحرك للصيام.

إذاً محركك للصيام ليس هو حب الصيام في الأصل، وإنما كراهة أن يتفضل عليك غيرك، وهذا دقيق جداً يا شباب. وطالب العلم بالذات إذا لم ينتبه لهذا سيقع في أنواع من الحسد ستجعله يكره كل خير يذكر عن غيره؛ سواء في تعلم القرآن، أو في نشر العلم، أو في الدعوة إلى الله، أو في غير ذلك.

طيب، يبقى كثير من الناس يسلم من النوع الأول، وهو إرادة أن تزول النعمة على غيره، لكن كثير من الناس لا يسلمون من الثاني. بعضهم يسمي هذا المنافسة، ويستدلون عليها بمثل قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 22-26] فيجعلون هذا هو التنافس.

وأنا لا أعلم نصاً واحداً في القرآن أو السنة يقول إن هذا هو التنافس؛ لا، التنافس هو فاتقوا الله ما استطعتم، أن تسابق، أن تبذل ما تستطيع دون النظر إلى غيرك، ودون إرادة أن تكون أنت الأعلى، ودون أن يحزنك أن يكون غيرك أعلى منك. أنت بتسابق وخلاص، سواء كنت أنت الأول، أنت الأخير، لا يهمك، تريد أن تبذل ما تستطيع.

في هذا الحديث يا شباب، النبي صلى الله عليه وسلم ذكر صنفين: منهم واحد عنده علم، أو في رواية أخرى عنده قرآن يقوم به أي يصلي به أو يعمل به ويعلم الحكمة، والصنف الآخر هو رجل معه مال يتصدق به ويعني يجاهد نفسه في أن ينفقه في سبل الخير.

طيب، هناك أبواب كثيرة جداً الناس عليها؛ مثل الجهاد في سبيل الله، ومثل الحج، ومثل أشياء كثيرة. فلماذا بالتحديد أكثر الناس الذين يحسدون هم أهل المال الذين ينفقون، وأهل العلم الذين يعملون به ويعلمونه؟ لأن الناس لا تحسد إلا من كان في سؤدد ورياسة، والناس عموماً يكونون لهم رياسة إما بالمال الذي ينفقون، وإما بالعلم الذي يعلمون.

فلذلك الناس لا تحسد من يتعب. ركزوا كده يا شباب، هو في مثلاً لو أنت وجدت إنسان بيتعب جداً جداً في شيء وينال ثواباً كبيراً، أنت يمكن ألا تحسده، لكنك تحسده إذا كان عالماً مثلاً له اتباع ورأيت الناس يستقبلونه، فتبدا أنت تحسده لا لأجل العمل الصالح، ولكن لأجل ما صار له من الرياسة.

لذلك أبو داود قال: الشهوة الخفية حب الرياسة. وابن الجوزي عليه رحمة الله ليه كلمة جميلة قال: قد يكون الواعظ صادقاً قاصداً للنصيحة، إلا أن منهم من شرب الرياسة في قلبه مع مضي الزمان، يريد أن يكون هو الأعلى، قال: فيحب أن يعظم هذا الشخص الذي قال.

وعلامته -طيب، كيف يعرف الإنسان ذلك؟- وعلامته: إذا ظهر واعظ ينوب عنه أو يعينه على الخلق كره ذلك. يعني يتضايق أن في ناس تقول على فكرة ده في شيخ تاني غيرك بيدي دروس جميل قوي ممتاز وبنتعلم منه، يتغاظ ويتضايق، مع أنه لو بيفهم هيعرف أن هذا على الأقل يحمل عنه جزءاً، يراه معيناً ولا يراه منافساً، أو يراه مثلاً مثل التجار الذين ينافس بعضهم بعضاً.

شوف ابن الجوزي بيقول: ومن علامته إذا ظهر واعظ ينوب عنه أو يعينه على الخلق كره ذلك، ولو صح قصده لم يكره أن يعينه على خلائق الخلق. وما هذه صفة المخلص في التعليم؟ لأن مثل المخلص مثل الأطباء الذين يداوون المرضى، فإذا شفي بعض المرضى على طبيب فرح الآخر.

لو انك نظرت كطالب علم، أو كداعية، أو كواعظ، أو كمعلم للقران أنك كالطبيب، هذا الشخص حمل عنك جزءاً من مهمتك، فلا يمكن أن تحسده. لكنك متى تحسده؟ إذا دخلت في هذا من باب الرياسة، أنك ظننت أنه بقدر تميزه سيسحب منك البساط مثلاً، خلينا نقولها بالمعنى البسيط.

يبقى إذا يا شباب، قد يكون الإنسان على شيء من الخير كثير، ولكن يحسد الناس أكثر ما يحسدون فيه على الرياسة بالمال أو بالعلم. والله سبحانه وتعالى ضرب لنفسه مثلاً بهذا: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: 75-76].

الله سبحانه وتعالى ضرب لنفسه مثلاً ليبين أنه الأحق بالعبادة وليس الأصنام، فضرب مثلاً بالإنفاق، وطبعا هذا هو رزق الله تبارك وتعالى، وضرب مثلاً بالعلم وتعليم الحكمة.

لذلك ربنا قال مثلاً عن العجل: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: 148] ليبين أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يهدي إلى الحق: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَالَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: 35].

الله سبحانه وتعالى حتى لما بين عظمته وبين استحقاقه للعبودية ضرب هذين المثلين؛ مثل الرزق أو المال، ومثل العلم وتعليم العلم والحكمة. ولذلك -كما ذكر ابن تيمية وأخذناه قبل ذلك في كتاب أمراض القلوب- قال: كان الناس يعظمون دار العباس، لأن عبد الله بن عباس رضي الله عنه كان يعلم الناس، وأخوه كان يطعم الناس، فلذلك كانوا يعظمونهم. ولما رأى معاويه الناس يسألون ابن عمر عن المناسك وهو يفتي، قال: هذا والله الشرف.

وجاء الحديث المشهور الذي تكلمنا عنه قبل ذلك، حديث عمر رضي الله عنه، حديث من رواية هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر رضي الله عنه -وهذا الحديث قال فيه الترمذي حسن صحيح- قال قال عمر رضي الله عنه: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق، فوافق ذلك عندي مالاً فقلت اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً.

قال: فجئت بنصف مالي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أبقيت لأهلك؟» قلت: مثله. وهذا عمر، وأتى أبو بكر بكل ما عنده فقال: «يا أبا بكر، ما أبقيت لأهلك؟» فقال: أبقيت لهم الله ورسوله. قلت: يعني عمر رضي الله عنه لا أسبقه إلى شيء أبدا.

ابن تيمية رحمه الله يعلق على هذا الحديث فيقول إن ما فعله عمر هو من الغبطة المباحة، وهو نوع من إرادة أن يسبق أن يكون هو الأسبق أو ألا يتفضل عليه غيره. فقال إن هذا مباح، ولا شك هذا مباح، والنبي صلى الله عليه وسلم لما قال «لا حسد إلا في اثنتين» قصد أنه مباح، ولو كان حراماً لنهى عنه.

لكن هل هذه الحالة يا شباب هي الأكمل؟ أم الأكمل أن يفعل الإنسان ما يستطيع دون أن يلاحظ غيره، ودون أن يتعمد أن يكون أعلى من غيره، أو أن يتعمد أن يكون غيره تحته؟ لا شك أن الثانية هي الأكمل.

الأكمل أن تجتهد في فعل الحق، وفي سبل الخير، وفي إرادة الخير، وفي عمل الخير، ودون أن تتعمد أن تكون الأعلى، ودون أن تريد أن يكون الناس تحتك، إنما تريد أن تبذل ما تستطيع.

طبعاً في حديث مشهور، حديث مشهور، وهو حديث «يطلع عليكم رجل من أهل الجنة»، وهو أن عبد الله بن عمرو بن العاص سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «يطلع عليكم من هذا الفج رجل من أهل الجنة»، فطلع رجل من الأنصار، حديث مشهور جداً.

وبات عنده عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، وقال له: حصلت مشكلة بيني وبين أبي وأردت أن أبيت عندك -أي أراد أن يراقب عمله-. وفي الآخر الرجل قال له: أنا لا أفعله شيئاً كثيراً، غير أني لا أحمل في قلبي شيئاً لأحد. فقال: هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق. حديث طويل، هذا الحديث ذكره ابن تيمية وغيره.

وهذا الحديث لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. طبعا ابن تيمية لم يذكره تاسيساً، وإنما ذكره تفريعاً؛ يعني ابن تيمية لا يعتمد على هذا الحديث في هذا الباب، وإنما اعتمد على أحاديث وآيات أخرى تكلمنا عنها قبل ذلك، ولكنه استأنس بهذا الحديث في معنى ألا يكون في قلبك شيء لأحد، وهي التي مدح الله سبحانه وتعالى بها الأنصار: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ [الحشر: 9] يعني لا يجدون في أنفسهم حاجة أو حرجاً أو حسداً أو غيظاً مما تفضل به عليهم إخوانهم من المهاجرين.

المهاجرون سبقوهم بصحبه النبي صلى الله عليه وسلم، سبقوهم بالإيمان والهجرة، فلا يجدون -الله سبحانه وتعالى من أعظم ما أثنى به على الأنصار أن الأنصاري لا يجد في صدره حاجة أو غيظاً أو حسداً مما تفضل عليه به أخوه المهاجرون، رضي الله عنهم ورحمهم الله جميعاً.

فهذا الحديث بقى، وهو حديث يروي الزهري عن أنس من طرق، وهو حديث يطلع عليكم رجل من أهل الجنة، هذا الحديث الصواب فيه أنه يرويه الزهري عن رجل عن أنس، وهذا الرجل مجهول؛ الروايات الأصح: حدثني من لا أتهم عن أنس، أو عن رجل عن أنس، وهذا الحديث أعله الدارقطني وأعله حمزة الكناني، وضعفه كذلك ابن حجر وقال: فظهر أنه معلول.

كذلك يا شباب يدخل في هذا الباب مثلاً حديث أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالاجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به؟»، أو «ما تصدقون، إن بكل تسبيحه صدقة» إلى آخر الحديث. فكان معنى الحديث هنا أن هؤلاء الكرام أرادوا ألا يتفضل عليهم غيرهم فالنبي...

دلهم بما يعني يبلغون به غيرهم، فهذا أيضا من هذا النوع؛ أنهم أرادوا أن يكون لهم من الثواب مثل ما لِهؤلاء، أو لا يتفضلون عليهم. فهذا يا شباب مباح، هذا مباح، لكن الأكمل هو الحال الأعلى، وهو أن ينافس الإنسان ويسابق ويستبد، يتعمد أن يكون أسبق من غيره، ودون أن أراده أن يكون غيره يعني تحته.

طبعاً احنا تكلمنا عن الحسد المذموم كثيراً، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 54]. والله سبحانه وتعالى بين حسد اليهود ودُدَ كثير من أهل الكتاب، ولبيد بن الأعصم حسد النبي صلى الله عليه وسلم وسحره. فالحاسد أنعم الله وهو ظالم ومتعد، وهو يكره أنعام الله تبارك وتعالى على غيره.

لكن إذا أحب أن يُعطى مثل ما أُعطي مما يقربه به إلى الله، فهذا لا بأس به. ركزوا يا شباب، نحن هنا نتكلم عن المشروعية وعن الأعلى؛ يعني في درجات لا شك، والأعمال درجات، فالدرجة الأعلى، أو خلينا نتكلم عن الدرجة المباحة، الدرجة المباحة هي أن لو لاحظ الانسان غيره، وأراد أن يكون له مثل ما لغيره، وما أحب أن يتفضل عليه غيره في باب من أبواب الخير، فهذا مباح، نفهم هذا مباح. لكن أعراض القلب عن هذا أفضل بكثير، أعراضه؛ يعني لو الإنسان منا لم يفكر أصلاً في هذا الباب، وجاهد نفسه في ألا يكون في نفسه شيء مطلقا تجاه إخوانه، هذا هو الأكمل.

والنبي صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين، قال: «لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخواناً». فهذا من الأمور المهمة جداً. أنا أريد هنا أن أُلخِّص يا شباب الفكرة لو سمحتم؛ مثلاً أنت كطالب علم أو كإنسان مثلاً تفعل الخير، مثلاً رجل ذهب إلى مكان يدعو إلى الله، وظن أنه أول شخص جاء هنا يدعو إلى الله في هذا المكان، فأخبروه أن فلاناً سبقك، على فكرة فلان ده كان عندنا وعلمنا وفهمنا، فأنت إذا حزنت على ذلك، واضح كده؟ هل أنت تحزن بحق أم تحزن بباطل؟ هذا حزن بالباطل.

ليه يا شباب؟ لأن المفروض أنك أنت تففرح أن فلاناً هذا عمل الخير وعلم الناس، فكان ينبغي عليك أن تفرح بهذا الخير، فأنت حزنت؛ حزنت لأنك تريد أن تكون الأول، الأسبق، الأعلى، وأن يكون غيرك تحتك، وأن يكون غيرك اللاحق وأنت المتبوع. رجل مثلاً تصدق بمئة ألف جنيه، فقالوا له: على فكرة ده فلان سبحان الله كان قبلك هنا وتصدق علينا، فأنت إما أنك تضايقت أن هو سبقك، أو تضايقت أن هو تصدق بأكثر منك. هذا لو أنت سألت نفسك، هل أنا فعلا تضايقت بحق؟ بالعكس، أنت تضايقت بباطل، كان ينبغي أن تفرح أن أخاك ناله خير.

شخص واعظ مثلاً يذكر الناس، يضايقه أن يذكر غيره أو أن يمدح بحضرته، أو أن الناس تقول: والله على فكرة ده أنا اهتديت بسبب فلان، يغيظه هذا. هذا لا ينبغي أبداً أن تسامح نفسك فيه، ولا ينبغي أن تقول هذا من الحسد المحمود وأنه من الغبطة، ليس من الغبطة أن تكره أن يكون أخوك على خير، أو أن يكون سبقك إلى الخير، هذا لو أنت فكرت فيه بدقة، هذا أنت كرهت الخير، وكان ينبغي أن تفرح به.

امرأة مثلاً تحسن تربية أبنائها، لكن بتتضايق إن عرفت أن الناس بيمدحوا أولاد غيرها بالادب، فيغيظها، وهذا يعني له صور كثيرة جداً يا شباب، هذا يحتاج مجاهَدة عظيمة جداً، مجاهدة عظيمة أن الإنسان يتخلص من هذا المرض الذي هو شح النفس.

والصورة الكاملة يا شباب أن تطلب الهدى، وتجتهد في العمل الصالح، وتحب الخير لإخوانك كما تحبه لنفسك، كما في الحديث، وأن ترجو لهم الخير، وتفرح بما يصيبهم من الخير، وتحزن بما يصيبهم من الشر، وتحزن بما يُصرف عنه من الخير. إنسان مثلاً كان من أهل العلم، وبعدين مثلاً انتكس زي ما بيقولوا، أو ترك الطريق، أو ترك طلب العلم أو الدعوة، هل أنت تفرح لكونك بقيت أنت على الطريق وهو انصرف عن الطريق؟ هل يمكن أن يرضى الله عنك بفرحك هذا، أن تفرح بما يناله من الشر، أو أنك صرت الأعلى وهو صار الأدون منك؟ لا، فهذا هو القلب السليم.

هذا هو القلب السليم الذي وُقي الشح، ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9]. والله إن الإنسان بقدر تخلصه من كل أنواع الحسد يعيش سلامة صدر، ويعيش هدى، ويتفرغ للعمل الصالح. وكم من إنسان لم ينم ليلته، بل لم ينم سنته كاملة، بسبب ما أصاب غيره من الخير، نفسه بتأكله كده متغاظ؛ جالس مع الناس، قالوا: على فكرة فلان ده يا سلام سبحان الله عمل كذا وكذا وكذا، وتعلمنا واستفدنا منه، ويدعو له مثلاً، وهو قلبه بأكله، ليه قلبه بأكله؟ لأنه يكره أنعام الله على غيره، ويريد أن يكون هو الأسبق، ويريد أن يكون الناس تحته.

بل بالعكس؛ كثير من الناس حتى لا يفكر في أن يكون هو على الخير، لكنه يكره أنعام الله على الناس، يكره أن يرى الناس في خير، وهذا من أشد أنواع الأمراض. مريض هذا، فعلا مرض! ليه مرض؟ لأنه لن يشفى منه إلا بأن يذكر له شخص أن على فكرة فلان ده نسي القرآن، أو مثلاً فلان ده وهو بيصلي بينا النهارده أخطأ مثلاً عشرين خطأ، يفرح؛ يقول: ها، كده خلاص ارتاح!

كده عارفين لما يكون الإنسان كده نفسه في شيء، وحققه حصل؛ فيقول: على فكرة ده فلان ده كان كذا كذا، ده ترك خلاص، أنت ما تعرفش اللي حصل له ده، حصل له كذا وكذا، يفرح. فإذا كان فيك هذا المرض، إياك أن تطبع معه، إياك أن ترضى عن نفسك به، قل: أعوذ بالله من شر نفسي، هذا من أشد شرور النفس يا شباب.

يبقى التنافس والتسابق الذي هو مبني، ركز، التنافس والتسابق المبني على أن أكون أنا الأعلى والناس تحتي، أن أكون أنا الأسبق وهم تحتي، وأشتغل بذلك وأترقب وأنظر وأقارن، هذا نوع من الحسد وله سلبيات كثيرة جداً.

منها مثلاً أولاً: أنك تركز مع إخوانك مركز قوي كده وعايز تشوف هو أحواله إيه، وكل شوية تسأل عنه مش عشان تتفقد أحواله انك انت عايز منه خير، لا، أنت عايز تشوف وصل لإيه، وتفرح بما يقع فيه، وتفرح إذا ذكر عنه شر، وتفرح أنه مثلاً فاته ورده من القرآن، وتفرح أن هو لا راح عليه أسبوع ما صمش فيه. أعوذ بالله، هل هذا هو الذي قصده النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث؟ لا يمكن أبداً. فهمنا كده؟ يبقى ده من السلبيات.

طب من السلبيات أيضاً أن أنت أصلاً قد تهتم بأن تكون الأسبق، والناس اللي حواليك ناس ضعفاء؛ يعني مثلاً واحد طالب علم بسيط، فيريد أن يكون الأعلى، مهتم قوي بأنه يكون أعلى من أقرانه اللي هم معاه في الفصل، طب هم أصلاً كلهم مستواهم تعبان، فانت ما استفدت شيئا؛ يعني أنت عندك قدرة أصلاً أن تكون أعلى من ذلك بكثير، فأنت مهتم أنك أنت تكون، مثلاً أقول لك إن فلان ده بيصوم يوم واحد في الأسبوع، فقلت: لا، طب أنا بقى هصوم يومين، طب ما أنت أساساً ممكن تصوم عشرة، يعني ممكن تصوم قصدي سبع أيام في الأسبوع، يعني لو أنت عايز تعمل الأعلى بالنسبة لطاقتك أنت دون أن تنظر إلى غيرك، ممكن يكون عندك أعلى، واضح؟ فده من المصائب.

من الأمور المهمة يا شباب أن الناس يختلفون في الطموحات والاهداف والمواهب؛ أنت مثلاً ممكن يكون شخص الناس حكت لك أن فلان ده دعا الناس إلى الاسلام وأسلم على يديه مئة شخص، فتقول إيه؟ طب أنت أساساً مثلاً داعي إلى الله عادي بتدعو الناس المسلمين، فتقول: لا، طب أنا بقى عايز أدعو أنا كمان إلى الإسلام وأدخل الناس في الإسلام، فانت تبقى تركت مجالك الذي أنت متميز فيه، وتدخل في مجال آخر إرادة ألا يعلو عليك هذا الشخص لأنك غاظك أن الناس بتثني عليه. لو عددت لكم أبواب الشر في هذا الطريق، يعني هاخد مننا وقت طويل، لذلك يا شباب: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].

قال الله تبارك وتعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83]. ابن تيمية له كلمة جميلة قال: فكم ممن يريد العلو لا يزيده ذلك إلا سفلاً، وكم ممن جعل من الأعل وهو لا يريد العلو ولا الفساد. إنسان لا يريد أن يكون أعلى من الناس، يريد أن يتقي الله بما يستطيع، لا يفكر في غيره.

وذلك يا شباب لأن إرادة العلو على الخلق ظلم؛ يعني إرادة أن أكون أنا الأعلى والناس تحتي، وإرادة أن أعظم. يا شباب، الوقار شيء يجعله الله لك في قلوب الناس، لا يأتي بالتعالي ولا بالتجاهل ولا بالاصطناع، ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج: 18]، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].

يبقى خلاصه هذا الكلام يا شباب، لماذا أنا أطلت هنا؟ شوف، أطلنا جداً في هذا الكلام أكثر من يمكن أربعين دقيقة، سبحان الله لا أعرف الوقت كيف مضى، أطلت في هذا باب لأني أعرف أن طالب العلم قد يكون تقياً، متعلماً، صادقاً، مخلصاً، طيباً، يعني يجتهد في طلب العلم ومن أهل القرآن وقيام الليل، لكن لا ينام الليل غيضاً مما يصيب إخوانه من الخير، عايز يكون الأعلى، يغيظه أن الناس تثني على فلان ده. في بعض الناس بينهاك عن حضور الدروس لغيره، والله أعرف هؤلاء، ينهاك ولو عرف أنك بتتعلم مع شيخ غيره يتغير عليك ويهملك ولا يراعيك، يحب من ينفخ فيه من الطلاب ومن يقول له: أنا لا أتعلم إلا منك، يفرح، وهذا من أمراض القلوب يا شباب، لا ينبغي أبداً أن تسامح نفسك فيها.

والله سبحانه وتعالى قال: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]. شفت الثلاثية دي يا سلام؟ يحبون من هاجر إليهم؛ المؤمن يفرح بمن انضم إليه من إخوانه جديداً، ويعينه ويثبته ويعطيه المعلومات ويفيده ويفرح به، لأنه عونك، سندك، ﴿أَخِي هَارُونُ * اشْدُدْ بِه أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه: 30-32]، هو أفصح مني لساناً، فأرسله معي يصدقني. شوف رأى أن أخاه عوناً له ومعيناً وسنداً، بل هو الذي دعا أن يكون معه. فالإنسان المؤمن يفرح بمن انضم معه من إخوانه، ويفرح بما يصيبه من الخير، فخيره خيرك إذا كنت تريد نصر الدين ونصر الإسلام. فلا يمكن أبداً أن يجتمع في قلبك حب نصر الإسلام وكراهة الخير لإخوانك الذين ينصرون الإسلام.

يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة، أي نوع؟ شوف ربنا نفي عنهم أقل الأمور، لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، يعني مما أوتي إخوانهم.

والخلاصه: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9]. حينها، حينما يأتي هذا الأمر، ستسعد بتفوق إخوانك، ولن تستنكف من الانتفاع منهم، بل ستتعلم منهم وتسالهم وتقدمهم وتثني عليهم، وتفرح بمن يثني عليهم، وتقدم مشاريعهم للناس. وحينها لن يبقى للشيطان عليك سلطاناً تجاه أخيك؛ الشيطان يجيء لك، مش هيقدر أصلاً، لن يستطيع أن ينال منك الشيطان شيئاً تجاه أخيك في هذا الأمر، ما يقدرش، لأنه يراك أنت تفرح بما يصيب أخاك، بل أنت الذي تقدم أخاك وتفرح به.

لذلك يا شباب، أكثروا من هذا الدعاء: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: 10].

فأنا هنا أريد أن أنبه على هذا الخطأ، وهو قول مشهور على ألسنة الوعاظ وغيرهم؛ يقولون مثلاً: إذا استطعت ألا يسبقك إلى الله أحد فافعل. هذه الجمله ليست لا في قرآن، ولا في سنة، ولا في كلام الصحابة، ولا في أفعال الصحابة، ولا أئمة اهل العلم والفضل، هذه الجملة هي محل نقد، وينبغي أن توزن كل هذه الجمل بالكتاب والسنة.

وهذا المعنى له آثار سيئة على النفس؛ أن يلاحظ الإنسان غيره، أن يريد أن يكون هو السابق، هو الأعلى، هو الأول، هو الرأس، هو صاحب الفكرة، هو المؤسس، هو المتصدر، وأن يكون غيره تحته، أن يكون لاحقاً، أن يكون دونه، أن يكون تابعاً له، أن يكون ذيلاً له.

ذكرت كثيراً من صور هذا الأمر، ولكني هنا أريد أن أركز على هذه الفكرة تحدداً، وهي فكرة: إذا استطعت ألا يسبقك إلى الله أحد فافعل.

لاحظ التركيز في هذه الجملة على غيرك، إذا استطعت ألا يسبقك أحد، فانت تريد أن تكون الأسبق بغض النظر ماذا تعمل، فأنت تقيس نفسك على غيرك، وتلاحظ نفسك بناءً على غيرك، وتقيم نفسك بناءً على نظرك إلى غيرك، وهذا فيه من الغيرة، وفيه من المقارنة، ويدخلك في أبواب من الحسد والشح لا نهاية لها. وكان الحق، كما ذكرت لكم أيها الإخوة الكرام، أن تعلم أن تفوق إخوانك هو تفوق لك، وأن تحب لهم ما تحب لنفسك وأن.

تفرح بما ينالهم من الخير، ولا تهتم بأن تسبق أحداً أو أن يسبقك أحد، وإنما يشغلك فقط أن تكون سابقاً مع نفسك؛ يعني أن تجاهد نفسك في أن تفعل ما تستطيع. وذكرت لكم مثلاً حال المسلم الذي فاته شيء من الخير: حديث عبد الله بن عمر لما ذكر له حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها ثم تتبعها حتى تدفن كان له قيراطان من الأجر كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع كان له من الأجر مثل أحد.

فأرسل ابن عمر خباباً إلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة ثم يرجع إليه فيخبره ما قالت، وأخذ ابن عمر قبضة من حصى المسجد يقلبها في يده حتى رجع إليه الرسول فقال: قالت عائشة صدق أبو هريرة. فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في يده الأرض، ثم قال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة. هذا حديث في صحيح مسلم. فهنا ابن عمر حزن على ما فاته من قراريط الثواب، لم يحزن لكون الصحابة العالمين بهذا الثواب سبقوه أو أنهم حصلوا هذا الثواب، ولو فعل لما كان يحل له؛ لا يحل له أن يحزن على ذلك.

يعني لو كان الذي أحزنه سبق إخوانه أو فعلهم للخير الذي لم يفعله هو، لكان هذا من الحسد والشح. فإذا فهمت هذا؛ فهمت ما معنى أن تصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي. إن المؤمن بركة على المؤمن، ينبهك على أعمال الخير، لكن لا تطلب أنت أن تكون الأعلى منه أو يحزنك أنه يسبقك، لا. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «طوبى لعبد أخذ بعنان فرس في سبيل الله أشعث أغبر، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة». يعني هو دائماً في الخير، لا يشغله إلا أن يكون في الخير.

فلذلك شباب؛ هذا هو المعنى الذي أريد أن يكون في قلوبكم. الجائز والمباح هو أن تريد أن ينالك ما ينال غيرك من الخير، وأن تتمنى ما عنده من الخير خصوصاً في -طبعا، أو أهم شيء- أبواب العلم وأواب النفقه في سبيل الله. ولكن الأكمل من ذلك أن لا تلاحظ غيرك، وأن تجعل ذلك مسابقة لله تبارك وتعالى، وأن تحب الخير لإخوانك. نبهت على هذا الأمر كثيراً يا شباب، لأني أعرف أن هذه القاعدة مشهورة جداً على ألسنة الخطباء والوعاظ، ويعلمها الآباء لأبنائهم؛ يقول: يا بني، إذا استطعت ألا يسبقك إلى الله أحد فافعل، فيجعل الولد يحسد زملاءه ويتمنى لهم الشر، ويقيس نفسه عليهم، ويحزن هو مع أن الولد نفسه بيحاول أنه يتعلم أو يجتهد، ولكن لكونه دائماً يقيس نفسه فإما أن يحقر من هو أقل منه، أو يحسد أو يغار ممن هو أعلى منه، فهو دائم النظر.

وهذه العبارات يا شباب التي ملات كتب الزهد وكتب التي تسمى بالرقائق وتزكية النفس، لابد أن توزن بالكتاب والسنة لا أن تصدر للناس وكأنها هي المحكم، ونحاول أن نأتي من القرآن والسنة لما يشهد لها. واضح؟ يعني تخيل في الخلاصة أنك في سباق مئة متر مثلاً، مطلوب منك أن تبلغ المسافة في أقل وقت ممكن لك بغض النظر: هل معك أحد في السباق أم أنت وحدك؟ هل هم تحتك، هم فوقك، هم في مستوياتك؟ أنت فقط في الحارة المخصصة لك تبذل ما تستطيع دون أن تلتفت إلى غيرك ولا أن تلاحظه ولا أن تراقبه، ودون أن تسعد بكونه تحتك أو أنت فوقه، أو تحزن لكونه فوقك وأنت تحته.

لذلك شباب، الأقران المتميزون من حولك ليس لتحسدهم أو لتكون نسخة منهم، الناس مواهب وقدرات، ولكنهم وقود لك وعون. ولذلك كان من نعيم أهل الجنة: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الحجر: 47]. ومن دعاء المؤمنين التابعين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: 10]. الخلاصة: فكرتان، أن تتقي الله بما تستطيع دون ملاحظة غيرك، دون أن تتعمد أو تقصد أن تكون الأعلى وهم تحتك، بل تفرح بما ينالهم من الخير -وطبعا لا شك تنتبه مما هم عليه من الخير فربما يفيدوك بذلك- لكن دون أن تلاحظه.

الأمر الثاني، ركز بقى: ألا يمنعك كونك لست رأساً في أمر من أمور الخير أن تكون تابعاً لغيرك، وهذا كثير من الناس يترك أبواب الخير لكونه سيكون تابعاً لغيره، يقول: أما أن أكون أنا الرئيس، أو أنا المدير، أو أنا الزعيم، أو لا أشترك! مع أن صديقه هذا قد يكون أولى منه، فهو لا يرضى أن يتعاون بالبر والتقوى إلا أن يكون هو الراس في هذا. فلذلك شباب، أوصيكم بهذه الوصية كثيراً -هذه وصية أشد على أيديكم بها-: لا تطع هوى نفسك في هذا الأمر، أنكره، أنكره من نفسك كلما خطر ببالك أنك تحزن على ما في يد أخيك من النعمة، أو تفرح بما يصيبه من الشر، أو تقيس نفسك عليه وتقارن وتحسد وتترقب، استعذ بالله من الشيطان الرجيم ومن هوى نفسك من هذا الأمر. نسال الله تبارك وتعالى أن لا يجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا.

وهذه نصيحتي للشباب أقولها كثيراً، نصيحتي للشباب الذين بدأوا في هذه الأيام أو بدأوا من مدة، السنون التي قضيتها في التماس العلم تعلماً وتعليماً رايت بعض الطلبة يتعامل بوضوح وصراحة، يحرصون على نفع إخوانهم، لا يستنكفون أن يأخذوا عن أقرانهم أو عمن أصغر منهم، ويشهدون لهم بما فيهم من الخير وما فيهم من التميز، ويقدمونه للناس، ويفرحون بمن ينضم إليهم من إخوانهم، ويسعدون بما يصيب زملائهم من خير، يتعاملون بوضوح وسهولة وتلقائية دون تكلف أو تصنع.

والله رايت هؤلاء كيف ييسر لهم سبل العلم، ويبارك لهم في اوقاتهم، وكيف يعانون وكيف يرزقون الفهم وتنشرح صدورهم؛ يعني تنشرح صدور المشايخ لهم، تجد الشيخ بيرفض كل الطلاب بس أول ما يجي له فلان ده -بدون أي سبب- يقول له: والله أنا بحبك ومستريح لك وعايز أعلِّمك! سبحان الله، ويفتح الله له ولدعوته ولدرسه، ويحسن استثمار المعلومات التي يأخذها.

وفي المقابل رايت من يتعامل بمكر وأنانية، ورايت من تشح نفسه، ورايت من يريد أن يوقع إخوانه في المشاكل ويفرح، وإذا ذكر إخوانه بخير هو يريد أن ينتقص إخوانه ويبحث عن شرورهم ونقصهم، مثلاً ناس يقولوا ده فلان ده طالب علم، يقول لهم: بس مش حافظ القرآن! ده فلان ده مثلاً بيعلم الناس وبينشر، يقول لك: فلان بيعلم الناس بس على قدَّه! يحاول أن يبحث -مع كونه يعرف قيمة أخيه- لكن يحاول أن يبحث عما ينتقص به أخاه عشان يقول للناس: على فكرة ما تفكروهوش هو يعني، لا، ده برضه في عنده كذا وعنده كذا. نعوذ بالله من هذا.

باختصار يا شباب، طريق العلم طريق عبادة؛ طريق عبادة، إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم ولا إلى معلوماتكم ولا إلى أي شيء، ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، فلذلك من يوقَ شح نفسه فأولئك هم المفلحون. فهذا الحديث لابد أن تفقهه على موضعه، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا حسد إلا في اثنتين». خلينا ندخل بقى في الكلام عن التعليق على الحديث الآن.

عندنا يا شباب أول شيء لفظ الحديث، وعندنا معنى الاغتباط تكلمنا عنه، وتكلمنا عن معاني الحسد وخلاصتها معنيان: الأول، كراهة انعام الله على غيرك وإرادة أن تزول عنه بغض النظر تنالك أم لا؛ والامر الثاني، أن تكره أن يتفضل عليك غيرك، وهذا لا يباح للإنسان منه إلا في حالة من آتاه الله العلم فهو يسلطه على هلكته في الحق، أو من يقضي بالحكمة ويعلمها، أو يقوم بالققرآن أو يعمل به، هذا هو الذي أذن لك أن ترجو أن يكون مثل مال أخيك. أما دون ذلك شباب فلا يستحق أبدا أن تحسد غيرك عليه.

والأكمل من هذا وذاك أن تنافس في الخير وتسابق دون أن تلاحظ غيرك، وأن تستعين بالله، وبالضبط كأنك أنت في سباق -أنت في سباق في حارة، مش عارف لو بعض الشباب ما يفهموش الحارة، أنت في عارف السباق لما يكون في ناس بيلفوا حوالين ملعب الكورة بيكون في حارات؟- أنت في الحارة بتاعتك مطلوب منك انك أنت تجري مثلاً تقطع خمسين لفة في أقصى وقت ممكن من غير ما تبص لصاحبك بقى، أنت ممكن يكون الناس أمامك أو خلفك، أنت تبذل ما تستطيع: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]. من غير بقى ما تبص كل شوية وراك تشوف قالوا إيه وتبص قدامك، وتبص وراك، تبص قدامك عايز تجيب اللي قدامك، وعايزهم يكونوا خلفك، لا. أنت تسابق في طريق الله، تفرح -شوف مثلاً ابن عمر لما ذكر له حديث الجنازة من صلى على الجنازة فله كذا ومن تبعها إلى أن تدفن، ماذا قال؟ قال: كم فرطنا من قراريط!

هو زعلان لكونه فاته الخير، لم يقل: ياه ده الصحابه سبقوني، ده زمانهم دلوقتي بقى عندهم مئة ألف قيراط في الجنة ومتضايق! لا، هو مش في دماغه الكلام ده، هو زعلان على نفسه، هو زعلان أنه قصر أو فاته خير. لكن شوف الفرق بين -ركز كده في فرق بين- أن تحزن بما فاتك أنت من الخير، وأن تحزن بما أصابهم هم من الخير، افهم الفكرة دي، دي فكرة مركزية يا شباب ما ينفعش تتهاون فيها أبداً. نعوذ بالله من شرور أنفسنا، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يقينا شح أنفسنا.

وجه الشاهد، طبعا خلينا نقرا الأول الحديث، قال: باب الاغتباط في العلم والحكمة. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تفقهوا قبل أن تسودوا. هذا الأثر رواه ابن أبي شيبة وغيره من طريق ابن سيرين عن الأحنف بن قيس عن عمر رضي الله عنه، والبخاري علق على هذا تعليقاً جميلا حتى يفقه؛ يعني جاء في بعض النسخ قال أبو عبد الله -هو البخاري- وبعد أن تسودوا يعني تفقهوا قبل أن تسودوا وبعد أن تسودوا؛ يعني بعد أن تصيروا سادة أو رؤساء أو متبوعين، قال: وقد تعلم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في كبر سنهم، فكانه فكر -يعني ظن أن أو اخذ معنى تسودوا بمعنى تكبرون في السن أو تصيرون مثلاً يعظم غيركم-.

لماذا يا شباب؟ لأن الانسان -يعني السيادة- مظنة أن السيادة بالععلم، أو بكبر السن، أو بالمال، أو حتى بعضهم قلب الزواج، الإنسان يتزوج هذا مظنة أن الإنسان يقل طلبه للعلم أو ازدياده من العلم. فعمر بن الخطاب يقول: تفقهوا قبل أن تسودوا، لماذا؟ لأن الإنسان قد يشتغل، الإنسان لما يصير مثلاً رئيساً أو يصير مثلاً حاكماً أو قاضياً أو يتزوج أو يصير عالماً ربما تقل رغبته في العلم. أو خلينا الأول نفسر أثر عمر رضي الله عنه ثم نتكلم عن تعليق البخاري رحمه الله. أثر عمر معناه أنك أنت الحق استثمر الحق، استثمر وقتك، لأنك إذا سودت -يعني مثلاً صرت رئيساً أو تزوجت أو اشتغلت أو صرت قاضياً- سيقل طلبك للعلم، فالحق أنك أنت تتعلم.

والوجه الثاني -وفي رأيي، وفي رأيي أن هذا ربما يكون الأقرب- أن من نال السيادة قبل أن ينال العلم فإنه لن يقوم بهذه السيادة على وجهها، إنسان صار قاضياً أو حاكماً أو أميراً أو مفتياً دون أن يتاصل علمياً فلا شك أنه لا يمكن أن يؤدي دوره. والمعنى الثاني: تعلم لأنك بعد ذلك ستشغل. طيب، عمنا البخاري عليه رحمه الله كيف علق؟ شوف تعليق بليغ، قال: وبعد أن تسودوا، حتى لا يفهم أو لا يظن أن عمر رضي الله عنه بيقول يعني بعد أن تسود لا تتعلم، لا! وإنما أراد أنك تتعلم في وقت الفراغ.

لأننا يا شباب لا شك -ودي نصحتي لكم يا شباب، نصيحتي لكم- كل لحظة فراغ عندك الآن ستندم عليها كثيراً حينما يأتيك ما يشغلك رغماً عنك، لأنك ستشغل رغماً عنك، يعني رغماً عنك بالزواج أو بالابناء -وإن كان الحمد لله الإنسان عالي الهمة بفضل الله حتى بعد الزواج يبقى على همته وربما زاد- ولكن لا شك في في أمور ستاخذ من وقتك: العمل، الأولاد، الزوجة، الأهل مثلاً في الزيارات. فالإنسان الذي يحافظ على وقته هو الذي يمكن أن يحصل على أكثر المتاح من العلم، لكن بعض الناس يفرط في النصف ساعة والساعة والساعات، فلذلك هذه النصيحة له: أنك أنت احفظ فراغك.

طيب فكان البخاري عليه رحمه الله يريد أن يقول يا شباب -طبعا أبو عبيد فسر هذا الحديث: تفقهوا وأنتم صغار قبل أن تصيروا سادة فتمنعكم الأَنفة عن الأخذ عمن هو دونكم فتبقى جهالاً- أبو عبيد فسر إيه؟ أنك أنت تعلَّم قبل أن تصير مثلاً في مكانة فهذه المكانة

تمنعك تجعلك تأنف منك، تتعلم أو تجلس مثلاً. وبعض الناس قال إن بعض القضاة الذين كانوا مثلاً في بعض الدول، بعض في مثلاً في الدولة مثلاً العباسية أو الأموية مثلاً، بعد ما يخرج من القضاء لا يرجع إلى مجلس العلم يأنف، فهمنا؟

فهذا الحديث له مناسبة. طبعا هذا الأثر للترجمة واضح، الحرص على التعلم والازدياد منه وأن لا يصرفك عنه صارف، وأن السيادة بالعلم أجل من سيادة غيره، وأن الإنسان يغتبط إذا كان عالماً أكثر مما يغتبط إذا كان سيداً أو ملكاً أو رئيساً. وطبعا من ساد قبل التفقه فإنه لن يقوم، لن تكون سيادته محمودة. والله تبارك وتعالى أمر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114].

وسيذكر البخاري باب ما ذكر في ذهاب موسى عليه السلام إلى التعلم؛ موسى كان الذي كلمه واصطفاه الله برسالاته وبكلامه، ومع ذلك الله سبحانه وتعالى جعله يتعلم من الخضر، وتعلم منه، واضح، وصبر عليه، وهكذا.

طيب، نقرا بقى الحديث. أنا معلش أطلت عليكم يا شباب، لكن والله أطلت عليكم لوجه الله، والله أطلت عليكم في هذا الحديث لوجه الله، وأعرف أثر هذا المعنى على النفس. طلب العلم يا شباب ليس مجموعة معلومات، وليس اجتهاداً فقط، وليس رغبة؛ طلب العلم فقه وحكمة. إذا لم تكن عالماً بأمراض قلبك، فإنك ربما تمكن من قلبك مرض أهلكك. وربما أنتم يعني قد تكون رأيت بعينك بعض الناس الذي كان يعلم، وكان يعني سبباً في خير الناس، وصار بعد ذلك سيفاً على إخوانه؛ يعني يقع فيهم بالباطل، وينتقصهم بغير الحق، وعاش يعني أضاع عمره في غير الطريق الصحيح.

يعني تصوروا يا شباب، يعني من علامات محق البركة من طالب العلم أن يفنى عمره في غير ما ينفع. تصور إنسان يبقي من خمس سنوات أو ست سنوات من عمره يتصيد الأخطاء لإخوانه ولا يفيد الناس منه شيئاً، إلا أن فلان مبتدع، وفلان كذا، وفلان جاهل. طيب يا أخي، علمنا أنت السنة! طيب، أنت تقضي من عمرك كل هذه السنوات وأنت تفتش فيديوهات إخوانك عشان تطلع الأخطاء اللغوية وتفتش الكتب؟! والله سبحان الله، أعرف كيف يفكر هؤلاء وكيف يعيشون، والله الوقت أغلى من ذلك يا شباب.

لذلك من يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون؛ أنت أول من ينتفع بذلك، صفاء الصدر! يا أخي، لو ما كان حتى لو ما كانش فيه ذنب على هذا الحسد، والله كان ينبغي أن تتخلص منه؛ لأنه يأكلك أنت نفسك، يجعلك غير مستريح. تعرف أنك أنت ممكن مثلاً -وأنا أحكي لكم موقف- شخص كان يخطب جمعة، والناس فرحانة جداً من خطبته جداً، ويعني قالوا له جزاك الله عنا خير الجزاء، بعد ما طلع من المسجد وبيتمشى كده شوية، فعدى على مسجد آخر، رأى يعني لسه في خطبة شغالة، وفيها واحد من الدعاة اللي هو يعرفهم، فلقى المسجد مليان جوه وبره. طب أنا بكلمكم على أشياء واقعية؛ لأني ما بحبش الكلام العام، بحب الكلام الواقعي، لأني عارف أن طالب العلم قد يقع في مثل ذلك. تصوروا أن هو بنفسه اللي قال ذلك وأعترف، قالي باللفظ كده: بصراحه، أنا أول ما شفت العدد الكبير ده بيستمع لفلان -وبعد الجمعه طبعا هو عارف بعد الجمعه أن هم بيتلموا على الراجل ويسلموا عليه ويدعوا له وكذا وكذا- بيقول: اتغصبت. وهو أعترف بيها يعني أعترف وأعترف بيها وزعلان من نفسهم.

وده كويس يا شباب أنه عرف أن ده مرض، وأن الإنسان يخطر بباله السوء لا يحاسب عليه إلا إذا استمر معه. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة، وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى». النفس شحيحة يا شباب، شحيحة بالخير، تكره أنعام الله على الناس، وتكره ما يصيب الناس من خير، وتفرح بما يصيبهم من شر.

لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». والنبي صلى الله عليه وسلم يعني بين أن حلاوة الإيمان لن تصيبك بمجرد أنك تحب أخاك، لا، أن تحبه، لا تحبه إلا لله. فمن أحب شخصاً لله، هل يمكن أن يكره ما حال صاحبه إذا كانت حسنة؟ هل ممكن أن أنت كأخت مستقيمة بلغك أن اختك مثلاً عندها اجتهاد في الدروس، ومثلا بتكتب الدروس ومثلا جابت درجة ممتازة في الاختبار، هل يمكن أن يحزنك ذلك وتظنين أن هذا يمكن أن يرضي الله؟ لا يمكن أبداً. لا يمكن أن يرضى الله بأن يكره المسلم الخير لأخيه، وأن يفرح المسلم بالشر الذي يقع في أخيه.

بل إن الله سبحانه وتعالى يحبك ويعينك بقدر حبك لأخيك، وبقدر إرادتك للخير لأخيك. حط الآية دي أمامك: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا﴾ [الحشر: 9]، اثنان، ثلاثة، ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَان بهم خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]. طب ما هو الجامع لكل هذا؟ ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].

قال البخاري عليه رحمة الله: حدثنا الحميدي عبد الله بن الزبير قال: حدثنا سفيان -طبعا حميدي عن سفيان، سفيان بن عيينة- قال: حدثني إسماعيل بن أبي خالد. إسماعيل بن أبي خالد يا شباب من كبار الثقات الحفاظ، وهو أروى الناس عن قيس بن أبي حازم، وطبعا هو من المكثرين، يعني هو الحديث ده مثلا رواه عنه ابن عيينة ووكيع والقطان، يعني هو من المكثرين.

حدثنا إسماعيل بن أبي خالد على غير ما حدثناه الزهري؛ يعني سفيان بن عيين بيقول إن انا سمعت هذا الحديث من الزهري بلفظ غير الذي حدثني به إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم تمام. قال القائل هنا، مين القائل؟ هو إسماعيل بن أبي خالد. قال: سمعت قيس بن أبي حازم. قيس بن أبي حازم يعني مخضرم، أحد الثقات الحفاظ، ذكرنا أنه روى عن العشرة المبشرين بالجنة، لم يرو عنه عنهم غيره، ليس هناك واحد من التابعين روى عن كل هؤلاء، وإن كان في سماعه من بعضهم كلام.

المهم أنه من ممن له عناية كبيرة بالرواية عن الصحابة الكرام، والذين تقدمت وفاتهم، وهو مخضرم؛ عاش الجاهلية والإسلام، لكنه لم يلق النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به، (قيل إن هو هو ذاهب في الطريق توفي النبي صلى الله عليه وسلم، هو ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليدخل ليبايعه بالاسلام، ولكن توفي النبي صلى الله عليه وسلم توفي في هذا الوقت قبل أن يصل إليه). قال: سمعت قيس بن أبي حازم قال: سمعت عبد الله، -طبعا قيس عن عبد الله، عبد الله بن مسعود- يعني هو خصه هنا بالذكر، أو يعني يعني عينه هنا، (أحياناً ياتي في الأسانيد عبد الله، لكن هو جاء هنا مصرحاً به). قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين»، وفي رواية: «إلا في اثنين».

يعني اثنتين يعني حالين يا شباب، في حالين يعني يباح لك أو يؤذن لك أن ترجو ما يكون عليه إخوانك. طبعا الأزهري وغيره من العلماء، اللي هو صاحب معجم اللغة وغيره، مثل القرطبي وغيره، تكلموا عن فكرة: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ من فَضْلِهِ﴾ [النساء: 32]. فقالوا إن أنا لو رأيت أخي على شيء من الخير فتمنيت أن يكون لي مثل ما له، هذا ليس حسداً، وهو بالفعل ليس حسداً يا شباب، يعني ليس، أقصد ليس حسداً مذموماً، واضح، وإنما المذموم منه أن تكره أنعام الله عليه، أو تريد أن تزول عنه النعمة، أو تريد أن تكون أنت الأعلى والناس تحتك، واضح.

أنما إذا انا مثلا -أنا اتصور كدة- أنك أنت وجدت شخص علم ابن القرآن فلفْت نظرك إلى هذا الأمر، طبعا هذا خير بلا شك، هذا من أحسن ما يكون، أن الإنسان إذا رأى باباً من أبواب الخير يطلبه. لكن ما هو بقى المشكلة؟ أنك تتعمد، تفضل بقى مشغول بأنك عايز تكون أعلى من فلان، لا، أنا بس استفدت أن فلان ده بيعمل الخير فقلت: الله، طب كويس، والله ده لفت نظري. جه مثلا شخص بيقول إيه؟ جه قال: أنت مثلاً بدل ما بتدي الدروس للشباب بالشكل ده، طب إيه رايك أنك أنت تكتب تب لهم الدروس؟ فلفْت نظري فأنا اهتميت بالباب ده.

لكن لو أنا بقى قعدت أشوف، أدخل بقى على صفحته وأشوف، طب يا ترى هو عمل إيه؟ ومهتم جداً أنه يكون أقل مني وأنا أعلى منه، هي دي المصيبة! يبقى إذاً يا شباب، أن يكون أخوك دليلاً لك في شيء من الخير ينبهك عليه، هذا من أحسن الأعمال الصالحة، ده أنت إنسان عاقل، وهو هذا معنى هو العزيمة على الرشد، أن أول ما يفتح لك باب من الخير تسابق إليه.

لكن ما هو المشكلة؟ أنك تفضل حريصاً على أنه يكون أقل منك، وتهتم بأنك تكون أعلى منك. لا، أنا أهتم بنفسي بس، أنا أريد أن أفعل الخير، مثلاً وأنا مسافر جاي بعزم على صديقي في القطار مثلاً بالاكل، قال لي: لا والله، أنا صائم النهارده الاثنين، أنا بحب أصوم الاثنين. إيوه، جميل، لفت نظري، خلاص، فبدأت أصوم الاثنين. لكن لما أنا بقى أبدا بقى إيه؟ أتصل به أقول له: أنت عامل إيه يوم الاثنين وكده؟ وأهتم بانه يا ترى صام ولا ما صمش؟ دي بقى المصيبة، دي بقى التي أعيذك منها، يعني نعوذ بالله منها، أنك أنت مركز إنه يكون أقل منك، أو أنت مهتم أنك تكون أعلى منك، مش مركز أنك أنت تكون أعلى عند الله، افهموا هذا يا شباب.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين»، يعني حالين، رجل، طبعا رجل أو امرأة ما فيش فرق، ده يعني هذا لا مفهومه له، يعني مش فرق الرجل أو المرأة، آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، يعني سلط، كأن هوى نفسه وجه ماله إلى الحق، يعني أنفق ماله في الحق. وهذا يا شباب اسم عام، أن الإنسان يعني ينفق ماله في سبل الخير، في سبل الحق، طبعا يدخل فيها النفقة على أهله، ويدخل فيها النفقة على أبنائه، وكذلك أن لنفسك عليك حقاً، وينفق، يعني كأن وفق في أن بأنه أخرج حق الله من هذا المال، كان حكيماً في النفقة، وكذلك قاوم هوى نفسه.

طيب، رجل -طبعا الحديث هذا سيتكرر معنا كثيراً يا شباب- رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها، (طبعا جاءت روايات: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، يعني يعمل به، أو مثلا رجل كان يصلي يتلو الآيات في الليل وسمعه جاره فقال: ليتني أتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثلما عمل فلان).

واضح، فالنبي صلى الله عليه وسلم يعني قال: «لا حسد»، يعني يؤذن للانسان في هذا يعني أن يرجو ما لأخيه من الخير، واضح كده؟ لأن الإنسان قد، الإنسان يتحرك بهذا، لكن كما قلت لكم، ما هو المذموم؟ المذموم هو أن تستمر بقى، أنك أنت أنت أخذت خلاص اللقطة، خلينا نقول إن دي لقطة، أخذت مثلاً هذه الفكرة، لكن أنت بقى مهتم بقى أنك أنت كل يوم تتصنت على جارك وتشوف يا ترى صحي النهارده ولا لا؟ طب لو ما صحاش تفرح، طب لو صحي تزعل؟ طب لو أنت نمت مرة وهو اللي صحي تزعل؟ كل هذا مرض، لا يمكن أبداً أن يكون هذا مأذوناً فيه.

هي فكرة أنك أنت عايز تكون هو هو أقل وأنت الأعلى، وتفرح لما هو يفوت ورده وتحزن لما يعمل ورده، كل هذا مرض لا يمكن أبداً أن يكون مأذوناً.

طيب، خلاص شباب، طب احنا يعني أظن أن احنا طولنا جداً في الحديث ده، يمكن أكثر حديث يعني بقينا فيه ساعة كاملة. لماذا يا شباب؟ ستعرف ذلك إن شاء الله، ستعرف ذلك في حياتك العلمية بالذات، من أكثر الابواب التي يدخلها الحسد الأعمال الصالحة؛ يعني إذا كان الناس يحسدون على أمور الدنيا، فإن الحسد على امور الدين أكثر، ومن لم يفهم هذا الحديث سيقع في أصناف الحسد وهو يظن أنه مأذون فيه شرعاً.

تصوروا، يعني بعض الناس ظن أنه هو واقع في الحسد ويريد الشر بإخوانه، يظن أن هذا مأذون؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا حسد إلا في اثنتين»، فخلاص، أنا بحسد فلان، فاكر أن الحسد المراد هنا هو أنك أنت تتمنى زوال النعمة عنه، أو تتمنى أن يكون تحتك، أو أن يفوته ورده وتكون أنت الأعلى، لا لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وحاشاه أن يريد ذلك صلى الله عليه وسلم، وإنما المعنى أنك انتبهت إلى عمل فأردت أن تشارك أصحابه فيه وألا يتفضلون عليك فيه فقط، هذا هو هو نهاية الحديث، والأكمل من ذلك من فعل كل هذا دون أن يلاحظ غيره.

الأكمل من فعل ذلك دون أن يلاحظ غيره. طيب، العلم، طبعا العلم والجود، العلم والجود في الحق، حسن التصرف، ليس مجرد الإنفاق، وإن شاء الله سياتي معنا هذا الحديث بروايات كثيرة، أطلت عليكم يا شباب، يعني.

أنا إن شاء الله سيأتي معنا بعد ذلك في كتاب الرقاق الكلام عن الطاعم الشاكر مثل الصالصائم الصابر، سيأتي الكلام عنا، هل يعني هل الإنسان إذا كان فقيراً صابراً أكمل، أم إذا كان غنياً يؤدي حق الله أو يشكر الله؟ وسنعرف إن شاء الله أن في هذا الوقت أن ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَىكُمْ﴾ [الحجرات: 13]، يعني ليس هناك مفاضلة بينهما، كل منهما أحسن أحسن في بابه.

طيب أنا أنا في رأيي يا شباب أن أن هذا الباب يدخل فيه حديث، طبعا هو لم يرويه البخاري لكن سجلوه عندكم، أنا في رأيي أن هذا يدخل جداً في هذا الباب حديث، في حديث عامر بن واثلة: أن نافع بن الحارث لقي عمر، عمر بن الخطاب لقيه بعسفان، وكان عمر يستعمله على مكة يعني على أهل مكة، فقال: من استعملت؟ من استعملت على أهل الوادي؟ يعني عمر رضي الله عنه بيسأل نافع بن الحارث: من استعملت على أهل الوادي؟ يعني من جعلته أميراً عليهم؟ قال: ابن أبزى، يعني استعملت عليهم ابن أبزى اللي هو عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي.

فقال ابن عمر: من ابن أبزى؟ مين ابن أبزى هذا؟ قال: مولى من موالينا مولى. فقال عمر رضي الله عنه، عمر بن الخطاب قال: استعملت على أهل الوادي مولى؟! يعني أهل الوادي أهل مكة، فيعني فيهم السبق مثلاً في الإسلام، أو فيهم مثلاً اهل البلد الحرام، وفيهم رفعة، استعملت عليهم مولى؟! فقال شوف بقى: قال إنه قارئ لكتاب الله، عالم بالفرائض. قال عمر ركز بقى: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع آخرين».

طبعا رفعة الله في الدنيا وفي الآخرة، أنا في رأيي أن هذا الحديث يدخل في الاغتباط في العلم والحكمة، ولكن طبعا هو ليس عند البخاري هو موجود عند مسلم رحمه الله برقم 817. طيب أطلت عليكم يا شباب. طيب اقرأ رمضان، نعم رمضان معانا رمضان، نعم افض افض حبيبي.

باب ما ذكر في ذهاب موسى في البحر إلى الخضر، وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِمِّمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: 66]. حدثني محمد بن غرير الزهري قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدثني أبي عن صالح عن ابن شهاب حدثه: أن عبيد الله، أن عبيد الله بن عبيد بن عبد الله أخبره عن ابن عباس أنه هو والحر بن قيس أب هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى.

قال ابن عباس: هو خضر، فمر بهما أبي بن كعب رضي الله عنه فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيل إلى لقيه، هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر شأنه؟ قال: نعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل فقال: هل تعلم أحداً أعلم منك؟ قال موسى: لا. فأوحى الله إلى موسى: بلى، عبدنا خضر. فسأل موسى السبيل إلى فسال موسى السبيل إليه، فجعل الله له الحوت آية وقيل له: إذا فقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه. وكان يتبع أثر الحوت في البحر فقال موسى لموسى فقال لموسى فتاه: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ۚ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ [الكهف: 63] قال: ﴿ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ۚ فَارْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: 64]».

لا ما أنسانيه إلا الشيطان، لأن هو هذه القراءة، هذه قراءة البخاري ما أنسانيه إلا الشيطان، أعدها؟ نعم وما أنساني إلا الشيطان أن أذكره، قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصاً، فوجدا خضراً فكان من شأنه الذي قص الله عز وجل في كتابه. بارك الله فيك.

طيب قبل هذا الباب يا شباب يعني أنت ستجد في في ترجمة قيس بن أبي حازم لأن بعض الشباب يسأل عن هذا أنه بيراجع التراجم فوجد كلمة لا يعرف معناها، اللي هي كان قيس ابن ابن أبي حازم عثمانياً. ما معنى هذه الكلية؟ تجدها في ترجمة قيس بن أبي حازم موجودة في تاريخ الدوري عن ابن معين باسناده إلى إسماعيل بن أبي خالد قال: كان قيس عثمانياً، وكذلك علي بن المديني لما سئل: أشهد قيس بن أبي حازم الجمل؟ اللي هي موقعة الجمل يعني، قال: لا، كان عثمانياً.

ما المعنى يا شباب عشان تفهموا هذه الألفاظ تذكر أحياناً في كتب الرجال؟ قيس بن أبي حازم كوفي، تمام. طيب اهل الكوفة في ذلك الوقت كانوا مع علي رضي الله عنه أنصاراً له في في زمن خلافته، وحاربوا المطالبين بدم عثمان، يعني في بعض الصحابه طالبوا بدم عثمان، وأنتم تعرفون الموقعة، يعني كان في في الصف الآخر أم المؤمنين عائشة رضي الله عنه وطلحة والزبير والذين كانوا مع علي رضي الله عنه، يعني حصلت الموقعة المشهورة.

فالمفروض أن أهل الكوفة كانوا مع علي رضي الله عنه، قيس بن أبي حازم كان ممن يؤيد من يطلبون بدم عثمان، يعني كان مع الفئة الأخرى، كان يؤيدهم. فمن أطلق عليه عثمانياً ممن ادركوا هذه الفتنة يا شباب المراد أنه يؤيد طلب دم عثمان، اللي هو الأخذ بدم عثمان رضي الله عنه. لكن بعد ذلك أصبح يعني كلمة يبقى لو مثلاً أنت وجدت راوياً ادرك هذه الفتنة وقيل إن هو عثماني معناها أن هو كان ممن يطلبون بدم عثمان، تمام.

طيب بعد كده بقى بعد هذه الفترة لا صارت كلمة عثماني أدي فيها بعض الناس الذين يشتمون علي بن أبي طالب ويسمون بالنواصب، بدأت تزيد هذا الأمر. في الأصل كان مجرد أن الإنسان الذي أدرك الفتنة يطالب بدم عثمان، كانوا يقولون عثمانياً اختصاراً، واضح؟ فهذا هو المراد في ترجمة قيس بن أبي حازم، أن هو كان عثمانياً، أن هو لم يكن من من خرج في في الجمل مع علي رضي الله عنه وهو كان من المطالبين بدم عثمان. لكن بعد ذلك طبعا حصل بدع كثيرة انضمت لهذا الأمر، طبعا هذا الأمر في حد ذاته ليس بدعة، لكن انضم بعد كده سب علي وشتيمه علي وشتيمه أهل البيت، وسموا بعد ذلك بالنواصب.

جميع العثمانية المؤيدون لطلب دم عثمان يقدمون عثمان على علي هذا بلا شك واضح كده في الفضل. ولكن كلمة عثماني لها معنى آخر يا شباب، الذين يقدمون كلمة عثماني يعني لها إطلاق، اللي هو لم يحضر الفتنة، أو اللي هو بيقدم عثمان على علي رضي الله عنه. وطبعا كل من طالبوا بالدم يقدمونه. بعد كده عندنا الكلمة عثماني هي تقديمه على علي، يعني قد تطلق كلمة عثماني على شخص لكونه يقدم عثمان على علي بغض النظر هل يؤيد طلب دم عثمان ولا لا. مثلاً أنت في ترجمة شقيق بن سلمة الكوفي يقولون كان عثمانياً، يعني إيه؟ يعني يقدمه على علي، لأن هو كوفي، شقيق بن سلمة هذا كوفي فكثير من الكوفة كان يقدم علي على عثمان في الفضل، فهم مثلاً يميزون شقيق يقول: لا، شقيق كان عثمانياً، يعني إيه؟ يعني يقدم عثمان على علي في الفضل، مع أن شقيق ده يا شباب شهد مع علي بن أبي طالب صفين، فهمت كده؟

فيارب تكون فهمت الفكرة دي. زي مثلاً لفظ شيعي إذا أطلق على من أدرك الفتنة يعني معناها أن هم الذين نصروا علياً من شيعة علي في زمن خلافته، لكن إذا أطلق بعد ذلك ويطلق كذلك على من قدم علياً على عثمان، ثم زيد بعد ذلك فيها من يعني إلى أن وصلوا للروافض. مهم جداً أن تحرر دلالات الألفاظ في كتب الجرح والتعديل، لأنك إذا لم تفهمها ربما بدعت الرجل أو فسقته أو حكمت عليه بالضعف وهو ليس كذلك.

طيب نرجع إلى هذا الحديث يا شباب: باب ما ذكر في ذهاب موسى عليه بذهاب موسى صلى الله عليه في البحر إلى الخضر. طبعا موسى في الروايات التي جاءت بين أيدينا لم يذهب في البحر، وإنما كان يسير في البر مع فتاه، ولكن كان البخاري إما قصد في ذهابه مع الخضر إلى البحر، أو في ذهابه جاءت في روايات أنه كان قرب البحر أو شيء من ذلك. حاول ابن حجر رحمه الله أن يفسر هذه الرواية، لكن الأقرب أنه لم يصل إليه عن طريق البحر، واضح؟ وإنما سار في البر وبعد ذلك لما التقى به ركب في السفينة في البحر.

طبعا هذا الحديث هذا سيتكرر معنا كثيراً، لذلك أنا ساحاول أن اختصر فيه، لاني سبحان الله معكم بفتح كذا يعني أنا في كل مرة بكون نيتي أننا نقرا أربعين حديث، وفجأة أننا قرأنا خمس أحاديث أو عشر أحاديث. فسبحان الله، طبعا هذا الباب يا شباب له علاقة قوية جداً بما قبله، لماذا؟ لأن قبله كان يتكلم عن تفقه قبل أن تسودوا، وعلق عليه البخاري بأنك أنت حتى بعد ما تسود، طيب من أولو العزم من الرسل؟ من أولى العزم من الرسل موسى عليه السلام، وهو الذي اصطفاه الله برسالته وبكلامه ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]، ومع ذلك الله سبحانه وتعالى بين له أن خضراً عنده علم ليس عنده، فذهب وتعلم منه. فهذا مناسب جداً من جميل الترتيب يا شباب باب ما ذكر في ذهاب موسى صلى الله عليه في البحر إلى الخضر، وقوله تعالى.

وقوله تعالى طبعا هو يعني الإسناد القولي إلى القائل في رأيي أقرب، لأن هذا هو قول موسى، أنت مثلاً لما تقول إيه حتى في الشواهد اللغوية تاتي كثيراً، مثلاً وجدت ابن هشام يقول: قال الله تعالى: ﴿هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: 78]، لا، هو الذي قال ذلك هو لوط، وهو كلام الله، لكن الله ذكره عن لوط، فإذا كان هناك كلام ينسب إلى نملة أو إلى إلى نبي من الأنبياء أو إلى الشيطان أو إلى فرعون أسند هذا الكلام إلى صاحبه، كما مثلاً قالت عائشة رضي الله عنها، أو قبلها قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما هو قبل قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]، وقالت عائشة رضي الله عنها: لا أجد لي ولكم إلا قول أبي يوسف، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون.

فالإنسان يسند القول إلى القائل، تقول: قالت نملة يا أيها النملة، مثلاً أنت عايز تتكلم أنت في درس لغة عربية وبتتكلم عن حرف يا النداء فمش لازم تقول قال الله تبارك وتعالى على لسان كذا، لا: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: 18]. ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 23]. أسند الكلام إلى قائله، لأن بعض الناس يقول: قال الله على لسان داود، قال الله على لسان كذا، أنت لا تحتاج هذا أصلاً. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقل قال الله على لسان فلان، وإنما ذكر القول ونسبه إلى صاحبه.

طيب وقول الله تعالى وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِمِّمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: 66]، طبعا هذا قول موسى للخضر. ولاحظ شوف شوف وجه الجمال البخاري يا شباب بينتقل نقولها بالمصطلح البسيط بيصطاد الكلمة التي يريد أن تركز عليها أنت كطالب، شوف بيقول إيه: هل أتبعك؟ يعني موسى عليه السلام، وهذه القصة هي طبعا بعد إيه؟ بعد تمكين موسى، طبعا هذه القصة قطعا بعد إيه؟ بعد ما ربنا نجا موسى من فرعون.

شوفوا جمال البخاري يا شباب في انتزاع الدلالات والله والله ما وجدت أحدا في كتب السنن والمسانيد له تراجم بهذا الجمال يعني مش ما وجدت ذلك، والتركيز على موضع الشاهد. موسى عليه السلام يا شباب بعد ما ربنا نصره على فرعون ومكنه وواضح أن هذه كانت في اواخر عمره صلى الله عليه وسلم، وبعد ده كله بيقول له إيه: هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً؟ والله هذا أجمل شاهد تحت تفقه قبل أن تسودوا وبعد أن تسودوا يا سلام، يعني هو راح يتعلم ويجلس.

سبحان الله طبعا سأتي إن شاء الله بعد ذلك لعلها فيها أيضا الرحلة في طلب العلم، ستاتي إن شاء الله الكلام عن لا يستطاع العلم براحة الجسم.

قال حدثني محمد بن غرير الزهري قال حدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثني أبي، اللي هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف تكلمنا عنه قبل ذلك يروي عن الزهري ويروي عن رجل عن الزهري عن صالح. طبعا روى هنا الحديث هذا عن صالح، عن صالح بن كيسان، طبعا صالح عن الزهري، وصالح بن كيسان عن ابن شهاب اللي هو الزهري. حدث أن عبيد الله بن عبد الله أخبره، عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أخبره عن ابن عباس أنه تمارى هو والحر بن قيس.

إنه تمارى هو والحر بن قيس، المراء يا شباب اللي هو مشتق من المرية يعني في معنى الشك، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَا تُمَارِ فيهم إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: 22]، أو مثلاً اللي هي: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾ [هود: 17]، مثلاً: ﴿بَلْ جَئْنَاکَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [الحجر: 63]، وعيسى عليه السلام ربنا قال ذلك: ﴿عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ۖ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: 34]، فيمتار يعني كل واحد منهم يزعم فيه قول ويشك في قول الآخر، هذا هو معنى الامتراء أن أنت عندك قول وأنا عندي قول.

وأنت تشك في قولي وأنا أشك في قولك، يعني في نوع من الجدال والخصومة، فاختلف الأحزاب من بينهم يعني هذا معناه، وطبعا ذلك عيسى بن مريم قال الحق الذي فيه يمترون. وهم كانوا يمترون فيه بالباطل، يعني كلهم قالوا فيه، اليهود والنصارى، منهم من عبده ومنهم من طعن فيه، المهم أن هذا معنى الآية، معنى الامتراء أن هو فيه إنكار وفيه شيء من الشك والجدال والخصم. تماريت أنا وصاحبي، وهذا لا، خلينا نجيبها من الأول، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال أخبره عن ابن عباس، أخبر الزهري عن ابن عباس، أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن. الحر بن قيس يا شباب هو ابن أخي عيينة بن حصن الفزاري. عيينة بن حصن معروف، والحر بن قيس هذا كان من القراء الذين يثنيهم عمر رضي الله عنه، وسيأتي خبر إن شاء الله جميل جدا لما الحر بن قيس كان عمر بن الخطاب سيبطل بعيينة بن حصن لما كلمه باسلوب ما يليق وطعن فيه، ولكن بعد ذلك ذكره الحر قال إن الله قال لنبيه: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، فسيأتي معنا إن شاء الله.

المهم أن الحر بن قيس كان من العقلاء ومن أهل الفضل الذين يدنيهم عمر، وطبعا بيتناقش هو وصديقه عبد الله بن عباس رضي الله عنه، قال إنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى، قال ابن عباس هو خضر. يبقى الامتراء هنا يا شباب في ماذا؟ من هو صاحب موسى؟ لأن سيأتي عندنا امتراء آخر، سيأتي عندنا في حديث نوف البكالي هذا، سيأتي معنا -مش عارف يا رب يكون صوتي واضح لأني بعيد شوية عن التليفون بس إن شاء الله يكون الصوت واضح- في حديث سيأتي معنا قصة قريبة جدا يرويها سعيد بن جبير، حصل تماري بين سعيد بن جبير ونوفل البكالي، نوفل البكالي كان يزعم أن موسى الذي موجود في هذه القصة غير موسى بنو إسرائيل، وواضح وسيأتي معنا إن شاء الله هذا الحديث برقم 122 في نسختي أنا، تقريبا 126، يعني أنا النسخة اللي معايا دار التأصيل مختلفة شوية عن نسخة دار الرسالة.

فسيأتي معنا إن شاء الله وكما قلت لكم أن هذه القصة موجودة أن موسى وفتاه كان يمشيان في البر، وموسى ركب مع الخضر البحر، فهل يقصد أن من جملة القصة أن سيدنا موسى ركب البحر؟ لعلّه يقصد ذلك. البخاري عليه رحمة الله قال: تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سال موسى السبيل إلى لقيه، هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر شأنه؟ هل عندك حديث فيه الرجوع طبعا إلى أهل العلم أن هو رجع إلى... لا أنا أسف معلش أنا مش مركز شوية، خليني أجبلكوا الحديث من الأول عشان نضبطه.

عن عبيد الله بن عبد الله أخبره عن ابن عباس، أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى، قال ابن عباس هو خضر. خلاص لم يذكر القول الآخر، يعني لم يذكر ابن عباس قال هو خضر، طيب الحر بن قيس لم تذكر مقالته. قال: فمر بهما -مر بالاثنين دول وهم واقفين بيتناقشوا ابن عباس والحر- أبي بن كعب، أبي بن كعب الأنصاري يعني من أكبر أئمة القرآن من الصحابة رضي الله عنه، الأنصاري الخزرجي رضي الله عنه، وهو الذي أمر الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يقرا عليه، اللي هي لما قال: سماني الله لك وبك، رضي الله عنه وصلى الله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

فدعاه ابن عباس، ابن عباس دعا أبي بن كعب عشان يفصل بينهم فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سال موسى السبيل إلى لقيه، قال: هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر شأنه؟ قال: نعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بينما موسى في ملأ من بني اسرائيل جاءه رجل... طبعا الشباب كل هذا الحديث سيأتي معنا كاملا إن شاء الله ولكن احنا سنلتقي فقط.

والخضر نفسه يا شباب سيأتي عندنا أبواب خاصة بالخضر ستاتي عندنا، وسنتكلم هل هو نبي أم رجل صالح فقط وليس نبيا؟ هل مات أم لا؟ لان بعض الناس بيدعي أن هو لم يمت، في سبب تسميته الخضر، كل هذا سيأتي معنا إن شاء الله في أبواب أخرى. طيب يبقى احنا اتفقنا أن عندنا نوعين من المماراة هنا: النوع الأول حصل بين ابن عباس والحر في صاحب موسى. طب في مماراة أخرى بين سعيد بن جبير ونوفل البكالي: هل موسى هذا هو موسى بني إسرائيل ولا موسى آخر؟

قال الحديث من أوله: هل تعلم أحدا أعلم منك؟ قال موسى: لا، فأوحى الله إلى موسى: بلى، هناك من هو أعلم منك -لا تنفي ذلك- عبدنا خضر، فسأل موسى السبيل إليه فجعل... شوف البخاري اختصر هذه الرواية زي الإبداع لأنه كان يقصد فقط شيء معنى واحد فقط، وهو أن موسى مع سيادته ومع فضله وهو من أولى العزم واصطفاه الله برسالاته وكلامه ذهب ليتعلم بعد كل هذا السن، في آخر عمره -شوف الشواهد يا شباب عشان تشوف إبداع البخاري- في آخر عمره وبعد أن نصره الله ومكنه وبعد إسناد وبعد وبعد وبعد وبعد كل هذا.

لأن سورة الكهف يا شباب لو أنت تفكرت فيها ستجد أن هي سورة أصلا ذكرت أنواع الفتن الأمور التي يمتحن بها الناس: فتنة الشباب مثلا، فآوا إلى الكهف الفتية أنهم فتية آمنوا برَبِّهِمْ ومع ذلك نشأوا في طاعة الله. والفتنة الثانية فتنة المال، وأضرب لهم مثلا رجلين وضرب معها قصة الصحابة المستضعفين وقالوا المال والبنون زينة الحياة الدنيا. وفتنة الملك ذو القرنين أن الله سبحانه وتعالى مكن له ومع ذلك اتقى الله. وفتنة العلم، والله سبحانه وتعالى علم موسى وأدبه تبارك وتعالى.

فالفتنة هنا يا شباب معناها الامتحان، الله سبحانه وتعالى يمتحن أنبيائه بما شاء: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ [ص: 34] وقال الله لموسى: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: 40]، ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ [ص: 24]. ففتن هنا بمعنى الاختبار، مش معناه أن هو فتن يعني فهم. فشوف وجه الإدلال: هل أتبعك؟ فهذا هو وجه الشاهد إن شاء الله، بقى سياتينا التعليق على هذه القصة.

ماذا يستفيد الطالب من هذه القصة يا شباب؟ أول شيء أن التماري إذا قصد منه طلب الحق فليس مذموما، التماري اللي هو المناقشة، والتماري ينبغي أن يكون بحجة لذلك ربنا قال: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيْهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: 22]. إذا لم يكن عندك حجة لا تماري ولا تناقش ولا تجادل لا تسكت. الأمر الثاني الاحتكام إلى أهل العلم لما احتكموا إلى أبيّ. الأمر الثالث عمل أن ابن عباس بخبر الواحد، اللي هو خبر أبي بن كعب. كذلك التواضع في العلم، سيدنا موسى ذهب وتعلم، وفيه كذلك أنه تأدب بأدب العلم، قال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمِمِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: 66]. لم يقل له أنا موسى أنا النبي أنا كذا، لم يجلس أمامه جلسة الند المنافس لا.

وهذا يا شباب يفعله كثير ممن بلغ في العلم شيئا، إذا ذهب ليحضر محاضرة لا يجلس محاضرة المنتفع أو المستفيد، لي مثلا يتصل بيك عشان يستفيد منك في علم ويكلمك يعني هو وهو رافع مناخيره فوق، لا هذا ليس حسنا، حتى لو كنت أنت أعلم الناس إذا كنت تتعلم فاجلس جلسة المتعلم لا تجلس جلسة الند أو المستنكح أو المستكبر أو... يعني تأدب لله، ما تواضع أحد لله إلا رفعه.

فيه كذلك شباب الحديث فيه فوائد كثيرة جدا، ولكن خلينا نجعل كل فائدة في وقتها إن شاء الله، سياتي عندنا الكلام عن الفوائد المستنبطة من هذه القصة لطالب العلم ولكن في موضعها. خلاص، أظن الحديث هذا لا نحتاج أن نعلق عليه بأكثر من ذلك.

طيب ماشي كمل رمضان، خلي اليوم النهارة كله معاك رمضان، وإن شاء الله غدا نشوف أخ... آخر تفضل.

باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم علمه الكتاب. حدثنا أبو معمر قال: حدثنا عبد الوارث قال: حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس قال: ضمني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «اللهم علمه الكتاب».

بارك الله فيك. هذا الباب يا شباب، هذا الباب بداية اللهم علمه الكتاب، الكتاب هو القرآن، وفي رواية جاءت الحكمة ولكن الرواية ستاتي معنا إن شاء الله، رواية الحكمة موجودة في البخاري في رواية أخرى: اللهم فقهه في الدين، هذه رواية ثابتة. في رواية جاءت أستاذة معنا في سبب هذا الحديث، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الخلاء فابن عباس وضع له وضوءه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من وضع هذا؟ فأخبر. وفي رواية أن زوجة النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته فقال: اللهم فقهه في الدين.

وطبعا الكتاب واضح أن هو القرآن، والنبي صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس بأن يتفقه في القرآن وأن يعلم القرآن. فهذا شباب فيه دلالتان عظيمتان ركز فيهما بقى أنت كطالب علم: أول شيء أن أعظم علم يتعلمه إنسان هو كتاب الله تبارك وتعالى، ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: 2]. أعظم ما يمكن أن يتعلمه إنسان في الحياة. طب الأمر الثاني يا شباب دعاء الله تبارك وتعالى أن يععلمك الكتاب والحكمة. يبقى أنت كطالب علم محتاج الأمرين دول، أن تعرف قيمة العلم بكتاب الله، وكل ما يعين عليه، والامر الثاني هو أن تكثر من الدعاء وأن تدعو لمن تحب بأن يعلمه الله الكتاب. النبي صلى الله عليه وسلم لما أعجبه هذا الصنيع من ابن عباس دعا له، وهذا يكفي، وهذا يكفي. واضح وجه الدلالة منه في كتاب العلم أو في فضل العلم.

حدثنا أبو معمر هو طبعا أبو معمر هذا اللي هو عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج، هو بصري ثقة ثبت لكن تأثر بعبد الوارث. عبد الوارث طبعا كان ممن نشر مذهب القدر، يعني كان قريبا من قول المعتزلة في القدر أن الله لم يخلق أفعال العباد، وكثير من أهل البصرة للأسف دخل في هذه البدعة، ولكنهم لم يكونوا كالمعتزلة فيها، ولكن بشكل عام أنكر عليهم العلماء تلك البدع. فأبو معمر هذا ثقه وثقة بالذات في عبد الوارث، ولكنه طبعا تأثر، هو لقبه المقعد اللي هو لقب أبو معمر، وعبد الوارث اللي هو عبد الوارث بن سعيد -أنا أسف- عبد الوارث هذا عبد الوارث بن سعيد اللي هو والد عبد الصمد، يعني احنا عندنا عبد الصمد بن عبد الوارث هذا ياتي، هذا عبد الوارث أبوه، يبقى هذا اسمه عبد الوارث ابن سعيد هو بصري وثقه رمي بالقدر، يعني بعض الناس قال إنه رجع عنه لكن أنا ما وجدت ذلك باسناد صحيح.

قال ملاحظ أن الترجمة هذه يا شباب جزء من الحديث، جزء من الحديث اللي هي قول النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم علمه الكتاب. قال حدثنا خالد هو خالد بن مهران الحذاء، هذا أبو المنازل كنيته أبو المنازل، ثقه عابد هو أيضا بصري. عن عكرمة، عكرمة مولى ابن عباس، عكرمة في الأصل مغربي بربري يعني من البربر، ومن المكثرين عن ابن عباس، ثقه حافظ، لكنه كان يرى رأي الخوارج وثبتت له هذه البدعة وإن كان بعض العلماء نفاها عنه ولكن هي ثابتة عنده، وبعض العلماء تحاشاها، مالك مثلا كان في أكثر الروايات عنه لا يذكر اسمه لهذه البدعة، والبخاري رجح أنه ثقه ولذلك خرج عنه كثيرا، والامام مسلم روى له مقرونا.

وبشكل عام يا شباب ترجمة عكرمة من أحسن التراجم التي يتدرب عليها طالب العلم الذي يدرس علم الرجال، لكونها حصل فيها خلاف لأنه بعض الرواة نقل أن ابن عمر كذبه، وبعض الرواة نقل عنه بدعة اللي هي الخوارج. فأنت بقى تشوف كيف أن العلماء مع ذلك وثقوه وردوا على من ضعفه، ويعني ترجمته مهمة جدا يا شباب ترجمة عكرمة، لكن هو عموما ثقة في رواياته عن ابن عباس، وثقة عموما، هو طبعا مفسر كذلك يعني له روايات في التفسير عن ابن عباس.

قال: ضمني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «اللهم علمه الكتاب». أظن وجه الشاهد معروف، والبخاري سيكرر هذا الحديث.

كمل رمضان.

طيب اقرا يا وئام لو معانا يا وئام لا اللي بعده.

باب متى يصح سماع الصغير. حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن عباس قال: أقبلت راكبا على حمار أتان، وأنا يومئذ قد نهزت الاحتلام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بمنَى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، وأرسلت الأتان ترتع، فدخلت فدخلت في

الصف فلم فلم ينكر ذلك علي بارك الله فيك.

طيب إيه رأيك تقرأ الحديث الثاني أيضاً عشان بالمرة لأنه في الباب أفضل؟ طيب، حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا أبو مسهر قال حدثني محمد بن حرب قال حدثني الزبيدي عن الزهري عن محمود بن الربيع قال: عقلت من النبي صلى الله عليه وسلم مجة مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو.

طيب بارك الله فيك. هذا الباب يا شباب نلاحظ أن البخاري قال: باب متى يصح سماع الصغير. شوف البخاري أحياناً إذا كانت المسألة فيها خلاف يذكرها بهذه الطريقة؛ بطريقة السؤال، لكنه لا شك سيذكر شواهد تحت هذا الباب تدل على ما يرجحه في هذا الخلاف. الصغير هنا في بعض الروايات الصبي، وفي بعض الروايات الصبي الصغير كمان. خلاصة ما يريد أن يقوله البخاري أن الصبي أو الصغير متى عقل شيئاً وكان أهلاً له فإنه يصح سماعه، بمعنى يقبل سماعه، واضح؟ يعني لا يرجع هذا إلى سن معينة، يعني متى مثلاً صح له سماعه؟ يعني متى عقل ورأيناه منه ذلك يصح؟ طبعا هذا موجود في رواية الحديث.

فالقاضي عياض مثلاً لما كان بيعلق على هذه القضية قال: متى ضبط ما سمعه صح سماعه بلا خلاف. وأنت لو نظرت مثلاً في الصحابة، كان في جماعة من الصحابة كانوا صغاراً يوم توفي النبي صلى الله عليه وسلم، منهم الحسن بن علي، وعبد الله بن الزبير، والمسور بن مخرمة، وعمر بن أبي سلمة، والسائب بن يزيد، وأبو الطفيل عامر بن واثلة وهو آخر الصحابة موتاً، والنعمان بن بشير، وغير هؤلاء، ويعني كان أغلبهم تحت سن عشر سنوات لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك في صحابة مثلاً زي محمود بن لبيد أيضاً هو أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وكان صغيراً جداً لا يميز.

وفي قصة معروفة جداً أن عبد الله بن أحمد قال: سألت أبي متى يجوز سماع الصبي في الحديث؟ قال: إذا عقل وضبط. شفتوا الإام احمد قال: إذا عقل وضبط. قلت: فإنه بلغني عن رجل سميته -طبعاً هو ابن معين- أنه قال: لا يجوز سماعه حتى يكون له خمس عشرة سنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رد البراء وابن عمر استصغر يوم بدر فأنكر قوله هذا وقال: بئس القول. وحاجة غريبة كيف يقيس الرواية على الجهاد؟ فأنكر قوله هذا وقال: بئس القول، يجوز سماعه إذا عقل. فكيف يصنع بسفيان بن عيينة ووكيع؟ وذكر أيضاً أقواماً.

فالإمام أحمد هنا أنكر المذهب الذي حكي له عن ابن معين بأنه حد الغلام في كتابة الحديث أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة. والإمام أحمد قال: لا، في بعض الروايات إنما ذلك في القتال، هذا شيء وهذا شيء آخر. فيعني عايز يقول أن هذا الاستدلال غير صالح.

والأقرب والله أعلم أن ابن معين نفسه أيضاً لا يضاعف الرواية بمجرد أن الراوي سمع وهو صغير، لا، وإنما قد يعلل بأن هو سمع صغيراً ليؤكد أنه لم يضبط، لا أن كل من سمع صغيراً ينبغي ألا يضبط. وابن معين نفسه لما ذكر الرواة عن سفيان الثوري ذكر منهم قبيصة وأبو أحمد الزبييري ويحيى بن آدم والفريابي، وذكر أن هؤلاء سماعهم قريب من السواء؛ فقيل له تلميذه: فابو داوود الحفري؟ قال: كان أبو داوود خيراً من كل هؤلاء وكان أصغرهم سناً. هذه في التاريخ عن يحيى بن معين. فكانه بيقول هنا إيه: طب ما هو رجحه على هؤلاء ومع أنه كان أصغر سناً! فواضح جداً أن هو كان عنده لما يعلل أن فلاناً مثلاً يضاعفه بصغر السن ليس معناها لكونه صغير السن لم يحفظ، لا، وإنما هو لم يحفظ. وعدد من الرواة مثل سفيان بن عيينة وغيره سمع وهو صغير وروايته صحيحة.

يبقى إذاً يا شباب خلاصة ما يريد أن يقوله البخاري أن الصبي إذا عقل وميز فهذا يقبل سماعه، ولا يشترط منه البلوغ أو سن معين. والدليل أن هو لو كان بالغاً ولم يكن ضابطاً لن نقبل؛ فالمناط العقل وليس السن.

قال حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، خلاص عرفنا بقى يا إسماعيل، تكلمنا عنه كثيراً. حدثني مالك عن ابن شهاب. هذا الطريق مر معنا كثيراً يا شباب، المفروض تكونوا حفظتوه بقى، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبه عن ابن عباس قال: أقبلت راكباً على حمار أتان -يعني اللي هي أنثى الحمار- وأنا يومئذ -وهذا هو محل الشاهد- قد ناهزت الاحتلام -قاربت أو دنوت- ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بمنى إلى غير جدار -إلى غير ستارة- فمررت بين يدي بعض الصف -عديت أمام الصف- وأرسلت الأتان ترتع -سابها الأتان تطوف على العشب وتاكل كده- فدخلت في الصف فلم ينكر ذلك علي. فلم ينكر ذلك علي.

هذه سنة تقريرية، هذا مثال للسنة التقريرية يا شباب. لم ينكروا عليه، لا بعد الصلاة، لا في الصلاة ولا بعد الصلاة. وسياتي إن شاء الله عندنا في أبواب سترة المصلي، باب سترة الإمام، سترة لمن خلفه، سياتي معنا إن شاء الله. وجه الشاهد واضح جداً أنه كان ناهز الاحتلام -يعني اقترب من الاحتلام- كان سنه صغيراً ومع ذلك عقل هذا المشهد ورواه لنا، والعلماء خرجوه في الصحيح.

طيب الحديث اللي بعده: حدثنا محمد بن يوسف، محمد بن يوسف هذا البيكندي البخاري من بخارى أيضاً، قال حدثنا أبو مسهر، أبو مسهر الدمشقي هذا عبد الأعلى بن مسهر، إمام ناقد مرجع لأهل الشام في النقد من كبار الأئمة، وكان هو مرجع العلماء في الرواية. الشاميون كانوا ثقةً ثبتاً، وحمل على فتنة القران فتنة خلق القرآن فأبى وسجن إلى أن مات عليه رحمه الله، وكان متقناً ومتفقاً على إمامته. لقيه البخاري وحدث عنه، ولكن البخاري يحدث عن رجل عنه، البخاري لقيه في آخر عمر أبي مسهر، والبخاري يحدث عن رجل عنه عليه رحمه الله. أبو مسهر من كبار النقاد.

قال حدثنا أبو مسهر قال حدثني محمد بن حرب، محمد بن حرب هذا الخولاني حمصي، هو كاتب الزبيدي. الزبيدي الذي معانا في هذا الحديث يا شباب، هو محمد بن الوليد الحمصي، هذا من المقدمين في الزهري، يعني أحد الثقات الحفاظ ولكنه مقدم في الزبيدي. محمد بن حرب هذا كاتب الزبيدي طبعاً هو حمصي أيضاً.

قال حدثنا الزبيدي محمد بن الوليد عن الزهري عن محمود بن الربيع الأنصاري الخزرجي. عامة روايات محمود رضي الله عنه هي عن الصحابة؛ لأنه معدود في طبقة كبار التابعين، له رؤية للنبي صلى الله عليه وسلم. وحديثه هذا الذي اختصره البخاري -شوف يا الله أنت لو قرأت هذا الحديث تقول: كيف انتزع البخاري منه هذا الشاهد؟- الحديث هذا طويل يا شباب، حديث طويل يأتينا حديث عتبان بن مالك يأتي عندنا برقم 189 و185، حديث طويل جداً، انتزع منه البخاري ما يليق هنا بالشاهد.

عن محمود بن الربيع قال: عقلت -هذا هو وجه الشاهد- عقلت -يعني حفظت وعيت، فالاعتبار بما عقل- عقلت من النبي صلى الله عليه وسلم مجة مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين.

طيب هذه الرواية يا شباب اللي هي بالتحديد اختارها البخاري ليه؟ لأن ذكر السن في هذه الرواية تفرد به الزبيدي؛ فالذين رووا هذه الرواية عن الزهري لم يذكروا هذا السن تحديدا،ً اللي هو وأنا ابن خمس سنين، وهذا وجه الشاهد؛ لأنه هو عنده خمس سنوات عقله، فيبقى الاعتبار بالعقل أو بالضبط. فمحمود هنا نقل فعلا عن النبي صلى الله عليه وسلم المج، وبخاري استدل به.

وبعض الناس استدرك على البخاري، قال: كان الأولى أنك أنت تستدل بقصه ابن الزبير ستاتي معنا هي 3720 ستاتي معنا إن شاء الله. ولكن الشاهد من رواية محمود بن الربيع أقوى من الشاهد من رواية ابن الزبير؛ لأنه حكى فعلاً يفعله النبي عليه الصلاه والسلام، واضح؟ إنما الرواية الأخرى فيها قصة ليس فيها الحديث المرفوع هذا.

طيب، يبقى خلاص، أظن كده إحنا تكلمنا عن وجه الشاهد هنا: أن هذا الخبر يستدل به على أن أولاً ناهز الاحتلام اللي هو ابن عباس -يعني اقترب منه- والثاني أنه ابن خمس سنين، فبالتالي السن هنا ليس له مناط أو ليس هو المناط، وإنما المناط هو الضبط أو الحفظ.

لكن أنا في رأيي يا شباب أن هذا الحديث يمكن أن ننتفع منه بأكثر من ذلك، وهو أن يوجه الوالد ولده للتعلم في الصغر، وأن يعلم ولده ما يحتاجه وما ينفعه أحسن. وذلك هو القرآن ولسان العرب والحديث والخلق. وكثير من الآباء للاسف يدفع ولده بداية لقراءة كتب الفكر وكتب مش عارف الفرق والكلام ده، بداية غلط تماماً، وإنما يبدأ مع ولده بمحكمات الإسلام ولسان العرب ومثلاً الشعر والقران والحديث والخلق، هذا هو الذي ينبغي أن يبدأ به.

طيب ماشي، ممكن ندخل في الحديث اللي بعده. مين معانا؟ معانا عبد رمضان ولا خلصت إفطار يا رمضان ولا لسه؟ - لا لم أفطر. - ما أنت رحت بقى غبت يا أما تكون فطرت يا أما تكون كنت نايم، خدت لك تعسيلة كده. في مرة كان في مرة واحد رمضان شاب معانا كده بيحضر فقال لي يعني كنا في الدرس فقال لي: يا شيخ ممكن بس أنام لي 10 ساعات، أغفل 10 ساعات وأجي أكمل الدرس؟ عايز يعني إنسان بيغفل خمس دقائق مثلاً ده أخذ له تغفيلة 10 ساعات.

إفتر يا رمضان.

الخروج في طلب العلم: رحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد. حدثنا أبو القاسم خالد بن خلي قال حدثنا محمد بن حرب قال قال الأوزاعي أخبرنا الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبه بن مسعود عن ابن عباس أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى، فمر بهما أبي بن كعب فدعاه ابن عباس فقال: إنّي تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقيه، هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر شأنه؟ فقال أبي: نعم، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر شأنه يقول: بينما موسى في ملإ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل فقال: أتعلم أحداً أعلم منك؟ قال موسى: لا، فأوحى الله عز وجل إلى موسى: بلى، عبدنا خضر. فسأل السبيل إلى لقيه، فجعل الله له الحوت آية، وقيل له: إذا فقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه. فكان موسى صلى الله عليه وسلم يتبع أثر الحوت في البحر، فقال فتى موسى لموسى: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: 63]. قال موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً﴾ [الكهف: 64]. فوجدا خضراً فكان من شانه ما قص الله في كتابه.

بارك الله فيك. باب الخروج في طلب العلم: هذا الباب يتكلم فيه البخاري لا شك عن العالم والمتعلم. المتعلم واضح أن المتعلم يخرج ويتحرك، وفيها الحديث الذي سبق وتكلمنا لماذا لم يخرجه البخاري، اللي هو: من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً. وفيه الرحلة في طلب العلم، وأئمة الإسلام ضربوا أعظم الأمثال في ذلك في طلب العلو في الإسناد من جهة، وفي طلب العلم من جهة.

يعني إيه يا شباب؟ يعني هم يخرجون إما لينالوا علماً، أو أن يكون عندهم نفس العلم ولكن يرحلون لتحقيق علو الإسناد مثلاً. يحيى القطان مثلاً سمع من الأعمش، من سفيان الثوري عن الأعمش، فيذهب يسمع من الأعمش مثلاً. فهذه الرحلة إما لنيل العلم، أو للعلو في العلم، واضح؟ فهذا مناسب جداً معروف لطالب العلم. لكنه قصد هنا العالم كذلك، أن العالم يرحل ويتحرك ويتعلم ويطلب العلو في الإسناد.

قال: ورحل جابر. جابر بن عبد الله، طبعاً جابر بن عبد الله الأنصاري، ورحل هنا ذكرها بصيغة الجزم، رحل، يعني هو البخاري جزم بهذا. وهذا الحديث مروي، رواه البخاري في كتاب الأدب المفرد برقم 970، ورواه أحمد كذلك وغير هؤلاء. رواه من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل -أو ابن أقصد بن عقيل، لا، أظن ابن عقيل؛ لأن عقيل، نعم ابن عقيل؛ لأن عقيل هو بس عقيل بن أبي خالد الأيلي، إنما الباقي عقيل، فلعل هذا ضبط عقيل- رواه عن جابر أنه قال: بلغني عن رجل حديثاً سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاشتريت بعيراً ثم شددت رحلي فسرت إليه شهراً حتى قدمت الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له جابر على الباب. فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم. فخرج فاعتنقني فقلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فخشيت أن أموت قبل أن...

فقال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يحشر الله الناس يوم القيامة عراة»، فيناديهم بصوت يسمعه من قرب فيقول: أنا الملك، الحديث.

وهذا الحديث -ركزوا بقى يا شباب؛ لأن هذا الحديث سيتكرر معنا في كتاب التوحيد، ولكن البخاري سيعلق بصيغة التمريض؛ فيقول: يذكر، فهنا ذكره بصيغة الجزم؛ لأنه قصد الرحلة، التي هي الرحلة هذه، ولكن في كتاب التوحيد، طبعة الرسالة عندنا، لو طبعة الرسالة؛ عشان أغلبكم معاه الطبعة دي، هيكون حديث يعني 1714، أقصى الصفحة آسف مش الحديث عشان خلينا لأن هو معلق مالوش رقم، فلو أنت جبت صفحة 1714، ستجد أن البخاري علق هذا بصيغة التمريض.

فابن حجر -رحمه الله- بقى علق هنا تعليقاً ينبغي أن ننبه عليه يا شباب؛ ابن حجر -رحمه الله- يعني ذكر أن البخاري لم يجزم برواية كتاب التوحيد؛ عشان لفظ الصوت، يعني بيقول: إن هذا اللفظ يعني يتوقف في إطلاقه على الله، وهذا ليس صحيحاً، البخاري لم يعلق هذا الحديث بصيغة التمريض لأجل ذلك، البخاري يثبت الصوت لله، وأثبته في خلق أفعال العباد، وقرر ذلك، وذكر له شواهده هناك، واضح؟

فالله تبارك وتعالى يتكلم بصوت، والله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء، فدعوى البخاري ابن حجر -عليه رحمه الله- بأن البخاري علقه لكونه يشكك في ذلك اللفظ أو لكونه لا يريد هذا لا يصح، والبخاري نفسه يثبت الصوت لله تبارك وتعالى، كما في كتابه خلق أفعال العباد، وإن شاء الله لما يأتي الكتاب سنعلق عليه.

طيب، لماذا علقه البخاري بصيغة التمريض؟ الله أعلم، الذي ظهر لي أن البخاري لكونه اختصر الرواية علقه بهذه الصيغة، والبخاري يفعل ذلك أحياناً، لكن البخاري خرج نفس الحديث في كتاب الأدب المفرد، ويعني أنا استغربت شوية لماذا ابن حجر يقول إن البخاري يعني لم يجزم به لأجل لفظ الصوت أو كذا، مع أنه أساساً البخاري لما خرج هذا الحديث في خلق أفعال العباد، إنما خرجه ليثبت ذلك أصلاً.

طيب، المهم الحديث هذا يا شباب شاهد على فكرة الرحلة في طلب العلم، وعندنا كتاب للخطيب البغدادي فيه شواهد كثيرة جداً عن أئمة الحديث، وكتاب الإرشادات في تقوية الحديث بالشواهد والمتابعات للشيخ طارق عوض الله من بداية الكتاب إلى صفحة 16 أيضاً فيه كيف رحل العلماء في التثبت من الحديث وفي حمل العلم وغير ذلك، وهذا يستفيد منه الطالب يا شباب، كثير من الطلاب لا يتحرك من مكانه، والله لو عرف أن في مثلاً من أهل العلم جاء يعطي محاضرة يكسل، يقول لك: طيب أنا باسماعها في اليوتيوب، مين لقاء يا شباب؟ لقاء العلماء ولقاء أهل العلم، والله انك لتفيد من العالم من سمته وخلقه أكثر من علمه والمعلومات التي يعطيك إياها، وربما أكبر ثغرة في الدراسة عن بعد هي أن يفقد الطالب لقاء أهل العلم وأهل الخير.

هذا اللقاء يا شباب من أحسن ما يكون، فيه بركة وفيه استفادة في العلم وفيه استفادة من هديه وطريقة دراسته، لو كنت مثلاً بتبات معاه أو عايش معاه تستفيد منه كبيراً جداً يعلي همتك، فلا تزهد في هذا.

طيب، قال: ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد، يعني يقول: حديث واحد فقط رحل فيه كل هذا، فكيف بانسان يتوفر له أبواب من العلم ولا يريد أن يرحل، لا يريد أن يتحرك من مكانه؟

كثير من الطلاب يا شباب والله العظيم لا ينفق في العلم أي شيء، يعني أنا أعرف شباب ممكن يروح يشتري حذاء مثلاً بـ 2000 مثلاً من عملة بلدي، ممكن يشتري بـ 500 دولار حذاء ما عندوش أي مشكلة، وبعد كده تقول له مثلاً ده احنا هندرس في كتاب بيتباع مثلاً بـ 10 دولار والله ما يشتريه، ده أبسط الأمثلة، ولا يفكر إلا في لبسه وأكله ونزهته، ويطلع رحلة بيدفع فيها مثلاً 500 دولار ولا كذا ولا كذا، وأول ما تيجي تقول له كتاب ما يفكرش أنه يشتري، فلا يستطاع العلم بهذا، لا يستطاع العلم براحة الجسم، ولا يستطاع العلم بأنك أنت تزهد فيه، وتزهد في أهل العلم، وتزهد في الكتب، ده الواحد بيكون عنده ثلاث نسخ من الكتب، ويعرف أن في نسخة محترمة ستضيف له شيئاً وبيشتري، أنت بقى مش عايز تشتري النسخة وترروح تعايش على البي دي إف.

أنا عن نفسي يعني أرى أن أي كتاب تستطيع أنك تشتريه وبإمكانك أنك تشتريه وهو الكتاب له حقوق محفوظة، أرى أنك أنت لا يجوز لك أنك أنت تقراه من الإنترنت مادام أنت تستطيع أنك تشتريه.

طيب، نرجع بقى تاني، قال: حدثنا أبو القاسم خالد بن خلي، هذا حمصي، قال: حدثنا محمد بن حرب -اللي هو اللي سبق معنا- قال: قال الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو الشامي الإمام الإمام الكبير، هو الأوزاعي ليس مقدماً في الزهري ولكن يعني تابعه في هذه الرواية صالح، قال: أخبرنا الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، طبعا عن ابن عباس، أنه تمارى هو والحر بن قيس، سبقت معنا دي كلها.

طبعا عبد الله بن أنيس اللي في الحديث، اللي هو الأثر ده يا شباب الجهني قال: أنه تمارى حر بن قيس، مر معنا هذا الحديث، نشوف هنقف في إيه.

طيب، هذا الحديث فيه شواهد فقط يا شباب، اللي هي في الرحلة في طلب العلم، وأن موسى طلب الازدياد من العلم، وفيه مشقة في طلب العلم وصبر عليها، مع كون -شوف وجه الشاهد هنا قوي يا شباب- أن هو لم يتكلم عن موسى كطالب علم، لا، تكلم عن موسى كعالم وكأحد أئمة الهدى وأحد السابقين، أقصى أولي العزم من الرسل، ومع ذلك لما طلب الازدياد من العلم ورحل وحصل مشقة طويلة جداً في الرحلة وصبر وتعلم، فهمنا يا شباب؟

طيب، ندخل في الحديث اللي بعده، أفضل رمضان، باب فضل من علم وعلم.

حدثنا محمد بن العلا، قال: حدثنا حماد بن أسامة عن بريد بن عبد الله عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضاً فكان منها نقيّة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت الكلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به».

قال أبو عبد الله: قال إسحاق: «وكان منها طائفة قيلت الماء»: قاع يعلوه الماء والصفصاف.

باب فضل من علم وعلم، نلاحظ هنا أن هو البخاري لا يريد أن يترك باباً يمكن أن يضيف إلى طالب العلم إلا وذكر منه علماً.

هذا الباب، هذا الحديث يا شباب هو يعني إذا أنت تريد أن تكلم الناس عن العلم كلاماً جامعاً وتريد أن تختار حديثاً واحداً، هذا أشرف حديث جامع للعلم، يعني هذا الحديث أنا كل دورة لابد أن أذكر هذا الحديث، لا أذكر أني في دورة من الدورات لم أذكر هذا الحديث؛ لأنه جامع لأعلى صنف انتفع من هدي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

شوف بيقول إيه: باب فضل من علم وعلم، يعني كأنه يقول لك: لن يتم لك الخير بطلب العلم إلا بأن تبثه وأن تنشره، وهذا يستدعي أنك تتعلم كيف تعلم، وتوطن نفسك على أن يكون تعليم العلم جزءاً من حياتك.

بداية خلينا نقف مع الإسناد وقفة سريعة.

طبعا حديث حديث الشباب، اللي هو حديث موسى والخضر، هذا سياتي معنا أيضاً في التفسير، فأنا يعني ما تكلمت عنه هو مليء بالفوائد ولكن سأتكلم عنه في كل موضع بما يليق إن شاء الله، عشان ما فيش حد يفكر أن احنا فوتنا الفوائد اللي فيه، لا، هذه الحديث مع الآيات سيكون لنا فيه شأن طويل إن شاء الله.

قال: حدثنا محمد بن علاء، خلاص هو أبو كريب مشهور بكنيته معروف كوفي، حماد بن أسامة هذا أيضاً مشهور بكنيته، كنيته أبو أسامة عن بريد بن عبد الله، بريد بن عبد الله بن أبي بردة كوفي طبعا وبيروي عن جده، جده اللي هو أبو بردة، أبو بردة بن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه كوفي أيضاً، عن أبي موسى الصحابي الكريم عن النبي عليه وسلم.

الحديث نلاحظ طبعا خلينا الحديث هذا حصل خلاف في ألفاده كثير في الألفاظ.

خلينا نقف مع هذا الحديث وقفة يعني أنا والله لو تكلمت عن هذا الحديث هنأخذ وقت طويل، ولكن هنلتزم أول شيء يا شباب: النبي صلى الله عليه وسلم شبه الخير الذي جاء به الهدى والعلم بالغيث الكثير، وهكذا القرآن، القرآن غيث، يعني كان الناس شوف شب الناس قبل الغيث بيكونوا عطشة وفي حاجة إليه، يبقى دي أول فكرة، أول فكرة مهمة في هذا الحديث حال الناس قبل النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الذي بدأ به الشافعي رحمه الله كتابه في الرسالة: حال الناس قبل النبي صلى الله عليه وسلم يشبه حال الناس قبل نزول الغيث؛ في حاجة وفقر وعندهم نقص، كذلك الناس يجمعهم الكفر والبدعة، فجاء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بخير رسالة كالغيث الكثير، الغيث الكثير ده بقى يعني معناه أن هو يشمل كل ما يحتاجه الإنسان في دينه، الغيث الكثير فيه الهدى والبينات والفرقان.

طيب، أصاب أرضاً، يبقى هذا الغيث يصيب الأرض، هذا الغيث وحده لن ينفع إلا بأن تكون الأرض قابلة له، الدليل أن هذا الغيث ينزل على أنواع أو أصناف الأرض ولا تنتفع منه، يبقى إذا القرآن لا ينفع، والهدى الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم لا ينفع إلا من كان قلبه قابلاً لهذا الهدى، كما بالضبط الأرض.

فكان منها نقيّة، في رواية طبعا عند مسلم طيبة وهذه أغلب الروايات يعني، وققبلت الماء، يبقى هذا هو قبول الماء بالضبط الإنسان الذي تلي عليه الوحي، إذا قبل الوحي بهذه هي الباية، قبله أحبه آمن به، يبقى هذا هو أول أمر، طب وبعدين؟ فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، هو الأثر، هذا هو الأثر الذي يحصل مع التقاء الوحي التقاء الأول المطر مع الأرض الطيبة، اللي حصل ثمره وأثر جميل كده، فانظر إلى آثار رحمة الله، هذا بالضبط إذا التقى الوحي مع القلب السليم المريد للهدى لابد أن يثمر، مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، هو يعني العشب هو من يعني العشب من الكلأ ولكن الكلأ هو النبات والعشب مع بعض، سواء الرطب أو اليابس، الكلأ بقى هو الرطب، أقصى آسف العشب هو الكلا الرطب أو هو النبات الرطب.

فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، هذا يؤكد أن هذه الأرض أثمرت، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، وفي روايات أخاذ وهي الأرض التي تمسك الماء، قال: وكانت منها أجادب، وواضح يعني أن الأجادب جمع أجدب وهي الأرض الصلبة التي لا تمسك ماءً أو الأرض التي لا نبات فيها.

طيب، أمسكت الماء، يبقى هي ما فيش نبات فيها ولكن أصبحت يعني بتحفظ الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وفي رواية عند أحمد: فشربوا ورووا وسقوا وزرعوا وأسقوا، والرواية دي كمان يا شباب أشمل، يعني شوف شربوا ورووا وسقوا وزرعوا وأسقوا، يعني أسقوا غيرهم.

قال: فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى -الطائفة اللي هي القطعة- إنما هي قيعان، إنما هي قيعان جمع قاع اللي هي أرض مستوية ملساء لا تنبت.

طيب، تخيل بقى الأرض دي ملساء ولا تنبت، لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأ، لا هي حفظت الماء ولا أنبتت، ما فيش أي ما فيش أي منفعة، الماء مر عليها وما انتفع، بخلاف الأرضين اللي سبقوا، الأرض اللي هي قبلت الماء وأنبتت، والارض اللي أمسكت الماء فالناس استفادوا من الماء، إنما بقى الأرض الثالثة لا هي قبلت الماء ولا هي أنبتت ولا مسكت الماء حتى.

لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به.

طبعا هذا الحديث يا شباب يعني هو شارح نفسه، ولكن احنا هنقف من في معاني يعني أن شاء الله نحاول نوضح منها بعض الأفكار لينتفع منها طالب العلم.

أول ما يستوقفك في هذا الحديث أنك كمسلم فقير إلى هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد من فقر الناس إلى الغيث، وأن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة لك كالغيث بالنسبة للأرض، وطبعا أعظم ما فيش أصلاً مقارنة.

الفكرة الثانية يا شباب طبعا احنا قلنا أن حال الناس قبل النبي صلى الله عليه وسلم، طب الفكرة الثانية أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إنما تنفع بقدر علمك بها وفقهك لها وعملك بها ونشرك لها، دي الأمور الأربعة؛ لأن ممكن وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين، طب نفسه هذا.

القرآن: ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: 82]. ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُم زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: 124-125]. هذا أبلغ حتى من هذا الحديث؛ لأنه يبين أنها زادتهم رجساً إلى رجسهم.

قل: ﴿هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: 44]. لو ذكرت لكم الشواهد كثيرة خلاص، وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون. فيبقى إذاً رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إنما تنفعك بقدر؛ أولاً: قبولك لها، وثانياً: علمك بها، وفقهك لها، وعملك بها، ونشرك لها تمام، بقدر بقى يبقى أنت هنا مش محتاج فقط إنك أنت تتعلم، لا محتاج تفقه وتتعلم الأمور.

فرسالة النبي صلى الله عليه وسلم تشبه الآية، تشبه الحياة بالضبط يا شباب، بالضبط، يعني لو أنت جعلت مع هذا الحديث قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: 58]، لكان من أجمل التفسير والبيان، ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: 58]. وأحب أيضاً أن أجعل معه قول الله: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ [الأنعام: 122]؛ لأن المطر يحيي الأرض، كذلك الوحي يحيي القلب وتمشي به في الناس، يعني تتصرف بناءً عليه وتتحرك في الدنيا بناءً عليه، واضح كده؟

يبقى من قَبِلَ الهدى علم الهدى وبينات الهدى والفرقان بين الحق والباطل وفقهه واستقام عليه ونشره ودعا إليه ونصره، هذا أعلى طائفة. طب الطائفة الثانية: قَبِلَه وحفظه، يعني وبلغه إلى غيره واضح، لكنه لم يفقه أو أنه ضعف في العمل به، اختلف في المثال الثاني هذا، لكن الأصل أن هو حفظه أو بلغه ولكن لم يكن فقيهاً فيه أو أنه كان ضعيفاً في العمل به وأفاد غيره أو قصر في العمل به، وهكذا كما جاء في الحديث اللي هو: «رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ».

طب الصنف الثالث: لم يقبله، يعني أعرض وتولى، فلا هو قَبِل ولا حفظ ولا فقه ولا عمل، هذا أعظم الناس ظلماً وأعظمهم الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله، اللي هو يعني كفر ومع ذلك يصد.

من قَبِل الهدى ويسعى فيه، طبعا جاءت رواية اللي هي قيلة الماء، القيل يعني شرب نصف النهار، يقال قيلت الإبل أي شربت في القائلة، ولكن الأقرب قَبِلَ؛ لأنه شَمَّ كل الأوقات.

إذاً يا شباب، هذا الحديث يذكر قبول العلم ويذكر ثمره أو أثر العلم، واحنا سبق إن احنا تكلمنا عنه في الربانيين بعلم الكتاب وتعليمه. يبقى أنت كطالب علم حتى تكون من أشرف الأمثلة التي انتفعت من هدي رسول من رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينبغي أن تعتني بهذا النسق المتكامل، اللي هو قبول الوحي وحب الوحي وانشراح الصدر للوحي، والأخذ بأسباب العلم، والأخذ بأسباب فقه هذه المعلومات التي عندك، والاستقامة عليها، ومجاهدة النفس، ونشر هذه والدفاع عنها وصيانتها ونصر الله تبارك وتعالى بها، هؤلاء هم ورثة الأنبياء، هؤلاء هم ورثة الأنبياء، والناس في ذلك منازل، فنسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا في هذه الطائفة التي قَبِلَت الوحي وانتفعت به وعلمت وعَلَّمَت.

طب الطائفة الأخرى؟ يعني بعض الناس بيقول إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر، يعني طبعاً هو ذكر ثلاث طوائف، هو بعض الناس بيقول مثل من لم يرفع بذلك رأساً هذه طائفة اللي هي أعرضت وفي لم يقبل هدى الله الذي أرسلت به جعلها طائفة أخرى، أنا في رأيي والله أعلم أن هم الاثنين دول واحد وهذا تفسير لعدم رفعه بذلك رأساً.

قال أبو عبد الله: قال إسحاق، اللي هو إسحاق بن راهويه: روى هذا الحديث عن أبي أسامة، يعني هو يعني خالف في اللفظ محمد بن العلاء، قال: وكان منها طائفة قيلة، تكلمنا عن قيلة الماء. بعد كده البخاري أحياناً يذكر غريب الحديث يا شباب، البخاري أحياناً يذكر غريب الحديث ويربط معه ذكر هذا اللفظ في القرآن، هذا سياتي معنا كثيراً جداً إن شاء الله خصوصاً في أبواب التفسير. قال: قاع يعلوه الماء، ده بيتكلم عن القاع، والصفصاف، قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، فهو يبين الآية: قاع قاع يعني يعلوه الماء، والصفصاف يعلوها الماء ولا يستقر فيها، فهمنا يا شباب؟

طب أظن أن احنا يعتبر طبعا هذا الحديث لم نوفي حقه، ولكن يعني أحيانا أملك أملك نفسي عشان ما نعدي ما نعدي الوقت.

طيب يا شباب، نريد أن احنا نلخص فكرة هنا: قلبك أنت كمسلم أو كطالب علم يعرض على قلبك الصنفان، يعرض عليه العلم والهدى ويعرض عليه الفتن. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً، فأيما قلب أشربها نُكِتَ فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نُكِتَ فيه نكتة بيضاء»، الحديث معروف.

طب والوحي؟ لما الوحي يرد، شوف، كلما ترد على قلبك فتنه وتنكرها ينكت فيه نكتة بيضاء، وكلما يرد على قلب على قلبك نوع من العلم فتقبله لا شك أنك تزداد به إيماناً، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْزَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: 17]. وأهل العلم يا شباب أهل العلم والايمان ينكرون الفتن عند إقبالها، والجهلة قد ينكرونها ولكن بعد فوات الأوان، يعني بعد ما إيه ما يبصرونه.

فتنة قارون مثلاً هذه فتنة قارون تكلمت عنها كثيراً، وقول الله تبارك وتعالى عن الصحابة: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].

طيب في الجهاد فتنة القتال، ربنا قال: لما رأى المؤمنون الأحزاب، نفس هذا بالضبط راه المنافقون، المنافقون قالوا إيه: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: 12]. وقالوا مثلاً في في إحدى الغزوات الأخرى: غر هؤلاء دينهم، يعني دينهم يوديهم في داهية، تمام كده؟

طب المؤمنون؟ لما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا: ﴿هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 22]. يبقى المؤمن يا شباب كلما عرضت عليه الفتنة أنكرها فازداد إيماناً، يعرض عليه العلم فيقبله فيزداد إيماناً، يمتحن بمصيبة فيصبر فيزداد إيماناً، إن أمره كله له خير.

كان الصحابة يقولوا: ازاي كله خير؟ ده بيصاب مصائب وبيحصل له فتن وكذا وكذا. آه قال: «إذا أصابته سراء شكر فكان خيراً له»، كانت السراء يبقى ده معناه أن السراء من غير الشكر بتكون شر، «وإذا أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن». يبقى الإيمان مقدمة، فأنت يعرض عليك أصناف الفتن تاباه فتزداد إيماناً، يعرض عليك الوحي تقبله وتعمل به وتنشره فتزداد إيماناً وهدىً.