تسجيل الدخول

الدرس 6 - الأحاديث من 81-97

حسين عبد الرازقالشيخ حسين عبد الرازق
  • مدة الدرس:
  • قراءة

صباح الخير يا شباب، فهذا هو الدرس الحادي عشر من قراءتنا لكتاب الإمام البخاري عليه رحمة الله، الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه. وقد وصلنا بحمد الله تبارك وتعالى إلى الباب الحادي والعشرين: باب رفع العلم وظهور الجهل. وهذا الباب سأتكلم فيه ببعض الأمور التي أرى أن طالب العلم يحتاجها في مسيرته في طلب العلم وتحصيل العلوم. فنبدأ بإذن الله تبارك وتعالى مستعينين بالله، معنا من يريد أن قرأ، نبدأ بالقراءة. من يريد أن قرأ؟ هاشم، تفضل يا هاشم.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. باب رفع العلم وظهور الجهل. وقال ربيعة: لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه.

حدثنا عمران بن ميسرة قال: حدثنا عبد الوارث عن أبي التياح عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا».

حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى عن شعبة عن قتادة عن أنس قال: لأحدثنكم حديثا لا يحدثكم أحد بعدي؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أشراط الساعة: أن يقل العلم، ويظهر الجهل، ويظهر الزنا، وتكثر النساء، ويقل الرجال، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد».

بارك الله فيك. هذا الباب من أهم الأبواب التي ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها؛ لأنه يتكلم عن رفع العلم، ورفع العلم إنما يكون بأن يموت العالم وفي صدره علم لم ينشر. وهذا فيه دلالات كثيرة، منها أن تعمل كل جهة على إعداد طلبة العلم والدعاة ومن يعلم الناس. وأنا أحب أن أوقف هنا مع هذا الأثر العظيم الذي تكلمت عنه كثيرا، وهو أثر ربيعة عليه رحمة الله؛ ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وأبو عبد الرحمن هذا اسمه فروخ، وربيعة قرشي تيمي وهو مفتي المدينة وعالمها. وهناك قصة مشهورة عن ربيعة -طبعا ربيعة هذا هو مشهور بربيعة الراي- هناك قصة مشهورة عن أن أبا ربيعة خرج في البعوث إلى خراسان أيام بني أمية غازيا، وترك ربيعة حملا في بطن أمه، يعني أمه كانت حامل فيه، وخلف عند أمه -التي هي أم ربيعة- ثلاثين ألف دينار، ثم قدم المدينة بعد سبع وعشرين عاما فرأى ولده وقد صار عالما.

والقصة فيها تفاصيل كثيرة جدا ذكرها الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد وموجودة في كتاب وفيات الأعيان لابن خلكان، والذهبي ذكرها في تاريخ الإسلام وقال: هي معجبة لكنها مكذوبة. يعني هي قصة جميلة يمكن أن نأخذ منها فوائد ولكنها مكذوبة. ثم ذكر الذهبي وجوه نكارة متنها. وعموما هذه القصة تحتاج إلى تثبت، حتى لو كانت مجرد حكاية ولكنها تحتاج إلى تثبت أيضا، وهي قصة مشهورة جدا.

فنقف قليلا مع هذا الباب: باب رفع العلم وظهور الجهل. بقدر ما يرفع العلم بقدر ما يظهر الجهل وينتشر، وبقدر وجود العلماء الكبار القائمين بالحق، العالمين بالحق، الذين يصدعون بالحق، بقدر ما يقل الجهل. وبقدر قلة العلماء -سواء بقلة العلماء أنفسهم أو قلة العلماء الذين يقومون بالحق، لأن الإنسان قد يكون على علم لكنه يجبن عن قول الحق أو يضعف عن قول الحق، فكأن وجود العلم سبب في قله الجهل وكان ظهور الجهل وانتشاره علامة على قلة العلماء الذين يصدعون بالحق-.

فهذا الباب في بدايته هو من أهم أبواب الكتاب، وفيه الدلالة على عمل كل جهة على إعداد طلاب العلم أو تنشئة جيل من طلبه العلم. وهذا كثير من الناس لا يلتفت إليه، وهو إعداد طلاب العلم المتخصصين. وكما كان يقول الذهبي: لولا الحفاظ الأكابر لخطبت الزنادقه على المنابر. فهذه نصيحة لطالب العلم: إذا وجد في نفسه حبا أو قابلية أو أهلية لطلب العلم، فلا يتردد في أن يجعل هذا الطريق سبيله إلى الله تبارك وتعالى؛ فإن في ذلك خيرا كثيرا له وللمسلمين.

قال ربيعة: ربيعة بن أبي عبد الرحمن. وهذا الأثر مروي من طريق عبد العزيز الأويسي عن مالك عن ربيعة. ذكره الخطيب البغدادي في كتاب الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، وذكره البيهقي في كتاب المدخل. وهذا الأثر أنا منذ اطلعت عليه قد كتبته أمامي وسجلته، وهو من أجمل الآثار المروية عن أهل العلم في باب أن يحفظ طالب العلم نفسه. قال ربيعة رحمه الله: لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه.

لا ينبغي لأحد، يعني ما يجوز أو ما يصح لأحد عنده شيء من العلم. فهذا له أكثر من معنى، نحن نتكلم الآن: من هو الشخص الذي يعنيه ربيعة؟ شخص لديه قابلية للتعليم، يحب العلم، أو هو مؤهل له، أو لديه رغبة. فهذا يدخل فيه العالم وطالب العلم، فلا ينبغي له أن يضيع نفسه.

كيف يضيع نفسه؟ يضيع نفسه بحب الدنيا، يضيع نفسه بالكسل والهوى، يضيع نفسه بالجدال، يضيع نفسه بتضييع الوقت، يضيع نفسه بالإهمال والغفلة وترك حفظ العلم -لا يعتني بالدراسة ولا يجتهد ولا يضبط ولا ينقح ما عنده من العلم-. يضيع نفسه بالذنوب التي هي سبب في نسيان العلم وسبب في محق البركة من وقته، يضيع نفسه كذلك بعدم تطوير نفسه أن هو يبقى على مستوى واحد لا يزيد عنه، يضيع نفسه ألا يتحرك، يضيع نفسه بالحسد أن يحسد إخوانه فيثمر ويظلم قلبه، يضيع نفسه كذلك بطلب الرئاسة في الدنيا وطلب العلو على الناس.

يضيع نفسه بالفرح والاعجاب بالعلم، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: 83]. الفرح والإعجاب بالنفس والكبر، يضيع نفسه بالبغي على إخوانه أن هو إذا كان عنده علم يستعلي به على الناس ويحقر إخوانه. والله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 175-176].

فالله سبحانه وتعالى أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقص علينا هذه القصص، وذكر الله اليهود وذكر ما كان عندهم من الحسد والكبر. فالحسد والكبر من أخص الأمور التي تمنع الإنسان من العمل بالحق؛ لذلك قال الله تبارك وتعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: 146]. يعني من العقوبات لهذا الذي عنده علم إذا كان عنده كبر أن يصرف عن آيات الله، وهذا موافق لحديث النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الكبر قال: «بطر الحق وغمط الناس». بطر الحق يعني أن ترى الحق ولا تعمل به أو لا تقبله، وغمط الناس احتقار الناس وازدراء الناس.

وكذلك الحسد: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنْفُسِهِمْ مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: 109]. ففي الواقع الأمور التي يمكن أن يضيع بها الانسان نفسه كثيرة، وأعظم ما يضيع به الانسان نفسه -طبعا حينما نتكلم عن تضييع الإنسان نفسه يا شباب- قد يراد منها أصلا أنه لا يطلب العلم، يعني انسان وجد في نفسه قابلية لطلب العلم ونفع الناس ولم يهتم بهذا الباب. فهذا صنف آخر ضيع نفسه فيه، رغبة عنده ملكات وعنده مهارات لكنه يكسل، مثلا يكسل عن طلب العلم أو مثلا يضيع وقته أو نحو ذلك.

طيب، في معنى آخر كذلك، وهو أن يضيع ما عنده من العلم، يكون عنده علم لكنه لا ينفقه، لا يعلمه، لا يبثه، لا ينشره. وكثير من طلاب العلم أعرفهم على مدى سنوات طويلة جدا عندهم كثير جدا من العلم، لكنهم يخافون؛ إما أنهم يخافون من الخطأ فلذلك لا يدرسون، أو أنهم يطلبون الكمال -يحضرون للدروس تحضيرا طويلا جدا جدا مبالغا فيه فبالتالي لا يستمرون-، أو أنهم ضيعوا أنفسهم بالدخول في العمل، فتحوا على أنفسهم أبوابا كثيرة من العمل استنزفت اوقاتهم وضيعت أعمارهم، أو دخل في أبواب من الديون لم يكن في حاجة لم يكن يحتاجها فضيع موهבته وضيع ما عنده من العلم.

أسباب كثيرة جدا، منها مثلا أنه ينتظر أن يأتيه الطلبة إلى عنده، وهو ينبغي أن يبحث عنهم حتى يبث علمه وحتى يثاب، وقد يضيع طالب العلم نفسه بسبب الأمور التي ذكرناها قبل ذلك. هذا الكلام أيضا فيه مسؤولية المسلمين في تكثير طلاب العلم ورعايه طلاب العلم وإعانة طلاب العلم، وهذا سنتكلم عنه إن شاء الله تبارك وتعالى.

ولكني أحببت أن أذكر معالم للطالب حتى لا يضيع نفسه. خلينا نتفق أننا مثلا عندنا حب للعلم وشعور بقيمه العلم وأثره وفضله، ما هي الأمور التي يضعها الإنسان في قلبه ويجتهد في تحصيلها حتى لا يضيع نفسه؟

أول أمر: أن تعلم أنه لا علم لك إلا ما علمك الله. قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: 40]. ليس كل من عنده شيء من المعلومات يهتدي بها؛ أولا ينبغي أن تعلم أن كل ما تتعلمه إنما هو من الله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: 255]. يعني أن أحدا لن يتعلم إلا بمشيئة الله وإلا بالقدر الذي شاءه الله تبارك وتعالى.

والله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: 78-79]. فالله هو الذي يعلم، وهو الذي يفقه. وكل علم في الدنيا أو كل علم إنما هو من الله؛ علم الملائكة، وعلم آدم والأنبياء، وعلم كل انسان، وهدى. فكل علم -سواء كان طرقه الوحي، أو الفطرة، أو الحس والعقل، أو بالتجربه- كل ذلك من الله تبارك وتعالى. فضع هذه الآية أمامك: ﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: 2]. فالعبد لا ينفع ولا يضر ولا يعطي ولا يمنع إلا بإذن الله تبارك وتعالى، فالامر كله لله. والله تبارك وتعالى هو مقلب القلوب ومصرفها، قال الله تبارك وتعالى: ﴿مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: 56].

والله سبحانه وتعالى هو الذي يفهم وهو الذي يوفق، فلذلك أول ما ينبغي أن تستعين به حتى لا تضيع نفسك: الفقر إلى الله تبارك وتعالى ودعاؤه والاستعانه به في أن يفهمك وأن يعلمك. فهذه هي عدة المسلم وقوته وزاده. لذلك كان أهل العلم يحثون على هذا الأمر كثيرا، كما كان يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: فإذا افتقر العبد إلى ربه ودعاه وأدمن النظر في كلام الله وكلام رسوله وكلام الصحابة والتابعين وائمه المسلمين، انفتح له طريق الهدى. فلذلك ينبغي أن تكثر من الدعاء بأن يشرح الله صدرك لهذا العلم، وأن يهديك فيه، وأن ينفعك به.

وانشراح الصدر لطلب العلم هو من أخص الأمور التي تعين على الإتقان فيه. وأنا نبهت كثيرا على هذه الفكره: يمكن أن يكون عندك كل الأدوات، كل الكتب، وعندك أفضل المشايخ الذين تعرفهم وتتواصل معهم، وعندك جهاز اللاب توب مثلا، عندك كل الأدوات، لكن إذا لم يكن صدرك منشرحا لطلب العلم، فكيف تطلبه أو كيف تنبل فيه؟ وأنا أعرف كثيرا من الناس عنده المكتبات وتتوفر لديه كل الأدوات ومع ذلك لا يهتم، لا يهتم بالدراسة ولا حتى يصبر على طلب العلم ولا على القراءة ولا يستطيع حتى أن يقرا ربع ساعة فقط في الكتاب. فأكثر من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اهدني وسددني»، وكذلك أكثر من دعاء: اللهم اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

ولا بد أن تعلم كذلك في هذا هو الأمر الثاني: أن العلم ليس لمجرد المعرفة وجمع المعلومات، وإنما يطلب العلم للانتفاع به؛ فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ من علم لا ينفع. فالعلم حجة لك أو عليك، ليس كتبا تدرس، وليس متونا تحفظ، وليس مجرد معلومات تردد أو منشورات تكتب أو شهادات توضع على الحائط أو ألقاب تنادى بها، هذه وسائل للعلم وهي صورة العلم وزينته وزخرفه، وإنما العلم ما يحركك، ما يغيرك للأحسن، ما يجعلك أحسن حالا في خلقك وقلبك وعملك. هذا فقط هو ما يبقى لك من معنى العلم، وكم من شخص يحسب نفسه ويحسبه الناس عالما وهو من أجهل الناس عند الله.

وكم من شخص ليس محسوباً على أهل العلم وهو عالم يعيش العلم واقعاً ممارساً، فالعلم دين وخلق وعمل وأمانة ورسالة. فلذلك يا شباب، كل من عمل بطاعة الله فهو العالم، حتى لو لم يكن يحفظ الأدلة في هذا الذي عمل به، وحتى لو لم يسرد أقوال الناس فيها.

الجاهل من عمل بالمعاصي وترك طاعة الله وكسل عن الفرائض والواجبات، حتى لو كان يحفظ فيها كل الأدلة والحجج، حتى لو كان فصيح اللسان في بيانها ويدعو إليها. فلذلك أبصر طريقك واعلم أين أنت من معنى العلم، ولا يغرنك زخرف المعرفة وزينتها وصورتها. وكثيراً ما أحب أن أنبه على هذا الدعاء: اللهم إني أعوذ بك أن أكون في نفسي عظيماً وعند الله صغيراً.

فالعلم بكلمة مختصرة هو طلب ما عند الله على هدى من الله، وما سوى ذلك فهو من زينة الحياة الدنيا. والنبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الحديث الذي صححه مسلم: «ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه». ومن أنفع ما قرات ما علقه الإمام البخاري هنا قول ربيعة: لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه.

وذكر ابن وهب قال: حدثني مالك بن أنس أن رجلاً قال لرجل من أهل الخير وسأله عن طلب العلم، فهذا الشيخ قال: إن طلب العلم لحسن، ولكن انظر إلى الذي يلزمك من حين تصبح ومن حين تمسي فالزمه ولا تؤثرن عليه شيئاً. وروى المزني قال: سمعت الشافعي رضي الله عنه يقول: من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن نظر في الفقه نبل مقداره، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن نظر في اللغة رق طبعه، ومن نظر في الحساب جزل رأيه.

تكلم عن الإمكانات أو المهارات التي يحصل عليها طالب العلم من كل علم، ثم ختم هذا القول فقال: ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه. وكثير من أهل العلم من الأنبياء أنفسهم إلى ما شاء الله وهم ينبهون على هذا الأمر، كما قال الخطيب البغدادي وهذه وصيته لطلاب الحديث: قال الواجب أن يكون طلبة الحديث أكمل الناس أدباً، وأشد الخلق تواضعاً، وأعظمهم نزاهة وتديناً، وأقلهم طيشاً وغضباً.

لماذا؟ لدوام قرع أسماعهم بالأخبار المشتملة على محاسن أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم وآدابه، وسيرة السلف الأخيار من أهل بيته وأصحابه، وطرائق المحدثين ومآثر الماضين، فيأخذ بأجمل وأحسنها ويصدف عن أرذل وأدناها. وأسند عن أبي عاصم النبي أنه قال: من طلب هذا الحديث فقد طلب أعلى أمور الدنيا، فيجب أن يكون خير الناس لذلك.

أريد أن نلخص هذه الفكرة: الأخذ بأسباب انشراح الصدر للعمل مقدمة في السعي وأنجازه، وأعظم ما تستعين عليه بذلك الدعاء والعمل الصالح. ثانياً، إذا وجدت صدرك منشرحاً لباب من أبواب الخير فهذه نعمة عظيمة ينبغي أن تطلب هذا الباب وأن تسعى في إكمال أدواته، وأن تكتب هذه المعاني التي تجمع بين القوة والأمانة.

كما كان يقول ابن تيمية رحمه الله: ربما طالعت على الآية الواحدة نحو مئة تفسير، ثم أسال الله الفهم وأقول: يا معلم آدم وإبراهيم علمني. من الأمور المهمة جداً يا شباب أيضاً في حتى لا تضيع نفسك بطلب العلم، النيات التي تكون عندك في طلب العلم. أول ما تجلس إلى درس أو بين كتاب أو في مناقشة مع أخ أو في مدارسة أو مذاكرة، لابد أن تذكر نفسك بالنيات؛ نية التقرب إلى الله تبارك وتعالى، وقصد الخير والهدى وتحري الحق.

لا يستوي أبداً شخص يقرا كتاباً أو يستمع إلى درس أو يناقش أو يقرأ منشوراً وهو ينوي الاهتداء والانتفاع بخير ما يطلع عليه، وشخص يقصد التربص وتصيد الأخطاء والمجادلة. فالأول حري أن ينتفع بالحق وأن يميز صواب الكلام من غلطه، ويعان على العمل حتى لو كان الذي بلغه من العلم قليلاً. وكما ذكرنا القول الذي نصح به ابن تيمية صاحبه لما قال له: من نور الله قلبه نفعه بما يبلغه من العلم.

الشخص الثاني حري أن يحرم الخير وأن يعمى عن موضع النفع، حتى لو كان هذا الشخص يجلس أمام أفضل العلماء. المنافقون كانوا يجلسون أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الناس وأعلم الخلق، ولم ينتفعوا برسالته. قال الله تبارك وتعالى عن هؤلاء: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: 124-125].

النبي صلى الله عليه وسلم يتلو الآيات، يزداد بها المؤمن إيماناً ويزداد بها المنافق نفاقاً، لما في قلبه، صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون. فطالب العلم الذي يجلس في الدرس يتربص ويتصيد الأخطاء حري أن يعمى عن موضع الهدى ولا يهتدي بما يبلغه. إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فليس لك من درس العلم أو من الكتاب أو من المنشور الذي تقراه إلا ما نويت، والحديث معروف في الثلاثة الذين أقبلوا على النبي صلى الله عليه وسلم وذكرناه في المرة الماضية: أما هذا فقد أوى إلى الله فأواه الله.

كذلك ينبغي أن تكون عندك نية إحياء الإسلام وسنن الإسلام وبث العلم. وقد قال عدد من أهل العلم: من طلب العلم ليحيي به الإسلام فهو من الصديقين ودرجته بعد درجة النبوة، وهذا قول كان يقوله ابن القيم رحمه الله. كذلك يا شباب نية التعليم، لما تتعلمه فائدة هذه النية أنك تؤجر عليها، يعني أنك إذا جلست إلى درس وانت تنوي أن تعلمه وأن تبثه بين الناس، فانك تؤجر بهذه النية أكثر من مجرد أنك ترفع الجهل عن نفسك، أو أنك فقط تحصل على معلومة، أو أنك تريد أن تعمل به في نفسك.

فهذا اجر طيب من باب آخر؛ من جلس وهو ينوي أن يععلم الناس ما تعلم فهذا أدعى إلى التحري والتدقيق والاتقان وتقييد الفوائد، لماذا؟ لأنك لا تريد فقط أن تفهم، وإنما تريد أن تفهم لتعلم وتشرح وتنفع غيرك، فهذا مهم جداً. والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر أعلى مثل للمنتفعين به من فقه في دين الله فعلم وعلم. وبذلك تفهم أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات» يعني أن النية مؤسسة للعمل ودافع للعمل وهي التي تنظم عملك.

ولما سئل مهنا لشيخه أحمد بن حبنل: حدثنا عن أفضل الأعمال؟ قال: طلب العلم. قال: لمن؟ قال: لمن صحت نيته. قلت: أي شيء يصحح النية؟ قال: ينوي يتواضع فيه وينفي عنه الجهل. وهذه النيات يا شباب تأتي شيئاً فشيئاً؛ بعض الطلاب يقول: ليس عندي هذه النيات. نعم هي تأتي شيئاً فشيئاً، كما قال عدد من أهل العلم: طلبنا هذا العلم وما لنا فيه كبير نية ثم رزق الله فيه بعد النية.

وابن حزم له كلمة جميلة يا شباب والله من أجمل النصائح، قال: ومن طلب العلم ليفخر به أو ليمدح به أو ليكتسب به مالاً أو جاهاً فبعيد عن الفلاح، لماذا؟ لأنه ليس له غرض في التحقيق فيه، لا يريد أن يصل إلى الحق فيه ولا أن يعلم الناس، وإنما غرضه شيء آخر غير العلم، يعني يريد شهادة، يريد وظيفة، يريد مالاً، يريد أن يمتدح به. قال: ونفس الإنسان وعينه طامحتان إلى غرضه فقط، فلا يبالي كيف كان طلبه إذا حصل على مراده الذي إياه قصد.

هذا من أجمل المعاني يا شباب، اللي هي ملاحظة أن الإنسان الذي يطلب العلم مثلاً ليتوصل به مالاً أو ليكون له مكانة بين الناس، فضلاً عن أن هذه النية ليست صالحة، ففيه أمر خطير يا شباب، وهو أن هذا الشخص لا يهمه أن يكون محققا في العلم، لا يهمه أن يصل إلى الحق، ولا يشغل نفسه بتقصي الحق، لماذا؟ لأنه يفكر في شيء واحد، فإذا حصل عليه فلا يبالي بغيره.

إنما طالب العلم الذي يتقي الله تبارك وتعالى، فانه يفتش عن الخير ويطلب أسبابه. فلذلك شباب، أنا أحثكم حثاً شديداً أن نجتهد في أن نتقي الله تبارك وتعالى في طلب العلم وأن نصبر عليه، كما ذكرنا وصية الشافعي: حق على طلبة العلم الصبر عليه، إلى آخر الكلام الذي ذكرناه كثيراً في مطلع كتاب الرسالة وهو مقطع من أجمل ما يمكن أن ينتفع به طالب العلم.

كذلك من الأمور المهمة هنا يا شباب: إذا كنت من أهل الخير وهذه نصيحة لأهل الخير، ادعم من تراه يستحق من طلبة العلم، ادعم بالتشجيع، ادعمه بتوفير الأسباب التي تعينه على ذلك. وهنا أثر جميل جداً عن حبان بن موسى قال: عوتب عبد الله بن المبارك فيما يفرق من المال في البلدان. يعني عبد الله بن المبارك يا شباب مع ما كان فيه من الإمامة والعلم والفقه والتحديث والجهاد في سبيل الله والحج والانفاق، كان يخصص جزء عظيماً من ماله للانفاق على مشايخه وعلى طلابه أيضاً.

فعوتب ابن المبارك فيما يفرق من المال، يعني قال بعض الناس له: أنت تجمع المال وتتعب فيه ثم تفرقه في البلدان؟ فقال -شوف هذه الكلمه العظيمة يا شباب لو يعرفها كل إنسان غني مسلم لاهتدي له باب من النفقة في سبيل الله-: فقال عبد الله بن المبارك: إني لأعرف مكان قوم لهم فضل وصدق، طلبوا الحديث، أحسنوا طلبه، والناس محتاجون إليهم، وهم بحاجة إلى أنفسهم وذراريهم، فإن تركناهم ضاع علمهم.

لو احنا سبناهم وتركناهم إيه اللي هيحصل؟ هيضطروا أنهم يشتغلوا ويضطروا أنهم ينفقوا أغلب أوقاتهم في تحصيل الرزق. فإن تركناهم ضاع علمهم، لماذا ضاع علمهم يا شباب؟ لان العالم إنما يضيع علمه إذا لم يتمكن من نشره، والعالم يحتاج أن ينفق على بيته وعلى أبنائه، فاذا لم يفرغ لتحصيل العلم والازدياد منه وبث هذا العلم في الناس وتوفرت له الأدوات مهما كان عظيم الهمة فإنه لن يستطيع أن يؤدي حق التأدية، أو على الأقل سيضيع جزء كبير من علمه.

وهذا يدخل في هذا الأثر: حق على من كان لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه، من جملة ذلك أن يضيعه من حوله، ألا يعينوه بما يستطيعون. فإذاً شوف ابن المبارك رحمه الله يقول: فإن تركناهم ضاع علمهم، وإن أعناهم بثوا العلم لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، لا أعلم بعد النبوة أفضل من بث العلم.

وهذا الأثر شباب مهم جداً، وأنا هنا لعلمي بأن كثيراً من نساء المسلمات دخلن في طريق طلب العلم وتحصيله وتعليم النساء وبث العلم ونشره والاجتهاد الكبير، ولله الحمد عندنا كفاءات في هذا المجال، لكني أحث كثيراً المرأة على أن تأخذ نصيبها بشكل عام من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن التفقه في الدين عموماً.

ولكن هذه الكلمة أوجهها للوالد وللأخ وللزوج، أقول: الفتاة أو المرأة التي تلتحق برامج علمية وتستغل وسائل التواصل وتستغل وسائل التعليم المتاحة على الانترنت وتنوي بذلك أن تتفقه في دينها، وتعلم أبناءها، وتعلم من حولها من النساء ما يحتاجن من أمور الدين، وتنتظم بالشريعه وتصون نفسها وتتابع الإسلام في السؤال والتواصل وتتقي الله تبارك وتعالى، وتحفظ حقوق زوجها وأبنائها، وتدخل فراغها للفقه في الدين، هذه المرأة والله امرأة عظيمة حق، هي معدن طيب، حق على زوجها وعلى أخيها وعلى أبيها وعلى كل من حولها أن يثني عليها، وأن يشجعها، وأن يثمن عملها، وأن استطاع محتسباً أن يوفر لها الجو المعين لها على مواصلة الإتقان في طلب العلم وأن يشاركها ما استطاع.

فهذه المرأة والله هي بركة على بيتها؛ المرأة التي تتفقه في دينها وتدخر فراغها في تحصيل العلوم وتعليم أبنائها ونشر العلم بين النساء، ولا تضيع حق أبنائها وزوجها، هذه المرأة والله هي بركة البيت، وهذا بيت صالح. البيت الذي يعين فيه الزوج زوجته والزوجة زوجها على التفقه في الدين، هذا بيت صالح حقيق بأن يتولاه الله.

وأنا والله أتعجب جداً من أب أو أخ أو زوج يرى من تطلب ذلك بالشروط المتقدمة ويعيقها أو يمنعها أو يحطمها أو يسخر منها، أنا استغرب جداً! هو حد يجد امرأة كهذه ولا يعينها ولا يفتخر بها؟ امرأة قامت بواجبها لم تقصر، أدخلت وقتها للقران وللسنة وللفقه والإيمان وتربية الأبناء، تتعلم العلم النافع، وكل ذلك تعود بركته على الأسرة.

أليس هذا أفضل من أن تقضي المرأة وقتها المتبقي في المسلسلات والأفلام والرغي في الكلام مع الجيران والأقارب، بدلاً من أن تكون فارغة عن العمل وفاضية للمشاكل مع الزوج؟ يكفي أنها مشغولة بالقرآن والحديث، حتى لو لم تكن تفهم كثيراً منه، مجرد أنها تشتغل بالخير، هذا ينبغي أن يحرص عليه الزوج.

فمن كان عنده امرأة كهذه فليحمد الله أن هداها الله لذلك الباب وشرح صدرها له وليحتسب فيها الأجر. وأما أنت أيتها الأخت التي تطلب العلم وتتفقه في الدين، أول ما أقول لك: جزاك الله خيراً الجزاء وتقبل الله سعيك، ورفعك الله تبارك وتعالى عنده درجات، لا يبقى لك في هذا الطريق إلا أن...

تتقي الله تبارك وتعالى، وأن تنوي الخير، ولا تقصري مع من حولك في واجباتك، فهم أحق بوقتك وجهدك. ولكن اعلمي أنك إذا اتقيت الله تبارك وتعالى، وأدخرت ما تبقى لك من الوقت في طلب العلم، فإن الله يبارك لك في القليل. ولكن نصيحة: أحسني اختيار البرامج العلمية النافعة، مع أولا من تثقين فيهم. لا تكثري على نفسك الاشتراك في أكثر من برنامج، لأن الوقت المتاح لك حتى لو كنت غير متزوجة، الوقت المتاح لك قليل جدا، فلذلك لابد أن تختاري البرنامج بعناية الذي يناسبك.

الأمر الآخر أن تتأدبي بآداب الإسلام وأخلاق الإسلام في السؤال، وفي التواصل مع من تتواصلين معه من أهل العلم. واعلمي أن الله تبارك وتعالى لا يصلح عمل المفسدين، وأن الله تبارك وتعالى لا يهدي كيد الخائنين. لا تدخلي بابا مستحبا هو طلب الفقه في الدين فتقعي في محرم كما يحصل ذلك، وأنا أحب هنا أن أتكلم بكل صراحة، كثير من النساء يمكن أن تبدأ هذا الطريق بالخير، ثم بعد ذلك يجرها إلى التواصل مع بعض الناس تواصلا محرما لا يجوز.

النصيحة الثانية مهمة جدا: لا تتكبري ولا تستعلي بمعلوماتك على من حولك. هذا مهم جدا يا شباب، وأنا أكلم هنا المرأة؛ كثير من النساء إذا تعلمت شيئا تفخر به وتتكبر به على من حولها من النساء، أو مثلا من زوجها، تتكبر على زوجها ربما يكون زوجها ليس عنده علم. فاستعينى ليكون ذلك سببا في هدايتك وهداية زوجك وهداية أبنائك، فهذا مهم جدا.

أما بقى الأمور التي هي كيف أدرس وكيف أختار البرنامج العلمي، هذا أنا تكلمت عنه في محاضرة كاملة بعنوان نصائح للمراة التي تريد أن تتفقه في الدين، وسيأتي عندنا إن شاء الله باب خاص للإمام البخاري عليه رحمه الله في موعظة النساء وتعليم النساء وتعليم الرجل أمته وأهله، ولكن هذه فقط كانت نصيحة. وأقول: العمل على إعداد النساء، العمل على المرأة في مجالات التعليم ومجالات المجالات التي نحتاج فيها إلى النساء، والله هذا باب كثير من الناس يغفل عنه، ونحن نحتاج في كل أبواب الخير إلى المرأة أو الكفاءات النسائية.

وأنا عن نفسي وجدت كثيرا من المشاريع الخيرية في المعاهد التي تفتقر إلى معلمات، والله مشاريع كثيرة جدا جاء فيها ناس من أهل الفضل قالوا: نريد أن ندعم مشروعا لتعليم النساء؛ المرأة تريد أن تتعلم دينها، كثير من الفتيات في بعض خصوصا في المجتمعات الأوروبية لا يجدن من يعلمهن أبسط ما يحتجنه عن الدين أو الأحكام التي تخص المرأة. فلذلك العمل على إعداد المرأة هذا من أخص ما أنبه عليه هنا، وهذا من حفظ العلم، إذا كنا نتكلم عن باب رفع العلم وظهور الجهل، فإن من أخص الأمور التي ينتشر بها الجهل ألا تجد المرأة من تثق فيه من أهل العلم.

وأعظم شيء أن يتولى تعليم المرأة المرأة، أنا أحب جدا وأفرح جدا بالمجموعات النسائية التي يكون فيها امرأة عاقلة حكيمة تفهم كيف تحضر الدرس وكيف تعلم النساء ما يحتجنه. أنا أطلت جدا في هذا الباب يا شباب لأن هذا هو مشروع حياتي، والمشروع الكبير هو محاولة حث المسلمين على طلب العلم والتفقه في الدين، وتشجيع كل من يجد في نفسه رغبة في طلب العلم أن يستمر وأن يطور نفسه وأن يأخذ بأحسن الأسباب، وتشجيع المرأة المسلمة على أن تكون من أهل العلم، وأن تستعمل هذا العلم في تعليم النساء ما يحتجنه من أمر دينهن.

طيب أنا أطلت كثيرا معذرة ندخل، قال بعد ذلك تكلمنا عن أثر ربيعة قال حدثنا عمران بن ميسرة هو بصري قال حدثنا عبد الوارث هو عبد الوارث بن سعيد تكلمنا عنه كثيرا وهو أيضا بصري عن أبي التياح أبو التياح يزيد بن حميد الضبعي بصري عن أنس، طبعا هذا الإسناد كله بصري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أشراط الساعة» أو «أن من أشراط الساعة أن يرفع العلم».

سيأتي إن شاء الله تبارك وتعالى باب خاص كيف يقبض العلم، الباب الرابع سنتكلم فيه إن شاء الله: «أن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويتبث الجهل ويشرب الخمر» يعني طبعا الخمر يشرب ولكنه يكثر وينتشر ويظهر، وسياتي إن شاء الله في رواية أخرى: «ويكثر شرب الخمر» قال: «ويظهر الزنا» نعم يظهر يعني يفشو، إن شاء الله هذا الحديث سيتكرر معنا كثيرا وسياتي في كل هذه الابواب، ولكننا فقط هنا نلتقط منه هذا المعنى وهو رفع العلم.

والمسلم يا شباب حينما يستمع إلى هذه الأحاديث، طبعا أشراط الساعة يعني الأشراط هي العلامات أو الحوادث التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها تقع بين يدي الساعة، وأولها بعثته صلى الله عليه وسلم لأنه آخر الأنبياء والمرسلين، ولا يجب أن يكون ما هو من أشراط الساعة شرا، بل هو علامه على قربها نسبيا أنها اقتربت. والله سبحانه وتعالى ذكر ذلك: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: 18] يعني أدلتها ومقدماتها، وواحدها شرط، فهي الآية أو العلامة أو الأمارة، وفي حديث جبريل لما سأل عن الساعة قال: «ولكن ساحدثك عن أمارتها»، فهي أمارة أو علامة.

المؤمن يا شباب تجاه هذه الأمور -يعني النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن من أشراط الساعة أنه يرفع العلم ويثبت الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنا- المؤمن دوره أن يعلم ذلك وأن يؤمن به، وبعدين أن يصبر ويتقي الله وأن يأامر بالمعروف وينهى عن المنكر، والله سبحانه وتعالى قال: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [الحج: 41]. نواجه الجهل بنشر العلم، وبإعداد طلاب العلم، وبأن نكون نحن أنفسنا نواجه هذا الجهل، ولا بد أن تفهم أن من أسباب عمل الناس بالجهل أو استفتاء الناس لمن ليس أهل قلة وجود العلماء الثقات بين الناس واضح. فلذلك العمل على تنشئة طلاب العلم والعمل على تطوير طلاب العلم وتجويد طلب العلم هذا والله من اعظم المشاريع، وأرجو أن يكون لنا نصيب فيه.

الحديث الثاني: حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى، طبعا مسدد بن مسرهد عن يحيى القطان عن شعبة شعبة بن الحجاج عن قتادة عن أنس قال: لأحدثنكم حديثا لا يحدثكم أحد بعدي. سمعت رسول طبعا لا يحدثكم أحد بعدي، لأنه أنس طبعا كان يكلم أهل البصرة وهو آخر من مات بالبصرة. واضح جدا أنه كان يكلم هنا أهل البصرة، لأن قتادة روى عنه هذا الحديث، وأنس توفي أما من سنة 90، سنة 90 مثلا، أو سنة 93، يعني في هذه الفترة، وهو من أواخر الصحابة موتا رضي الله عنه. فكانه يقول إنه لم يبق أحد من الصحابة يروي هذا الحديث، قال: «لأحدثنكم حديثا لا يحدثكم أحد بعدي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أشراط الساعة أن يقل العلم»، طبعا يعني قلته كان في رواية يرفع ويقل، كان قله العلم هي أول ما يرفع.

وطبعا رفع العلم سياتي: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور العلماء، وإنما يقبضه بقبض العلماء»، أن العالم يا شباب يضيع، يعني العالم الذي يضيع نفسه أو يضيع علمه بموته. تعرف أن العالم مثلا يبث جزءا من علمه سواء في كتبه أو في منشوراته أو في كلامه ودروسه، فاذا مات العالم مات ما في صدره من العلم. قال: «أن يقل العلم، ويظهر الجهل، ويظهر الزنا»، قلنا إنه يفشو، «وتكثر النساء ويقل الرجال».

طبعا بعض الناس هنا دخل في هذا الأمر وقال: لماذا يكثر النساء ويقل الرجال؟ أنا في رأيي أن يبقى هذا الخبر كما هو، لأنه خبر هو تقدير من الله سبحانه وتعالى، فليس هذا أمرا مثلا يعني لم ينص على سبب كثرة النساء وقلة الرجال. ثم قال: «حتى يكون لخم امراه القيم الواحد» في رواية: «وترى الرجل الواحد تتبعه أربعون امرأة»، فكأن العدد هنا ليس مرادا تحديدا.

فالمهم هنا يا شباب الذي ننتفع به نحن في من هذه الآثار هو الاجتهاد في طلب العلم ونشر العلم وتجويد العلم. يا شباب القصة مش فقط انك تطلب العلم، لا، أن تحقق في طلب العلم، وأن تتقي الله في العلم، وأن تجتهد في نشر ما عندك من العلم. ونحن ذكرنا قبل ذلك أن طالب العلم ينبغي أن يكون عنده فترة بين التلقي والتحصيل، فترة من تجويد العلم وتنقيحه وضبطه ونحو ذلك من الأمور. وأنا نبهت كثيرا على الفرق بين أن يكون عندك نية لطلب العلم لنشر العلم، وبين أن تكون متهورا متسرعا في نشر العلم ولا تضبط ما تنشر.

الباب الذي بعده عندنا هاشم، أنت معانا يا هاشم؟ أيوه يا سيدنا معاك. طب اتفضل يا باب فضل العلم: حدثنا سعيد بن عفير قال حدثني الليث قال حدثني عقيل عن ابن شهاب عن حمزة بن عبد الله بن عمر أن ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بين أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت حتى إني لأر... أتيت بقدح لبن بقدح لبن فشربت حتى إني لأرى الري يخرج في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب». قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: «العلم».

بارك الله فيك يا هاشم، أنا بس لا أحب أن تناديني بكلمة سيدنا هذه، أنا أحب بارك الله فيك. هي على لساني بس فمش أك. بارك الله فيك.

باب فضل العلم: فضل العلم هنا يا شباب يعني البخاري قبل ذلك تكلم عن فضل العلم، ولكنه هنا يتكلم عن فضل ما زاد من العلم، ما فضل من العلم هذا غير باب فضل العلم، مر معانا باب فضل العلم في أول الكتاب. قال حدثنا سعيد بن عفير، طبعا هذا منسوب إلى جده، وسعيد بن كثير بن عفير هذا مصري، حدثنا الليث ليث بن سعد، قال حدثني عقيل عن ابن شهاب اللي هو الزهري، عقيل عقيل معروف من أوثق الرواة عن الزهري، عن شهاب اللي هو الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر، عبد الله بن عمر بن الخطاب، أن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بين أنا نائم أتيت بقدح لبن»، القدح يعني مكيال يعني زي يعني شيء يكال به، «بقدح لبن فشربت حتى إنّي لأرى الّريّ»، الري هو الشبع من الشرب، «يخرج من أظفاري» وفي رواية «من أطرافي» ستاتي معنا إن شاء الله.

وهذا الحديث سيتكرر كثيرا يا شباب، سياتي في فضل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وسياتي في تعبير الرؤى سياتي إن شاء الله، «ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب رضي الله عنه»، قال: «فما أولته يا رسول الله؟» قال: «العلم».

طبعا كان وجه الشبه بين اللبن والعلم أن اللبن هو قوت البدن وسبب قوته وصحته، وكذلك اللبن يخلصه الله تبارك وتعالى من بين فرث ودم ليقو... ليكون سائغا للشاربين، فهو كأنه دليل على الفطرة. والعلم كذلك هو قوت البدن، قوت القلب، وهو الذي يرتفع الإنسان به عن الشك والجهل والشرك والبدعة.

فوجه ذكر هذا الحديث في كتاب العلم ظاهر، أن النبي صلى الله عليه وسلم غذي بالهدى والعلم النافع وطلب الزيادة منه، فهو أعلم الخلق بالله وأشدهم له خشية، هو أعلم الناس بالله وأشدهم له خشية، فما فضل فالذي يفضل أو الذي تبقى من علم النبي صلى الله عليه وسلم لا شك أنه سيكون هو العلم النافع. وهذا من أعظم الآثار من المعلم على تلميذه، أن ينتفع التلميذ من المعلم من علمه ومن عمله. فعمر رضي الله عنه انتفع من رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو من خير الناس انتفاعا من رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من خير من قاموا بحق ما وكل إليه من الأعمال رضي الله عنه. وإن شاء الله سياتي معنا هذا الحديث سيتكرر.

الباب الذي بعده كمل ماشي يا هاشم، خليك أنت يعني خذ هذا اليوم.

تفضل باب الفتية وهو واقف على الدابة وغيرها: حدثنا إسماعيل قال حدثني مالك عن ابن شهاب عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ص... عن عبد الله عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع بمنَى للناس يسألونه، فجاءه رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، فقال: «اذبح ولا حرج». فجاءه آخر فقال: لم أشعر فنحر قبل أن أرمي، قال: «ارم ولا حرج». فما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: «افعل ولا حرج».

بارك الله فيك. نلاحظ أن البخاري رحمه الله حاول أن يستخرج من كل أحاديث النبي صلى الله عليه

ما يحتاجه طالب العلم هنا، فهو يتكلم هنا عن العالم أو المفتي، ويتكلم كذلك عن المتعلم، أن المتعلم في كل ظرف يحتاج فيه إلى العلم ينبغي أن يسأل، في أي ظرف، في المواصلات، وهو في الحج، في النادي، في الرحلة، في أي مكان يحتاج يعني عرض له عارض يسأل عنه من يثق.

والأمر الثاني أن العالم يفتي الناس، بل هو يحاول أن يعني يكون مع الناس فيما يحتاجونه في الحج والعمرة، يعلمهم أحكام الصيام في أوقاتها، وهكذا. وهو قال باب الفتيا، أو الفتوى وهو واقف على الدابة وغيرها، يعني كأنه بيقول هذا ينفع العالم والمتعلم، المتعلم يتعلم في كل ظرف، والعולם يعلم ويفتي فيما يحتاجه الناس.

حدثنا إسماعيل قال: حدثني مالك، طبعا إسماعيل بن أبي أويس تكلمنا عنه كذلك، وهو متكلم في روايته ولكن البخاري انتخب أحسن حديثه. قال: حدثني مالك عن ابن شهاب، مالك طبعا مالك بن أنس صاحب الموطأ، عن ابن شهاب اللي هو الزهري، عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله، طبعا طلحة بن عبيد الله الصحابي الكريم الذي قتل يوم الجمل، وكذلك قتل الزبير رضي الله عنهما. هذا بقى اللي هو عيسى، قتل مع، أسف يعني طلحة بن عبيد الله قتل معه ولده محمد، يعني طلحة كان له أكثر من ولد منهم عيسى ومنهم محمد، قتل طلحة رضي الله عنه وقتل معه ولده محمد في هذا اليوم، لكن الراوي الذي عندنا هنا هو عيسى وليس محمد، عيسى بن طلحة بن عبيد الله طبعا من أكابر علماء أهل المدينة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه.

طبعا هو البخاري ذكر، يعني ذكر هذا اعتمادا على رواية أخرى ستتكرر إن شاء الله في باب السؤال والفتية عند رمي الجمار سياتي معنا، وكذلك الفتية على الدابة عند الجمرة ستاتي معنا في كتاب الحج، وسنتكلم فيها عما تضمنه هذا الحديث من الأحكام إن شاء الله تبارك وتعالى.

لكن وجه الشاهد هنا هو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتي الناس في الحج وكان يجيبهم، وأنا في رأي أن هذا مما ينتفع به طالب العلم، أن يعلم الناس ما يحتاجونه مما هم مقبلون عليه في أي مكان. مثلاً تصور أنك أنت كنت في رحلة ومسافر، كلمهم عن أحكام السفر في الصلاة مثلاً، كنت مثلاً تدخل في تجارة مع الناس كلمهم عن أحكام التجارة، وهكذا.

قال: فجاءه رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح. أفعال يوم النحر، أفعال يوم النحر يا شباب بشكل عام هي رمي جمرة العقبة، والذبح اللي هو نحر الهدي، والحلق أو التقصير، وطواف الإفاضة، فهذا هو الترتيب، يعني أن اللي هو رمي الجمرة، وبعدين الذبح، وبعدين الحلق أو التقصير، وبعدين طواف الإفاضة.

بعد ذلك اختلف بقى في جواز تقديم بعضها على بعض مع إجماعهم على إجزائه، طبعا هذا الحديث يدل على الإجزاء، واحد بيقول للنبي صلى الله عليه وسلم: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: اذبح ولا حرج. فالنبي صلى الله عليه وسلم يعني بين أن ذلك يجزئه، ولكنهم اختلفوا بعد ذلك في مواضع، ولكن هذا الحديث يعني أصل في هذا الباب أن هو لا حرج عليه ولا إثم ولا كفارة ولا فدية، وإن شاء الله سياتي في باب الحج.

المهم أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل، سأله الرجل: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح؟ فقال: اذبح ولا حرج. فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحر قبل أن أرمي؟ قال: ارم ولا حرج. فما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج.

أنا كما قلت لكم فائدته في رأيي أن طالب العلم يبث العلم في كل مكان كان فيه، سواء كان في المسجد، كان في بيته، كان في الشارع، كان في المواصلات، بل يفتعل هو النقاش، وأنا كنت أحب أن أفعل ذلك كثيراً والله يا شباب، وإلى الآن ولله الحمد، يعني لو راكب مثلاً في قطار، لو في أتوبيس، لو مع أصدقائي في رحلة، لو حتى خرجنا نتمشى، أحب هذا أننا أحاول أن أبدأ خيطاً من موضوع مثلاً في تفسير آية، في شرح حديث، في فكرة معينة، في مسألة علمية، منه أني ربحت هذا الثواب، والامر الثاني أني خرجت بهم عن، يعني ممكن كل واحد فيهم يكون هيلاعب مثلاً في الهاتف أو يضيع وقته، أو مثلاً كان هيغتاب أو يجيب سيرت حد، فأنا أحاول أن أنا أبدأ هذا وأحاول أن يكون موضوعاً شيقاً ويحتاجه المتلقي، فأنت لا تنتظر أن يسألوك بل أنت ابد وأفتعل هذا، وهذا فيه ثواب لك عظيماً.

باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس. حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا وهيب قال: حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل في حج فقال: ذبحت قبل أن أرمي؟ فأومأ بيده قال: ولا حرج. قال: حلقت قبل أن أذبح؟ فأومأ بيده ولا حرج.

بارك الله فيك. شوف يا هاشم، يعني حاول لما تجي تقرا أنك أنت تعود نفسك الوصل، بعض الناس مثلاً أحياناً بيحاول يسكن الكلام فيقول مثلاً: حدثنا موسى بن إسماعيل قال، لا أنت حاول أنك أنت تقول: حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا وهيب قال حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس، لأن هذا يدربك على الوصل في القراءة.

طيب موسى بن إسماعيل يا شباب، موسى بن إسماعيل التبوذكي تكلمنا عنه كثيراً، واحد الثقات الحفاظ من أكابر شيوخ البخاري قدراً. قال: حدثنا وهيب اللي هو وهيب بن خالد هذا صاحب الكرابيسي وعالم بالرجال. قال: حدثنا أيوب، أيوب السختياني عن عكرمة عن ابن عباس، تكلمنا عن عكرمة قبل ذلك وذكرنا أن ترجمته مهمة جداً لطالب العلم في الرواة الذين اختلف فيهم، جاء في ترجمته بعض الجرح، إما بالبدعة أو الاتهام بالكذب، والصواب أنه ثقة وحافظ، عن ابن عباس وإن كان أخذ عليه أنه يقول برأي الخوارج، ولكن هذا لا يؤثر على روايته، وبشكل عام ترجمة عكرمة من التراجم المهمة أنك أنت تتدرب على الرواة المختلف فيهم وتعرف أين تجد تراجم هؤلاء.

عن عكرمة عن ابن عباس، هو طبعا من أوثق الناس عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل في حجته، طبعا البخاري نلاحظ أن هو ذكر الرواية أولاً الفتية وهو واقف على الدابة، طبعا في أظن أن أنا نبهت على أن هذه وجه الشاهد في الحديث اللي هو تحت باب الفتية وهو واقف على الدابة، في رواية أخرى والبخاري يفعل ذلك أحياناً أن وجه الشاهد هنا اللي هو وهو واقف على الدابة، هذه الرواية التي بين أيدينا عندي أنا برقم أربعة وثمانين ليس فيها أنه كان واقفا على الدابة، ولكن كانت في رواية أخرى، فأحياناً يكون وجه الشاهد في رواية غير التي ذكرها البخاري، وهذا يعرف بجمع الروايات.

فهنا ذكر رواية ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل، ساله الرجل: ذبحت قبل أن أرمي؟ فأومأ، فهذا هو الشاهد، بيده قال فأومأ بيده ولا حرج، يعني كأنه هو قال زي ما احنا كده أن أنت تشاور بيدك على أمر معين عايز تقول مثلاً إيه الأمور تمام فتعمل اللي هي علامة الإعجاب دي، فانت ممكن تقول بيدك، أقوالاً بيدك اللي هي الإشارة، قال ولا حرج. قال: حلقت قبل أن أذبح؟ فأومأ بيده ولا حرج.

حدثنا المكي بن إبراهيم قال: أخبرنا حنظله بن أبي سفيان عن سالم قال: سمعت أبا هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقبض العلم ويظهر الجهل والفتن ويكثر الهرج». قيل: يا رسول الله، وما الهرج؟ فقال: هكذا بيده، فحرف، كأنه يريد القتل.

بارك الله فيك، يعني لاحظ أن البخاري يا شباب يعني يذكر هذه، لعلك تقول: ما فائدة أن هو يذكر؟ ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشير بيده أحياناً، هذا فيه رد على من زعم أن العالم لا يفعل ذلك، وأنا قلت لكم أن البخاري رحمه الله حاول أن يجعل كتابه في كل أبواب الدين كفاية للمسلم بحيث لا يحتاج إلى هدي غيره، أو بمعنى أصح أن يزن طالب العلم كل الكتب بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، فمن زعم أن العالم لا ينبغي له أن يفعل فعلاً فعله النبي صلى الله عليه وسلم فقد كذب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم خير الناس وأعلم الناس وأتقى الناس، فمن ترفع أو تنزه عن شيء كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم فهو مقصر لا ينبغي أن يمدح بذلك.

يعني مثلاً إذا علم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتبسم مثلاً أو كان يشير بيده أو كان يجلس مع الناس لا يتميز عنهم، ثم ادعى بعض الناس أن العالم لا ينبغي له أن يفعل ذلك فحاجه بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فسيظهر لك كثيراً من علم الإام البخاري في هذه الابواب إذا كنت تقرا في الكتب أو في الآثار عن التابعين أو عن من بعدهم، سواء في أبواب الإيمان أو في الأبواب التي تسمى بالرقاق والزهد والورع وآداب طالب العلم، سترى أن البخاري كان يتعمد كثيراً الرد على هذه أقوال ببيان سنة النبي صلى الله عليه وسلم المخالفة لها.

كما مثلاً ذكر في باب الحصير، ذكر الحصير الصلاة على الحصير، فأنت تقول يعني إيه ما فائدة باب الصلاة على الحصير إيه المشكلة يعني؟ اه، لأن بعض أهل العلم كان يكره كلمة الحصير عشان قول الله: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: 8]. فأنت لن تفهم هذا إلا بـ، أنا عايز أقول لك أن مقدار ما يظهر لطالب العلم من الكتاب الذي يقرأه بمقدار علمه هو، أضرب لكم مثالاً يا شباب، تصور أنك أنت دخلت سوق، هذا السوق مليء بالأدوات المنزلية والتحف والآثار مثلاً، فأنت أصلاً ما تعرفش غير الطماطم والكوسة والجزر، فأنت داخل بتدور عليها، ممكن في الطريق يكون في جواهر، يكون في مثلاً آثار من كنز الجاهلية يعني ثمنها ملايين الدولارات وأنت ولا تعرف أي حاجة عنها.

فأنا عايز أقول لك أن مقدار ما يلتقط، أولاً مقدار ما يفهمه الطالب من الكتاب، ثم ما يلتقطه من الفوائد بمقدار ما دخل فيه من الكتاب، وكلما كان طالب العلم عالماً بالعالم وعالماً بفروع العلم الذي يندرج تحته الكتاب، كلما استطاع أن يستخلص من الكتاب فوائد أكثر.

فجزء أساسي من علم البخاري أو من كتاب البخاري لن تفهمه إلا بمطالعتك كتب السنن والآثار وكتب المقالات وكتب الفرق وكتب الآاداب وغيرها، ستعرف أن البخاري في كل ترجمة كان يذكر ما يراه حقاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وضمناً يرد على المخالفين فيه، يقول لهم: هذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم فمن أين أتيتم بكذا أو كذا؟

قال حدثنا مكي بن إبراهيم، مكي بن إبراهيم أكبر من أكبر شيوخ البخاري، يصل به البخاري إلى طبقة التابعين، وطبعا سياتي عندنا أول حديث ثلاثي يرويه عن يزيد بن أبي عبيدة عن سلمة بن الأكوع، اللي هو حديث مشهور جداً: «من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار»، سياتي معنا إن شاء الله قريبا.

قال حدثنا المكي بن إبراهيم قال: أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان عن سالم، اللي هو سالم بن عبد الله بن عمر وهو من أكثر من روى عن أبيه ومن الثقات الحفاظ، لكنه هنا روى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت أبا هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقبض العلم ويظهر الجهل والفتن ويكثر الهرج». طبعا الفتن موجودة والجهل موجود، وإن كان الجهل يا شباب في أكثر الموارد التي ورد فيها بمعنى التعدي أو العمل بغير العلم، يعني فيه أكثر من مجرد عدم العلم، وهذا موجود في القرآن كثيراً، كما قال مثلاً يوسف عليه السلام: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: 33]. وهذا كثير جداً: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: 17]. قال: يقبض العلم ويظهر الجهل، يظهر يعني يفشو وينتشر، والفتن كذلك تكثر، ويكثر الهرج. في رواية أن الهرج بلسان الحبشية هو القتل، هذا سياتي معنا إن شاء الله بعد ذلك.

قيل: يا رسول الله، ما الهرج؟ فقال: هكذا بيده، فحرف، كأنه يريد القتل. فهذا أيضاً فيه الإشارة أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار بيده، فأي إنسان يزعم أن العالم لا ينبغي له أن يشير بيده للتعبير عن معنى ما وأن هذا ضد الوقار، كل هذا لا يصح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو خير الناس وقد أشار بيده، بل الإشارة مما يجذب الانتباه، والبخاري أكيد عنده أحاديث كثيرة جداً فيها الإشارة باليد ولكنه اكتفى بهذه.

الأحاديث، طيب أكمل حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا وهيب، قال: حدثنا هشام، عن فاطمة، عن أسماء قالت: أتيت عائشة وهي تصلي فقلت: ما شأن الناس؟ فأشارت إلى السماء، فإذا الناس قيام، فقالت: سبحان الله. قلت: آية؟ فأشارت برأسها أي نعم، فقمت حتى تجلاني الغشي، فجعلت أصوب على رأسي الماء، فحمد الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم وأثنى عليه، ثم قال: «ما من شيء لم أكن أريته إلا رأيته في مقامي حتى الجنة والنار، فأوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم -مثله أو قريب، لا أدري أي ذلك قالت أسماء- من فتنة المسيح الدجال، يقال: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن أو الموقن -لا أدري بأيهما قالت أسماء- فيقول: هو محمد رسول الله، جاءنا بالبينات والهدى، فاجبنا واتبعنا، هو محمد -ثلاثا- فيقال: نم صالحا، قد علمنا إن كنت لموقنا. وأما المنافق أو المرتاب -لا أدري أي ذلك قالت أسماء- فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته».

بارك الله فيك، طبعا نلاحظ أن هذا هو الحديث أو هذا هو الشاهد ذكر البخاري شاهدا أولا حديث موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب، اللي هو رجل قال ذبحت قبل أن أرمي فهذا أول شاهد تحت من أجاب الفتية بإشارة اليد والراس، تمام. وذكر طبعا إشارة اليد والراس، كان الراس هذا قياس على الإشارة باليد، وكثير من تراجم البخاري يكون فيها ذكر الشاهد والقياس عليه؛ كما مثلا سيأتي معنا في حديث تعليم الرجل أمته وأهله، هو أصلا الحديث ورد في تعليم الأمة، لكنه قاس عليه الأهل من باب أولى.

فالبخاري ذكر الحديث الأول، وذكر الحديث الثاني اللي هو فيه الهرج وأشار بيده حرفها، وهذا هو الحديث الثالث. لماذا أخر هذا الحديث يا شباب؟ في رأيي أنه أخره لأنه من فعل عائشة رضي الله عنها، وكان فيه إقرار ولكن لم يكن بقوة الشاهدين الأولين. قال: حدثنا موسى بن إسماعيل -طبعا تكلمنا عنه- ووهيب بن خالد، قال: حدثنا هشام، هذا هشام بن عروة بن الزبير، عن فاطمة، فاطمة هذه زوجته، هي زوجة هشام، وهي فاطمة بنت المنذر بن الزبير -يعني هي ابنة عمه وكمان زوجته- يعني هو يحدث عن امراته. لاحظوا يا شباب، هو يحدث عن امراته ويتعلم منها، هي امراته هنا هي شيخه في هذا الحديث، وهذا مناسب لما كنا نتكلم عنه.

وأنا والله يعني رايت بعيني في بلد قبل حوالي يمكن ستة أشهر تقريبا، كنت في بلد معين أعطي دروسا، وطلبوا مني أن أذهب إلى دار لليتامى، وكل الدار يعتبر فيها أطفال من البنات، والمراة القائمة هي وأختها وزوجها معها. والله رأيت بعيني زوجها والله يخدمها ويرعاها ويوفر لها كل الوقت لتكمل هذا المشروع، والله هذا الرجل أنا كنت أعرفه قبل ذلك، والله أن هذا الرجل كبر في عيني، في الأصل أنا ما كنتش أعرف إنه زوجها، أخذني بالسيارة لنوجه المدرسات هناك في زي حلقة كده والحمد لله يعني كلهن من أهل الفضل والخير.

فوجدت أن المرأة تجلس قريبا منه، وأنا استغربت شوية، أنا مثلا جالس بعيد جدا وأوجه لهن بعض النصائح، فهو قريب منها، بعد كده وجدتها تقول له: ناولني كذا، زي كتاب أو حاجة كانت هي بعيدة، فأنا استغربت، فبعد كده عرفت أنه زوجها. والله هذا الرجل قال: امراتي فتح الله عليها في باب في رعاية اليتامى، والله أنا لو أنا كتبت منشور عن هذه المرأة، والله هذه المرأة من أحسن من رايته في حياتي. المرأة جمعت البنات من الشوارع، كان منهم كثير اللي هم بيقعدوا في الشوارع يبيعوا المناديل والحاجات دي، جمعتهم من الشارع وجعلتهم في مبنى، وسبحان الله المرأة بدأت من الصفر، وصار الآن هذه الدار نموذج يدرس، رايت بعيني بنات صغار يتلون القرآن، يحفظون الأحاديث، ويتكلمون بالعربية مع أن ده كان في بلد لا تتكلم العربية، والبنات دول مش من العرب، يعني بعضهم من العرب وإنما كثير منهم ليسوا من العرب، والمراة علمتهم وجعلتهم ما شاء الله -مش عارف أقول إيه- مثل الورود، فجزاها الله خير الجزاء، وأنا أدعو لزوجها منذ عرفت أن هذا الرجل يعين زوجته على هذا المشروع، ووجدت بينهما التواضع والتالف والحب والود، وكل واحد منهم يحترم مشروع الآخر، زوجها أيضا يطلب علماً ويتحلم، ولكن وجد امراته فتح عليها في هذا الباب فيعينها عليها، فرضي الله عنه ورضي عنها.

طيب، نحن ذكرنا بذلك فاطمة بنت المنذر -رحمه الله ورضي الله عنها- عن أسماء، طبعا أسماء بنت أبي بكر الصديق هي زوجة الزبير بن العوام، وهي جدة هشام وجدة فاطمة. قالت: أتيت عائشة وهي تصلي -اللي هي أسماء أتت عائشة وهي تصلي- فقالت: ما شأن الناس؟ فأشارت لي عائشة رضي الله عنها، فأشارت إلى السماء، أن الشمس انكسفت، فإذا الناس قيام -يعني أسماء هي التي تتكلم أنها نظرت وجدت الناس قيام يصلون صلاة الكسوف- فقالت: سبحان الله، قلت: آية؟ فأشارت برأسها، أي نعم.

فقمت -أسماء هي التي تقول- حتى تجلاني الغشي -نوع من الإغماء، درجة من درجات الإغماء- فجعلت أصوب على رأس الماء -طبعا صبت على رأسها الماء لماذا يا شباب حتى تدفع الغشي؟ لأنها من طول التعب شعرت بقرب الإغماء- والبخاري سيستدل بالحديث على إشارة عائشة رضي الله عنها، وسيستدل بصب أسماء الماء اعتمادا على أن هذا إقرار، كانه إقرار حصل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، واستدل بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يراه من خلف ظهره فلما لم ينكر فهذا إقرار. فاستدل البخاري هنا بإشارة عائشة، وسيستدل في كتاب الوضوء بصب أسماء الماء أن الإغماء أن درجة أن هناك درجة من الإغماء لا تنقض الوضوء.

قال: فحمد الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم وأثنى عليه، ثم قال: «ما من شيء لم أكن».. هذا الحديث إن شاء الله سياتي الكلام عليه، سيتكرر كثيرا إن شاء الله، ولكن خلاصته أن الناس يفتنون -يمتحان- في قبورهم. قال: «مثل أو قريب» -هذا شك من الراوي- قال: لا أدري أي ذلك قالت أسماء -هذا شك من الراوي- من فتنة المسيح الدجال، يقال: ما علمك بهذا الرجل -اللي هو النبي صلى الله عليه وسلم- فذكر حال الموقن وحال المرتاب، وإن شاء الله سياتي هذا في موضعه إن شاء الله.

طيب، ممكن ناخذ حد آخر، هشام قرأ معنا كثيرا، ممكن مستر.. مش عارف مستر مين بقى معانا، أنا فتحت على أحد الآن، تفضل.

باب تحريض النبي صلى الله عليه وسلم وفد عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان والعلم ويخبروا من وراءهم، وقال مالك بن الحويرث: قال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: «ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم».

قال حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا غندر، قال حدثنا شعبة، عن أبي جمره قال: كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس. فقال: إن وفد عبد القيس أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من الوفد أو من القوم؟ قالوا: ربيعة. فقال: مرحبا بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا ندامى. قالوا: إنا ناتيك من شقة بعيدة، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، ولا نستطيع أن ناتيك إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر نخبر به من وراءنا ندخل به الجنة. فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع؛ أمرهم بالإيمان بالله عز وجل وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة، وإتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا الخمس من المغنم. ونهاهم عن الدباء والحنتم والمزفت -قال شعبة: ربما قال: النقير، وربما قال: المقير- قال: احفظوه وأخبروا من وراءكم.

بارك الله فيك. طيب، هذا الباب، باب تحريض النبي صلى الله عليه وسلم وفد عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان والعلم ويخبروا من وراءهم؛ طبعا هذا الباب متمم لطالب العلم، أن طالب العلم إذا سمع علماً فيجب عليه -أو إذا أراد أن يكون من أهل العلم- أن يحفظه، وأن يسعى في تعليمه ونشره وبثه. فهذا الباب فيه تلقي العلم وفيه ضبط العلم وحفظه ووعيه، وفيه العمل به ونشره وتعليمه. فواضح جدا مناسبة هذا الباب للكتاب. وفيه كذلك يا شباب أن طالب العلم لا يبث المعلومات فقط، وإنما يبث الإيمان والخلق، وهذه فائدة لفتة يا شباب، أنت تنتفع من العالم من خلقه ومن هديه أكثر من المعلومة التي يعطيك إياها. فأنت كذلك إذا أردت.. أنت لا ينبغي أن تقتصر علاقتك بمن يدرس معك على أن تعطيه المعلومة، ولكن تؤدبه، وإذا كنت قريبا منه ووجدت ما يحتاجه من النصح فانصحه وأعنه على دينه.

قال: طبعا وقال مالك بن الحويرث، هذا الحديث معلق وأسنده البخاري، سياتي إن شاء الله عندنا في كتاب الصلاة حديث عظيم جدا، وأنا عملت عنه محاضرة كاملة في رعاية النبي صلى الله عليه وسلم لشباب الإسلام؛ هذا من أجمل الأحاديث يا شباب، وفيه أن هؤلاء أقاموا عند النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من عشرين يوما -يعني أقاموا، شوف دورة النبي صلى الله عليه وسلم عمل لهم دورة، وبعد ذلك قال: «ارجعوا إلى أهلكم فعلموهم»- فهذا الحديث اللي هو فيه «صلوا كما رأيتموني أصلي»، فهذا الحديث سياتي معنا إن شاء الله يا شباب، ذكره فقط هنا لهذا الشاهد: «ارجعوا إلى أهلكم فعلموهم». فطالب العلم الذي تعب في العلم ينبغي أن ينشره وأن يعلمه، فذلك فيه ثواب من جهة وفيه عدم تضييع لعلمه من جهة أخرى.

قال: حدثنا محمد بن بشار بندار -طبعا- قال حدثنا غندر. طبعا البخاري يصل إلى غندر بواسطة دائما، لكنه يصل إلى شعبة أحيانا بغير واسطة، وكثيرا -مثلا إذا روى عن أبي داود الطيالسي، أقصد عن أبي الوليد وغير ذلك- كثيرا ما يروي عن شعبة بغير واسطة، كما يروي عن علي بن الجعد عن شعبة. هذا الحديث سبق معنا يا شباب برقم 53، كان عن علي بن الجعد عن شعبة، إنما هنا الإسناد نازل شوية، غندر طبعا غندر من أصح الناس حديثا عن شعبة وإن كان هو يخطئ في غيره.

قال: حدثنا شعبة، عن أبي جمرة -اللي هو نصر بن عمران أبو حمزة الضبعي- هذا بصري ثقة ثبت، قال: كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس. أترجم: إما الترجمة من لغة إلى لغة، أو أنه يبلغ كلامه إلى من لم يسمعه، أو أنه يشرحه، أو أنه يرفع صوته لكثرة الزحام. المهم أن الترجمة لا تقتصر أنها تكون من لغة إلى لغة.

والسبب في تحديث ابن عباس لهذا الحديث لأبي جمرة، جاء في بعض الروايات قال: فأتته امرأة تسأله عن نبيد الجر، فذكر الحديث وموجود عند البخاري، قال أبو جمرة لابن عباس: إن لي جرا -يعني جرا ينتبذ لي فيها- فابن عباس حدثه لأن أبو جمرة كان من عبد القيس، وأبو جمرة هذا كان من عبد القيس، ولما كان حديثهم عن الانتباذ ناسب أن يذكره ابن عباس. في روايات تظهر أن ابن عباس لم يبلغه النسخ، لأن هذا هذا الحكم نسخ، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم عن الدباء والحنتم إلى غير ذلك، هذا نسخ، وجاء في حديث بريدة بن الحصيب عند مسلم وعند أبي داود والنسائي والترمذي وأحمد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسكية كلها ولا تشربوا مسكرا»، وفي رواية: «إلا في ظروف الأدم فاشربوا» -ونهيتكم عنها إلا ظروف الأدم فاشربوا في كل وعاء، والأدم اللي هو جمع أديم وهو الجلد الذي دُبِغَ- فجاء أن هذا فيه نسخ. في هذا الحديث جاء فيه نسخ نهي زيارة القبور، وفيه نسخ ادخار لحوم الإبل -النهي عن ادخار لحوم الإبل- ونسخ النهي عن الانتباذ في الجرار.

المهم هنا أن مناسبة هذا الحديث في أن امرأة جاءت تسأل عن نبيد الجر، وجاء في رواية أن أبا جمرة سأل ابن عباس أن له جرا ينتبذ له فيها. المهم أن هذا الحكم يا شباب سياتي تفصيله في كتاب الآشربة وغيره وغيره. قال: كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس. فقال: إن وفد عبد القيس.. ذكر بعض الناس أن هذا الوفد هذا.

الوفد كانوا 14 راكباً، وكان كبيرهم أو من كبرائهم الأشج، اللي هو أشج عبد القيس، الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله». قال: إن وفد عبد القيس أتى والنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «من الوفد أو من القوم؟». قالوا: ربيعة، يعني حي، يعني إحنا حي من ربيعة، أو في رواية أنا هذا، أو أن هذا الحي من ربيعة، إحنا حي من ربيعة، يعني زي مجموعة من ربيعة، يعني، فقال: «مرحبا بالقوم».

إحنا قلنا الوفد، الوفد يا شباب، يعني الوفد عموماً هم الجماعة المنتخبة المختارة من قوم ليكونوا في مقدمة القوم، يتقدمون القوم في الأمور المهمة، مثلاً يقابلون وجهاء الاقوام، أو مثلاً ينوبون عنهم في بعض الأمور، فهذا هو معنى الوفد. قال: «مرحبا بالقوم أو بالوفد، غير خزايا ولا ندامة». غير خزايا، الخزايا جمع خزي، وهو من أصابه الخزي، فالنبي صلى الله عليه وسلم بشرهم بالخير عاجلاً وآجلاً. غير خزايا ولا ندامة، ندامة يعني نادمين.

قالوا: إنا ناتيك من شقة بعيدة، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، كفار مضر كانوا بينهم وبين المدينة، ولا نستطيع أن ناتيك إلا في شهر حرام، الشهر الحرام اللي هي يعني الأشهر الحرم، يعني هي أربعة، اللي هي حرم فيها القتال، هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، وفي بعض الروايات أنهم جاؤوه في شهر رجب، يعني لأن وحتى سموه رجب مضر، لأن كانت العرب تعظمه، وطبعا كانوا وإن كانوا بعد ذلك يعني يغيرون ذلك، إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً إلى آخر الآيات.

طيب، فمر بأمر نخبر به من ورانان، ندخل به الجنة، هذا هو وجه الشاهد، أنهم أرادوا أن يتعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم ما يحتاجونه وما يعلمونه من بعدهم أو من وراءهم، فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع. أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: «هل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟». قالوا: الله ورسوله أعلم. قلت لكم: هذا فيه دلالة على أن على أكثر من أمر؛ أولاً: النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل لهم حقيقة الإيمان كذا، وهذا مما انتشر كثيراً جداً عند المتأخرين، وحتى هو بدأ يعني حتى عند بعض المتقدمين من الصوفية وغيرهم أنهم يقولون حقيقة التقوى كذا، حقيقة الورع كذا، حقيقة مثلاً الإيمان كذا، النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما عرفه لم يقل حقيقة كذا كذا، قال: «هل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟». قال: الله ورسوله أعلم. وفيه كذلك أن العلم بالألفاظ المعروفة في لسان العرب إنما يفهم في الإسلام عن النبي صلى الله عليه وسلم، ما يجيش واحد يقول الإيمان هو بمعنى التصديق، النبي صلى الله عليه وسلم عرف الإيمان وعرف الإسلام وعرف الأحسان، فهذا أصح ما تعرف به هذه الألفاظ.

قال: «شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وتعطوا الخمس من المغنم». ونهاهم عن الدباء، الدباء اللي هو القرع، وواحده واحدها دباء، كانوا ينتبذون فيها، لماذا؟ لأنها يعني تسرع في الشدة، يعني تبقى يعني تسرع في الإسكار. طيب، نهاهم عن الدباء والحنتم، الحنتم كذلك هي جرار مدهونة برض نفس الشيء أن هي يوضع فيها الخمر أو تحمل فيها الخمر، وواحدته حنتمة، يعني مفردها حنتمة.

والمزفت، يعني إناء يطلب الزفت، هو قال هنا، قال شعبة: ربما قال المقير، يعني إيه بقى هنا؟ يعني أحياناً يذكره مع الثلاثة وأحياناً لا يذكره، يعني شعبة حينما روى هذا الحديث أحياناً يقول: ونهاهم عن الدباء والحنتم والمزفت أسف والنقير، ربما قال النقير، يبقى النقير هو الرابع، وربما قال المقير، يعني يا شباب يعني ربما قال المقير مكان المزفت، عشان بعض الناس مش متخيل هذه الرواية، يعني أحياناً يضيف النقير إلى الثلاثة اللي هو الدباء والحنتم والمزفت، وأحياناً بدل ما يقول كلمة المزفت يقول أو المقير.

وفي رواية عباد بن عباد عن أبي جمرة وهذه موجودة عند البخاري فيها الدباء والحنتم والمقير النقير، وفي رواية حماد بن زيد عن أبي جمرة فيها الدباء والحنتم والنقير والمزفت، وكذلك في مسند أحمد من رواية القطان وغندر نهاهم عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت، وربما قال المقير.

فالإنتباذ يا شباب، ما معنى الإنتباذ عشان نبقى نكون فاهمين؟ أن هو يجعل في الماء حبات من التمر أو الزبيب ليحلو الماء، لأن الماء كان مر، الماء كان مالح أو مر، فيضعون فيه التمر أو الزبيب عشان يحلو الماء، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهاهم عن ذلك أولاً لأنه يسرع في الإسكار، ثم نسخ بعد ذلك في الحديث اللي هو المشهور: «وكنت نهيتكم عن الإنتباذ إلا في الأسقية، فانبذوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكراً».

طيب، يبقى إحنا فهمنا كده، قال: «احفظوه وأخبروا من وراءكم». طبعا هم بينوا هنا أن شعبة في رواية هذه كان عنده نوعين من الشك، عنده نوعان من الشك، الأول: أن هو ربما قال النقير، يكون النقير هو الرابع مع الدباء والحنتم والمزفت، وربما قال مكان كلمة المزفت المقير، أرجو أنكم تكونوا فهمتوا ده يا شباب.

طيب، يبقى الشاهد هنا حفظ العلم وتعليمه أو نشره بين الناس. طبعا وفد عبد القيس يعني سياتي في فضلهم، لأنهم أول من جمعوا الجمعة بعد مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، بعد رجوعهم من عنده جمعوا الناس وصلوا الجمعة، وكان يعني هذا من أفضل الوفد الذين وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

طيب، كمل يا أنت اسمك إسبك إيه؟ مستر إيه ما مش عارف، أنا أحمد. اتفضل يا استاذ أحمد.

باب الرحلة في المسألة النازلة وتعليم أهله. قال: حدثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا عمر بن سعيد بن أبي حسين، قال: حدثني عبد الله بن أبي مليكة، عن عقبة بن الحارث أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز، فأتته امرأة فقالت: إني قد أرضعت عقبة والتي تزوجت. فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني، فركب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فسأله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف وقد قيل؟» ففارقها عقبة ونكحت زوجاً غيره.

بارك الله فيك. هنا البخاري عليه رحمة الله جعل هذا الباب عاماً لكل مسلم، لا يختص طالب العلم وإنما يخص كل مسلم لديه فتوى أو لديه حكم يريد أن يعرفه أو يجب عليه أن يعرفه، أنه يطلبه عند أهل العلم حتى لو كلفه ذلك ما كلفه. فهذا الرجل سافر لمسألة نازلة فتوى، فلما لم يجد عنده من يفتيه، وطبعاً والنبي صلى الله عليه وسلم لا يفتي أحد في وجود النبي صلى الله عليه وسلم، رحل إليه واضح.

فهذا الباب يا شباب ليس خاصاً بطالب العلم بل هو خاص بصاحب الحاجة أو الفتوى، يرحل ويتحرى فيها أهل العلم، وهو بخلاف الرحلة في طلب العلم، اللي هي في طلب العلم الازدياد من العلم. باب الرحلة في المسألة النازلة وتعليم أهله، المسألة النازلة مسألة نزلت بك، أمر تحتاج أن تعرف فيه الحكم الشرعي وتعليم أهله.

قال: حدثنا محمد بن مقاتل، طبعاً هذا مروزي ثقة ممن جاور في مكة في آخر عمره، كنيته أبو الحسن، قال: أخبرنا عبد الله، طبعاً يعني لما يكون في إسناد مروزي فيه مروزي يكون عبد الله هو عبد الله بن المبارك عليه رحمة الله، أخبرنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا عمرو بن سعيد بن أبي حسين، عمرو بن سعيد بن أبي حسين هذا قرشي مكي، قال: حدثني عبد الله بن أبي مليكة، وعبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة سبق أن ذكرناه في اللي هو الأثر لما قال: أدركت 30 من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف على نفسه النفاق، تكلمنا عنه.

عن عقبة بن الحارث، هذا أيضاً قرشي مكي، وهو الصحابي الكريم أسلم يوم الفتح، أنه تزوج ابنة لأبي إهاب، طبعاً كلمة إهاب نحن بنكتبها إهاب، لكن هي الصواب أنها بتتكتب إهاب كده بالالف تحتها كسرة لأبي إهاب بن عزيز، فأتته امرأة فقالت: إني قد أرضعت عقبة والتي تزوجت. فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني، فركب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فسأله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف وقد قيل؟» ففارقها عقبة ونكحت زوجاً غيره.

هذا سياتي إن شاء الله معنا في، طبعاً هو كان يقيم في مكة وركب وذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يعني رحل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، هو كان من مكة إلى المدينة، فرحل ليسال، وهذا من أجمل الشواهد هنا أنه رحل لأجل مسألة نازلة، سياتي إن شاء الله هذا في كتاب الشهادات والنكاح، والشاهد هنا أنه رحل في السؤال أو الفتيا، وهذا واجب على كل صاحب حاجة قبل أن يبدأ فيها أصلاً، أن يتفقه هذا الباب قبل أن يبدأ فيه، أراد أن يتزوج يعرف أحكام النكاح، أراد مثلاً أن يعمل طبيباً يعرف أحكام الطب في الإسلام، أراد أن يتاجر، أراد أن يشارك أحداً يعرف الشركات، أراد أن يؤجر، كل هذا يا شباب ما صنع الأئمة كتباً تجمع سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه في مختلف الأبواب إلا ليتخذه الناس قبل أن يبدأوا في العمل.

طيب، يبقى هو الآن يحتاج إلى معرفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم أولاً قبل أن يقدم على العمل الصيام، الزكاة، طلب العلم وغيره. وأنا في رأيي يا شباب، خير ما يبدأ به طالب العلم كتاب العلم من صحيح البخاري، وخير ما يبدأ به مثلاً المصلي أو المتوضئ أو أي باب من أبواب الخير أن يعرف هدي النبي صلى الله عليه وسلم فيه هذا أولاً.

ثانياً: إذا عرض له مسألة، أنت مثلاً ممكن تكون فعلاً قرأت في كتاب البيوع، لكن بعد ذلك طرأ عندك نوع من البيوع، نوع من مثلاً الشركات، فأنت تريد أن تسال، فقيل قبل أن تبدأ تسال عن علم هذا وتطلبه. والامر الثاني: إذا عرض لك عارض أيضاً تسال، وواجب طلاب العلم أن يسعوا في كفاية الناس في هذه الأبواب.

طيب، الباب الذي بعده، طيب نشوف أحد آخر معنا، أبو عمر، تفضل يا أبا عمر. استاذ عبد الرزاق، يا ريت أي واحد يا شباب، استاذ هاشم واستاذ احمد يا ريت تغلق من عندك السماعة بعد إذنك، تفضل يا عبد الرزاق أبو عمر.

باب التناوب في العلم. حدثنا أبو اليماني، أخبرنا شعيب عن الزهري، حاء، قال أبو عبد الله: وقال ابن وهب، أخبرنا يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، عن عمر قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد، وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينزل يوماً وأنزل يوماً، فاذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك.

فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته، فضرب بابي ضرباً شديداً فقال: أثم هو؟ ففزعت فخرجت إليه فقال: قد حدث أمر عظيم. قال: فدخلت على حفصة فاذا هي تبكي فقلت: طلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: لا أدري، ثم دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت وأنا قائم: أطلقت نساءك؟ قال: «لا». فقلت: الله أكبر.

بارك الله فيك. طيب، باب التناوب في العلم، نلاحظ أن البخاري عليه رحمة الله، كما ذكرنا كثيراً، لا يترك حديثاً يمكن أن يؤخذ منه معنى ينفع تحت أي باب إلا وظفه تحته، فتلاحظ هنا أنه ذكر في هذا الباب شاهداً ليس عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما عن الصحابة، والبخاري يرى أن كل ما حصل من الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يدخل في الحديث المرفوع، وهذا سيتكرر كثيراً جداً، معناه أن ما حدث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أو ما ذكر عن الصحابة أو حتى عن الخلفاء الراشدين يدخله في باب المرفوع، بمعنى أنه سنة، ينتفع منه في هذا الباب.

فذكر باب التناوب في العلم، يعني أن يكون لك نوبة وأن يكون لأخيك نوبة، وكل منكما يفيد الآخر، وهذا يا شباب من أجمل ما يوفق له طالب العلم، سواء في تلقي العلم أو في مذاكرة العلم أو في تدريس العلم. يعني أنا مثلاً ومجموعة من الأصدقاء كل واحد منا له باب متميز فيه، مثلاً في علوم الحديث، في علوم القرآن، في لسان العرب، في الفكر والمذاهب والفرق، في أصول الفقه، في مصطلح الحديث أو في علم الرجال أو كذا، فنستفيد من هذا الباب التكامل بيننا، كل منا يكمل الآخر فيه.

كذلك التناوب، نتصور أن أنا وانت مثلاً في عندنا الآن درس، مثلاً فلان يعطي درساً مثلاً في صحيح مسلم، وفلان الآخر يعطي درساً مثلاً في كتاب ألفية ابن مالك مثلاً، أنت وزميلك هذا يحضر لهذا وأنت تحضر لذاك، وكل منكما يفيد.

كما ذكرت التكامل قبل ذلك الذي حصل بين الحميدي والشافعي وبين إسحاق بن راهويه والشافعي وغير هذا، وكما يحصل في مذاكرة أهل العلم، وأنا ذكرت ذلك في بحث الكتب التأسيسية -اللي هي الدورة الكلام فيها عن مذاكرة أهل العلم وأن هذا كان سنة عندهم- فهذا من أجمل ما يكون يا شباب. فطالب العلم لا يستطيع أبدا أن يستوعب كل الدروس، فلا بد أن يفوته شيء. فنحن هنا سنتكلم عن أمرين؛ عن التناوب في العلم، وكذلك عن معنى التفرغ للعلم؛ لأنه واضح أن عمر بن الخطاب لم يكن متفرغا، وسيأتي دليل على ذلك أنه فاته بعض العلم وعرفه الصحابة الأصغر منه سنا وهو تعلمهم منهم، وذكر أنه شغله عمله في السوق ونحو ذلك عن هذا العلم.

الشاهد هنا؛ باب التناوب في العلم فيه الحرص على العلم حتى لو كان عندك عمل، يعني أن تدخر ما تبقى لك من الوقت في الازدياد من العلم. وفيه كذلك الانتفاع من أقرانك والتعلم منهم، وفيه التعاون على البر في العلم، وفيه كذلك لا يشغلك عملك عن تحصيل ما فاتك من العلم، لأنك أنت ممكن تكون مثلا إذا تبقى لك ساعة من اليوم تحضر فيها الدرس لكن فاتك دروس، هل تتركها؟ لا، تأخذها عما تتفق به من أقرانك. وفيه كذلك أن الطالب لا يغفل عن معاشه ولا يضيع أهله بطلب العلم، ولكن يستعين بالله تبارك وتعالى ويدخر ما تبقى له من الوقت.

وأما من رزق التفرغ في طلب العلم مع العزم وحسن التخطيط وحسن الفقه، فتلك نعمه من أعظم النعم. فكرة التفرغ لطلب العلم، أنا والله أعرف نابغين متميزين في طلب العلم والدعوة والتدريس ليسوا متفرغين، بل هم موظفون ولهم دوام أكثر من عشر ساعات يوميا، لكنهم يحبون الفقه في الدين ويشعرون بالمسؤولية، فيدخلون كل فراغ مهما صغر للدراسة والحفظ والمذاكرة. وكما أعرف، بل أنا عشت بنفسي مع من تفرغ تماما لطلب العلم وكفل كفالة تامة ليجعل وقته كله للتحصيل وكان أمامه المكتبات فيها كل الكتب بكل النسخ، والله ما حصل شيئا يذكر، وكنت أراه ينام على الأقل اثنتي عشرة ساعة في اليوم موزعة على اليوم، ويقوم من النوم تعبان ويكمل نوم -ده أنا شفته بعينيا- لا شعور له بالمسؤولية بل يتفنن في إضاعة الوقت.

ولو اجتهد قليلا وذاكر مثلا ساعة ولا اثنين، ينام بجنبها خمس ساعات. عنده الأدوات شبه كاملة؛ عنده الشيوخ، وعنده طلاب علم حوله، وعنده زملاء، وعنده المكتبة، وعنده الأقلام والدفاتر، وعنده كمبيوتر، وعنده الكتب. كل اللي يشتغل بيه فقط منظر العلم؛ يكوي القميص ويلبس الغترة ويمسك الكتاب ذهابا وإيابا، ويقترب من الشيخ ويتصور معاه، وقد يحاول أن يظهر في الصورة ليجذب الانتباه أو نحو ذلك، ثم يرجع إلى الناس وقد انتظروا منه عالما بعدها بعد مدة الانقطاع هذه والغربة، وإذا به لا يفعل شيئا ذا بال.

فلذلك يا شباب، لم تكن القضية أبدا قضية أن الإنسان يكون متفرغا، لا شك التفرغ معين، لكن التفرغ إذا كان مع إنسان مليء تقي عاقل يحفظ نفسه ويملك وقته، يكون خيرا وبركة. ولكن ماذا ينفع الإنسان إذا كان متفرغا وكان كسولا؟ ماذا ينفع الإنسان إذا كان متفرغا ومنقطع ولكنه يتبع شهواته ويقضي وقته في المحرمات؟ ماذا ينفع الإنسان إذا كان متفرغا وكان غبيا وكان لا يحسن التخطيط؟ فالتفرغ للإتقان في العلم، فهذه فكرة لابد أن تفهمها. كثير من الشباب يقول: أنا نفسي حد يفرغني. طيب، أنا حتى لو تفرغت، طيب أنت ماذا تفعل في فراغك؟ من لم يتق الله في الفراغ المتاح له، كيف يتقي الله لو فرغ تماما؟ نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ.

اختباره يا شباب بالعزم، بحسن التنظيم، بالمواظبة والبركه من الله. كذلك المذاكره واختيار الكتب واختيار المشايخ، فالعمر قصير والعلم كثير جدا، قد يكون التفرغ نقمة؛ إنسان مثلا لا يححسن التخطيط، أو عنده كسل، أو متفرغ مثلا لم يختر البرامج المناسبة له، وكثير من الناس يعرفون ذلك، أو مثلا اهتم بالمسائل التي لا تنفعه -واحد دخل في الشبهات والاشكالات- أو شخص تعصب لبعض المشايخ وصار يعيش نافح عنه ولا يفكر إلا في ذلك، أو لم يحسن اختيار الكتب والدورات عايش طول عمره على المختصرات والمتون وسؤال وجواب، أو عايش على طالب علم واحد لا يستمع إلا له وويضيع باقي اهل العلم. كل هذه من الأسباب التي قد يضيع فيها العمر.

يبقى إذا يا شباب، التفرغ مجرد سبب معين فقط، طبعا لا شك أنه خير، لكن تحتاج معه إلى العزم والتخطيط، وتحتاج معه إلى الصبر والصدق في الطلب والمذاكرة، وأن تختار البرنامج المناسب إلى غير ذلك. أنا لماذا ذكرت هذا؟ لأن كثير من الطلاب يتصور أنه لن يكون عالما إلا بالتفرغ، وفي المقابل يتصور أن كل من تفرغوا يكونون علماء، لا هذا صواب ولا هذا صواب.

قال أبو اليمان: خلاص تكلمنا عنه، الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري حاء، قال أبو عبد الله: وقال ابن وهب، أخبرنا يونس، عن ابن شهاب. طبعا هذا معلق، فائدته بيان أن اصل هذا الحديث ليس من افراد شعيب، يعني شعيب لم ينفرد به عن الزهري، وإن شاء الله سياتي الحديث بطوله عن شعيب إن شاء الله في كتاب النكاح باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها، سياتي معنا إن شاء الله تبارك وتعالى.

والحديث روي وصله عن الزهري، يعني رواه معمر وصالح ويونس وعقيل، مروي في أكثر من كتاب، يعني رواه البخاري تعليقا هنا عن يونس، ورواه النسائي عن صالح، ورواه الترمذي عن معمر، فالحديث الحمد لله معروف.

قال: أخبرنا يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور هذا قرشي مدني. احنا عندنا عبيد الله بن عبد الله الذي يروي عن ابن عباس اثنان يا شباب: عبيد الله بن عبد الله بن عتبه بن مسعود، هذا مكثر جدا عن ابن عباس وهذا مر معنا وسياتي كثيرا. وعندنا عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، هذه الرواية فقط له في الصحيحين.

عن ابن عباس، عن عبد الله بن عباس، عن عمر، قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار من الأنصار في بني أمية -طبعا هذه رواية شعيب يا شباب، هذه الرواية من أول هنا رواية شعيب- من بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا وجه الشاهد: التناوب في العلم. ذكر التناوب في هذه الرواية شباب في من رواية الليث عن عقيل عن الزهري أيضا، سياتي عندنا إن شاء الله في كتاب المظالم.

خلاص، يبقى هذا وجه الشهادة شباب: كنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينزل يوما وأنزل يوما، فهذا فيه التعاون، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، يبقى كل واحد منهم يعين الآخر ويعلمه ما تعلمه، ما لم تستطع أن تاخذه بعلو -تاخذه بنزول-.

وفي رواية، اللي هو حديث استئذان أبي موسى على عمر رضي الله عنه، وكان قد خفي على عمر تلك السنة -اللي هي سنة الاستئذان- فشهد أبو سعيد الخدري مع أبي موسى، فقال عمر: أخفي علي هذا من أمر رسول الله؟ -استغرب- ثم قال: ألهاني الصفق بالاسواق، -الخروج إلى التجارة، وسياتي معنا إن شاء الله هذا في كتاب البيوع وياتي كذلك في كتاب الاعتصام بالسنه وغيره إن شاء الله-.

قال: فإذا نزلت جئت بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، يعني من القرآن مثلا الذي نزل ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا نزل فَعَل مثل ذلك. فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبتي، فضرب بابي.

طبعا شباب، هذا الحديث من أحسن الأحاديث التي تعرفك كيف كان ينتزع البخاري أو يخلص موضع الشاهد من الحديث الطويل، ومع ذلك لم يخل بالمعنى، والله احسن من رايته في كل من قرات لهم ينتزع موضع الشاهد من الحديث الطويل دون أن يخل بالحديث هو البخاري عليه رحمه الله. البخاري يا شباب لم يكن محدثا بقدر ما كان فقيها، وهذا رحمه الله. هذا الحديث طويل وله قصه، قصه طويله إن شاء الله ستاتي معنا، ولكن البخاري استطاع أن يخلص منه ما لم يؤثر على، يعني الجزء الذي تركه لم يخل بالمعنى. الحديث سياتي معنا كثيرا إن شاء الله وجه الشاهد منه فقط التناوب.

طبعا في الحديث فيه التثبت من الأخبار في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعده من باب أولى، وأن كثيرا من الأخبار حتى لو كانت منتشرة أصلها كذب -طبعا في الحديث اللي هو أن اننتشر النبي صلى الله عليه وسلم طلق نساءه، ولكن لم يكن طلقهن صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهن- وكثير من الأخبار المنتشرة أما كذب أو أنها ناقصة أو رويت بالمعنى.

وموضع الشاهد منه واضح وهو التناوب. طيب، أنا كطالب علم استفيد من هذا الحديث في أمرين: الأمر الأول أن أدخر كل فراغ لي في تحصيل العلم، وأن هذا لا يعطلني عن الكسب في طلب العلم أو العمل بفرائض أو بما يفرض علي أصلا. وكذلك الانتفاع من أقراني والتكامل معهم وتعليمهم وإفادتهم والاستفادة منهم.

طيب، اللي بعده تفضل.

عبد الرزاق: باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره. حدثنا محمد بن كثير قال أخبرنا سفيان عن ابن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن أبي مسعود الانصاري قال: قال رجل: يا رسول الله، لا أكاد أدرك الصلاة مما يطول بنا فلان. فما رايت النبي صلى الله عليه وسلم في موعظة أشد غضبا من يومئذ. فقال: «ايها الناس، إنكم منفرون، فمن صلى بالناس فليخفف، فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة».

بارك الله فيك، باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره. نلاحظ أن البخاري رحمه الله كما قلنا يحاول أن يتقصى أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأموره في كل شأنه ليستخرج لنا ما نتأسى به فيه، كأنه يقول لك: ينبغي لك في كل أمرك أن تطلب هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فما وجدت له فيه هديا فلا تعدل عنه. باب الغضب في الموعظة في الموعظة والتعليم، يعني طبعا هذا جاء في الموعظة ولكنه في التعليم أيضا هذا الحديث وما بعده إذا رأى ما يكره، فكانه لا يجعل ذلك حالا عاما، وإنما حالا عارضة، يعني أنه يغضب في الحق.

قال: حدثنا محمد بن كثير، محمد بن كثير العبدي هذا يعني ممن يروي عن سفيان الثوري، وهو ليس من المقدمين في سفيان الثوري ولكنه كبير. يعني إيه يا شباب؟ نلاحظ هذه الفكرة: البخاري يا شباب في وصوله إلى سفيان الثوري أو شعبة بن الحجاج قد يصل إليهم برَاوٍ أو راوٍ، فكلما وجد إسنادا عاليا يصل برَاوٍ واحد فيه إلى سفيان أو شعبة أو غيرهما ممن تدور عليهم الأسانيد، وتحقق لديه أن هذا الراوي ضبط الحديث، فانه يخرجه عاليا. واضح؟

ومحمد بن كثير وإن كان تكلم في روايته عن الثوري، لكن هو من جملة الثقات فيه، ولكن ضعفه طبعا ابن معين في الثوري، ولكن تابعه على هذا الحديث الفريابي، وهو أيضا من المتوسطين في الثوري، ليس مقدما، ولكن بشكل عام يعضد روايته. وهذا الحديث مشهور عن إسماعيل بن أبي خالد، وإسماعيل بن أبي خالد أحد الذين عليه الأسانيد، ثقة مكثر، فبالتالي الحديث صحيح عن إسماعيل بن خالد، وصحيح كذلك عن الثوري، واطمأن البخاري عليه رحمه الله.

رواه عن إسماعيل بن المبارك وهشيم وزهير والقطان وابن عيينة، فخلاص تأكد البخاري أن هذا الحديث محفوظ عن إسماعيل بن أبي خالد، ووجد أن هذا الحديث رواه عن سفيان محمد بن كثير والفريابي، فاطمأن قلبه لأصل الحديث، فلا باس أن يخرجه حتى لو كان الراوي متكلما فيه. وهذا شباب عامة ما أخرجه البخاري للراوي المتكلم فيه.

قال: أخبرنا سفيان، طبعا هو الثوري، عن ابن أبي خالد، اللي هو إسماعيل بن أبي خالد، أحد الثقات الحفاظ المكثرين، وهذا ينبغي أن تقرأ ترجمته لأنه يروي عنه كثير من العلماء والأئمة. عن قيس بن أبي حازم، طبعا أحد أيضا الكبار الذين ينبغي للطالب أن يهتم بترجمته، وهو طبعا مخضرم يعني أدرك الجاهلية والإسلام، وهو ممن روى عن العشرة المبشرين بالجنة وإن كان تكلم في سماعه من بعضهم، ولكنه من كبار التابعين وهو ثقة حافظ.

عن أبي مسعود البدري الأنصاري، عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رجل: يا رسول الله، لا أكاد أدرك الصلاة -وفي رواية الفريابي: إني لا أتاخر عن الصلاة في الفجر مما يطول بنا فلان- خلاص قال: مما يطول بنا فلان. فلان هذا هو معاذ، إن شاء الله سياتي حديثه في رقم سبعمائة وواحد. فما رايت النبي صلى الله عليه وسلم في موعظة أشد غضبا من يومئذ، فقال: «ايها الناس».

إن أنكم منفرون، وفي رواية: «إن منكم منفرين». حتى هو موجود عند البخاري، قال: «فمن صلى بالناس فليخفف؛ فإن فيهم المريض والمريض والضعيف وذا الحاجة». إن شاء الله سيأتي معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطول في بعض الصلوات، يصلي بطول الطولين: الأعراف، يعني وفقه ذلك يعرف من جمع الروايات، ولكن فقط هو يتكلم هنا عن من صلى بالناس، هذا صلى بالناس وهم لا يعني في بعض الأوقات التي يعرف أن الناس لا يحتملون فيها الصلاة، أو لا بد أن يراعي أحوال الناس عموماً. لكن هذا الحديث وحده لا يؤخذ منه سنة الصلاة بالناس، وإنما تجمع الروايات.

هذا الحديث النص في طلب كل ما يعين على ترغيب الناس في الإسلام وشرائعه على وفق هدي النبي صلى الله عليه وسلم. فليس ذلك محموداً إلا إذا كان بهديه، لا يكون بترك حرام ولا بفعل محرم. ووجود المنفرين -وهذا الحديث فيه أيضاً وجود المنفرين- لا يبيح لك ترك الدين، كما يفعل بعض الملحدين يقول لك: أصل فلان كرهني في الدين فانا تركت الدين. لا، أنت تتعلم الدين نفسه ولا تربط دينك بأحد. فهذا الشخص لما وجد مثلاً معاذاً يصلي به ويطيل فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليتعلم منه، فإن كان يلام المنفر فكذلك يلام هؤلاء الذين تركوا دينهم بسبب من رأوه من المنفرين، فكذلك قد يكون نفره الناس من الحق.

يعني أنت مثلاً تكون عملت بالحق والناس ينفرون من الحق، فهذا ليس عيب هذا الشخص، وإنما عيبك أنت. بعض الناس مثلاً إذا ذكرت له حكماً شرعياً فيقول: أنت نفرتني من الدين. طيب أنا أعمل لك إيه؟ هو الدين كده، هو أنا هفصل لك ديناً على مزاجي؟ وبعض الناس إذا قام ليدافع عن الإسلام أو يذكر حكماً شرعياً يذكره على قوانين العلمانية أو الليبرالية أو المدنية أو الماركسية أو الشيوعية ليوافق عليه الناس. لا، أنت لست ماموراً بأن يرضى الناس عن الإسلام، أنت مامور أن تبلغ دين الله كما هو بالحكمة والموعظة الحسنة، والله أعجب الناس نفروا منه، كل هذا لا، ليس دورك.

الله سبحانه وتعالى حذر النبي صلى الله عليه وسلم، حذره من اتباع أهواء الناس، وقال: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: 9]، وقال: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: 12]. فإذا كانت الشريعة تراعي كل ما يعين على ترغيب الناس في الدين وشرح صدورهم له، لكن ذلك على وفق هدي النبي صلى الله عليه وسلم وكما أمر الله، لا يكون ذلك بتحريف الدين ولا بكتمان الحق ولا بلبس الحق بالباطل ولا بأن تفصل إسلاماً يعجب الناس. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: 49]. فأنت ناقل أمين ولست مخترعاً، لا تفصل ديناً.

ففهذا فيه يا شباب، ركزوا بقا، هذا الحديث كيف ينتفع به طالب العلم؟ فيه أن العلم ليس مجموعة معلومات، هو حسن تصرف وححسن انزال العلم منازله. فيه كذلك أن الرفق واللين في مواضعه حسن، لكن كذلك الغضب، وأنا في رأيي أن من الأخطاء المنتشرة في كثير من كتب الأدب والأخلاق أنها لم تذكر الغضب والشدة والغلظة في الأخلاق، وكان ينبغي أن تذكر أن الغلظة والشدة والغضب في مواضعها من مكارم الأخلاق، هم يجعلون ذلك دائماً في سيئ الأخلاق، وليس كذلك. ومن فقه البخاري رحمه الله أنه ذكر ذلك في كتاب الأدب، قال: ما يجوز من الغضب. يعني هذا من أحسن ما فعله البخاري رحمه الله، وهذا من فقهه.

فالله سبحانه وتعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 73]. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يغضب إذا انتهكت حرمات الله، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2]، وقال عن الصحابة: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29]، وقال: أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين. فهذا مهم جداً يا شباب أنك أنت تأخذ هدي، تعرف الإسلام عن هدي النبي من هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

هذا الحديث كذلك فيه القوة في الحق، وأنه يجتمع مع الحكمة القوة، وكم من مسلم أو طالب علم ضعيف يستحي أن يجهر بالحق، أو يخاف من غضب أصحابه، أو يريد أن يمسك العصا من النصف، أو يهون الأمر العظيم! فلا بد لطالب العلم أن يحاول أن يتأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا، فيغضب في الموضع الذي يكون فيه غضب، ويلين في الموضع الذي فيه اللين. وطبعا أغلب أو عامة شأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في الرفق واللين، ولكن من الموعظة الحسنة كذلك أن تغضب في موضع الغضب.

طيب، يبقى وجه الشاهد هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم غضب في الموعظة. طبعا سياتي إن شاء الله فقه ذلك في كتاب الصلاة حينما يأتي، وسيتكرر معنا هذا الحديث كثيراً إن شاء الله. طيب، اتفضل عبد الرزاق معانا. عبد الرزاق، نعم. حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا أبو عامر، قال: حدثنا سليمان بن بلال المديني عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد الجهني أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله رجل عن اللقطة فقال: «اعرف وكاءها -أو قال وعاءها- وعفاصها، ثم عرفها سنة، ثم استمتع بها، فإن جاء ربها فأدها إليه». قال: فضالة الإبل؟ فغضب حتى احمرت وجنتاه -أو قال احمر وجهه- فقال: «وما لك ولها؟ معها سقاها وحذاتها، ترد الماء وترعى الشجر، فذرها حتى يلقاها ربها». قال: فضالة الغنم؟ قال: «لك، أو لأخيك، أو للذئب».

حدثنا محمد بن، طيب، خلينا نقف هنا نكمل هذا، يعني نشرح هذا، ثم الثاني: قال حدثنا عبد الله بن محمد، هذا المسندي الجعفي، قال حدثنا أبو عامر -احنا تكلمنا عن أبي عامر هذا هو عبد الملك بن عمر العقدي، هو بصري- قال حدثنا سليمان بن بلال. هذا سليمان بن بلال من أثبت الناس عن يحيى بن سعيد الأنصاري، تكلمنا عنه قبل ذلك، ومن رواة أهل المدينة الثقات عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، الذي مر معنا، اللي هو مشهور بربيعة الراي، الذي مر معنا في أثر «لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم»، هذا ثقة، أحد، ثقة ثبت، أحد مفتي المدينة. عن يزيد مولى المنبعث هذا مدني، عن يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد الجهني، أن النبي صلى الله عليه وسلم -طبعا زيد بن خالد الصحابي الكريم مدني- أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله رجل عن اللقطة. اللقطة يعني المال الذي هو الملتقط من غير قصد.

والأزهري يقول: الضوال، الأشياء التي هي المفقودة من الإنسان أو الحيوان، يقال عليه مفقود، أما المتاع فيقال عليه لقطة، المتاع أو المال يعني. فكانه يتكلم عن الآية: المال أو المتاع المفقود، اللي هو اللقطة. فقال: «اعرف وكاءها -أو قال وعاءها- وعفاصها»، يعني اعرف صفتها، اللي هو الخيط الذي السرة مثلاً أو شكل الكيس، أو العفاص الذي هو كذلك الوعاء الذي تكون فيه النفقة يكون من جلد أو خرقة. فكانه بيقول ميز هذا المال يعني في في أي الأمور، في أي الأشياء هو، الوعاء أو العفاص أو الوكاء، «ثم عرفها سنة». طيب، لماذا يعرفه؟ حتى إذا لو جاء أحد يطلبه يعرفه، وكذلك حتى لا يختلط بماله؛ لأنه مثلاً ربما يضع هذا الكيس مع ماله فيختلط هذا بمال غيره.

طيب، قال: «ثم عرفها سنة، ثم استمتع بها، فإن جاء ربها» اللي هو مالكها «فأدها إليه». قال: فضالة الإبل؟ لاحظ هنا أنه سمى المال أو المتاع المفقود لقطة، وسمى الإبل ضالة، اللي هو ما فقد منها يعني. «فغضب حتى احمرت وجنتاه» -أو قال احمر وجهه-. الوجنتان اللي هو أعلى الخد، الوجنة هي أعلى الخد يعني. قال: «وما لك ولها؟ معها سقاها وحذاتها». السقاء والحذاء يعني الخف، وعندها الكرش الذي يعني تشرب فيه الماء، ف يعني أن هي بتحوش الماء، فبيكون عندها رصيد من الماء، فخلاص، وكذلك ترد الماء، يعني هي قوية في أن هي يعني ترعى، مش عارف الصوت موجود ولا لا يا شباب؟ موجود يا عبد الرزاق؟ الصوت نعم نعم موجود واضح بارك الله فيك.

يعني هي معها سقاها وحذاتها، تقوى على ورود الماء، وكذلك تملا كرشها أياماً بما يكفيها من الماء، قال: «ترد الماء وترعى الشجر، فذرها حتى يلقاها ربها». ربها هنا يراد به مالكها. قال: فضالة الغنم؟ -يعني ما ضاع من الغنم أو ما فقد- قال: «لك، أو لأخيك، أو للذئب». وفي رواية جاءت عند البخاري: «خذها، فإنما هي لك أو لأخيك». وإن شاء الله سيتكرر معنا هذا الكتاب في اللقطة، وأظن يعني وجه الشاهد معروف هنا، هو غضب النبي صلى الله عليه وسلم.

طيب، اتفضل. حدثنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا أبو أسامة عن بريد عن أبي بردة عن أبي موسى قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء كرهها، فلما أكثر عليه غضب، ثم قال للناس: «سلوني عما شئتم». قال رجل من أبي؟ قال: «أبوك حذافة». فقام آخر فقال: من أبي يا رسول الله؟ فقال: «أبوك سالم مولى شيبة». فلما رأى عمر ما في وجهه قال: يا رسول الله، أنا نتوب إلى الله عز وجل. صلى الله عليه وسلم، نعم، بارك الله فيك.

طيب، هذا الحديث أيضاً ذكره البخاري تحت باب الغضب في الموعظة. الحديث الأول حديث اللي هو: «إنكم منفرون»، والحديث الثاني حديث اللقطة، وهذا هو الثالث. هذا الإسناد مر معنا تماماً يا شباب في باب فضل من علم وعلم، اللي هو محمد بن العلاء اللي هو أبو كريب، هذا كوفي ثقة، وأبو أسامة حماد بن أسامة، وبريد عن جده أبي بردة عن أبي موسى قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء كرهها -سياتي إن شاء الله هذا في تفسير سورة المائدة، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الساعة، وسياتي معنا إن شاء الله في عدة أبواب- قال: فلما أكثر عليه غضب، ثم قال للناس: «سلوني عما شئتم».

فقد يكون الأمر يا شباب للنهي، جاء ذلك في القران: ﴿قُلِ اسْتَهْزِؤُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 64]، آيات كثيرة: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ [الإسراء: 107]. فالامر قد، زي ما انت تشوف ابنك كده بيلعب وهو وراه امتحان فتقول له: العب. فهذا ليس أمرا للعمل، وإنما أمر للنهي، وهو من أبلغ ما يكون: ﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]. قال: «سلوني عما شئتم». قال رجل، اللي هو عبد الله بن حذافة ابن حذافة السهمي: من أبي؟ قال: «أبوك حذافة». فقام آخر فقال: من أبي يا رسول الله؟ فقال: «أبوك سالم مولى شيبة». فلما رأى عمر ما في وجهه، طبعا هذا فيه أن عمر رضي الله عنه كان عاقلاً حكيماً، فهم من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم يجيب وهو غضبان، فلذلك الطالب العاقل هو الذي يفهم معلمه ويحسن انهاء المشكله في رأيي.

قد يكون مثلاً حصل نزاع مثلاً في الدرس، أو حصل الشيطان له نصيب أحياناً من الدروس، فالطالب العاقل هو الذي يحاول أن يأخذ المعلم إلى نقطة أخرى حتى يخرج من هذا الأمر. فالغضب، طبعا من أسباب الغضب عموماً يعني سبب في ألا يحسن الإنسان ما يفعل، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يقول إلا حقاً في حال الغضب وفي حال الرضا، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يغضب في موضع الغضب.

فالقصد هنا ليس القصد هنا أن أنه يجب أن تغضب في كل موعظة لا، ولكن المراد أنه إذا كان الموضع مناسباً للغضب فيه زجر المتكلم مثلاً، أو الإغلاظ في الإنكار، أو القوة في الإنكار، هذا يكون حسناً في موضع. إن شاء الله سيتكرر معنا هذا الحديث كثيراً، سياتي كذلك في باب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال. وأنا في رأيي يا شباب أن هذا الباب يستفيد منه الطالب فضلا عما تقدم، أنه لا يصح أن يمتحن المعلم، امتحان المعلم ليس حسناً؛ لأن واضح أن هذه الأسئلة قد يكون منها ما هو امتحان أو اختبار أو تعنت، فلذلك غضب النبي صلى الله عليه وسلم، وعرف عمر رضي الله عنه ذلك، لذلك قال: فلما رأى عمر ما في وجهه يعني من الغضب، قال: يا رسول الله، أنا نتوب إلى الله، يعني مما أغضبك، وسياتي أنه قال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً.

وواضح أنه كان يسأل ذلك تعنتاً، أو على باب الشك، أو باب الامتحان. وعموماً يا شباب، طالب العلم لا يصح أن يمتحن معلمه، قد مثلاً يساله سؤالاً منتفعاً، ولكن الذي يسال معلمه ليمتحنه أو ليوقعه في الخطأ.

فهذا يعني حقيق أن يحرم العلم وحقيق ألا يبارك له في علمه، لأن المراد أساساً هو أنك تنتفع من علمه، أو تعينه على العلم، أو حتى لو تنتقد تنتقد انتقاد من ينوي تصحيح الخطأ لا من ينوي فضحه أو تصغيره أو تحقيره.

نحن نتكلم عن أهل العلم، لا نتكلم عن أهل البدع الذين نكشف للناس ونبين لهم جهلهم. لا نتكلم عن رجل من أهل الفضل والعلم لكنه وقع في خطأ، فإذا أنت كنت تجلس أصلاً متربصاً به أو تريد أن تسأله تعنتاً لتوقع أو لتبين مثلاً ضعفه أو نحو ذلك، فهذه نية سوء، وإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى.

أكمل عبد الرزاق: باب من برك على ركبتيه عند الإمام أو المحدث. حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج فقام عبد الله بن حذافة فقال: من أبي؟ فقال: أبوك حذافة. ثم أكثر أن يقول: سلوني، فبرك عمر على ركبتيه فقال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، فسكت.

نعم، هذا حديث هذا الحديث غير حديث أبي موسى، يعني هو نفس الحديث ولكن الأول كان من رواية أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وهذا من رواية أنس بن مالك، وهذا إسناد عالي. باب من برك على ركبتيه عند الإمام أو المحدث، قلنا إن البخاري يرى وهذا هو الحق أن كل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه هو السنة، يعني ما جاء من فعل أصحابه معه هو السنة، ويأخذ الإنسان من هذه السنة ما يناسبه، فذكر هنا صورة من الصور وهي أن الطالب برك (برك على ركبتيه عند الإمام أو المحدث) وحدثه، فيقول إن هذا جائز في بعض الأحوال.

حدثنا أبو اليمان، هو ابن نافع، طبعا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري (محمد بن مسلم بن شهاب الزهري) قال: أخبرني أنس. هذا إسناد عالي، طبعا لأنه وصل إلى الصحابي بايه بثلاثة: أبو اليمان واحد، شعيب إثنين، الزهري ثلاثة. واضح؟ فهذا إسناد رباعي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج فقام مع عبد الله بن حذافة فقال... هذا الحديث طبعا قلنا إن هو سيتكرر معنا كثيراً إن شاء الله، ووجه الشاهد منه فقط هو أن عمر برك على ركبتيه فقال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً (محمد صلى الله عليه وسلم نبياً) فسكت.

طيب، اللي بعده خلينا ناخد أي أحد آخر. أستاذ عبد الرزاق قرأ يعني كثيراً. أحد معانا يا شباب يحب يقرا؟ احنا عندنا حديثين فقط، أو لا خلينا عند أربع أحاديث عشان يعني هم كلهم سهلين جداً، يبقى احنا انهينا بحمد الله سبعة عشر حديثاً. حسن، حسن عايز يتحدث، إفضل يا حسن.

باب من أعاد الحديث ثلاثاً ليفهم عنه. فقال: «ألا وقول الزور»، فما زال يكررها، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل بلغت، هل بلغت» ثلاثاً. حدثنا عبده قال: حدثنا عبد الصمد قال: بص بص تاني في كده بص تاني يا حسن تاني. حدثنا عبده، أيوه عبده. حدثنا عبده قال: حدثنا عبد الصمد قال: حدثنا عبد الله بن المثنى قال: حدثنا ثمامة بن عبد الله عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا سلم سلم ثلاثاً، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً.

أكمل: حدثنا عبده بن عبد الله، حدثنا عبد الصمد قال: حدثنا عبد الله بن المثنى قال: حدثنا ثمامة (ثمامة بن عبد الله) عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً حتى تفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثاً.

حدثنا مسدد قال: حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن يوسف بن ماهك (هو عندك آه ينفع ماهك ومهك وماهك ينفع ده وده) اتفضل. تمام، عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو قال: تخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر سافرنا، فأدركنا وقد أرهقنا الصلاة (صلاة العصر) ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار» مرتين أو ثلاثاً.

بارك الله فيك. هذا الباب: باب من أعاد الحديث ثلاثاً ليفهم عنه. هذا باب للمعلم وللمتعلم، وفيه أن البخاري كأنه يقول إن المعلم الذي يعلم شيئاً أما لصعوبته أو لأهميته أو للتذكير به، يكرره أو يعيده. واضح أن هذا سنة إذا كان عند الحاجة أن يعيد الحديث أو يكرره أو ينبه عليه أكثر.

وفيه كذلك للمتعلم، أن المتعلم الذي يطلب إعادة الكلام ليفهمه، أو لأنه لم يعه (يعني لم يفهمه مثلاً أو لم يحفظه)، هذا جائز له ليس هناك مشكلة. فالمعلم قد يعيد، طبعا البخاري من ذكائه أن هو لم يقل: باب من أعاد الحديث ثلاثاً وسكت، قال: ليفهم عنه. فهذا يؤكد أنه إذا فهمه (يعني إذا تحقق لديه أن المستمع فهم) خلاص لا حاجة لتكراره، يعني كأنه يقول: عند الحاجة، يعني إذا وجدت أنك تحتاج أن تعيد فهذا فتعيد.

واضح؟ وهذا كذلك فيه أن المعلم لا يسجر الطالب الذي أراد إعادة الكلام، أما لأنه لم يفهمه أو لأنه لم يضبطه. وفيه كذلك أن المعلم لا يتهم الطالب بالبلادة، وأن المعلم كذلك إذا كان الكلام صعباً يمهد له، وقد يرى مثلاً يلحظ عدم تركيز الطالب فيريد أن هو يعني يعيد الكلام. وكل هذا أنا في رأي أن كلمة ثلاثة هنا يعني ليست حداً، وإنما هو كأنه أقصى حد مثلاً، يعني كان مثلاً إنك أنت ذكرت الكلام فلم يفهمه، فذكرته مرة ثانية فلم يفهمه، فأظن أن الثلاثة هي الحد أو أكثر شيء، لأن ما بعدها إما أن الطالب أصلاً مش مركز أو أن هذا الموضوع لا يناسب الطالب، فكان المسألة إذا تكررت أو إذا أعادها ثلاثاً ولم يفهمها الطالب، فأظن أن هذه تكون مشكلة إما في المسألة نفسها أو عند الطالب، يعني أن المسألة نفسها غير مناسبة له، أو أن الطالب مثلاً نايم مش فاهم، فمش معنى كده أن أنت تفضل بقى (اصل أنا بقول كده ليه؟) لأن بعض الناس مثلاً في التدريس يعني يفهم هذا الحديث خطأ، يظن أن الطالب طول ما هو بيقول: أعد لي، يفضل يعيد مرة واتنين وثلاثة وأربعة، غلط ده مش صحيح، أنت غيتك انك أنت تذكر الكلام بما تشعر أنك أفهمت، ممكن تكون المشكلة عند الطالب.

فقال: «ألا وقول الزور». هذا معلق سيشنه البخاري في كتاب الشهادات، وأوله: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر» (ثلاثاً)، وقال: «ألا وقول الزور» (فما زال يكررها)، فهذا فيه التكرار للتنبيه أو ليفهم هذا القول.

وقال ابن عمر: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل بلغت؟» ثلاثاً. هذا حديث سياتي إن شاء الله في كتاب الحدود في حجة الوداع: أن قد حرم الله دماءكم وأموالكم وأعراضكم، ثم قال: «ألا هل بلغت؟» ثلاثاً، كل ذلك يجيبونه: ألا نعم. وقوله: «فما زال يكررها» يعني «ألا وقول الزور»، فهذه الأحاديث إن شاء الله معلقه سيستند.

قال: حدثنا عبده (عبده بن عبد الله بن عبد الصفار البصري). حدثنا عبد الصمد (طبعا عبد الصمد بن عبد الوارث، أبوه اللي هو عبد الوارث بن سعيد بصري أيضاً). قال: حدثنا عبد الله بن المثنى. هذا عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري، هذا طبعا بصري وفيه ضعف، والبخاري خرج له حديثه عن عمه، والبخاري انتقى له ما اطمأن له، يعني هذا الرجل فعلاً متكلم فيه بضعف، ولكن البخاري نلاحظ خرج له حديثه عن عمه ثمامة، (أو يعني كان البخاري يقول يرى أن هذا الحديث صحيح)، وحاول أن يذكر له بعض الشواهد التي تذكر عموماً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكرر أو كان يعيد الحديث.

قال: حدثنا ثمامة (ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك، وهو عم عبد الله بن المثنى) عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا سلم سلم ثلاثاً. هذا كأنه يقول إن هذا شأن النبي عليه الصلاة والسلام. وفي رواية عند الترمذي: يعيد الكلمة ثلاثة (ثلاثاً) لتعقل عنها. وفي رواية عند أحمد أن أنساً كان يفعل ذلك أيضاً، يعني كان يفعل ذلك تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم.

طيب، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا سلم سلم ثلاثاً، هل معنى ذلك أنه كان إذا مر بالناس وسلم دائماً يسلم ثلاثة؟ لا، معنى ذلك ربما أنه إذا لم يرد عليه الناس أو لم يسمعوا كرّر السلام ثلاثاً، ليس معنى ذلك أبداً لم يأتِ عن النبي صلى الله عليه وسلم مع كثره سلامه على الناس والقائه السلام أنه كان كلما سلم سلم ثلاثاً، هذا ليس موجوداً. قال ولذلك البخاري ذكر أكثر من رواية عشان يعني كل رواية تعين على فقه الأخرى، وهذا من فقه البخاري رحمه الله. شوف يعني هو ذكر طريقين لهذه الرواية عشان تفهم على وجهها.

قال: وإذا تكلم بالكلمة أعادها ثلاثاً. أيضاً هذا يحمل أنه عند الحاجة، يحمل أنه عند الحاجة. قال: حدثنا عبده بن عبد الله (اللي هو فوق عندنا)، حدثنا عبد الصمد، حدث نفس الإسناد بالضبط عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: كأنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثة حتى تفهم عنه. يبقى هذا هو الآيه هذا هو المناط، والبخاري ذكر ذلك حتى يعني تفسر هذه الرواية الرواية الأخرى، فهذا من فقه البخاري في الجمع، أن البخاري كثيراً ما يجمع بين الروايات ليتمم بعضها بعضاً وليكمل بعضها بعضاً.

وأورد حديث أبي موسى كما أورد مثلاً في سياتي إن شاء الله معنا أن هو أورد في الاستئذان ثلاثاً، والنبي صلى الله عليه وسلم (أظن أن هذا اللي هو السلام هذا كان في الاستئذان) اللي هو كان إذا سلم سلم ثلاثاً، هذا في الاستئذان، ولذلك البخاري سيورد هذا الحديث في باب الاستئذان إن شاء الله سياتي معنا برقم 624 و6245، يعني كأنه يقول إن من مجموع الحديثين أن السلام المراد في حديث أنس هنا هو الاستئذان، وهذا يفعله البخاري كثيراً يجمع النظائر أو يجمع المكملات.

طيب قال: عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاث حتى تفهم عنه، وإذا اتى على قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثاً. قلنا أن هذا في الآيه في الاستئذان غالباً والله أعلم.

بعد ذلك حديث: حدثنا مسدد قال: حدثنا أبو عوانة (اللي هو الوضاح اليشكري) ومسدد بن مسرهد عن أبي بشر عن يوسف بن ماهك. مر معنا هذا الإسناد. يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو. هذا الحديث مر معنا لو تذكر يا شباب في في بداية اللي هو في في ماذا يا ربي؟ مر معنا قريبا هذا الحديث ثواني بسم الله. من رفع صوته بالعلم؟ آه، نعم في حديث عندنا رقم ستة٠ اللي هو حدثنا اللي هو من طريق أبي النعمان، اللي هو عارم بن الفضل، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر (اللي هو جعفر بن إياس) مر معنا يا شباب جعفر بن إياس الواسطي عن يوسف بن مهك لما قلنا أن هو فارسي الأصل وثقيل الحديث، مر معنا، ولكن كرره هنا البخاري رحمه الله ليبين تكرار النبي صلى الله عليه وسلم لكلمه «ويل للأعقاب من النار».

تمام، عن عبد الله بن عمرو قال: تخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر سافرنا، فأدركنا وقد أرهقنا الصلاة، يعني آخرنا حتى اقترب دخول الوقت الصلاة التي بعدها، ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار» مرتين أو ثلاثاً.

ما فائده هذا الحديث يا شباب؟ أنه يبين أن التكرار غير مقصود، المراد الإفهام أو الإتمام، وإذا لم يحتج إليه أصلاً فلا فلا فلا تحتاج إليه، يعني مش لازم انك أنت يعني تكرر إلا إلا عند الحاجة. طيب، ممكن نقف هنا، الحمد لله اليوم يعني مشينا شوية في الأحاديث.