السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل بيته وذريته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل بيته وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وبعد، فإن أصدق الحديث كلام الله، وأحسن الهدي هدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وإنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.
فهذا هو الدرس الثاني من دورة الدراسة المختصرة لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، وسيكون الحديث إن شاء الله تبارك وتعالى عن قصة علوم الحديث إلى عهد الإمام البخاري، والمصنفات التي دونت فيها السنن والآثار ومقاصد أصحابها، وكيف انتفع منها البخاري رحمه الله، ثم ماذا أضاف البخاري رحمه الله في صحيحه، وكيف ألف كتابه، وما قيمة هذا الكتاب، وما عناية الأمة بهذا الكتاب، وأهم الدراسات حول الكتاب، وأهم الشروح التي يمكن أن يرجع إليها الطالب ليستزيد من فقه الكتاب وعلمه. وأحببت أن أبدا هذه المقدمة، طبعا سيكون في آخر هذه الحلقة أو في هذا الدرس الكلام عن خطتنا في دراسة هذا الكتاب والتكاليف التي سنكلف بها الطلبة حتى يكون الطالب مشاركا معنا.
وننوه على أن بعض الطلبة قد صنع شيئا جميلا ليتعاون الطلاب في الانتفاع بهذا الكتاب، أشبه بالمشاركة، كل من عنده فائدة أو كل من عنده تلخيص أو كل من عنده جمع للأمور التي نطلبها مثلا في أسماء الصحابة في الروايات في فقه الحديث يضعها على رابط معين، سأذكر لكم في النهاية ما هو، وستكون الفائدة إن شاء الله كبيرة، لأننا نريد أن يكون هذا الكتاب نقلة لنا جميعا في طلب العلم، ونريد أن ننطلق منه إلى باقي الكتب التأسيسية في علوم الشريعة.
أحببت في الواقع أن نبدأ هذه المقدمات بمقدمة شريفة أحب كثيرا أن يعتني بها طالب العلم، أنها تأسيسية في معنى فقه الشريعة، وهي كلام الإمام الشافعي رحمه الله في مقدمته. الشافعي رحمه الله قدم مقدمة بديعة تعد من أجمل ما يستهل به الكلام عن فقه الشريعة، أنا ساقرا أجزاء منها. قال رحمه الله في مقدمة كتاب الرساله بعد أن حمد الله وأثنى عليه: واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، بعثه والناس صنفان: أاحدهما أهل كتاب بدلوا من أحكامه وكفروا بالله فافتعلوا كذبا صاغوه بألسنتهم فخلطوه بحق الله الذي أنزله إليهم، فذكر تبارك وتعالى لنبيه من كفرهم فقال: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 78].
ثم قال: وقال تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 30-31].
ثم قال رحمه الله: وصنف كفروا بالله فابتدعوا ما لم يأذن به الله، ونصبوا بأيديهم حجارة وخشبا وصوروا صورا استحسنوها ونبذوا أسماء افتعلوها ودعوها آلهة عبدوها، فإذا استحسنوا غير ما عبدوا منها ألقوها ونصبوا بأيديهم غيره فعبدوه، فأولئك العرب. وسلكت طائفة من العجم سبيلهم في هذا وفي عبادة ما استحسنوا من حوت ودابة ونجم ونار وغيره. فذكر الله لنبيه جوابا من جواب بعض من عبد غيره من هذا الصنف، فحكى جل ثناؤه عنهم قولهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُُّقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 22].
ثم قال الشافعي رحمه الله: وقال في جماعة يذكرهم من نعمته ويخبرهم ضلالتهم عامة ومنه على من أمن منهم: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مَّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: 103]. فكانوا قبل إنقاذه إياهم بمحمد صلى الله عليه وسلم أهل كفر في تفرقهم واجتماعهم يجمعهم أعظم الأمور الكفر بالله وابتداع ما لم يأذن به الله تعالى عما يقولون علوا كبيرا، لا إله غيره وسبحانه وبحمده رب كل شيء وخالقه.
ثم قال رحمه الله: فلما بلغ الكتاب أجله، فحق قضاء الله بإظهار دينه الذي اصطفى بعد استعلاء معصيته التي لم يرض، فتح أبواب سماواته برحمته كما لم يزل يجري في سابق علمه عند نزول قضائه في القرون الخالية قضاه، فانه تبارك وتعالى يقول: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة: 213]. قال: فكان خيرته المصطفى لوحيه المنتخب لرسالته المفضل على جميع خلقه، فتح رحمته وختم نبوته، وأعم ما أرسل به مرسل قبله، المرفوع ذكره مع ذكره في الأولى والشافع في الأخرى، أفضل خلقه نفسا وأجمعهم لكل خلق رضيه في دين ودنيا، وخيرهم نسبا ودارا، محمدا عبده ورسوله.
وعرفنا خلقه نعمة الخاصة العامة النفع في الدين والدنيا فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]. وقال: ﴿لِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: 7]. ثم قال الشافعي رحمه الله بعدما صلى على النبي صلى الله عليه وسلم: فلم تمس بنا نعمة ظهرت ولا بطنت، نلنا بها حظا في دين ودنيا، أو دفع بها عنا مكروه فيهما وفي واحد منهما، إلا ومحمد صلى الله عليه وسلم سببها والقائد إلى خيرها والهادي إلى رشدها، الزائد عن الهلكة وموارد السوء في خلاف الرشد، المنبه للأسباب التي تورد الهلكة، القائم بالنصيحة في الارشاد والانذار فيها.
فصلى الله على محمد وعلى آل محمد كما صلى على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنه حميد مجيد. وأنزل عليه كتابه فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 41-42]. فنقلهم من الكفر والعمى إلى الضياء والهدى، وبين فيه ما أحل منا بالتوسع على خلقه وما حرم لما هو أعلم به من حظهم في الكف عنه في الآخرة والأولى، وابتلى طاعتهم بأن تعبدهم بقول وعمل وإمساك عن محارم حماها، واثابهم على طاعته من الخلود في جنته والنجاة من نقمته ما عظمت به نعمته جل ثناؤه، وأعلمهم ما أوجب على أهل معصيته من خلاف ما أوجب لأهل طاعته.
وبعضهم بالاخبار عمن كان قبلهم ممن كانوا أكثر منهم أموالا وأولادا وأطول أعمارا وأحمد آثارا، فاستمتعوا بخلاقهم في حياة دنياهم، فإذاقهم عند نزول قضائه مناياهم دون آمالهم، ونزلت بهم عقوبته عند انقضاء آجالهم، ليعتبروا في أنف الأوان، ويتفهموا بجلية التبيان، وينتبهوا قبل رين الغفلة، ويعملوا قبل انقطاع المدة حين لا يعتب مذنب ولا تؤخذ فدية، وتجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمد بعيدا.
فكل ما أنزل الله في كتابه جل ثناؤه رحمة وحجة، علمه من علمه وجهله من جهله، لا يعلم من جهله ولا يجهل من علمه، والناس في العلم طبقات موقعهم من العلم بقدر درجاتهم في العلم به، فحق على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من علمه، والصبر على كل عارض دون طلبه، وإخلاص النية لله في استدراك علمه نصا واستنباطا، والرغبة إلى الله في العون عليه، فانه لا يدرك خير إلا بعونه.
فإن من أدرك علم أحكام الله في كتابه نصا واستدلالا، ووفقه الله للقول والعمل بما علم منه، فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، وانتفت عنه الريب، ونورت في قلبه الحكمة، واستوجب في الدين موضع إمامة. فنسأل الله المبتدئ لنا بنعمه قبل استحقاقها، المديم علينا مع تقصيرنا في الاتيان على ما أوجب به من شكره بها، الجاعل في خير أمة أخرجت للناس أن يرزقنا فهما في كتابه ثم سنة نبيه، وقوال وعملا يؤدي به عنا حقه ويوجب لنا نافلة مزيدة.
قال الشافعي: فليست تنزل باحد من اهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها. قال الله تبارك وتعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: 1]. وقال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]. وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 89]. وقال: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52].
هذه المقدمة يا شباب أجمل ما يمكن أن تبدأ به كل درس من كتب السنن والآثار وكتب التفسير، هذه المقدمة أنفس مقدمة قرأتها في حياتي، يدخل بها إلى علوم الشريعة. بين فيها الشافعي رحمه الله حال الناس قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين أنهم كانوا صنفين: صنف أهل كتاب جاءهم كتاب فحرفوه ولم يعملوا به وأشركوا بالله وابتدعوا في دين الله، وصنف آخر ليس لهم كتاب وهم العرب أشركوا بالله تبارك وتعالى وابتدعوا في دين الله ما لم يأذن به الله.
وجمع هؤلاء وهؤلاء أعظم الأمور الكفر والابتداع في دين الله، يعني التقرب إلى الله بما لم يشرعه الله. ثم بين أن الله تبارك وتعالى أرسل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم كما أرسل من قبله من النبيين مبشرين ومنذرين، وبين أن الله تبارك وتعالى جعله رحمة للعالمين واصطفاه وجعله خاتم المرسلين، وأنقذ به الناس من الظلمات إلى النور، من ظلمات الكفر والجهل والفسوق والعصيان إلى نور الإيمان والهدى والتقوى والعلم.
ثم بين الشافعي رحمه الله أن الله انزل مع ذلك النبي الكريم الخاتم انزل كتابا، وهذا الكتاب هو رحمة وحجة وحكمة من الله تبارك وتعالى. بين الله تبارك وتعالى فيه أنباء من سبق، وبين الله تبارك وتعالى فيه عن أسمائه ومحامده، وبين الله تبارك وتعالى شرعه أمره ونهيه، وبين حكمته فيما أمر وفيما نهى، ووعظنا بأنباء من سبقنا، وذكر لنا الوعد والوعيد والثواب والعقاب، وقص علينا من القصص ما يكون موعظة لنا.
ثم بين رحمه الله في وصيته الجليلة في ختام هذه المقدمة أن كل ما في كتاب الله هو رحمة وحجة، علمه من علمه، يعني علم هذا الكتاب وعلم ما فيه من الحجة والرحمة من علمه، وجهله من جهله. ثم بين بعبارة مختصرة قيمة هذا الكتاب قال: لا يجهل من علمه ولا يعلم من جهله، فإن أعظم ما يمكن أن يتعلمه إنسان في هذه الدنيا الوحي المنزل من الله تبارك وتعالى، لأنه من الله خالقك تبارك وتعالى، الله خالقك وهو الأعلم بك واعلم بما يصلحك، فكان ينبغي أن تقبل هذا الوحي وأن تتمسك به وأن تتفقه فيه وأن تستقيم عليه.
ثم أوصى طلبه العلم يا سلام على هذه الوصية، طبعا قال: الناس في العلم طبقات موقعهم من العلم بقدر درجاتهم في العلم بكتاب الله، العلم به يعني بكتاب الله. ثم أوصى طلبه العلم ببلوغ غاية جهدهم في الاستكثار منه، والصبر على كل عارض دون طلبه، وإخلاص النية لله في استدراك علمه نصا واستنباطا. لماذا يا شباب؟ لأن علم الشريعة ليس محصورا في الرواية يعني في الآيات والأحاديث، وإنما فيه كذلك فقه الحديث وفقه القرآن، فهو هنا يتكلم عن أمرين: عن الرواية التي هي نصوص ترد إلينا نقلا، والاستنباط والفقه، علم الرواية وعلم التفسير.
قال: وإخلاص النية لله في استدراك علمه نصا واستنباطا، والرغبة إلى الله في العون عليه، فإنه لا يدرك خير إلا بعونه. ثم بين منزلة من يهتدي بالوحي ويعتني به ويتفقه فيه ويدرك أحكام الله تبارك وتعالى في كتابه ويعمل بها ويستقيم عليها، فانه يستوجب في الدين موضع الإامامة، لا يقصد هنا الفخر وإنما يقصد أن يكون إماما عند الله، كما في دعاء المؤمنين: ﴿وَجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74]. والله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24].
فبين الشافعي أن المسلم لا يبلغ في الدين موضع الإمامة إلا بأن يؤمن بهذا الرسول الكريم وبما أنزل معه من الوحي، وأن يهتدي بهذا الرسول الكريم وبما معه من الوحي، وأن يتفقه فيه وأن يصبر عليه وأن يعمل به وأن يجتهد في إدراك أحكامه نصا واستنباطا. ثم دعا رحمه الله تبارك وتعالى.
نلاحظ هنا أن الشافعي رحمه الله بين أن الذين كانوا قبل النبي صلى الله عليه وسلم من المشركين وأهل الكتاب جمعهم أعظم الأمور الكفر والابتداع، لذلك خلاصة رسالة كل الأنبياء إخلص الدين لله وألا يعبد الله إلا بما شرع، كما قال كل نبي: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح: 3]. يعني إخلاص الدين لله هو أن يعبد الله بما أذن الله أن يعبد به لا أن يخترع دينا حتى لو كان الإنسان مخلصا لله، فهذان الأمران بنى الشافعي عليهما هذا الكتاب، وكل العلماء يبنون كتبهم على هذه الفكرة: إخلاص الدين لله، والاجتهاد في العلم بأحكام الله تبارك وتعالى التي أراد أن نكون عليها.
ثم قال الشافعي بعبارة مختصرة -وهذه خلاصة كتاب الرسالة، كل ما جاء في كتاب الرسالة استدلال لهذا السطر في هذه المقدمة-: قال: فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها. يقول: أنت كمسلم لا يمكن أن تنزل بك نازلة في الدين وتفتقر إلى غير القرآن وبيان رسول الله صلى الله عليه وسلم لتهتدي في هذه.
النازلة؛ لا يمكن أن ينزل بك نازلة أو تحتاج حكمًا شرعيًّا إلا وتجد الدليل على سبيل الهدى في كتاب الله تبارك وتعالى، ثم بين في الآيات التي ذكرها: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: 52].
فخلاصة هذه المقدمة يا شباب تبيّن فكرة صحيح البخاري نفسه؛ فإن صحيح البخاري رحمه الله وكل الكتب التي ألّفت قبله في جمع السنن وآلاثار تنطلق من هذا المبدأ، وهو حاجة الناس أو حاجة المسلمين خاصة إلى العلم بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل أمور الدين.
بعضهم جعل ذلك جامعًا، وبعضهم جعل ذلك مقتصرا على السنن، وألّف كتبا غيرها في فضائل الصحابة وفي التفسير وفي التاريخ والسير وغير ذلك.
المهم أنهم أجمعوا على هذا المبدأ، وهو حاجة المسلم إلى العلم بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلذلك يا شباب أنا أحب منكم أن تعتنوا بكتاب الرسالة عموما وبكتب الشافعي عموما وبهذه المقدمة خصوصا؛ لأنها نفيسة في هذا المنطلق.
طبعا الشافعي بعد ذلك تكلم عن لسان العرب وقيمته في فقه الوحي، فبالتالي يا شباب بما أن العلوم تنبثق من أمرين: الرواية والتفسير؛ يعني النص الموجود أمامنا من كتاب الله أو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن فقهه وتفسيره، فبالتالي لابد أن نعلم اللسان الذي نزل به القرآن وتكلم به رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم، فمفتاح الشريعة في هذين الامرين؛ في الرواية وفي العلم بلسان العرب.
فلذلك بنى الشافعي كتابه على هذين الأصلين، وأبدع في ترتيب الأبواب وفي إيصال الفكرة وفي دفع الإشكالات والشبهات عن هذا الأمر، وتكلم عن البيان وغير ذلك من الأمور.
إذا يا شباب الهداية في كتاب الله وفي بيانه من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، الله تبارك وتعالى جعل كتابه حجة ورحمة، وبين الله تبارك وتعالى أن كتابه نزل بلسان عربي مبين.
وعائشة رضي الله عنها قالت عن النبي صلى الله عليه وسلم: كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، والخلق هو الهدي، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «لتأخذوا عني مناسككم» وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
فلا بد أن تعلم أنك في كل مسألة، في كل حكم شرعي، سواء كنت تريد أن تصل إلى الهدى أو تستدل لهذا الهدى، أو أن تعرف حكمًا، أو أن تناقش مسألة، لابد أن تعرف أن مبدأ النور هو في كتاب الله وفي بيانه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتمم ذلك ويفسره ما كان عليه الصحابة الكرام؛ فهم الذين رضي الله عنهم وأرضاهم وأمرنا أن نتبعهم وأثنى على دينهم، وقال: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البقرة: 137].
فهؤلاء المرضي عنهم ينبغي أن يكون فهمهم وعملهم وسيرتهم من أخص ما تتفق به شريعة الإسلام.
الله سبحانه وتعالى بين أن النبي صلى الله عليه وسلم يتلو الآيات ويزكي ويعلم الكتاب والحكمة، قال الله عز وجل: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [آل عمران: 164].
وهذا يبين أنهم لن يخرجوا من الضلال -سواء في إخلاص الدين أو في العبادة- إلا باتباعهم لهذا الكتاب المنزل ولهديناهم، لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أُمَّتَه على خير ما يعلمه لهم، وأن ينذرهم شر ما يعلمه لهم.
والله سبحانه وتعالى جعل رسالته للناس كافة، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: 28].
أمر الله تبارك وتعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله، ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا، وقال الله عز وجل: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].
وحذر الله عز وجل من مخالفته فقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63].
لماذا أنا أذكر هذه المقدمات التي تبدو لبعضكم مقدمات بديهية؟ لتعلم أن تجاوز هذه المقدمات هو السبب الرئيسي في أن فئامًا من شباب المسلمين تأتيهم الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لا يتبعوها، لكونهم لا يعلموا منزلة هذا الرسول الكريم من التشريع، وبعضهم يققدم شيخه أو إمامه الذي يتعلم معه ويقدم قوله على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهذا هو المبدا الذي ينبغي أن يؤمن به كل مسلم؛ أن قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا ثبت عنه فلا يحل لأحد أن يخالفه، وأنا هنا أذكر حديثا جامعا فيه ثلاث قواعد، هذه القواعد خلاصة ما ينبغي أن تقرأ به كل كتب السنن، وأريد أن تركزوا معي في هذا الحديث.
عن أنس بن مالك قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها؛ رأوها قليلة؛ يعني رأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم يقوم وينام ويصوم ويفطر ويتزوج النساء، ثم قالوا: أين نحن من النبي قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟
قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا؛ يعني يتعبد إلى الله بألا يتزوج النساء.
فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: «أنتم قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني».
هذا الحديث يا شباب حديث تأسيسي ينبغي أن تعلمه ولدك وأصدقاءك وكل من تحب، هذا الحديث يا شباب فيه خلاصة دين الاسلام، هذا الحديث ينبغي أن يكثر الدعاة من ذكره؛ لماذا؟ لأن هذا الحديث يبين ثلاثة أمور:
الامر الاول: أن النبي صلى الله عليه وسلم يبين هديه للناس في كل أمر من أمور الدين، وأن خلقه هو القرآن.
الامر الثاني: بين أن هديه هو أحسن الهدي؛ أكمل ما عبد به رب العالمين هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل من ادعى أنه يمكن أن يأتي بأكمل من ذلك فهو كذاب ومفتر وهو مبتدع ومحدث في دين الله، وكل من ابتدع دينا لم يكن عليه النبي صلى الله عليه وسلم فهو محدث وصاحب بدعة.
المقطع الثالث: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» ما معناها؟ يعني ليس لك طريق في التقرب إلى الله إلا باتباع النبي صلى الله عليه وسلم، تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم ممن رغب عن سنته؛ يعني كلمة رغب يعني لم يجعل سنة النبي صلى الله عليه وسلم منطلقه في بداية النظر أو العلم أو مرده عند النزاع أو الحاكم عليه أو الفصل بين الخلاف، رغب عن سنته فأخذ سنة غيره واستن بها.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لأخشاكم لله وأتقاكم له» فيه هذا المعنى العظيم؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع العلم وجمع الخشية والهدى والتقى، وأنه أعلى من عبد الله تبارك وتعالى.
نلاحظ أن هؤلاء الثلاثة كانوا ينوون خيرا وكانوا مخلصين في عبادتهم، لكنهم ابتدعوا في دين الله، فهم علموا هديه ومع ذلك تعمدوا مخالفته، ثم اخترعوا حجة تسوغ لهم ترك اتباع هديه، ركزوا في هذه الفكرة يا شباب.
نلاحظ هذا الترتيب: أولا هم جاؤوا ليسألوا عن عبادته، طيب المفروض أنكم تعلمون أن هذا هو رسول الله والله سبحانه وتعالى قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]، والنبي صلى الله عليه وسلم أمرنا باتباعه، واضح؟
طيب أنتم لما جئتم لتعلموا سنته علمتموه، كيف ساغ لكم أن تخالفوا هديه؟ لأنهم ظنوا أن هذا قليل في العبادة واضح، وظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لأجل أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فإنه يقلل العبادة وهذا باطل ومنكر.
بل إن النبي صلى الله عليه وسلم كان عبدا شكورا؛ لأن الله غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر كان يجتهد في العبادة، كان يزداد اجتهادا في العبادة شكرا لله تبارك وتعالى، لذلك لما سالته عائشة رضي الله عنها لما قام وتفتت قدماه صلى الله عليه وسلم ماذا قال؟ يعني تقول: تفعل ذلك وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ يعني عائشة رضي الله عنها رأت اجتهاده صلى الله عليه وسلم فقال لها: «أفلا أكون عبدا شكورا؟ فإن مغفرة الله ذنبي منه ما تقدم وما تأخر أدعى لأن أجتهد في العبادة».
فثمة نلاحظ أن هؤلاء هذا الحديث مفتاح مهم هذا الحديث؛ لأن البخاري في كتابه يرد على هذه الطائفة التي ابتدعت دينا، سواء في الإيمان أو التوحيد أو عبادات أو الفقه أو الأحكام أو في باب الصحابة أو في أي باب من أبواب الدين الذين ابتدعوا بابا، خاصم البخاري في كل هذه الأبواب بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فنلاحظ أن هؤلاء اختاروا المشقة في العبادة وظنوا أن الأجر على قدر المشقة، فخالفوا هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأنْشَئُوا عبادات تخالف القرآن والسنة والفطره وحاجات النفس.
نلاحظ أنهم اختاروا الشدة وتقربوا إلى الله بما لم يشرعه الله، وجاء في بعض روايات هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتد غضبه؛ لماذا؟ لأن هذا بداية الإفساد في الدين وهذا بداية البدعة؛ أن تعلم سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأن تكون بينه أمامك ثم تتحجج في مخالفتها وتتعبد إلى الله بما لم يشرعه الله.
وكل البدع بلا استثناء انطلقت من هذا المبدأ، هؤلاء كانوا يعلمون؛ المتكلمون بكل طوائفهم، والمتصوفه، والمسمون بالفلاسفة، وظنوا أن ما هم عليه أكمل وأهدى وأحسن، واخترع بعضهم أن مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم وأحكم، وهذا كذب وباطل.
كل هذا نشا من هذه الفكره، فلم يكن هذا فقط جهلا منهم بالقرآن والسنة؛ لا، علموا القرآن والسنة وعلموا حجة الله على عباده وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، لكنهم تعمدوا مخالفتها أو كثير منهم تعمد هذه المخالفة، واخترع لنفسه حججا تسوغ له مخالفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ومن هذا المبدأ خاصم أئمة السنة في كل زمان بكتاب الله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الخوارج الذين بدأوا أو نشأوا في فتنة مقتل عثمان بن عفان خاصموا الصحابه الكرام بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والشيعة الذين نشأوا في عهد في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه خاصموا الصحابة بالكتاب والسنة.
وبعد ذلك القدرية الذين ادعوا أن الله لم يخلق أفعال العباد ولم يشأها الأوائل ولم يكتبها، خاصموا الصحابة بالقرآن والسنة، ثم بعد ذلك تتوالى الفتن وتتوالى الفرق والمقالات ويبقى أهل السنة كما هم.
ابن سيرين لما نشأ مبتدعة العبَّاد الذين كانوا يصعقون إذا تلي عليهم القرآن -يعني واحد يقرأ عليه القرآن فيقع في الأرض ويدوخ ويسقط مغمى عليه- خاصم بالقران والسنة.
وابن عيينة رحمه الله الإمام الكبير المحدث خاصم مبتدعة العبَّاد بالقرآن والسنة، والشافعي قمع المعتزلة والجهمية بالقرآن والسنة، وأحمد بن حنبل في فتنة القرآن لم يخرج عن القرآن؛ في فتنة خلق القرآن لم يخرج عن الكتاب والسنة في بيان الحق وبينات الهدى والفرقان بين الحق والباطل.
وجاء البخاري رحمه الله متمما لهذه السلسلة المباركة، إذا يا شباب لابد أن تعلم كيف كتبت هذه الكتب ولماذا كتبت هذه الكتب، هذه الكتب ألفت من هذا المبدأ؛ أن الهداية على هذه الأرض لن تكون إلا بكتاب الله وبيانه من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
مما يقتضي بداية أن تجتهد في العلم بالقرآن والعلم بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وبين قوسين بقى ركز معايا؛ وكل ما يعين على فقه القرآن والسنة أنت تحتاج أن تتعلم لسان العرب لتفهم القرآن وتفقه حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وتتعلم علوم الحديث لتعرف كيف يكون الحديث صحيحا وتميز بين الصحيح والضعيف، وهكذا كل علم يعين على إثبات الأحاديث النبوية أو فقه القرآن والسنة فالاجتهاد في طلبه من أعظم القربات.
لذلك أنا بدأت بهذا الحديث يا شباب لتفهم أن هذا الحديث مركزي في دين الإسلام؛ في العلم بهدي النبي صلى الله عليه وسلم والاجتهاد في كل سبيل يوصل إلى هديه والعلم به وفقهه والعمل به، وفي العلم بالمقالات التي نشأت في كل أبواب الدين؛ في العبادة أو في التوحيد أو الإيمان أو في الأحكام أو في التعبد إلى الله تبارك وتعالى أو في الفقه أو في غير ذلك أو في السياسة، ثم توزن كل هذه المقالات والأفعال وأصحابها بكتاب الله وهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
ولتكون أنت كمؤمن على يقين بأن هذا الطريق ليس فقط هو الأسلم؛ لا، هو الأسلم والأعلى وهو أحسن عاقبة وخير عاقبة.
طيب نبدا بقى الآن يا شباب في الكلام عن قصة علوم الحديث، لماذا أنا أبدا في الدخول على كتب السنة بقصه علوم الحديث؟ أنا يمكنني أن نبدأ مباشرة في صحيح البخاري، لا بد أن تفهم كيف كتبت هذه الكتب ولماذا كتبت بهذه الطريقة؛ لأن البخاري يا شباب لم يكن إلا حلقه في سلسله مباركه سبقته، لابد أن تفهم كيف انتشرت الأحاديث النبوية وما الذي اجتهد فيه الصحابة.
ليبلغوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه وسننه على أحسن وجه وأكمله. وماذا وكيف فعل التابعون الكرام ليبلغوا هذا الذي أخذوه عن الصحابة؟ ثم كيف اجتهد أتباع التابعين؟ ثم وصل إلى الكتب الستة وقبلها مسند أحمد في العصر الذهبي للسنة النبوية. لابد أن تعيش في هذا الجو.
كثير من الطلاب لكونه لا يعرف هذه الجهود، سواء كان يعرفها من جهة التعب والبذل، أو من جهة الفقه والحكمة التي دونت به السنن وجهود النقاد وعلماء الجرح والتعديل، لكونه لا يفهمها يسهل عليه جداً أن ينكر الحديث ويقول: هذا حديث لا يثبت. البخاري رجل وأنا رجل، هؤلاء عادي بشر يصيبون ويخطئون. لماذا هو يسهل عليه هذا الكلام التافه الفارغ؟ لكونه لم يعلم كيف دونت هذه السنة، وكيف رويت، وكيف جمعت، وما هي الجهود التي بذلت فيها؟ واضح يا شباب؟
والإنسان لا يتبنى قولا إلا بعد الإيمان به، لذلك ربنا سبحانه وتعالى ربنا تبارك وتعالى قبل أن يرسل موسى إلى فرعون قال: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه: 23-24]. لابد أنت كمسلم أن تكون موقنا بما تدعو الناس إليه، ولن تكون موقنا إلا بعلم. وكثير من الناس يدافع عن البخاري بمجرد عاطفة وبمجرد الحب أو أمر متوارث.
لذلك يا شباب أنا الآن سأحاول أن ألخص لك بعض الأمور في مسألة نشأة علوم الحديث. ومن الكتب الجميلة التي تكلمت في كتب مثلاً زي تدوين كتب السنة للزهراني، وفي مقدمة جميلة للدكتور حاتم العوني في كتابه المنهج المقترح. وأنا أفدت من هذه الكتب، ولكني أحاول أن ألخص لكم بعض المعالم، وولي وجهة نظر في عرض قصة علوم الحديث ربما تختلف نوعا ما عما تناولته هذه الكتب.
أنا أريد منك أن تتصور بداية هذه الفكرة. النبي صلى الله عليه وسلم حينما أوحي إليه في بداية الوحي يعني صار هذا الرجل نبياً. الله سبحانه وتعالى أوحى إليه هذا الوحي فصار نبياً من هذه اللحظة. يا شباب من هذه اللحظة علم الصحابة الكرام أنهم لا سبيل لهم لرضا الله إلا باتباع ذلك النبي. واضح؟
فأنا في رأي أن من أجمل ما صنعه البخاري أنه صدر كتابه بحديث بدء الوحي. وهو الحديث الذي روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ثم ذكرت الحديث المعروف، وهو حديث مجيء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء، ثم قال له: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. إلى أن رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خديجة زوجة رضي الله عنها وأرضاها يرجف فؤاده، ثم قص عليها القصة، ثم ذهبت هي فروت هذه القصة إلى ورقة بن نوفل، ثم جاء ورقة وكلم النبي صلى الله عليه وسلم.
لعل هذا من أوائل ما، أو هو أول تحديدا هو أول ما يمكن أن نذكره من علوم الحديث؛ أن خديجة رضي الله عنها تلقت عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً ثم أخبرت به ورقة، فهذا هو التحمل والأداء. النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر الله تبارك وتعالى باتباعه والتأسي بكل أقواله وأفعاله واقراراته، نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أدق التفاصيل، لماذا؟ لعلمهم بأن هدي ذلك النبي هو خير ما يرضي الله.
النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بأمرين: أن يحفظوه وأن يبلغوه من ورائهم. كما في حجة الوداع قال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ليبلغ الشاهد منكم الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه». وفي أحاديث كثيرة جداً قال: «احفظوه وأخبروه من ورائكم». طيب، إذاً النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالحفظ والوعي والبلاغ. هذا هو التحمل والأداء؛ أن يتحمل الإنسان، يعني ينقل رواية، وأن يكون صادقاً أميناً فيها.
طيب، النبي صلى الله عليه وسلم ورب العالمين قبله أمر، جاء الامر في الكتاب والسنة للصحة بالتثبت في الأخبار. كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]. والله سبحانه وتعالى قال: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 111]. وسليمان عليه السلام قال للهدهد في الخبر الذي نقله: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: 27]. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». وقال في رواية: «إن كذبا علي ليس ككذب على أحدكم، من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار».
إذاً النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالحفظ والبلاغ والتثبت في النقل، هذه خلاصه علوم الحديث. خلاصه علوم الحديث هو هذا الأمر: التحمل والتثبت والأداء، واضح؟ طبعا جاء عن الصحابة الكرام نماذج كثيرة جداً في تثبتهم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد موته، وهذه آثار كثيرة لا أريد أن أطيل فيها؛ مثل قصة عمر رضي الله عنه وجاره من الأنصار، يعني كان يتناوبان النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم أخبره الرجل بأنه حدث أمر عظيم، وأراد عمر أن يتثبت من ذلك الخبر فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أطلقت نساءك؟ قال: لا. فقال: الله أكبر. وكذلك في حديث ضمام بن ثعلبة وأحاديث كثيرة جداً.
وجاءت الآثار تدل على أن الصحابة أصدق الناس، وأنهم ما كانوا يكذبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجاءت أمثلة كثيرة جداً عن الصحابة الكرام في التحري والتثبت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، كتثبت عمر رضي الله عنه من حديث أبي موسى الأشعري في الاستئذان ثلاثة. وكذلك ذكر الأئمة أن عمر رضي الله عنه أول من أحتاط في قبول الأخبار بعد أبي بكر رضي الله عنه، وهو الذي سن للمحدثين التثبت في النقل. بل إن عمر رضي الله عنه حبس بعض الصحابه بالمدينة ليرى ما يروون وليتثبت من مروياتهم، ليس طعناً فيهم ولكن مزيداً في التحري والتثبت. كل هذا يعني أظن أني ذكرته قبل ذلك في دروس الحديث.
الصحابة الكرام كان يصدق بعضهم بعضاً، ويمكن أن يراجع بعضهم بعضاً في بعض روايات الحديث، لكن لم يكن يكذب بعضهم بعضاً، ولكن كانوا يشككون في بعض الروايات التي يرويها غير الصحابه؛ سواء ممن كان يروي عن أهل الكتاب، أو من التابعين الذين ليسوا من الصحابة.
جاءت روايات كثيرة جداً عن الصحابة في تعظيم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومراجعة الصحابة بعضهم بعضاً واستدراك بعضهم على بعض. هذا كثير جداً، وأنا إن شاء الله أنقل لكم هذا الملف لكني أذكر رؤوس أقلام، وسأبعث لكم إن شاء الله تبارك وتعالى ملفا فيه هذه القصة مفصلة لتكون معك تدخل بها إلى كتب السنن.
إلى هذا الحد يا شباب لم تظهر المقالات أو الفرق، لكن بعد فتنة مقتل عثمان بن عفان ظهرت مقالات وفرق. من هنا رأى الصحابة وجوب التثبت والتحري، الصحابة ومعهم أئمة التابعين رأوا وجوب التثبت والتحري. من ذلك مثلاً أن بشيراً العدوي جاء إلى ابن عباس فجعل يحدث، يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم. فجعل ابن عباس لم يأذن له، يعني ما استمع له ابن عباس فقال، ولم ينظر إليه، فقال: ما لي أراك لا تسمع حديثي؟ ما لي لا أراك تسمع حديثي؟ أحدثك عن رسول الله ولا تسمع!
انظر ماذا قال ابن عباس ليبين الحقبه الجديدة. يعني كان الصحابة قبل هذه الحقبه يا شباب، الصحابي فقط يروي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيصدق، قد يحصل بينهم مراجعة في فقه الحديث أو في التثبت من الحديث من جهة أنه قد يكون نسي والآخر يذكره، لكن ما كان أحدهم يتهم الآخر. لكن هنا ماذا قال ابن عباس؟ قال: أنا كنا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ابتدعته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا. فلما ركب الناس الصعب والذلول صرنا لا ناخذ من الناس الا ما نعرف. وفي رواية: الا ما يعرف.
يعني ابن عباس هنا يقول: صرنا نمتحن ولا نأخذ إلا عن الثقات، ولا نأخذ إلا ما نعرفه من الحديث. لماذا؟ لأنه يتكلم عن من لم يروا النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك قال محمد بن سيرين: قال لم يكونوا يسالون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم. فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدعة فلا يؤخذ حديثهم. والأقرب أنه كان يقصد بأهل البدعة هنا الذين كانوا يستحلون الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، فهو هنا يبين النقد، بداية النقد. كان قبل ذلك التحمل والأداء، لكن الآن بدأت مرحلة النقد.
وكذلك عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان يحدث رهطاً من قريش بالمدينة، وذكر كعب الأحبار فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلوكم الخطأ، يعني أنه يخطئ في الروايات.
أيضا سعيد بن جبير لما قال لابن عباس: إن نوفاً البكالي يزعم أن موسى صاحب بني إسرائيل ليس بموسى صاحب الخضر؟ فقال ابن عباس: كذب عدو الله. وسياتي معنا هذا الحديث، وهو حديث متفق عليه.
فهنا يظهر أن الصحابة أول من بدأ بانشاء علم النقد، الصحابة أول وكانوا يحدثون من العلوم ما يحتاجه الواقع العلمي. كان فيه تحمل وأداء، ثم بعد ذلك صار هناك النقد.
مهم جداً بقى يا شباب هنا أن نعرف المكثرون من الصحابة رضي الله عنهم، وسيكون لنا حديث مهم عن هؤلاء؛ لأن هؤلاء هم الذين دارت عليهم عامة السنن، وغيرهم من الصحابة مقلون من الرواية. فالعلم بهؤلاء الصحابة وبأصحابهم من التابعين وبمن روى عن هؤلاء الصحابة، أو الأسانيد الموصلة إلى هؤلاء الصحابة، من أخص ما يحتاجه طالب علم الحديث والقارئ في كتب السنن.
طبعا أهم الصحابة الذين رووا، طبعا يا شباب في فرق بين الصحابة العلماء أو من جهه الشرف، فهؤلاء السابقون الأولون، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وهؤلاء الكبار، لكننا هنا نتكلم عن الذين رووا، الذين رووا حفظوا عن النبي صلى الله عليه وسلم وأدوا إلى من بعدهم. غيرهم كان أعلم منهم وكان أعلى منهم، ولكنهم لم يرووا الأحاديث الكثيرة، فبالتالي رواياتهم قليلة. أبو بكر مثلاً رضي الله عنه بقي بعد النبي صلى الله عليه وسلم قرابه عامين وكان مشغولا بحروب الرده وبحروب مانع الزكاة وغير ذلك، فهو أعلم الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم لكنهم من أقلهم رواية. واضح؟
كذلك عمر بن الخطاب وعثمان، أحاديث هؤلاء الكرام قليلة. فنحن هنا نريد أن نتكلم عن أهم الصحابة الذين توجد أحاديثهم في كتب السنن، الذين صار لهم أشبه بمجالس العلم وتلقي عنهم العلم وانتشر في الأمصار. أهم هؤلاء يا شباب أبو هريرة رضي الله عنه، وأم المؤمنين عائشه رضي الله عنها، رضي الله عنهم جميعاً.
أذكر الأسماء سريعا: عبد الله بن عمر، أنس بن مالك، عبد الله بن عباس، جابر بن عبد الله الأنصاري، عبد الله بن مسعود، عبد الله بن عمرو بن العاص، أبو موسى الأشعري، سعد بن مالك بن سنان اللي هو أبو سعيد الخدري، رضي الله عنهم جميعاً. إن شاء الله سيكون لنا عودة في الكلام عن هؤلاء الكرام، ولكني هنا أريد أن أبين أن في عصر التابعين حصلت أمور جديدة في واقع الرواية:
أولاً: نشأت الفرق والمقالات وظهرت دواعي الكذب؛ لأن المبتدع يريد أن يسوغ بدعته فيمكن أن يخترع حديثاً، وخصوصاً الرافضة.
أيضا هناك أمر آخر: طول الإسناد؛ الإسناد كان في عهد الصحابة: صحابي والنبي صلى الله عليه وسلم، أو صحابي عن صحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم. واضح؟ يعني مثلاً رواية يرويها عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو رواية يرويها عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو رواية يرويها ابن عباس رضي الله عنه عن مثلاً أبي بكر الصديق رضي الله عنه أو عن ابن مسعود. فلا في عصر التابعين طال الإسناد، واضح؟
طيب، الأمر الرابع: اعتناء أئمة النقد من التابعين بضرورة التثبت في التحمل والأداء وما يقتضيه من علم الرجال والعلل. العلل اللي هو نقد الرواية، لذلك قال ابن سيرين: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم. هذه بداية التثبت والعلم بمن يحدثك.
أيضا في هذا العصر يا شباب في عصر التابعين دونت السنن بأمر من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله ورضي الله عنه. كانت خلافته من سنة 99 إلى سنة 101، وامر بأمر رسمي بأن تدون هذه السنن؛ لأنه خشي أن تنسى لأنها في صدور العلماء، فلا بد أن تنتقل هذه السنن من صدور العلماء لتكون مكتوبة أمام الناس وتبلغ للأجيال.
أيضا ذكر مصطلحات في التعبير عن الراوي والرواية صارت معروفة في مثل مصطلح الإسناد والارسال، وكان هناك أئمة كبار من التابعين منهم ابن سيرين والحسن، طبعا أنا لن أذكر.
كل التابعين لن أذكر الأكابر، مثل زر بن حبيش وأبو عبيدة السلماني وسعيد بن المسيب وغير هؤلاء؛ لا، أنا أذكر المكثرين، منهم: ابن سيرين، والحسن البصري، والشعبي، وعكرمة، وسالم بن عبد الله بن عمر، ونافع، والزهري، وعمرو بن دينار، وإبراهيم النخعي، وقتادة، وثابت البناني، والأعمش، وأبو إسحاق السبيعي، ويحيى بن أبي كثير.
هؤلاء إذا دخلنا إلى عصر أتباع التابعين يا شباب -طبعاً التابعون هم الذين لقوا الصحابة ولم يلقوا النبي صلى الله عليه وسلم، لابد أن تعرف هذا لأننا سنقرأ في السنن ويمر معنا هذا كثيراً إن شاء الله- في عصر أتباع التابعين، طبعاً أتباع التابعين هم الذين لم يلقوا الصحابة ولكن لقوا التابعين. في عصر أتباع التابعين في خصائص متعلقة بعلوم الحديث، منها: زيادة الوسائط؛ يعني مثلاً كنت ترى تابعياً عن ابن عمر مثلاً، حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن جابر، فبدأ يكون هناك طول في الإسناد، أيضاً تشعب الأسانيد.
تشعب الأسانيد يعني إيه يا شباب؟ تشعب الأسانيد يعني مثلاً أنا لو عندي حديث يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص تمام، سيتشعب هذا بعد ذلك؛ سيروي عن ابن عباس مجموعة مثلاً مجاهد وعكرمة مثلاً وغيرهم، وسيروون مثلاً عن عائشة مسروق وعروة وهكذا، فيبدأ في تشعب. ومثلاً لو قلنا مثلاً إن عروة روى عنه الزهري، الزهري ممكن يروي عنه خمسة، فبدأ الإسناد يتشعب. وإذا تشعب الإسناد فقد يقع خلاف في الإسناد في الرواية، يختلفون، فالميزة يعني أو الخصيصة الثالثة في عصر أتباع التابعين بالنسبة لعلوم الحديث: وقوع الاختلاف في الروايات في الإسناد وفي المتن أيضاً.
مما يميزه تصنيف السنن والآثار؛ كتب السنن: كتاب السنن والطهارة والصلاة والتفسير والجامع لابن جريج، وكتاب السنن والمغازي لابن إسحاق، وكتاب الجامع لمعمر بن راشد، والموطأ لابن أبي ذئب، والسنن والتفسير لسعيد بن أبي عروبة، والسنن والجامع الكبير والجامع الصغير والفرائض والاعتقاد للثوري، والسنن والزهد والتفسير والقراءات لزافر قدامة، والسنن لحماد بن سلمة، وموطأ مالك، والمسند والزهد والجهاد لعبد الله بن المبارك، والسنن في الفقه والمغازي لهشيم بن بشير، والسير لأبي إسحاق الفزاري. كل هذه الكتب صنفت فصار الرواة كلهم، منهم يعني خصوصاً المصنفون منهم، اعتنوا بجمع حديث النبي صلى الله عليه وسلم أو الآثار وصنفوها في شكل كتب.
أيضاً مما تميز به هذا العصر: ظهور مصطلحات حديثية للتعبير عن الراوي والرواية أو عن الكتاب المدون فيه؛ فمثلاً ذكر الضعيف، والمرفوع، والموقوف، والمرسل، والمنقطع، والمتصل، والمنكر، والشاذ، والمضطرب، والباطل، وما لا أصل له، والتدليس، والتلقين، وحكم هذه الأمور، والكلام عن طرق التحمل والاداء، وألفاظ الجرح والتعديل. بدأت علوم الحديث تظهر؛ كان العلماء يا شباب في كل عصر يضيفون إلى علوم الحديث أبواباً تكمل هذا بحسب مقتضيات العصر، واضح؟
طبعاً أبرز أئمة العلم في هذا العصر أو أبرز الرواة أو المكثرون عموماً: شعبة بن الحجاج، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، والليث بن سعد، وعبد الله بن المبارك، وهشيم بن بشير، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن وهب، ووكيع بن الجراح، ومحمد بن إدريس الشافعي، ويزيد بن هارون الواسطي، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني. وهذا العصر فيه الاثنان أو الثلاثة الأكابر في علم النقد والرواية، ختم بهما هذا العصر: يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي؛ أكابر علم الجرح والتعديل الذين ختم بهم هذا العصر، وهو عصر أتباع التابعين.
في هذا العصر يا شباب ألفت كتب تضمنت أشرف مسائل علم الحديث، منها الكتاب التأسيسي كتاب الرسالة، وكتاب جماع العلم في تلقي السنن، وفي قبول السنن، وفي شروط قبول السنن، وفي فقه السنن. وهذا العصر كان هو المقدمة للعصر الذي يمكن أن نسميه بالعصر الذهبي لكل علوم الحديث؛ القرن الثالث الهجري يا شباب هو عصر الأخذين عن أتباع التابعين، أجمل عصر في السنة، ليس لأن ما سبقه أقل منه، لا، ولكن لأنه انتفع بكل من سبقه وأخرج علماً عظيماً، لذلك العلماء جعلوا هذه الفترة هي الفارقه بين المتقدمين والمتاخرين، يعني كان ينبغي على كل من جاء بعدهم أن يجعل هذه الطبقة هي آخر طبقة في طبقات الرواية، وأن يكون كل من بعدهم انتفع منهم وصدر عنهم.
القرن الثالث الهجري يا شباب هو الذي شهد تحولاً عظيماً على يد العلماء الذين عاشوا في هذا العصر؛ يعني انتشار الروايات في مختلف الأمصار، في مختلف أمصار الإسلام: البصرة، والكوفة، ومصر، والشام، واليمن، والأندلس، وبخارى، وسمرقند، ونيسابور. انتشرت الرواية وانتشرت مجالس الحديث والعلماء، صار لكل واحد منهم مجلس والآلاف الطلاب يرحلون إليهم. هذا العصر هو عصر الكتب: مسند أحمد، وهو عصر الدارمي، وهو عصر الكتب الستة ومنها الصحيحان وهي أصح الكتب.
هذا العصر دونت فيه أصول الكتب: السنن، والمسانيد، والجوامع، والعلل، والتواريخ، والأجزاء الحديثية؛ يعني هذا العصر كان فيه أكابر الأئمة، لذلك جعله الذهبي هو الحد الفصل بين المتقدمين والمتاخرين كما في ميزان الاعتدال وغيره من الكتب وفي سير أعلام النبلاء. تدوين السنة: دونت السنة كاملة في هذا العصر، دونت السنة كاملة في هذا العصر. وللعلماء كلام كثير جداً مثل الحاكم والبيهقي عن هذه الفترة، وأنه بعد هذه الفترة صار العلماء يتخففون في الرواية لأن أصول الرواية قد جمعت.
هذا العصر يا شباب افتتح هذا العصر بأئمة ثلاثة جبال في العلم، في علم الرواية أو النقد أو الجرح والتعديل أو العلل: أحمد بن حنبل، يحيى بن معين، علي بن المديني. طبعاً معهم كثيرون مثل: عمرو بن علي الفلاس، ويعقوب بن شيبة السدوسي. وطبعاً بعدهم أو معهم: الحميدي عبد الله بن الزبير، وسعيد بن منصور، وأبو عبيدة القاسم بن سلام، ومحمد بن سعد صاحب الطبقات، وأبو خيثمة زهير بن حرب، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وأبو بكر بن أبي شيبة صاحب المصنف، وخليفة بن خياط، ودحيم، وأحمد بن صالح المصري، وعمرو بن علي الفلاس، والدارمي عبد الله بن عبد الرحمن، والجوزجاني، ومحمد بن يحيى الذهلي، والإمام البخاري الإمام الكبير، وأبو زرعة الرازي عبيد الله بن عبد الكريم، والعجلي أحمد بن عبد الله، وأبو حاتم الرازي، ومسلم بن الحجاج، ويعقوب بن شيبة ذكرناه، وأبو داود سليمان بن الأشعث، والترمذي، وابن ماجه، ويعقوب بن سفيان الفسوي، وأحمد بن زهير بن حرب المعروف بابن أبي خيثمه، وأبو زرعة الدمشقي عبد الرحمن بن عمرو، وابن أبي عاصم الذي ألف كتاب السنة، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وصالح جزرة، وأبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار، ومحمد بن نصر المروزي.
وطبعاً الإمام النسائي رحمه الله، وأبو بكر، وأبو بكر البرديجي، وابن خزيمة، ومحمد بن جرير الطبري، والعقيلي صاحب كتاب الضعفاء. وختمت هذه الطبقة المباركة بأبي محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس اللي هو ابن أبي حاتم الرازي. هؤلاء أئمة العلم في الرواية وفي التصنيف وفي علم الجرح والتعديل وفي علم علل الحديث؛ هؤلاء أكابر العلم، لذلك شباب العناية بهؤلاء بهذه الأسماء هي عناية بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، حفظ الله تبارك وتعالى بهم دينه، نصروا الله ورسوله وسنة نبيه.
ألفت في هذه الفترة كتب أيضاً في مصطلح الحديث، منها: جزء لعبد الله بن الزبير الحميدي، ولكن أنه ليس موجوداً لا أعلمه مطبوعاً ولكنه موجود داخل كتاب الكفاية في علم الرواية من رواية أبي نعيم الأصبهاني عن أبي علي محمد بن أحمد بن الحسن الصواف عن بشر بن موسى عن الحميدي. وكتب الإمام مسلم رحمه الله مقدمته النفيسة لصحيحه، وكتاب كذلك التمييز لمسلم في بيان أهم ما كتب في قواعد النقد وفي مشروعية النقد وفي كيف ينتقد العلماء ويحكمون على الروايات وأنهم لم يقولوا ذلك خرصاً ممن لا خبرة له. أيضاً كتب فيه أبو داود رسالته لأهل مكة وتعرض فيها لمنهجه وكثير من مسائل علوم الحديث. كتب الإمام الترمذي في كتابه، كتاب العلل، له كتاب الجامع طبعا وفيه في آخر كتاب منه سماه العلل، وذكر فيه الذي يعني يميزونه عن العلل الكبير بالعلل الصغير لأن له كتاب مستقل العلل الكبير جعل في كتابه العلل الصغير، ذكر فيه طريقته في التصنيف وذكر أسانيد إلى الفقهاء وإلى المحدثين، وذكر بعض مسائل علوم الحديث المهمة ودلالات المصطلحات عنده، وشرح هذا الكتاب ابن رجب الحنبلي وهو شرح مفيد إن شاء الله لعلنا نتطرق له باذن الله تبارك وتعالى.
فهذا العصر يا شباب هو الذي ينبغي أن تعتني به جداً في علوم الحديث، هو وما سبقه: عصر الصحابة، عصر التابعين، عصر أتباع التابعين، عصر الأخذين عن أتباع التابعين. وكل كتب السنن تدور على هذه العصور.
موضوع علم الحديث يا شباب باختصار هو إما الدراسة النظرية التي تعرف بها المصطلحات ودلالات هذه المصطلحات؛ يعني مثلاً تعرف أن في مصطلح اسمه الثقة، الضعيف، المضطرب، الشاذ، المنكر، المسند، المستدرك، المستخرج؛ تريد أن تعرف دلالات هذه المصطلحات تماماً.
العلم الثاني: علم الرجال الجرح والتعديل، تعرف فيه نشأة العلم وآداب النقد عند الأئمة، ومن هم الأئمة المعتبرون، وما هي شروط الناقد وقواعد الجرح والتعديل، وما هي الألفاظ التي يعبر بها عن حال الراوي والرواية، وما هي الكتب التي جمعت الجرح والتعديل، وكيف أنت تصنع ترجمة للراوي.
العلم الثالث: علم علل الحديث نقد المرويات، كيف تجمع الروايات وتجمع الطرق وكيف تنقد الروايات؛ يعني تختبرها وتمتحنها، وما هي الألفاظ التي يعبر بها عن حال الرواية، وما هي كتب العلل، ومن هم الأئمة أئمة العلل، وكيف تدرس الحديث دراسة نقدية.
العلم الرابع: علم مصادر السنن، ما هي الكتب التي جمعت السنن والآثار بإسناد؟ تعرف أنواعها وكيفية الافاده منها وشروط مصنفيها؛ منها كتب الجوامع، والسنن، وكتب الجوامع، كتب السنن، كتب الآثار، المسانيد، الأجزاء الحديثية، المستخرج، المستدرك، الزوائد، التخريج، العلل، التواريخ، التراجم، كتب الموضوعات؛ يعني الأحاديث الموضوعة أو الأحاديث الضعيفة، كتب السؤالات، كتب المسائل، وغير ذلك. كل إمام من الأئمة حرص أن يخدم سنة النبي صلى الله عليه وسلم بوجه رأى أن الواقع العلمي يحتاجه.
العلم الخامس: علم تخريج الحديث، يعني أن تجمع الروايات.
العلم السادس: علم فقه شرح السنن والآثار؛ يعني فقه السنن والآثار، كان المحدثون يا شباب يعتنون بالرواية والتثبت منها، ولكن كثيراً منهم كان يعتني كذلك بفقه الحديث، لأن اكتشاف الخطأ في الرواية أو انتخاب أحسن ما في الروايات لا يتم إلا بمعرفة فقه الحديث والعلم بمعاني الحديث.
طبعاً هناك كتب كثيرة جداً صنفت في علم مصطلح الحديث، وأنا كتبتها لكم في منشور في قناة تلغرام للطلبة المهتمين بإتقان علم الحديث أو التخصص فيه، فلا أحب أن أعيدها أو أكررها.
المفروض أننا كنا سنعتني بترجمة للإمام البخاري رحمه الله، ولكني وجدت يعني لو كلفت بها الطلاب أفضل، ولكن يا شباب أنا أشدد عليكم أن تقرؤوا هذه الترجمة من سير أعلام النبلاء أو من الكتب التي ترجمت للبخاري. هذه الترجمة شباب نفيسة جداً، وأنا متاكد أنها ستعطيك علماً كثيراً بالبخاري، وستفيدك في حياتك بشكل عام، وستنتفع منها. ولكني قلت هذه الترجمة تقريبا 80 صفحة، فلو قرأناها واستخرجنا منها الفوائد ربما يطول الأمر، وأعلم أن كثيراً منكم متعجل للدخول إلى هذا الكتاب النفيس، ولكني ذكرت في الدورة السابقة في العناية بالكتب التأسيسية ذكرت أن من أخص ما ينبل به طالب العلم العناية بسير أعلام النبلاء، بسير الأئمة الكبار في كل طبقة. أعظم هؤلاء هم رسول الله وبعدهم الربانيون من أهل العلم، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم طبعاً خير سيرة يمكن أن يهتم بها، ثم بعد ذلك أئمة الإسلام في كل طبقة: طبقة التابعين وأتباع التابعين ومن بعدهم إلى الأئمة الكبار، يعني إلى أن تصل إلى ابن الصلاح والنووي وابن حجر وابن تيمية وهؤلاء الكبار.
لذلك يا شباب أنا أشدد عليكم في هذا أن تهتموا بقراءة على الأقل كل شهر اقرأ ترجمة واحدة. وهذه الأسماء ستاتي معنا في الأسماء التي أنصحك بالعناية بقراءة تراجمهم، لأن هؤلاء كانوا علامة فارقة في تاريخ الإسلام. وطالب العلم يا شباب ليس مجرد معلومات تجمع، لابد أن تعرف واقع هؤلاء، كيف كانوا يتلقون العلم، كيف صبروا، كيف بذلوا، كيف تثبتوا للدين، كيف كانوا يستقيمون عليه ويدعون إليه، كيف كانوا على جرأة في بيان الحق ورد الباطل وقاموا مقام صدق؛ كل هذا تكتسب به أموراً لا يمكن أن تكتسبها إلا من جهة هؤلاء.
طيب، نبدأ بقى نحاول أننا ندخل في... طبعا أنا أحب أن أفيدكم ببعض الأمور حتى تتصوروا هذه الفكرة يا شباب، خلونا نتصور واقع الرواية في علوم الحديث؛ الصحابه الذين رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم يا شباب، أقصد بهم الصحابة الذين صار لهم أشبه بمجالس للتحديث، كل واحد له أصحابه يتعلمون منه ويحفظون حديثه ثم ينقلونه إلى من بعدهم: أبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وعائشة، وأنس، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وجابر، وأبو موسى الأشعري، وأبو سعيد الخدري، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم جميعاً. كل واحد من هؤلاء يا شباب صار له أصحاب؛ يعني احنا لو خدنا مثلاً مثال أبو هريرة، أبو...
أبو هريرة رضي الله عنه يا شباب صار له أصحاب. طبعا كان يحضر في مجلسه، كما ذكر بعض العلماء، ثمان مئة شخص في بعض مجالسه، لكن ليس كل الأصحاب على درجة واحدة؛ منهم الذين اختصوا به؛ من هؤلاء مثلا: أبو صالح، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، والأعرج -اللي هو عبد الرحمن بن هرمز-، وسعيد بن المسيب، وسعيد المقبري، وهمام بن منبه، ومحمد بن سيرين. تمام. وكل واحد من هؤلاء يا شباب له تلامذته. إحنا لو سلطنا الضوء مثلا على الأعرج -اللي هو عبد الرحمن بن هرمز، أحد أكابر أصحاب أبي هريرة- ستجد أن هذا له أصحاب أيضا: مالك، وابن عيينة، وشعيب، والمغيرة بن عبد الرحمن، وورقاء بن عمر. تمام. وهكذا.
طيب، لو أخذنا مثالا آخر، لو أخذنا مثالا آخر مثلا من الصحابة الكرام أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها صار لها أصحاب اعتنوا بالرواية عنها: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ومسروق بن الأجدع، والأسود بن يزيد، وعمرة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وسعد بن هشام، وعروة بن الزبير. لو أخذنا مثلا واحد من هؤلاء، وليكن مثلا عروة؛ عروة أخذ منه أو أهم من أخذ منه: هشام ابنه، والزهري. لو أخذنا مثلا لقطة على هشام؛ هشام صار له أصحاب: حماد بن سلمة، وعبد الله بن نمير، وعبده بن سليمان، ومالك، وحماد بن زيد، والثوري، وابن عيينة، وعلي بن مسهر، ووكيع، وأبو معوية، ويحيى القطان. وهكذا.
لو أخذنا مثالا ثالثا حتى تتصور هذه الفكرة، لو أخذنا مثالا ثالثا مثلا: ابن عباس صار له أصحاب: عكرمة، سعيد بن جبير، طاووس بن كيسان، عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عطاء بن أبي رباح، كريب، ومجاهد، وجابر بن زيد. وهكذا كل واحد من هؤلاء يا شباب له أصحابه وله تلامذته الذين جمعوا حديثه ونشروه في الأمصار. من هنا يا شباب بدأ كل العلماء المصنفون بقج يجمعون هذا ثم يجعلونه في كتب. هذه الكتب هي المصنفات يا شباب؛ هذه الكتب هي التي أفاد منها البخاري رحمه الله في جمع سننه.
طيب، خلينا نشوف ما هي الكتب التي سبقت البخاري، وما هي الإضافة التي أبدع البخاري فيها حتى صار كتابه أشرف كتاب جمع السنن. البخاري يا شباب كان منتفعا ممن سبقه ومتمما له، وكان مبدعا في هذا؛ علم بمن سبقه، جمع هذه الكتب من كتب التاريخ والسير والمغازي والأحاديث والآثار والعلل وغير ذلك، انتفع منها وأحسن توظيفها، عرف ما الذي يأخذه منها وما الذي يدخله في كتابه وما الذي يمكن أن يستغني عنه. سبقه فقهاء ومفسر ومحدث ولغوي ومصنف، وهناك مصنفات ومقالات وفرق وردود؛ مهم جدا أن تعرف الواقع العلمي الذي سبق البخاري. البخاري كان عنده علم بالواقع واستيعاب وجمع وفقه ونقد وانتخاب وإبداع وإضافة، لأن القرن الثاني والثالث الهجريين يا شباب كانا عامرين بالحركة العلمية في مختلف العلوم: السنن، والموطأ، والجوامع، والمسانيد، وكتب التفسير، وكتب المغازي، والأجزاء المفردة في الأبواب.
كتب السنن مثلا -اللي هي تختص يختص غالبها بالأحكام- كان قبل البخاري سنن ابن جريج، وكذلك مسند الدارمي أو سنن الدارمي، والدارمي من شيوخ البخاري. والمصنفات كانت كثيرة جدا وذكرنا بعضها: جامع معمر بن راشد، وسفيان الثوري، ومصنف حماد بن سلمة، وموطأ مالك، والآثار لمحمد بن الحسن الشيباني، وكذلك مصنف وكيع، وجامع ابن عيينة، ومصنف عبد الرزاق، ومصنف ابن أبي شيبة، وكل هذه استفاد منها البخاري.
والمسانيد؛ مسند أحمد. المسانيد هي التي ترتب الأحاديث على أسماء الصحابة، وأشهرها طبعا مسند الإمام أحمد، ومسند أبي داود الطيالسي، ومسند عبيد الله بن موسى -وهو من كبار شيوخ البخاري سنا-، ومسند أسد بن موسى -اللي هو المعروف بأسد السنة-، ومسند مسدد بن مسرهد، ومسند إسحاق بن راهويه على بعض الضبط، ومسند أبي بكر بن أبي شيبه، ومسند عثمان بن أبي شيبه، ومسند الحميدي عبد الله بن الزبير.
كذلك سبق البخاري كتب المغازي والسير التي تتكلم عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من مولده ومبعثه والمغازي وأبرز المواقف، والتي ذكرت أخبار الردة وأخبار القبائل -ردة القبائل بعد النبي صلى الله عليه وسلم- وجمعت الغزوات ورتبتها تاريخيا: عاصم بن عمر بن قتادة، وهو شيخ محمد بن إسحاق، وقد اختاره عمر بن عبد العزيز ليحدث بمسجد دمشق عن المغازي ومناقب الصحابة. وأيضا الزهري كان عالما بهذا الباب، وموسى بن عقبة إمام المغازي، ولم يستوعبها ولكنه يعني أثنى عليه الأئمه؛ أثنى عليه مالك والشافعي وأحمد في هذا الباب، والبخاري نقل عنه في مواضع ستأتي إن شاء الله. ومن أئمة المغازي المشهورين محمد بن إسحاق بن يسار؛ نقل عنه البخاري في مواضع، ومنه ابن هشام -اللي هو عبد الملك بن هشام بن أيوب المتوفى سنة 218-. ليس ابن هشام الأنصاري يا شباب المتأخر؛ ابن هشام يعني رحل إلى مصر وكتب فيها السيرة النبوية وأخذ كتاب ابن اسحاق فهذه وزاد عليه. أيضا ممن عاصر البخاري ابن سعد؛ محمد بن سعد كاتب الواقدي وصاحب كتاب الطبقات، ولم يفرد السيرة بمصنفات؛ بهذه الطبقات الكلام عن السيرة والمغازي وتراجم الصحابة والتابعين إلى علماء عصره.
أيضا ابن أبي خيثمه أحمد بن زهير بن حرب؛ كتابه مرتب على الطبقات، كتابه التاريخ. وخليفة بن خياط؛ وهو من شيوخ البخاري والبخاري كثيرا ما ينقل عنه ويقول: قال لي خليفة، وله كتاب الطبقات. وأيضا التفسير؛ كتاب تفسير مجاهد، والثوري، وعبد الرزاق، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبه، وأبو بكر بن أبي شيبه. وفي هذا العصر أيضا كان تفسير ابن ماجه، وكتاب الأم للشافعي، وهناك أجزاء كثيرة كانت للإمام أحمد: كتاب الإيمان لأحمد، والإيمان لابن أبي شيبه، والطهور لأبي عبيد القاسم بن سلام، والصلاة لأبي نعيم الفضل بن دكين، وقيام الليل لمحمد بن نصر المروزي، والزهد لابن المبارك، والهناد من الكتب، وكتاب العلل لابن المديني، والسؤالات والمسائل لابن معين وأحمد وابن المديني. كل هذه الكتب صنفت في هذا العصر، وكان البخاري على علم بعامة هذه الكتب.
أيضا كتب غريب الحديث؛ من أئمة علم غريب الحديث -اللي هو الألفاظ الغريبة القليلة في الحديث التي تحتاج بيانا- النضر بن شميل من أئمة هذا العلم ونقل عنهم البخاري، والقاسم بن سلام، والفراء، ومعمر بن المثنى. هؤلاء أيضا نقل عنهم البخاري في كتابه.
وفي النقد والرجال؛ في التمييز والفحص. النقد والرجال يا شباب -اللي هو اختبار المقالات- كان البخاري قد سبق بعلماء أيضا. البخاري كان عالما بمقالات العلماء قبله، وهذا السبب في تبويبات البخاري، وفي تفريقه للحديث وتقطيعه واختصاره وإبراز المعاني؛ لأنه كثيرا ما يؤسس لسنة ويرد على بدعة أو مقاله أو قول أو قول أخطا فيه -يعني أخطا فيه غيره- يرى أو يدفع إشكالا؛ فعلم البخاري بالمقالات كان سببا رئيسا في هذه التبويبات وهذه التنويعات الممتازة في كتابه.
وقد يشكل على كثير من الشباب الذين يقرؤون هذا الكتاب: لماذا مثلا يذكر هذه الترجمة؟ لماذا يذكر هذا اللفظ؟ يعني. وإن شاء الله سنذكر أمثلة كثيرة لما استغربه الناس. وإذا قرأت في كتب المقالات أو في كتب المصنفات ستعرف من الذين كان يرد عليهم البخاري رحمه الله. والحافظ بن حجر عليه رحمه الله خدم هذا الباب خدمة عظيمة؛ كان يحاول أن يعرف المقالة التي يرد عليها البخاري ضمنا، لأن البخاري لم يكن يصرح يا شباب، البخاري لم يكن يصرح بمن يرد عليهم، فلذلك كان يشفع علمك بالمقالات والاقوال في المسائل الفقهية والإيمان وغير ذلك والسير والعبادة تعرفك من الذين كان يرد عليهم البخاري رحمه الله.
لذلك يا شباب قلت لكم: إن العلم بالمؤلف وعصره وتكوينه ومصنفاته ودواعي تصنيفه وقراءة الكتاب كله وجمع أطراف الحديث وتصور خريطة الحديث ومعرفة الكتب والأبواب والتراجم ومعرفة من سبقه؛ هذه مقدمة تأسيسية لفهم الكتاب والانتفاع منه.
السؤال بقى هنا يا شباب: ما الذي أضافه البخاري إلى هؤلاء؟ يا سلام! دي بقى مهمة أن تعرف أن البخاري جمع وانتقد؛ يعني وزن وانتخب وصنف ورتب. أصح كتاب في رأيي يسمى «عمدة الأحكام» -جاز إن صح التعبير- هو صحيح البخاري؛ هذا صرح شامخ متين في جمع سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل ما يعين على هذه السنن.
أولا: تكوين البخاري نفسه؛ تكوين البخاري من جهة سعة الرواية والرحلة في طلب العلم، والعلم باللغة، والعلم بالمقالات والإيمان، والعلم بكلام أهل الراي، والعلم بالحجج التي اعتمد عليها كل فرقة وكل مقالة. هذا مهم جدا يا شباب. البخاري كان من دواعي تصنيفه، كما يعني روي عن إسحاق، أنه سمع إسحاق بن راهويه يقول: لو جمعتم كتابا لصحيح سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فوقع ذلك في نفس البخاري رحمه الله.
البخاري يا شباب جمع في هذا الكتاب نوعي العلم: الرواية والفقه. لم يكن كتابه مجرد رواية، لأن يا شباب علم الشريعة كله نوعان: إما نقل ورواية -يعني معطيات موجودة، هذه يحتاج فيها الجمع والتحري والتثبت-، والعلم الثاني الفقه، الفهم، التفسير، وهذا مبناه على العلم بلسان العرب وجودة التفاعل مع هذه المعطيات التي بين يديك. يعني أنت مثلا تريد أن تتكلم في الإيمان، أو في أسماء الله، أو تتكلم في التوحيد أو العبادة أو الحيض أو الوضوء أو الزكاة أو الطلاق أو أي باب من أبواب الشريعة، أنت تحتاج إلى أمرين: تحتاج إلى جمع المادة، وهذه فيها القرآن وأسباب النزول وتفسير النبي صلى الله عليه وسلم وتفسير الصحابة والأحاديث النبوية بروايتها وطرقها وآثار الصحابة وكلام التابعين في فقه هذه الأمور؛ يبقى هذا باب النقل دي زي المادة كده، المادة الخام التي موجودة عندك. باقي بقى الصنعة؛ ما أنت ممكن أبوك يترك لك رأس مال مليون دولار لكنك لا تحسن التجارة، عندك المادة لكن لا تحسن التجارة. أنت ممكن تذهب إلى ترزي -اللي هو الخياط الذي يفصل الملابس- تعطيه أجود الأقمشة، والمعدات جاهزة معه، المقص ومعا كل شيء، بس هو ما بيعرفش يشتغل، يبقى هذه المعطيات لا تنفعه شيئا. يبقى إذا عندنا معطيات، وعندنا حسن التعاطي مع هذه المعطيات، اللي هو بقى الفقه والتفسير. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم يا شباب قال: «ليبلغ الشاهد منكم الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه». يبقى في نقل وفي فقه.
لا يتم ذلك يا شباب إلا بأن يعرف كل إنسان ما عنده من الخير؛ يعني حتى تتكامل الجهود. واضح؟ يعني عندنا وقائع كثيرة جدا تبين هذا التكامل بين أئمة العلم. مثلا الحميدي قال: صاحبت الشافعي من مكة إلى مصر، فكنت أستفيد منه المسائل وكان يستفيد مني الحديث؛ أنا أعطيه الرواية والأسانيد وهو يعطيني فقه الحديث. وثبت أن الشافعي قال لأحمد: أنتم أعلم بالحديث منا، فإذا صح عندكم الحديث فقولوا لنا حتى ناخذ به. وإسحاق بن راهويه قال: ذاكرت الشافعي فقال: لو كنت أحفظ كما تحفظ لغلبتك الدنيا -يعني الشافعي بيقول لإسحاق: لو أنا حافظ الروايات بهذه السعة وهذا الإتقان لغلبتك الدنيا-، لأن الشافعي عنده الفقه، عنده أن يفهم ويستخرج، ولم يكن هذا عند إسحاق بن راهويه رحمه الله، وإسحاق عنده الروايات يحفظها على النسق ويحفظها الروايات كاملة وبطرق كثيرة، هذا لم يكن عند الشافعي رحمه الله. هذا هو التخصص والتكامل.
البخاري يا شباب؛ البخاري كان عنده استعداد بالغ لهذا الكتاب. البخاري يا شباب إمام في التاريخ والرجال والعلل؛ له كتاب «التاريخ الكبير»، وفي كتاب «علل الترمذي الكبير» ينقل عن البخاري، وفي بيان السنن في الباب ومفاتيح فقهها والإشارة إلى رد ما يخالفها من أقوال أو شبهات أو بدع وحماية استدلاله. البخاري كان يعزز ما يستدل به، يدفع الإشكالات التي يمكن أن تخطر ببال من يقرأ الكتاب؛ مثلا لو روى عن راوي مدلس يعزز ذلك بمتابعات تثبت أنه صرح في بعض الروايات، أو يروي روايات عن راوي متكلم فيه ثم يعزز ذلك برواية لشخص آخر تابعه وغير ذلك من الأمور المهمة. سواء مثلا في صحة الاستنباط -لو استنبط معنى أو بوب بابا- يعزز كلامه بأحاديث نبوية أو روايات معلقة أو آثار عن التابعين أكابر الفقهاء. لو روى عن مدلس يبين لماذا روى عنه بالإشارة، ولو روى عن راوي ضعيف، ولو روى لحديث تكلم فيه بالعله يبين أنه اختاره لأنه يرجحه ويذكر حجته على ذلك.
شوف يا شباب؛ خلاصه مذهب البخاري رحمه الله في جمع هذه السنن: السعة، والانتفاء، والترتيب، والفقه. سعة في الجمع؛ كلما يكون الانسان يا شباب عنده أضرب لك مثال أفهمك؛ تصور كده لما أنت تروح لشخص تقول له: أنا اريد أن تفصل لي ثوبا جميلا بالمواصفات الفلانية، تعمله طويل كذا، وتعمله بالشكل الفلاني، فبقدر القماش الذي عندك -بقدر حجم القماش، زي ما بنقول كده: على قد لحافك مد رجليك-، فلما البخاري كان واسع الرواية، واسع الرحلة، استطاع أن ينتقي أحسن ما في الروايات، بخلاف واحد لم يسمع إلا الحديث من طريق واحد، ما عندوش غير حديث طريق واحد كيف ينتخب منه؟ فهمنا كده يا شباب؟ دي فكرة مركزية: سعة الجمع، والإفادة ممن سبقهم. الكتاب الجامع؛ الجامع يا شباب جمع كل أبواب دين الإسلام، انطلاقا من فكرة هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أسوة لنا في كل أبواب الدين، وانطلاقا من كلام الشافعي الذي قراناه.
ما بأحد من أهل دين الله نازلة إلا كان في كتاب الله الدليل على سبيل الهدى. فيها ذكر الإيمان أولاً، ذكر بدء الوحي والإيمان، وذكر الأحكام والسير والمغازي والمناقب، وبدء الخلق وأنباء الأنبياء -اللي هي الأخبار، والأقرب عندي أنها تقال الأنبياء وليس الأخبار، والله سبحانه وتعالى ذكر ذلك: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: 34]، وآيات كثيرة، وكلًا نقص عليك من أنباء الرسل-، فأنا أحب أن سميها بأنباء الأنبياء، وفضائل الأنبياء، والأخلاق، والتزكية، والتفسير، والتوحيد. لم يترك باباً في دين الإسلام إلا واجتهد في جمع كل ما جاء فيه والتثبت منه وانتخاب أحسنه، مع ترك التكرار إلا عند الحاجة.
ندخل بقى في الفكرة الثانية يا شباب: فقه الجمع؛ جمع أبواب الدين وقسمها، وقد أفاد ممن سبقه. كان ينظر إلى من سبقوه، بعض أكثرهم بدأ كتاب الطهارة ثم دخل في الصلاة وغير ذلك، وبعضهم كالدارمي، وأنا أرى أن البخاري استفاد من الدارمي جداً في ترتيب كتابه؛ لأن الدارمي بدأ بعلامات النبوة وبدأ بالعلم، والبخاري بدأ فعلاً بهذين الأمرين، فالبخاري استفاد من هؤلاء في جمع الأبواب ولكنه ابتكر طريقة، فبدأ بالإيمان، بدأ ببدء الوحي لأنه المفتاح -وسنعرف ذلك- وبدأ بالإيمان بعده، وبعد ذلك دخل في الكلام عن العلم، ثم الأحكام.
كل كتاب تحت كل كتاب يقسمه أبواباً، والابواب تراجم، يذكر تحت كل باب يا شباب الآيات؛ عشان كده أنا بقول لك هو أصح ما يدخل تحت اسم السنن؛ لأنه أدخل الآيات في السنن، وهذا لم أر أحداً من المصنفين فعله، لم أر أحداً من المصنفين جعل الآيات مبدأ النظر في السنن إلا البخاري رحمه الله. بعضهم قد يذكر قليلاً منها، لكن البخاري جعل هذا أصلاً، يعني لا يدخل على باب توجد فيه آية تنتظم تحت هذا الباب إلا ويصدر بها باب، أو يجعلها في ضمن الاستدلال في الباب، لازماً.
فهذه فكرة مهمة: يذكر الآيات، ويذكر الأحاديث المرفوعة المسنده وما في حكمها، ويذكر الموقوفات التي تأخذ حكم الرفع، ويذكر الأحاديث المعلقة، سواء منها ما كان على شرطه وعلقه في -يعني أسنده في موضع آخر من كتابه-، أو ما كان صحيحاً ولكن ليس على شرطه أو كان خارج كتابه. يذكر الآثار عن الصحابة، حتى من فقههم، حتى التي لم تأخذ حكم الرفع لتعزز اختياره الفقهي، ويذكر ما يعين على ذلك من كلام التابعين أيضاً.
ويختار أصح ما بلغه، وله اختيار بديع في المقالات المخالفة في كل مسائل الدين من أول كتابه إلى آخره، يعني من أول بدء الوحي إلى كتاب التوحيد، في كل مسألة خلافية لا يقلد أحداً، مجتهد يعني كما يقال، مجتهد مطلق لا يقلد أحداً، وإنما ينتخب من هذه الاقوال احسنها، وعنده جرأة بالغة في الرد حتى لو خالفه من خالفه ممن سبقه ما دام معه الحجة.
وإذا كان عنده حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم واستنبط منه معنى وراى أن هذا المعنى صريح، فإنه يحاج بهذا الحديث كل من خالفه كائناً من كان، وهذا سياتي معنا إن شاء الله في كتابه.
كتاب البخاري يا شباب كنز كنوز الإسلام، ليس مجرد كتاب تقراه خلاص وتعلم منه السنن، لا، أنت لابد أن تعرف كيف كتب هذا الكتاب. هذا الكتاب يؤسس للسنن ويرد على كل البدع. وفي المسائل الخلافية الاجتهاديه التي ليست هي بدعة -لأن طبعاً المسائل الاجتهادية ليس القول المخالف فيها بدعة في أغلبها-، ولكن أنا أصدق أن هو عموماً كان يرى أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم وما يستنبط منها يحاج بها كل إنسان، حتى لو كان المخالف صحابياً، ليس عنده مشكلة، عادي، يمكن أن الصحابي يكون فاته الحديث أو لم يعلمه، فيحاج بالسنه كما كان الصحابة يفعلون.
مهم جداً يا شباب أن تعلم أن البخاري -ركز بقى في هذه الفكرة- البخاري وسع من جهتين؛ جهة الكتب والابواب وفقه الكتب، لأنه كان يتوفر قبله رصيد كبير من كتب الجوامع والمصنفات والسنن والمسانيد والتفسير واللغة والإيمان والاجزاء والفقه. البخاري يا شباب جاء في آخر هذا العصر الذهبي، وهذا كان له قيمة كبيرة، ليه؟ لأنه جعله يطلع على الفقهاء والمفسرين واللغويين والمقالات والفرق ومدارس الفقه وكتب الرجال والجرح والتعديل، وهو إمام في هذا، فبالتالي يا شباب عنده سعة، فهذا جعله يطلع على الأبواب والكتب جميل.
طيب، لكنه ضيق من جهة أخرى، يبقى هو توسع أكثر منهم في أشياء وضيق، طب ما هو الذي ضيق؟ ضيق من جهة أنه اقتصر على الأحاديث المرفوعة أو التي تأخذ حكم الرفع، غيره كان يعني يركز على الأحاديث المرفوعة والآثار عن الصحابة، يعني مثلاً مصنف ابن أبي شيبه، مصنف عبد الرزاق، وجامع سفيان الثوري مليء باثار الصحابة، البخاري لا، اقتصر على الأحاديث المرفوعة أو ما يكون في حكمها أو ما تفسر به، فلم يخرج المرسل ولم يخرج الآثار إلا قليلاً ولغرض.
البخاري لم يسند الآثار عن الصحابة إلا بسبب من اثنين؛ أما لكونها تأخذ حكم الرفع، لأن كثيراً من آثار الصحابة يعتبرها البخاري تأخذ حكم الرفع، البخاري يعتبر ما جاء عن الصحابة كاجماع له حكم الرفع، وما ذكر في عهد الخلفاء الراشدين ياخذ حكم الرفع واضح، يعني يأخذ كأنه من سنة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه بيان وتتميم.
يبقى البخاري أولاً يا شباب ركز، وسع في ماذا؟ أنه جعل كتابه جامعاً لكل أبواب الدين، أما من سبقه كان يقتصر على بعض الأبواب. تمام، طيب، أيضاً وسع من جهة الكتب، يعني خلينا نضرب مثال يا شباب ننتظر ثانية واحدة، نضرب مثال واقعي من الكتاب، شوف كيف وسع الكتب!
نحن عندنا كتاب الصلاة يا شباب، كتاب الصلاة هو كتاب البخاري فرق هذا الكتاب إلى مجموعة كتب ليؤسس لأبواب العلم، مثلاً جعل باب الصلاة، كتاب الصلاة قسمه كتباً: كتاب الصلاة، كتاب مواقيت الصلاة، كتاب الأذان، كتاب الجمعة، كتاب أبواب صلاة الخوف، كتاب العيدين، كتاب الوتر، كتاب تقصير الصلاة، كتاب التهجد بالليل، كتاب أفضل الصلاة في مسجد مكة، كتاب العمل في الصلاة، كتاب السهو. يعني 13 كتاباً جعلهم هم أصلاً ينضموا تحت الصلاة، يعني جعلهم يعني فرقهم حتى تعلم هذه الكتب. فهذا من جهة التوسعة، أن هو وسع من جهة استيعاب كل أبواب الشريعه، ومن جهة كذلك تفريق الكتب تحت الأبواب، وكذلك من جهة كثرة التراجم، أسس لكل مسألة ترجمة مهمة جداً دي يا شباب، لم يجمل، لا، فرق فكانت السعة جميلة.
طب في الاقتصار بقى، أن هو ضيق؛ أن هو اقتصر على، أولاً: اقتصر على المرفوع أو ما ياخذ حكمه أو ما يتممه. اثنان: الاقتصار على الصحيح، كان قبله يوجد فيه الضعيف، مسند أحمد فيه ضعيف، وسنن الدارمي فيه ضعيف، وطبعاً ابن أبي شيبة وعبد الرزاق كل هذا فيه ضعيف وفيه صحيح، وموطأ مالك مليء بالاحاديث في أحاديث ضعيفة كثيرة جداً، وفيه آثار عن بني إسرائيل وفيه آثار بلا إسناد واضح. كل واحد له غرض في كتابه، لكن أنا أريد أن أبين ما تميز به البخاري.
نركز بقى في الفكرة دي يا شباب: من سبق البخاري، أما أنه توسع جداً في فقه الحديث كمالك، ممكن يذكر 10 صفحات في التعليق على رواية في الموطأ مثلاً، ومنهم من لم يذكر كلمة واحدة تحت الحديث مثل الإمام أحمد. البخاري بقى يا شباب توسط، فلم يتوسع في التعليقات ولا التفريعات كمالك والشافعي ولم يخْلُ الحديث من الفقه كالإمام أحمد، لا، توسط. هو هنا لم يقصد استيعاب أقوال فقهاء الأمصار أو حججهم أو مقالتهم، ولم يخْلُ كتابه تماماً كما أخلت الإمام أحمد كتبه، أن الإمام أحمد كان يكره أن يكتب مع الحديث غيره. البخاري ذكر بقى في تعليقاته وتراجمه فقه الحديث، وذكر اختياره، وذكر ما يتمم به الحديث.
وكان لم يتعصب لأحد، بل كان مجتهداً يرجح بما ظهر عنده من الحجة. وكيف أصلاً كيف يتعصب وكيف وكيف يقلد وهو عنده هذه الثروة من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم بطرقها بألفاظها برواياتها وبكلام الصحابة رضي الله عنهم بكلام التابعين، عنده كنز ينتقي منه احسن ما بلغه، فكيف يمكن أن يقلد؟
الابداع والاضافه يا شباب: انتخب أحسن ما في الباب ونقح وبوبه وترجم له، واختار الألفاظ من الروايات التي تدخل تحت الترجمة، يعني ممكن يكون في حديث له ألف رواية، ربما أنتم لا تتصورون هذا، حديث واحد لألف رواية طبعاً، كثير جداً ونحن لو كنا نتدرب مع بعض وجهاً لوجه كنت أريتكم الأحاديث وخرائط الأحاديث، أن الروايات لو روى عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث مثلاً 10، وكل واحد من هؤلاء اخذ منه خمسة فقط وتشعبت هذه الأسانيد، سيكون الحديث الواحد له ألف طريق وأكثر. وهذا من معنى كلام البخاري أنه كان يحفظ مثلاً 200 ألف حديث أو نحو ذلك، يعني 200 ألف طريق.
فالبخاري يا شباب اختار الألفاظ التي، يعني ممكن يكون الحديث مثلاً ألف رواية أو 100 رواية، ينتخب اللفظ اللائق تحت هذا الباب. إبداع، ثم يرتب، يعني مثلاً متى يبدا بالقران ومتى يبدا بالحديث؟ طيب قد يبدا باثر من آثار الصحابة لأنه أسرع، بل قد يبدأ بفتوى من فتاوى التابعين لأنها أسرع، ولأن الحديث الذي سيذكره يستنبط منه الحكم وليس واضحاً في الدلالة. وهكذا يا شباب أيضاً أبداعه أنه قطع الحديث؛ تقطيع الحديث هذا من ابداعات البخاري، حديث يتضمن 10 جمل، يفرق هذه الجمل تحت كل باب ويوظفها. والتكرار: يكرر الحديث ليستنبط منه أكثر الفوائد ويوظف تحت الأبواب.
لذلك يا شباب كان كتابه كما قال: الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه. وأنا ذكرت بالأمس -يعني أقصد في الدرس السابق- شرحاً لهذه لهذا العنوان وقيمة هذا العنوان.
طبعاً يا شباب عندي كلام كثير جداً عن تكرار الحديث وتقطيعه واختصاره عند البخاري، وكذلك تكثير الأبواب وتفريع الأبواب، وكلام مهم عن طريقة البخاري في اختياره للكتب وأبوابه وعدد الأبواب وعدد الأحاديث وترتيب الأبواب تحت الكتاب الواحد، والكلام عن حسن تقسيم البخاري والترتيب وتوظيفه للحجج تحت الباب الواحد.
والله كتبت لكم أمثلة كثيرة جداً أمامي ولكن يعني أخشى أن احنا يعني نطيل جداً فيها؛ لأننا سنطبق هذا عملياً يا شباب، أنت ستعرف بنفسك ما يحكى عن البخاري الآن، أنا أنقل لك تجربتي عن البخاري، وغيري ينقل لك التجربة؛ الذين قرءوا البخاري واستخرجوا منه هذه الفوائد وذكروا، كل لا لم أر كتاباً في دين الإسلام بعد القرآن الكريم اعتنى به العلماء مثل صحيح البخاري، لم يتركوا وجهاً يمكن أن يعتنى به إلا وذكروه في كل في كل الابواب يا شباب، كل الابواب ذكروا فيه.
لو احنا خلينا ناخد هذا يعني كتمام للاعتناء الأمة بالبخاري، ذكر يا شباب عن البخاري أو العناية به: ذكروا تراجمه ورحلاته في طلب العلم، وذكروا الرواة الذين خرج عنهم، وذكروا اختصاره للحديث وتكراره للحديث، وذكروا العناية برجاله المتكلم فيهم أو المدلسون أو المختلطون أو الرواه الذين كانوا على نوع من البدعة، وذكروا الآثار التي ذكرت في البخاري الصحابة، نقد بعض بعض الأحاديث أو المستخرج، أو ذكر فضائل الكتاب أو خصائص الكتاب أو معلقات الكتاب، أو الجمع بينه وبين مسلم، أو ثلاثيات الكتاب، أو المكررات، أو المكررات، أو الأحاديث الرباعية، أو تجريد الفقه في الكتاب، أو تجريد التفسير.
ابن حجر رحمه الله بقي 25 عاما وهو يكتب شرحاً لهذا الكتاب، وخدم هذا الكتاب خدمة عظيمة في كتاب، حتى في الكتاب كله وفي مقدمته الساري التي هي من احسن ما يدخل به على صحيح البخاري.
لذلك يا شباب هذا الكتاب أنا لا أريد أن أنقل لك عنه، ولكن أريد أن تستخرج أنت بنفسك أثناء القراءة، وهذا أدعى لتتعلم أنت من جهة، ولتعرف قيمة هذا الكتاب من جهة، ومع ذلك هذا الكتاب إنما هو لا يكتمل إلا بغيره، وكل الكتب جسد واحد، ولكني أريد منك أن تعتني بهذا الكتاب وأن تقدره قدره.
فاحنا اتفقنا أن احنا، يعني كان عندي كلام كثير جداً في كل هذه العناصر التي ذكرتها، ولكني أحب أن أ- يعني- أبدأ أختم في هذا الدرس حتى يعني نبدأ بإذن الله تبارك وتعالى من يوم الأربعاء القادم على خير في قراءة هذا الكتاب. أحب أن أختم الدرس ببعض بمقاله جميلة للحافظ أبي الحجاج المزي، وهو من علماء القرن الثامن الهجري، ومن كبار حفاظ الحديث من المتأخرين والعلماء برجاله وعلله والمشتغلين بالسنن. طبعاً له كتاب تهذيب الكمال، وتهذيب الكمال يا شباب وتحفة الأشراف. تهذيب الكمال هو الذي جمع فيه تراجم رواه الكتب السته، وطبعاً اختصره مما سبقه من كتاب الكمال للمقدسي، وطبعاً له تحفة الأشراف، اطراف أحاديث الكتب السته.
فهذا الرجل إمام وعالم كبير وخبير بالكتب السته. شوف ماذا قال -ركزوا يا شباب- قال: واما السنة فإن الله وفق لها حفاظاً عارفين، وجهابذة ناقدين، ضربوا في أكناف الأرض في طلبها، ورحلوا في حفظها وتحصيلها، وجمعوها طرائق شتى، وضروباً عديدة، حرصاً على حفظها وخوفاً من إضاعتها.
وكان من أحسنها تصنيفا، وأجودها تأليفا، وأكثرها صوابا، وأقلها خطأ، وأعمها نفعا، وأعودها فائدة، وأعظمها بركة، وأيسرها مؤونة، وأحسنها قبولا عند الموافق والمخالف، وأجلها موضعا عند الخاصة والعامة: صحيح أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، ثم صحيح أبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري، ثم بعدهما كتاب السنن لأبي داود، ثم كتاب الجامع لأبي...
عيسى، محمد بن عيسى الترمذي، ثم كتاب السنن لأبي عبد الرحمن -اللي هو يقصد النسائي- والسنن لابن ماجه وإن لم يبلغ درجتهم. قال: شوف، ولكل واحد من هذه الكتب الستة مزة يعرفها أهل هذا الشأن، فاشتهرت هذه الكتب بين الأنام، وانتشرت في بلاد الإسلام، وعظم الانتفاع بها، وحرص طلاب العلم على تحصيلها، وصنفت فيها تصانيف، وعلقت عليها تعاليق؛ بعضها في معرفة ما اشتملت عليه من المتون، وبعضها في معرفة ما احتوت عليه من الأسانيد، وبعضها في مجموع ذلك.
هذا يا شباب، هذه خلاصة العلم وهذا كلام من خبير بهذه السنن. هذه الكتب يا شباب كالجسد الواحد، هذه الكتب وما استخرج عليه من الروايات ينبغي أن تكون أغلى ما يشتغل به طالب العلم. العلم بعد البخاري يا شباب لم يكن كالعلم قبله، والبخاري أحدث إضافة بليغة في العلم، ومن جاء بعده -من جاء بعد البخاري رحمه الله- انتفع منه جدا، وأسس على كتابه كثيرا.
ويمكن أن نذكر هنا بعض الأمور المهمة؛ يعني مثلا أهم الشروح، خلينا نذكر؛ لأن بعض الشباب يطلب أن يعرف أهم الشروح لهذا الكتاب بحيث يعانوا عليها، ويعان بها وهو يدرس الكتاب. منها طبعا يا شباب كتاب أعلام الحديث للخطابي، وشرح البخاري لابن بطال، وكتاب التنقيح لألفاظ الصحيح للزركشي، وفتح الباري لابن رجب الحنبلي، وكتاب الكرماني -الكرماني اللي هو الكواكب الدراري- وكتاب التوضيح لابن الملقن، وكتاب فتح الباري طبعا وهو في رأي أجمل، لو أنت ستكتفي بكتاب واحد فقط في الشرح ينبغي أن ترجع إلى هذا الكتاب.
وطبعا ابن حجر رحمه الله خدم الكتاب خدمة بليغة، وكان متقنا للكتاب، وكان أيضا مبدعا في طريقة الشرح، فلم يتوسع عند كل حديث إلا في موضعه اللائق؛ يعني لو حديث مثلا كرر عشرين مرة لا يستفيض في شرح الحديث في أول موضع كما يفعل كثير من الشراح، لا، يقطع الكلام عن الحديث في كل موضع منها. وخدم الكتاب من جهة الرجال، ومن جهة الأسانيد، ومن جهة الدفاع عن الكتاب بما يراه حقا، ومن جهة عرض لهذا الكتاب في هدي الساري، ومن جهة كذلك بيان غريب الحديث وفقه الحديث، والتعليق على المسائل الحديثية والمسائل الفقهية.
ولكن طبعا وقع في بعض الاستدراكات عليه، خصوصا في كلامه في أبواب أسماء الله تبارك وتعالى وأفعاله والقدر، وسيأتي تنبيه لذلك إن شاء الله تبارك وتعالى، ولكن هو بشكل عام يا شباب كتاب لا يمكن أن يستغنى عنه في قراءة أو فقه كتاب البخاري عليه رحمه الله وجزاه الله عنا خير الجزاء. وطبعا كل من سبقه: كتاب ابن رجب الحنبلي كتاب متميز ولكنه لم يتمه، وصل فيه إلى كتاب الجنائز، والكتاب مليء بالآثار عن السلف، وفيه تحرير جميل في مسائل الإيمان وغيره، وهو كتاب نافع إن شاء الله.
عندنا كذلك عمدة القاري للبدر العيني، والتوشيح للسيوطي، وإرشاد الساري للقسطلاني، وفيض الباري لمحمد أنور الكشميري. وطبعا الشيخ الغنيمان شرح كتاب التوحيد، وعندنا بعض الشروح الصوتية ممكن أيضا تستفيد منها إذا كنت تحب السماع؛ في شرح لابن عثيمين رحمه الله، وشرح للشيخ عبد الكريم خضير أظن لم يتمه، والدكتور يوسف الغفيص شرح كتاب الإيمان منه يمكن أيضا أن تنتفع منه، والدكتور ماهر الفحل حفظه الله أيضا شرح تقريبا جزءا منه لا أعرف أتمه أم لا.
فيعني الحمد لله كتاب البخاري يا شباب خدم خدمة كبيرة، فأنا أحب منك أن تعتني بهذا الكتاب. بعض العلماء المتأخرين قال مقولة قال: لا هجره بعد الفتح، وأخذ بعضهم هذا بأننا قد كفينا شرح البخاري أو الاعتناء به بما صنع ابن حجر. لو قصد بهذا الكلام أن ابن حجر خدم الكتاب خدمة عظيمة وكان مفتاحا لفقه هذا الكتاب فهذا حق لا ريب فيه، وأنا اترحم على الحافظ ابن حجر كثيرا كلما أنظر في البخاري، حتى لو لم أنظر في فتح الباري لابد أن اترحم على ذلك الرجل الذي خدم سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وخدم أصح كتاب عليه رحمه الله وجزاه الله خير الجزاء.
اجتهد في هذا الكتاب وتعب فيه، له مصادر والله يا شباب، مصادر فتح الباري هذا صنف فيها أظن مصنفا خاصا، لكن مع ذلك يا شباب القول بأن ابن حجر رحمه الله كفى المسلمين بمعنى أنه لا يحتاج شرحا هذا ليس صحيحا. الكتاب يحتاج شرحا ويحتاج بيانا، خصوصا ركزوا يا شباب، خصوصا في الأبواب المتعلقة بالإيمان في بدء الوحي وكتاب الإيمان والتوحيد والقدر وأحاديث الأنبياء وبدء الخلق والمناقب والاعتصام بالسنة وخبر الواحد، هذه الأبواب تحتاج خدمة أكثر من ذلك في رأيي، وإن كان ابن حجر رحمه الله اجتهد فيها، ولكن في بعض الأمور وافق ابن حجر رحمه الله قول الأشاعرة فيها، وطالب العلم يحتاج أن يعرف قول أهل السنة فيها.
ولكن بشكل عام لا يستطيع إنسان أن ينكر فضل ذلك العالم الكبير والحافظ الكبير. كيف سنقرا البخاري يا شباب؟ هذا مهم جدا أنك تعرف كيف تقرا هذا الكتاب. احنا تكلمنا عن أهداف في هذه الدوره، ولكن كيف نقراه؟ لابد أن تعرف أن رصيدك العلمي -احنا تقريبا بقا لنا تسع دقائق، طولنا النهارده عليكم، يعني المرة اللي فاتت أخذناها ساعة وربع، ولكن النهارده أتممنا ساعتين- أتممتها حتى نبدا إن شاء الله في المحاضرة القادمة، وأنا أدعو لكم أنكم تصبرون على هذه الدروس.
بداية يا شباب، لابد أن تفهم أن دخولك على أي كتاب أو فهمك لأي كتاب أو استخراجك للفوائد من أي كتاب هو يرجع إلى أمرين رئيسين: يرجع إلى إمكاناتك العلمية ويقظتك وتركيزك من جهة، وإلى رصيدك العلمي الذي تدخل به على الكتاب من جهة أخرى. هذه مهمة جدا يا شباب، أنك لن تستطيع أن تفقه الكتاب إلا بقدر ما عندك من العلم. العلم بالمؤلف، وبعصره، ودواعي تصنيف الكتاب، وبمن سبقه، وبالمسائل المثارة في عصره، والشروح التي شرحت الكتاب، أو تكون هذا المؤلف، أو علمك بالباب الذي يندرج تحته هذا الكتاب؛ كتاب البخاري يا شباب فيه السنن والآثار، وفيه العلل، وفيه الرجال، وفيه الفقه، فبقدر مخزونك العلمي ستفهم الكتاب من جهة، وستستطيع استخراج المعلومات والفوائد من جهة أخرى، يبقى هذه فكرة مهمة جدا.
ما هي الأوراق التي أرید أن تكون أمامك وأنت تدرس البخاري؟ طبعا يا شباب، احنا لما نكون في الدرس الأفضل أنك تستمع للدرس ولا تقيد الفوائد ثم ترجع تستمع إليه مرة أخرى، سواء من يوتيوب أو من الدرس الصوتي على تيليجرام في القناة الخاصة؛ في قناة إحدى الأخوات -أسأل الله أن يبارك فيها وأن يحفظها، ولها أخت أخرى معها- يتعاونان جدا على العناية بهذه الدورات، وكتابة الملفات المهمة في كل الدورات السابقة، وملفات الدروس الصوتية، وتنظيم هذه الدروس، والجواب على الأسئلة، فجزاهن الله خير الجزاء، فتجد قناة عليها دروس صوتية.
فأنا أحب منك أن تستمع للدرس، لا تكتب إلا أشياء تشعر أنها لابد أن تكتب الآن، لكن بعد ذلك يا شباب تستمع إلى الدرس مرة أخرى، ثم تحاول أن تختار ما تكتبه، وتبدأ تستخرج الفوائد. ما هي أوراق الفوائد يا شباب؟ أوراق الفوائد كثيرة جدا؛ منها مثلا الكلام عن فقه البخاري في اختيار الكتب: لماذا اختار البدء ببدء الوحي وعقب بعده بالإيمان؟ فهذه فكرة فقه البخاري في اختيار الكتب وترتيب الكتب، هذه ورقة تمام.
عندنا ورقة أخرى مثلا الأبواب والتراجم: أنك تحصر تحت كل كتاب الأبواب والتراجم، هذا عظيم جدا يا شباب، وأنا كلفت إحدى الطالبات بهذا وهي صنعته لكم، ولكني أحب أن تفعل ذلك أنت بنفسك، أنك تحصر كتب وأبواب وتراجم البخاري. بيديك المعلومات التي تخطها بيديك تثبت في قلبك، واضح يا شباب غير المعلومات التي تأخذها جاهزة؟ واحد يقول: طيب، أنا ما الذي يخليني أوجع دماغي وأقعد أكتب تراجم الرواه؟ ما أنا ممكن أجيب برنامج -اللي هو برنامج اسمه تقريبا السنة أو عيون السنة- أضغط على اسم الراوي يخرج لي كل أقوال العلماء فيه. هذا لا يعرف معنى العلم، لا يعرف معنى العلم كشخص يقول: لماذا نحفظ القرآن وعندنا المصحف؟ ولماذا نحفظ البخاري وعندنا صحيح البخاري؟ هو لا يعرف معنى الاجتهاد، معنى أن ينتقل العلم من الكتاب إلى صدرك، أن يكون العلم في قلبك، هذا لا يفهم قدر هذا الأمر.
أنا مع علمي بفضل الله بتسعين بالمئة من الرواية التي في البخاري، والحمد لله أعلَمُها جيدا جدا على رحلة طويلة، وكأنهم أشقائي وأصحابي، وكلما مررت على اسم راوي منهم كتبت اسمه واستحضرت سيرته، لماذا؟ ليثبت هذا في قلبي، زي ما الإنسان بالضبط يقول: كنا بعض الشباب نحفظ القرآن أنا وهو، فكان يلاقيني أنا سمعت سورة البقره مثلا للشيخ ولم أخطئ فيها، أو أخطأت خطأ أو اثنين أو ثلاثة مثلا، أول ما أنتهي من الحفظ يستغرب أنني بعد ما أخلص الحفظ أضل أكررها مرة أخرى عشر مرات، فيقول لي: ما أنت سمعتها وخلاص؟ أقول له: لا، هذه خطوة لابد أن تفهم أن في فرق بين تلقي العلم، وتثبيت العلم، وتجويد العلم، واستحضار العلم؛ هذا لا يأتي يا شباب إلا بيدك، أن تتعب وتكتب وتلخص، مش تأخذ المعلومات على الجاهز، وهذا بقى الذي يفرق أن يكون واحد معلوماته في صدره، لو راكب القطار، راكب الطائرة، طلب منك الكلام في أي وقت معلوماتك في صدرك باذن الله.
يبقى عندنا الكلام عن الكتب، الكلام عن الأبواب والتراجم، الكلام عن تقطيع الحديث وتكرار الحديث، الكلام عن تقييد الآثار الجميلة التي ينقلها والمقالات النفيسة التي ينقلها عن الصحابة وعن أهل العلم، وهذا من أجمل ما ينبغي أن تقيده؛ كمثل قول مجاهد: «لا ينال العلم مستحي ولا مستكبر». وكقول ربيع الرأي: «لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه». وأقوال كثيرة جدا، قول أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه: «تفقهوا قبل أن تسودوا»، وتعليق البخاري قال: «وبعد أن تسودوا»، فقد تفقه صحابه النبي صلى الله عليه وسلم على كبر سنهم، هذه المقالات ينبغي أن تنقلها أيضا.
المعلقات، الكلام عن معلقات البخاري، الكلام عن الآثار الفقهية، والكلام كذلك عن الأحاديث الموقوفة التي أسنَدَها، لماذا أسنَدَها؟ وكتابة شَرْطِهِ في الأحاديث المرفوعة أيضا. الكلام عن أسماء الفقهاء، هذا لابد أن يتكلف أحد منكم بهذا: كلما مررنا باسم فقيه ذكره البخاري رحمه الله لابد أن تقيد اسم هذا الفقيه؛ لأنه سيجتمع معك في نهاية الكتاب أهم فقهاء الإسلام في كل طبقة من الطبقات، وأهم طبقات الفقهاء يا شباب من الآخر: فقهاء الصحابة، فقهاء التابعين، فقهاء اتباع التابعين، هؤلاء هم أهم طبقة، وهؤلاء الذين اعتمد عليهم الطبري في تفسيره في تفسير الطبري اعتمد عليهم. احنا كده طولنا، بقي دقيقتان، دقيقتان.
يبقى هذا مهم، جمع اسماء الفقهاء. كذلك مصادر البخاري في التفسير: من المفسرون الذين يرجع إليهم؟ من النقاد الذين ينقل عنهم؟ من علماء اللغة الذين ينقل عنهم؟ هذا مهم جدا. غريب الحديث الذي يذكره البخاري؛ لأن البخاري كثيرا ما يعقب على الأحاديث إذا كانت كلمة غريبة جدا -طبعا على عصري، بالنسبة لنا نحن كل الكتاب أصبح غريبان، ولكن هو يتكلم على عصره- لو رأى أن في كلمة فيها شيء من الغرابه يرجع إلى أئمة اللغة ويتكلم عن معنى هذه الكليه، وأيضا ألفاظ القرآن التي فسرها.
واختيارات البخاري في التفسير: إذا كانت الآية فيها خلاف له اختيار، وأيضا ترتيب الأحاديث تحت الباب، هذه من الأمور المهمة جدا. فوائد في الاتصال والإنقطاع، فوائد في الرواية عن المدلسين، فوائد في علل الحديث، فوائد كذلك في الرواة المكثرين من الصحابه، لابد أنك مثلا لو شعرت -أنت شعرت أن أبو هريرة رضي الله عنه معروف أن الصحابه العشرة هم المكثرون، هؤلاء معروفون- لكن أنت ربما تقول: والله لا، ده أنا شايف أن في صحابة آخرين تكرروا معنا مثل معاذ بن جبل، فتبدا تكتب لتصل إلى أن معاذ بن جبل مثلا أيضا من المكثرين، وإن كان أقل من هؤلاء ولكنه أيضا من المكثرين، يبقى هذا مهم جدا.
أيضا الرواة المكثرون الذين يتكرر ذكرهم: الحسن البصري، ابن سيرين، الشعبي مثلا، مكحول، قتادة، الزهري، أبو إسحاق السبيعي، الأعمش وهؤلاء؛ كل هذا يا شباب يعطيك رصيدا من التأسيس في علوم السنة. أنا يا شباب لا أفرض هذا العلم على كل المسلمين ولا حتى على كل طلاب العلم، ولكن والله ينبغي أن يكون في أمة الإسلام من يعتنون بعلوم سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأجد أن كثيرا من الشباب للأسف ترك علوم القرآن والسنة وبدا يهتم بالمقالات والفرق والمذاهب والمناظرات. لا يا شباب غلط، حتى لو تريد أن تهتم بهذا الباب أسسه على القرآن والحديث وعلوم السنن، حتى تدخل إلى هذه العلوم والفرق والمقالات برصيد من الوحي. ومن تجاوز هذه المرحلة لا يستطيع أن يقيم الدين ولا أن يقمع الملحدين، افهموا هذه الفكرة يا شباب، أنت بقدر رسوخك في علوم القرآن والحديث وما يخدم هذا، بقدر ما تستطيع بيان الحق ورد الباطل وكشفه.
الشبهات في شباب من كثرة ما يذكر أمامك الرواة سيثبت عندك بإذن الله. باختصار طريقتنا في تناول الكتاب أننا نقرا الحديث ونعلق باختصار على الكتاب، الذي هو مثلاً كتاب بدء الوحي، أو بدء الوحي في رأي الأقرب أنه ليس كتاباً، كتاب الإيمان مثلاً لماذا أدخله البخاري؟ لماذا فرق مثلاً بين الإيمان وكتاب التوحيد مع أنهما الاثنين تحت باب الإيمان؟ يعني نتكلم عن الكتاب، نتكلم عن الباب، وعن الأحاديث التي تحت الباب أو الآيات، وتعليق مختصر بما يناسب الموضع.
نحن لن نتناول الحديث كاملاً؛ لماذا؟ أما لأنه بين، ونحن طبعاً يا شباب عندنا أنا عندي طبعة ثمان مجلدات، وهي طبعة دار التاصيل، وإن كان الطبعة الأخرى أيضاً جيدة جداً، وهي طبعة دار مؤسسة الرسالة، هذه أو هذه أو أي طبعة، وتنوع الطبعات إن شاء الله يكون مفيداً، ولا حرج عليك أن تجد أي طبعة في بي دي إف. ولكن يا شباب لابد أن يكون الكتاب أمامك، ونحن نقرا سواء من بي دي إف أو من الكتاب الورقي.
إذا كان بامكانك أن تشتري الكتاب لا تتردد ثانية واحدة، والله لا تتردد ثانية واحدة. أنا استغرب من طالب علم ليس عنده صحيح البخاري، ده أنا تعبت جداً عشان أجيب النسخ دي، أنا أعيش في بلد ما فيهاش مكتبات أصلاً، ومع ذلك سافرت بلد أخرى عشان أجيب الكتاب، لما أنا قادر أن أنا في بلدي في مصر الكتاب موجود عندي، والله أكثر من أربع نسخ، لكن لا أستطيع أن أعيش بدون البخاري.
لابد يا شباب، فإذا كان بامكانك أن تشتري الكتاب لا تتردد ثانية، بل اشتري أحسن نسخة، إياك أن تبخل على نفسك في العلم هذا تتركه لأبنائك، ولا يستوي أبداً أن تقرا من الكتاب وأن تقرا من البي دي إف. وأنا عن نفسي لا أستحل أن واحد أن في كتاب يكون متعوب فيه وفي التحقيق وله حقوق طبع، ومع ذلك أنت تقدر أن تشتريه ثم تقراه من البي دي إف، لا اشتريه، اشتري الكتاب ما دمت تستطيع أنك تشتريه، لكن إذا لم تكن تستطيع ربما يكون لك عذر في ذلك.
يبقى لابد يا شباب أن يكون معك الكتاب. أفكر إن شاء الله أن يتناول كل واحد منكم يقرا مثلاً حديثين أو ثلاثة، هذا سأخططه له إن شاء الله، فعموماً احنا يا شباب لن نتناول من الحديث إلا ما يحتاج الطالب معرفته من المعنى العام، أو ما يدخل تحت الباب، لماذا أدخله البخاري في هذا الكتاب أو في هذا الباب، أو لماذا ترجم له بهذا؟
لأن يا شباب فرق كبير بين أن تدرس مسألة، وبين أن تدرس حديثاً يستنبط منه مسألة، افهم الفكرة دي. لو أننا ندرس مسألة، مثلاً: هل يجوز مس المصحف بغير وضوء؟ هذه مسألة، لو البخاري ذكر حديثاً يستنبط منه الجواز أو المنع، فهذا حديث ناخذ منه فقط ما يدل على اختيار البخاري، وهذا يا شباب من لم يفقهه ضيع عمره في أن هو ياتي للحديث ويذكر كل ما في الحديث، حتى يترجم للصحابة والتابعين تراجم مفصله، وياتي يترجم لأمهات المؤمنين، ويتكلم عن فضائله، ويتكلم عن إعراب الحديث.
لا، هذا أنا ضد هذه الطريقة، أنا أتبع طريقة وهي أن نجعل كل معلومة في أليق موضع لها. ونحن نتعامل مع كتاب البخاري سنجد أنه أحياناً يكرر الحديث عشرين مرة، فمعناها أنه وظف هذا الحديث تحت عشرين باباً، فنحن سنلتقي تحت كل باب ما يخصه، وإلا لو أننا كلما أتينا لكل حديث وتوسعنا فيه جداً، فنحن نكون ارتكبنا خطأين، أولاً أطلنا الكتاب ولم يكن حقه أن يطول، والامر الثاني أننا استنبطنا من الحديث في غير موضعه الذي ذكره البخاري.
البخاري مثلاً يذكر حديثاً، مثلاً علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما قال: كنت رجلاً مذاء فاستحييت أن أسأل النبي صلى الله عليه وسلم لمكان ابنتي منه، فأمرت المقداد ابن الأسود أن يسأل. خلاص، هذا الحديث ذكره البخاري تحت أبواب كثيرة، ذكره مثلاً في باب من استحيا فأمر غيره بالسؤال، أو باب الحياء في العلم، مثلاً.
فأنا هنا لا يصح أبداً أن أشرح حكم المذي وانه ناقض للوضوء واختلاف العلماء في كذا أو كذا، هذا خطا في رأيي، والصواب أن يفهم الطالب المعنى العام، ثم نلتقط من الحديث وجه الشاهد. فهذا فيه فائدتان، الأولى: أركز على موضع الشاهد لينتبه له المتلقي، وثانياً: ننجز الكتاب؛ لأن الكتاب كباب -أسف يا شباب كباب، يمكن عشان جعان ولا حاجة- الكتاب يا شباب يعني سبعة آلاف وخمسمائة حديث واضح، على اختلاف العدد.
فنحاول أن ننجز هذا الكتاب قدر الامكان، ولا نترك إن شاء الله فائدة أشر أن الكتاب لا يتم إلا بها إلا واجتهدت في بيانها، والله سبحانه وتعالى يعيننا على انجاز هذا الكتاب، وهو صراحة يعني كتاب كبير، والله سبحانه وتعالى يبارك فيه في أعمارنا حتى ناتي على كل هذه الكتب.
طيب يا شباب، الآن نحن انتهينا من الدرس، وأريد منكم أن تكثروا من الدعاء أن يفقهنا الله تبارك وتعالى في الدين، وأن يعيننا على قراءة هذه الكتب والانتفاع منها ونشرها بين المسلمين، وأن يجعلنا الله تبارك وتعالى ممن ينصرون الله ورسوله ودينه. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الناصرين لله ولكتابه ودينه والنافع لأمة الإسلام، وأن يحفظنا الله تبارك وتعالى من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يصرف عنا أبواب الجدل التي تضيع العمر، وأن يرزقنا العمل بما نتعلم.
بارك الله فيكم وجزاكم الله خيراً، يوم الأربعاء القادم الساعة الخامسة والنصف نستعين بالله تبارك وتعالى ونبدا في هذا الكتاب، راجين الله تبارك وتعالى أن يعيننا على فقهه وعلى استخراج الفوائد منه وعلى جمع السنن منه.
وهذا من الورقات المهمة التي سانبه الدرس إن شاء الله، ولكن أخشى أن أنسى، يعني اعمل ورقة من الآن تعلم السنن، كلما جاءك باب من أبواب الخير لم تكن تعلمه أو تريد أن تتذكره قيده هنا، مثلاً دعاء يقوله النبي صلى الله عليه وسلم، سنة كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم، أو فعل فعله الصحابه واثنى به النبي صلى الله عليه وسلم، اكتبه أمامك سيجتمع معك بعد نهاية الكتاب شعب الإيمان وخصال المؤمنين.
لو لم نخرج من هذا الكتاب إلا بجمع هذه السنن والعمل بها فقد أفلحنا ولله الحمد، فاستعينوا بالله يا شباب واجتهدوا، والله سبحانه وتعالى معنا هو حسبنا ونعم الوكيل، ونحن نجتهد بقدر ما بلغنا الله، بقدر ما أعلمنا الله نخطئ وننصيب ونحاول، الله سبحانه وتعالى لن يحاسبنا على الخطا ولكن يحاسبنا على الاجتهاد في الوصول إلى الحق.
بارك الله فيكم وجزاكم الله خيراً، واني والله أحبكم حبا كثيراً لو تعلمون ما في قلبي لكم من الحب لا أستطيع أن أعبر عنه، ووددت والله أن أبقى معكم في اليوم أربعة وعشرين ساعة نتدارس ونقرا ونتشاغب ونلعب رياضة، يحث أحدنا الآخر. في قلبي لكم من الحب والنصح والتشجيع ما لا يعلمه إلا الله، وهذا عندي أغلى بكثير من العلم، يعني أنا أتقرب إلى الله بحبي الخير لكم أعظم بكثير من شوية الدروس التي أنا أحاول أفيدكم بها بحسب علمي.
فلذلك يا شباب أريد منكم أن تكونوا على قدر المسؤولية، لا تمل، استعن بالله، إياك أن تكون سريع الملل، الناس لا ينقسمون إلى ناجح وفاشل، ينقسمون إلى مواظب صابر وسريع الملل، وما يلقاها إلا الذين صبروا، اصبروا واصبر وما صبرك إلا بالله، ومن يتصبر يصبره الله.
سيصير عندك هذا العلم هو الغذاء الذي تعيش عليه، وهو الراحة من التعب، وهو قرة العين، وهو الصارف لك بإذن الله عن المعاصي، لن تخطر ببالك إن شاء الله تبارك وتعالى ما دمت مشتغلاً بكتاب الله وسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، تسمع من أخلاقه وآدابه وهديه وشجاعته وصبره وجهاده وتعيش مع الصحابة، والله هذا خير ما يمكن أن تمضي فيه عمرك.
فاستعينوا بالله واصبروا واجتهدوا وأكثروا من الدعاء، وأملكوا أنفسكم فضول الهواتف والإنترنت والجدال، العمر لم يبق فيه شيء يا شباب.
بارك الله فيكم وجزاكم الله خيراً، ورفعنا الله وإياكم بكتابه، وجعل ما نتعلمه حجة لنا لا حجة علينا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق