السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل بيته وذريته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل بيته وذريته، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وبعد، فإن أصدق الحديث كلام الله، وأحسن الهدي هدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم. والسلام عليكم أيها الشباب الكرام، صباح الخير.
فهذا كتاب العلم من صحيح الإام البخاري عليه رحمة الله، وهو الدرس الثامن من هذه الدورة المختصرة لدراسة كتاب الإمام البخاري عليه رحمة الله، الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وايامه. فأحب أن أبدأ أولا بالتعليق على هذا الكتاب تعليقا مجسما، فأقول إن الإمام البخاري عليه رحمة الله من احسن ما هدي إليه في هذا الكتاب، وقد وفقه الله تبارك وتعالى في هذا الكتاب من أوجه كثيرة. من احسن ما هدي إليه في هذا الكتاب هو حسن ترتيب الكتاب، فبعدما ذكر الوحي وبدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر آيات النبوة ثم ذكر الإيمان، ذكر العلم. والعلم هو مقدمة التقوى، والله تبارك وتعالى قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282]. أمر الله تبارك وتعالى بتقواه، وقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ هو نعمة من الله تبارك وتعالى، نعمة أن يعلمنا الله كيف نتقيه، ولولا ذلك ما استطعنا أن نتقي الله تبارك وتعالى.
وكل رسول من المرسلين قال لقومه: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: 107-108]. ليس معنى قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ أن من اتقى الله سيعلمه الله -هذا المعنى حق، لكن ليس المراد من الآية، بل المراد من الآية أن الله تبارك وتعالى أمرنا بالتقوى ومن علينا بأن علمنا كيف نتقي- فلا بد من العلم حتى نعرف ما الذي أمر الله به، وماذا يحبه ويرضاه، وكيف نتقيه. والله تبارك وتعالى ذكر دعاء النبيين الكريمين إبراهيم عليه السلام وابنه إسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: 129]. فتلاوة الكتاب هي سبيل الهدى، وبها يكون العبد على علم وهدى.
فلذلك، من أجمل ما يمكن أن يبدأ به طالب العلم دراسته لعلوم الشريعة أو علوم الإسلام هو دراسة كتب العلم من السنن، من مسند الدارمي وغيره. ومن أجملها وأحسنها كتاب الإمام البخاري عليه رحمة الله، ينبغي أن يكون أول ما يذكر به طلبة العلم، ويعلمونه، ويدرسونه، ويتفقهون عليه هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام في التعلم والتعليم والفتيا وغير ذلك. والله تبارك وتعالى بين أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم هي بتلاوة القرآن، وبتعليمنا، وبتزكية النفوس. والإمام البخاري عليه رحمة الله اجتهد في جمع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تلقي العلم وتعليمه والاستقامة عليه، وبين أن ذلك هو الميزان وهو الحكم وهو الفصل، فلذلك كان ينبغي لطالب العلم أن يعتني بذلك اعتناء بالغا.
حاول الإمام البخاري رحمه الله في هذا الكتاب أن يبين سنن النبي صلى الله عليه وسلم في التعلم والتعليم والفتيا، وجمع كل ما جاء عنه في ذلك، واختصره وصنفه وبوبه، وأبرز المعاني التي يريد بيانها ليعلم هدي النبي صلى الله عليه وسلم ويكون هو الحكم والميزان. فلذلك جاء في هذا الكتاب اصح الأخبار وأجمعها من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه فضل العلم وفضل التماسه وتحصيله، وفيه الصبر على الأذى والرحلة في طلبه، وفيه بيان اشرف العلوم واعلاها، وفيه فضل من تفقه في دين الله ونفعه الله بالععلم فعلم وعلم. وفيه الحرص على التعلم، وفيه الحكمة في تلقي العلوم والعمل بها ونشرها والدعوة إلى الله بها، وفيه الفهم في العلم، وفيه تبليغ العلم وكتابة العلم وحفظ العلم والسمر في العلم، وفيه الجرأة في بيان الحق وتحمل الأذى في سبيل نشره. وفيه التناوب في العلم ومذاكرة العلم، وفيه خلق المعلم وفقهه في التعليم وفقهه في الفتيا، وفيه بيان نوعي العلم وهو الرواية والدراية، وفيه حث النساء على التفقه في الدين، وفيه العناية بتعليمهن ما يحتجنه من امر دينهن. فيه كذلك بيان كيف يقبض العلم، وفيه بيان كيف يصون الطالب نفسه حتى لا يضيعها، لم يترك البخاري عليه رحمة الله أمرا يحتاجه المتعلم أو المعلم إلا وذكر أصله، فرحمه الله رحمة واسعة وغفر له وجزاه الله عنا خير الجزاء.
سنبدأ باذن الله تبارك وتعالى في تناول هذا الكتاب ومدارسته، وأحببت أن يكون لنا وقفات مع بعض الأبواب وبعض الاحاديث نحاول أن نلتمس منها ما يحتاجه طالب العلم، سواء في الحكمة في تلقي العلوم، أو العزم في تلقي العلوم، أو الصبر على تلقي العلوم، أو كذلك كيف يحسن الانتفاع مما يتعلم وما هي السبل المعينة على الانتفاع من العلم، وكيف يكون طالب العلم ربانيا بعلم الكتاب وتعليمه، وكيف يكون حكيما في نشر ما وصله من العلم وتبليغه للناس. ونحاول أن نجعل هذا الكتاب قاعدة لنا نتأصل عليها في هذا الباب الشريف، فنسال الله تبارك وتعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح. ونبدأ باذن الله تبارك وتعالى في هذا الكتاب، تفضل يا محمد. نحاول أن نجعل طالبا واحدا هو الذي يقرا في كل يوم، يجعل نجعل طالبا واحدا يقرأ، هذا يكون ايسر حتى لا نضيع وقت. تفضل يا سيد.
بسم الله الرحمن الرحيم. باب فضل العلم، وقول الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: 11]، وقوله عز وجل: ﴿رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]. باب من سئل علما وهو مشتغل في حديثه، فأتم الحديث ثم أجاب السائل. حدثنا محمد بن سنان قال حدثنا فليح، وحدثني ابراهيم بن المنذر قال حدثنا محمد بن فليح قال حدثني أبي قال حدثني هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع. حتى إذا قضى حديثه قال: أين -أراه- السائل عن الساعة؟ أين السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا يا رسول الله. قال: فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة.
بارك الله فيكم. بدأ الإمام البخاري عليه رحمة الله في هذا كتاب العلم، وسبق أن ذكرنا أن الكتاب هو ما يجمع تحته ما يدخل في أبوابه. ففي هذا الكتاب، وهو كتاب العلم، ذكر الإمام البخاري عليه رحمة الله هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم متعلما ومعلما ومفتيا، وذكر كذلك جملة من الآثار. فجمع الإمام البخاري عليه رحمة الله ما جاء في أو ما يمكن أن يدخل تحت كتاب العلم، وصنفه أصنافا، ثم بوب لكل صنف منها، واختصر تحت كل صنف ما رآه كافيا في بيان هذا المعنى. فبدأ باب فضل العلم، لم يذكر فيه حديثا -وفي فضل العلم أحاديث سياتي بيانها إن شاء الله تبارك وتعالى، منها الحديث المشهور: من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة- وسيعلق البخاري دون أن يسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وسنتكلم عندها على هذا الحديث ولماذا لم يخرجه الإمام البخاري عليه رحمة الله.
ذكر البخاري باب فضل العلم، وطبعا اشرف العلم هو العلم بالله تبارك وتعالى، فالعلم بالله هو اشرف العلوم وهو اعلى العلوم وهو اصل العلوم. فلذلك لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هديه قال: «فوالله لانا اعلمكم بالله واشد له خشية». فبين أن خير العلم وأعلى العلم وأشرف العلم وأظهره وأنفع وأوجب هو العلم بالله تبارك وتعالى، وأن احسن العمل هو خشية الله عز وجل. والعلم بالله علم ضروري يحتاجه الناس لا غنى لهم عنه، لأن الناس -وإن كانوا يختلفون في مطالبهم- إلا أنهم جميعا يفتقرون إلى ربهم تبارك وتعالى في حياتهم، أما باقي العلوم فبعض الناس يحتاجها وبعضهم لا يحتاجها، فلذلك كان اعلى ما ينبغي أن يطلبه كل انسان هو العلم بالله تبارك وتعالى.
والله تبارك وتعالى هو الحق، قال الله تبارك وتعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: 62]. وقال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقُّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: 82]. كذلك الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء، وكل شيء في الوجود فمنه، فهو سبحانه فاطر السماوات والأرض، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]. لذلك العلم بالله هو اظهر من كل علم، يعني كل ما يعلمه الناس بفطرتهم أو عقولهم أو بالتجربة أو بالحس، فآيات الله تبارك وتعالى في الكون وفي النفس وفي الآفاق اعظم واظهر وأكثر. وكل ما علمه الناس واستدل عليه باثاره، أو كل من -يعني- ما علمه الناس بأي سبيل من السبل، فإن العلم بالله تبارك وتعالى اظهر منه وأشرف منه، قال الله تبارك وتعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53].
كذلك العلم بالله هو اصل كل العلوم والمعارف، ومنه تشعبت كل العلوم، كل علم في الوجود فهو من الله. علم الملائكة من الله، قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: 32]، وعلم الأنبياء، والله تبارك وتعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [البقرة: 151]. وعلم الإنسان: ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 5]. فالله تبارك وتعالى هو الذي قدر فهدى، وهو الذي علم الإنسان. وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ﴾ [الضحى: 6-7]. وكذلك أوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا. والله سبحانه وتعالى علمنا علم أنبياءه من أنباء الغيب، فكل ما يتعلمه الناس بأي سبيل فانه من الله تبارك وتعالى، وهو من نعم الله عز وجل، وما بكم من نعمه فمن الله.
لذلك من لم يؤمن بالله تبارك وتعالى وآياته فلن يبقى له شيء يؤمن به، وهذا معنى قول الله تبارك وتعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ * وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا ۖ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الجاثية: 6-8] إلى آخر الآيات. وهذا معنى قول الله تبارك وتعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: 17]، إما أن تكون للتعجب يعني ما اشد كفر هذا الانسان، أو يكون المعنى كيف يكفر يعني ما الذي جعله كافرا.
لذلك أيها الكرام، لو قدر أن انسانا علم كل ما في الوجود من العلوم الرياضية والتجريبية والطبيعيه وغيرها، ولم يعلم عن ربه تبارك وتعالى وخالقه ما يجعله يحبه ويعبده ويعمل للقائه، فهو كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 44]، وهو شر الدواب كما ذكر الله تبارك وتعالى. لان كل معلوم قامت عليه أدلة وبينات، فبيان الله تبارك وتعالى اعظم واظهر وأبلغ، لان كل علم في الوجود أصلا هو من الله تبارك وتعالى، فلا يصرف عن ذلك الا شرار الخلق واخبثهم. ومن اعظم الضلال أن ينسب هؤلاء الجاحدون الضالون إلى أنهم عباقرة وعظماء وصفوة الناس، ولو بلغوا من المعرفة المادية ما بلغوا، بل يوصفون بما وصفهم الله تبارك وتعالى: شر البرية، شر الدواب، سفهاء، ضالون، لا يقيم الله لهم يوم القيامة وزنا. قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ [الكهف: 103-106].
والله تبارك وتعالى نهانا عن هؤلاء، نهانا عن أن نتخذ هؤلاء أولياء. قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: 18-19]. وقال لنبيه موسى عليه السلام: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ * فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىٰ﴾ [طه: 15-16]. وقال: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم: 29-30].
لذلك، شباب، اعظم علم وأجل ما يلتمس من المعارف هو العلم بالله وبدين الله تبارك وتعالى، وأحسن الناس وأذكى الناس هم رسل الله عليهم الصلاه والسلام. والله تبارك وتعالى جعلهم مشتغلين بتلقي العلوم وتعليمها والعمل بها ونشرها، فلذلك حينما يأتي ذكر العلم في كتاب الله تبارك وتعالى أو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإنّه يراد به العلم بالله وبدين الله تبارك وتعالى، فإذا كان الأمر كذلك شباب، فإن أعظم هذا العلم المحكمات؛ أعظم العلوم الشرعية هي محكمات الإسلام. يعني نحن، يعني أنا كثيراً ما أتكلم على هذا المعنى؛ ضرورة تأسيس المسلم في العلم بمحكمات القرآن وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعظم وأخص ما يدخل تحت مسمى العلوم الأمور التي جاء بيانها وتفصيلها في القرآن وتكرر ذكرها وأقيمت البينات والأدلة عليها، هذا أهم ما ينبغي أن يطلبه المسلم وأن يتفقه فيه وأن يسعى في الاستقامة عليه، وكل ما سواه فإنما هو فرع عنه أو داخل فيه أو تابع له. فلذلك لابد من الاعتناء بمحكمات الإسلام، والمحكمات هي الأحكام والأخبار الواضحات البينات القطعيات التي يكثر تكرارها والاستدلال لها في القرآن وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي الأساس الذي إذا رسخ فيه المسلم يبنى عليه إيمانه، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْر أَم مَّن أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبَة: 109].
فالله تبارك وتعالى بين هذه المحكمات، كما في آية آل عمران: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَات محْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 7]. وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم تلى هذه الآية، ثم قال: «فاما الذين في قلوبهم» يعني تلى هذه الآية، فقالت عائشة رضي الله عنها يا رسول الله، أو قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم».
والخلاصة أن القرآن كله محكم بمعنى أنه متقن وهو حق وصدق، ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: 1]، وكله متشابه بمعنى أنه كله يشبه بعضه بعضاً؛ يعني لا يختلف لو كان من عند غير الله لوجد فيه اختلافا كثيراً، ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَّثَانِيَ﴾ [الزمر: 23]، فمتشابه يعني يصدق بعضه بعضاً، لا يتناقض لا يختلف، وبعضه محكم وبعضه متشابه. فالمحكم؛ الله تبارك وتعالى بين ذلك في كتابه، فمفتاح العلم بالإسلام ومفتاح اليقين ومفتاح الإيمان بالله هو العلم بهذه المحكمات، وكل أمر له محكمات.
ومن المعاني الثابتة أن الله أنزل الكتاب منه آيات محكمات وأخر متشابهات، ومن المعاني الثابتة أيضاً أن هذه المحكمات هي هن أم الكتاب، وأن من طلبها وعلم وفقهها واتبعها فإن هذا هو سبيل الهدى، والذين في قلوبهم زيغ يتبعون هذا المتشابه، أما المؤمنون الراسخون فإنهم يقولون آمنا به كل من عند ربنا. فهذه المحكمات هي كل حكم ثابت بين لا يحتاج بياناً أو تفسيراً، وهي الأمور الكبرى في الاسلام التي تكثر أدلتها وتتنوع، وهي الأمور المحفوظة التي لم تنسخ ولم تبدل، وهي الأصول الكلية والعماد الذي يرد إليه ويحتكم إليه، وهي الحجة وأصل كل باب، وهي التي يعتصم بها المسلم من الشبهات ومن الزيغ ومن الضلال ومن الفتن.
وكذلك الجهل بهذه المحكمات سبب في الريب وسبب في الشك، حاجة الناس إلى هذه المحكمات حاجة عظيمة، وهي التي يؤسس بها للإيمان ويرد بها على المخالفين، ولا يصح جدال المخالفين إلا بالمحكمات، وكثير من الشباب لا يطلب هذه المحكمات ويبدأ بدراسة الجزئيات والاشكالات والاعتراضات والشبهات ويتجاوز دراسة المحكمات. فلذلك كان الاعتناء ببيان هذه المحكمات. وأردت بهذه المقدمة أن أبين أن الإمام البخاري أو غيره من العلماء حينما يذكرون باب فضل العلم، فإن اعظم ما يدخل في ذلك هو العلم بالله تبارك وتعالى، والعلم بأسمائه ومحمله، والعلم بدينه، والعلم بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، والعلم بالامر والنهي وشريعة الله تبارك وتعالى، فلذلك ينبغي على طالب العلم أن يعتني بهذا، وينبغي على كل مسلم أن يأخذ نصيبه من هذا العلم أياً كان مجال عمله وأياً كان تخصصه، كل مسلم ينبغي أن يتفقه في دينه بقدر ما يقيم به الدين، وكلما ازداد من ذلك كان خيراً.
نبدأ بإذن الله تبارك وتعالى في تناول ما ذكره البخاري رحمه الله تحت هذا الباب، باب فضل العلم. قال: وقول الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: 11]. هذه الآية في سورة المجادلة، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: 11].
الله سبحانه وتعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا﴾ يعني توسعوا في المجالس؛ اختلف هل كل مجلس أو مجلس النبي صلى الله عليه وسلم خاصة أو مجلس القتال؟ الأكثر ذكروا أنه مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى استوسعوا حتى يصيب كل منكم مجلساً من النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الصحابة كانوا يضنون بمجلس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله تبارك وتعالى أمرهم: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا﴾ يعني فوسعوا، ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ هذا عام في الخير والتوسع، وفضل الله تبارك وتعالى واسع.
و﴿إِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا﴾ أنشزوا يعني معناها ارتفعوا، أو معناها النهوض من المكان قوموا؛ قيل المعنى قوموا للقتال، أو قوموا لعمل صالح، أو تفرقوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني إذا جلستم معه في بيته قوموا عنه أو جلستم معه في المسجد مثلاً وانتهى المجلس فقوموا عنه، فإن للنبي صلى الله عليه وسلم حوائج، أو المعنى قوموا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثم بين الله تبارك وتعالى انه يرفع بذلك الذين آمنوا والذين اوتوا العلم درجات؛ يعني الله سبحانه وتعالى يرفع الذين آمنوا بطاعتهم لما تفسحوا في المجالس وبنشوزهم إذا قاموا في عمل الخير أو استجابوا لأمر الله تبارك وتعالى. ويرفع الله تبارك وتعالى كذلك الذين أوتوا العلم وهم اهل الإيمان من المؤمنين، فالله تبارك وتعالى يرفع أهل العلم خاصة على المؤمنين عامة، والله تبارك وتعالى قال: ﴿هُمْ دَرَجَاتٍ عِندَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 163].
وقال قتادة رحمه الله: إن بالعلم لأهله لفضل، وإن له على اهله حقاً، ولعمري للحق عليك أيها العالم فضل، والله معطي كل ذي فضل فضله. يعني أن هذا الحق من الله تبارك وتعالى ليس تكليفاً ولا مشقةً، بل هو فضل وشرف، كما أن الله تبارك وتعالى فضل الأنبياء وشرفهم والأنبياء هم أكثر الناس الذين فرض الله تبارك وتعالى عليهم فرائض وهم أكثر الناس ابتلاءً.
فالمعنى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ فهل المعنى أن الذين آمنوا في هذه الآية هم أنفسهم الذين أوتوا العلم، أم أن الذين آمنوا في هذه الآية هم الذين امتثلوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه جاء في بعض اسباب النزول أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في مسجده وكان الناس في مجلسه، وجاء بعض البدريين فلم يجدوا مكاناً يجلسوا فيه، فالله تبارك وتعالى أمرهم أمر بعض المؤمنين أن يقوموا لهؤلاء أو أن يفسحوا لهم في المجالس، فالله سبحانه وتعالى انزل هذه الآيات تطييباً لقلوبهم؛ ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ يعني الذين امتثلوا لأمر الله فقاموا لما قيل لهم تفسحوا في المجالس، ويرفع الله تبارك وتعالى الذين أوتوا العلم درجات حيث أقام غيرهم لهم، كل منهم رفع بسبب خاص، وهذا فيه تمكين أهل العلم من مجالس العلم، لأن تمكينهم فيه خير للمؤمنين، وهذا من أجمل ما يمكن أن يستدل به تحت فضل العلم، وهذا يؤكد فقه الإمام البخاري عليه رحمه الله.
وإذا تتبعت يا شباب الأحاديث التي ذكر فيها النبي صلى الله عليه وسلم ما يحدث مثلاً من الفتن أو من المصائب، تجد الصحابة في كل أمر من هذه أو في كل خبر من هذه الأخبار يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: فماذا تأمرنا أن نفعل؟ فالصحابة يعتنون بهذا الأمر إذا علمهم النبي صلى الله عليه وسلم أو أخبرهم بخبر دائماً يسألونه: فماذا تأمرنا؟ مثلاً قال حذيفة رضي الله عنه: فماذا تأمرني إن أدركني ذلك؟ لما كان يساله عن الشر واخبره النبي صلى الله عليه وسلم بما يكون. وكذلك لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها»، قالوا: فماذا تأمرنا؟ ويقول بعضهم: أي الأعمال افضل؟ أو مثلاً: أي الذنب أعظم؟ كل هذا يؤكد لك حرص صحابة النبي صلى الله عليه وسلم على العلم؛ كيف يتقون الله عز وجل.
فالإمام البخاري عليه رحمه الله في هذا الباب ذكر هذه الآية، وذكر قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه: 114]. الآية الأولى ذكرنا وجهها وهي من أحسن ما يستدل به تحت هذا الباب. الآية الثانية في سورة طه: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه: 114]. كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليه يحرك به لسانه، فالله تبارك وتعالى أمره بالتأني ونهاه عن العجلة، أمره بالتأني في تلقي العلم وكذلك في تبليغه، ثم قال: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ ليبين الله تبارك وتعالى أن النهي عن التعجل في التلقي أو التبليغ ليس المراد منه النهي عن طلب الازدياد من العلم.
والله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ والله تبارك وتعالى أمر نبيه بالازدياد من العلم ونهاه أن يمد عينيه إلى ما متع به غيره، وهذا لو تدبره كل مسلم لعلم فضيلة طلب العلم ولم يقنع مسلم بما عنده من العلم. يعني إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بالله وأخشاهم لله، ومع ذلك أمره الله تبارك وتعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ فذلك فيه أعظم فضيلة للعلم. والله تبارك وتعالى بين هذا الأمر في كتابه: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ وقال في نفس السورة: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [طه: 131].
فالاستزادة من العلم، وهذا مهم جداً يا شباب وهذا تنبيه حسن نحتاجه؛ الاستزادة من العلم وقوة العزم في العلم لا يعني العجله فيه. هذا مهم؛ كثير من الشباب عنده همة وعنده قدرة ولكنه يتعجل، ولكنه ليس عنده حكمة في التلقي؛ يتعجل في التلقي ينتقل من دورة إلى أخرى، من كتاب إلى كتاب دون أن يحكمه، ينتقل من معهد إلى آخر، أو عنده عجلة في التبليغ والتدريس والتصدر، لا ينبغي أن يكون عندك تجمع بين قوة العزم والإرادة وطلب الازدياد، هذه من جهة، وكذلك من الجهة الأخرى؛ التأني وضبط العلم وتجويد العلم وتثبيت العلم.
وقل من يجمع هذا شباب؛ قليل جداً من الشباب الذين قابلتهم من يجمع بين العزم والحكمة، بعضهم أما عنده حكمة لكن ليس عنده عزم أو صبر، وبعضهم عنده جلد وصبر لكن ليس عنده حكمة، يعني يتعجل من كتاب لآخر أو من دورة لأخرى، فهذا مهم جداً. وكذلك المعلم الناجح هو الذي يرفع همة الطالب، وكذلك يوجهه كيف يححسن الانتفاع من همته وعزمه.
فباب فضل العلم وقول الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فهذا، والآية الأخرى طبعا: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ الله خبير بنيتكم، خبير بعملكم، من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه.
طبعاً هنا يعني أحب أن أنبه على فائدة هنا؛ بعض المتأخرين استنكر على البخاري أنه بدأ بالكلام عن فضل العلم دون أن يتكلم عن معنى العلم أو تعريف العلم. وهذا بشكل عام يا شباب لم يكن معروفاً أصلاً عند الأئمة المتقدمين، لم يكن عندهم العناية بالحدود والتعريفات خصوصاً في الأمور الواضحات، إنما يفعلون ذلك عند الحاجة وعلى قدر الحاجة، لكن المتأخرين تأثروا بهذه الحدود والتعريفات المنطقية فأطالوا الكلام وبعضهم يستدرك على بعض. والبخاري لم يعرف العلم لأنه لا يحتاج تعريفاً، وبين أن أشرف العلم وأعلاه هو العلم بالله تبارك وتعالى ودينه.
طبعاً في الآية الثانية يا شباب: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ فيها فائدتان لطالب العلم؛ الأولى طلب الازدياد من العلم وألا تقنع بما عندك من العلم، وكثير من طلبة العلم إذا درس فانه يتعجل في التدريس والتعليم ويقل طلب للعلم. الفائدة الثانية أن العلم من الله، ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾؛ الدعاء يا شباب من أخص ما تعان به على حياتك عموماً وعلى طلب العلم خصوصاً، الدعاء فالعلم من الله تبارك وتعالى هو الذي يعلم، وهو الذي ينفعك بالعلم، وهو الذي يفقهك في العلم، وهو الذي يبارك في علمك ولو كان قليلاً يبارك فيه بأن تعمل بأن تفقهه أولاً، بأن يثبت في قلبك وأن تتذكره وأن تفقهه وأن تحسن العمل به وأن تعان على العمل به وأن تثاب عليه، فلذلك: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾.
بدأ الإمام البخاري عليه رحمه الله في الباب الثاني، باب من سئل علماً وهو مشتغل في حديثه فأتم الحديث ثم أجاب السائل. طبعاً الإمام البخاري في هذا الكتاب يا شباب، كتابه كتاب الصحيح، ينطلق من قاعدة أساسية وهي أن النبي صلى الله عليه
عليه وسلم هو أسوة في كل ما جاء عنه، إلا ما خص بالدليل، يعني الأصل أن كل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم يجب أن نتأسى به في صنوف أو في كل أمور حياته؛ لذلك جعل البخاري هذا الكتاب جامعا في أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه. فكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من رغب عن سنتي فليس مني». فهدي النبي صلى الله عليه وسلم هو الأصح وهو الأتقى.
فالله تبارك وتعالى لما قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلُّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282]، يعني أن الله يعلمكم كيف تتقونه، فإن أعظم ما علمنا الله به أن أرسل لنا النبي صلى الله عليه وسلم، وكان خلقه القرآن، يعني تخلق بالقرآن، فالنبي صلى الله عليه وسلم يعني اشبه ما يكون يعني بالتعبير حتى تفهموه صورة تطبيقية لمراد الله تبارك وتعالى منا، فلذلك جمع هديه في كل باب، وتصنيف هذا الهدي على أبواب، وترجمة ذلك لأبواب، هذا احسن ما فعله الامام البخاري عليه رحمه الله.
باب من سئل علما وهو مشتغل في حديثه فأتم الحديث ثم أجاب السائل. في هذا طبعا في هذا الباب يتكلم البخاري عن خلق المعلم والمتعلم. ونحن يا شباب إن شاء الله في كل حديث سنحاول أن نستخرج. بعض الشباب يعني كان يريد أن إحنا ننجز الكتاب سريعا، ولكني يعني عند وعدي أننا سننجز الكتاب إن شاء الله، ولكن هناك بعض الكتب تحتاج إلى وقفات يحتاجها طالب العلم، ذكرت منها مثلا بدء الوحي، وكتاب الإيمان، وكتاب العلم، وسيأتي معنا كتاب القدر، وكتاب الفتن، وكتاب الأنبياء، وكتاب التوحيد، وكتاب الاعتصام بالسنة، لكن عامة الكتب في السنن مثل الوضوء والصلاة والأذان ونحو ذلك إن شاء الله ستكون القراءة فيها أسرع من ذلك.
في هذا الكتاب يا شباب، كتاب العلم، يعني سيمر علينا الأحاديث ويكون فيها الكلام إما عن المتعلم أو عن المعلم، فهذا الباب يا شباب للمتعلم وللمعلم؛ باب من سئل علما يتكلم فيه عن المعلم، يعني عن المفتي أو عن الشيخ، إذا سئل علما وهو مشتغل في حديثه، يعني كان يعطي درسا مثلا أو كان يفتي ثم قاطعه شخص بسؤال، فأتم الحديث يعني يتم الحديث الذي بدأه ثم يجيب السائل.
قال حدثنا محمد بن سنان، محمد بن سنان الباهي ثقه حافظ، قال حدثنا فليح، فليح طبعا هو فليح ابن سليمان، وفليح هذا يعني ضعيف، يعني أكثر العلماء ضعفوه، ولكن ضعفه محتمل، يعني هو ضعفه محتمل، يعني ليس ساقطا؛ لأن الرواة الضعفاء يا شباب درجات، والبخاري رحمه الله ومسلم كذلك انتخب له أصح ما جاء عنده، ولم يخرجوا له في الأحكام مما انفرَد به، وإنما خرجوا له في المواعظ والأدب، أما من انفرد به في الأحكام فإنهم لا يخرجون له ذلك، فهو مثال للرواه المتكلم فيهم الذين خرج لهم الشيخان، ولكنه مع ذلك يعني الإمام البخاري انتخب احسن ما عنده، وإخراج البخاري ومسلم له هذا توثيق ضمني، يعني هذا يغفل عنه بعض الطلاب، أنهم مثلا إذا جمعوا ترجمة للراوي وكان البخاري أو مسلم ذكر هذا الراوي فإنهم يهملون دلالة ذلك، وهذا خطأ.
ففي عندنا يا شباب شيء اسمه التوثيق الضمني؛ التوثيق الضمني معناه أن يخرج العالم الذي اشترط الصحة لراوي متكلم فيه أو مثلا لا يعرفه إلا من هذا الوجه، ومع ذلك يذكر فيه راويا، فيكون هذا الراوي موثقا ضمنيا من الترمذي عليه رحمه الله.
قال حدثنا محمد بن سنان بن سنان، قال حدثنا فليح، حاء، وحدثني إبراهيم بن المنذر، إبراهيم المنذر هو من جملة الثقات أيضا، تكلم فيه الإمام أحمد يعني لقوله في القرآن؛ لأنه يعني تكلم في القرآن، قال حدثنا محمد بن فليح، محمد بن فليح بن سليمان هذا أيضا يعني متوسط، يعني صدوق لكن له أوهام، قال حدثني أبي، اللي هو فليح بن سليمان، قال حدثني هلال بن علي، هلال بن علي بن أسامة، عن عطاء بن يسار، عطاء بن يسار يعني ثقه عابد من المكثرين وهو واعد، كان واعدا عليه رحمه الله، عن أبي هريرة رضي الله عنه، بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم، جاءه أعرابي.
لاحظ أن كثيرا من الأسئلة التي وجهت إلى النبي صلى الله عليه وسلم كانت من الأعراب، وبعض هذه الأسئلة لم يكن ليسألها صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الذين تلقوا العلم أو كانوا قريبين منه؛ لأنها يعني لا تحتاج سؤالا، وجاءت أجوبتها في القرآن والسنة، ولكن بعض هؤلاء الأعراب لم يكن يعلم ذلك، فلذلك سأل عنه.
حتى لاحظ هذا السؤال؛ هذا الأعرابي قال: متى الساعة؟ طيب هل هذا لم يأت في القرآن؟ ألم يأت في القرآن أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس عنده علم الساعة؟ فلذلك تجد كثيرا من هذه الأسئلة يعني لم يكن يسألها إلا من يعني هو قليل العلم من الأعراب وغيرهم، قال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني استمر في الحديث وهذا هو وجه الشاهد، فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال. وقال بعضهم: بل لم يسمع.
حتى إذا قضى حديثه -طبعا واضح أن هؤلاء يعني هذين القولين ليس صحيحين، يعني بعضهم قال: سمع فكره ما قال، وبعضهم قال: بل لم يسمع، لا، النبي صلى الله عليه وسلم سمع ولم يكرهه؛ لأنه سيجيب عنه ولم ينكر عليه- قال: أين أراه؟ أين أراه السائل عن الساعة؟ أين هذا الذي سالني عن الساعة؟ قال: ها أنا يا رسول الله، قال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. طبعا هذا الحديث يا شباب سياتي إن شاء الله في باب رفع الأمانة في كتاب الرقاق، وإن شاء الله سنتكلم يعني عليه إن شاء الله تبارك وتعالى في هذا الموضع، لكننا هنا يخصنا فقط ما اراده البخاري في هذا الباب.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة. إذا وسد الأمر إلى غير أهله، لعله أراد به البخاري أيضا معنى: اتخذ الناس رءوسا جهالا، أن ذلك من أشراط الساعة؛ يعني من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند غير أهل العلم.
طبعا هذا الحديث يا شباب فيه فوائد عظيمة لطالب العلم، طبعا الحديث فيه فوائد كبيرة، ولكني يعني أجتز منها ما يخص طالب العلم والمعلم. فيه بالنسبة للمعلم أنه لم يسجر هذا السائل، راعى حاله وقله فقهه، واضح. فيه كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أتم حديثه، وهذا هو الأولى، الأولى أن تتم الحديث مع من بدأت معه ثم تعود إلى من سألك. في كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أجابه ورفق به، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أجابه بما ينفعه ولم يجبه على سؤاله؛ الرجل سأل متى الساعة؟ النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر له تحديد وقت الساعة وإنما ذكر له أمارة منها، وهذا مهم، أنك أنت تجيب السائل بما ينفعه أو بما يستدل به.
والنبي صلى الله عليه وسلم يعني هناك شواهد كثيرة جدا من سيرته ومن أجوبته أنه كان يجيب السائل بما ينفعه أو بأبلغ.
أما الطالب، هو المتعلم؛ أولا يا شباب أنت كمتعلم أحيانا تحضر مجلسا فتتاج أن تسأل، فلا بد أن تعرف أولا من تسأل، هذا مهم، تسأل المتخصص في بابه، اختر من تسأله، مثلا أنت عندك سؤال في علوم الحديث، في علوم القرآن، في اصول الفقه، عندك سؤال مثلا في أمر الزواج، عندك سؤال في في أمر في دنياك في عملك، اختر عند كل سؤال من تشعر انه يمكن أن يفيدك فيه.
الأمر الثاني، عما تسأل؛ ليس كل ما يخطر ببالك تسأل عنه، كذلك بعض الطلاب يسألون عن أشياء يمكن أن يصل إلى أجوبتها.
الامر الثالث، كيف تسأل؟ صيغة السؤال يا شباب أن تقتصر على تصوير واحد؛ أحيانا يبعث لي سؤال أكثر من عشر دقائق، يبعته مثلا في رسالة صوتية، وهو مش سؤال، هي حكاية طويلة جدا، وبعد مدة أقول له: طيب اين السؤال؟ لم يذكره، فلا بد أن تتعلم كيف تسأل، وأن تختصر في السؤال أيضا.
متى تسأل؟ هذا نتعلمه من هذا الحديث، أنك أنت تختار الوقت المناسب، هل تسأل أثناء الدرس؟ هل تسأل بعد الدرس؟ هل تسأل على العام أم تسال على الخاص؟ كل هذا مهم.
لذلك بعد السؤال لابد أن تستفهم؛ فهذا الرجل لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: كيف إضاعتها؟ فأراد أن يفهم، واضح، فلا بد أن تتثبت، لا بد أن تتأدب في السؤال، لا تسأل سؤال الممتحن ولا سؤال الندا ولا سؤال المخاصم أو المجادل، وإنما تسأل سؤال المستبين. وهذا يا شباب لابد أن تعلم أن كثيرا من طلبة العلم يحرم العلم بسبب سوء سؤاله؛ أن هو يضع نفسه ندا، يتعالى، ويمتحن المعلم، وكان مثلا كان أنه ند له، وهذا ليس من أدب السؤال. وابن عباس رضي الله عنه حرم أحد أكبر طلاب العلم في زمانه من أن يحضر درسه، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك؛ لماذا؟ لأنه كان يماري ويجادل، فهذا مهم جدا يا شباب.
باب من رفع صوته بالعلم. أيضا هذا الباب يا شباب للمعلم وللمتعلم؛ فالمعلم يحتاج في بعض المواضع أن يرفع صوته، وكذلك المتعلم يحتاج في بعض المواضع أن يرفع صوته. يعني البخاري حاول ألا يترك حديثا يمكن أن يلتمس منه فائدة لطالب العلم إلا وذكرها.
قال حدثنا أبو النعمان عارم بن الفضل، هذا يعني مشهور بكنيته، وهو ثقة حافظ، لكنه تغير حفظه بآخره، يعني في آخر العمر، لكنه ثقة حافظ. قال حدثنا أبو عوانة، الوضاح اليشكري، يعني مشهور بكنيته. عن أبي بشر، اللي هو جعفر بن إياس، هذا ثقة من أثبت الناس في سعيد بن جبير، لكن متكلم في روايته عن مجاهد وغيره. أبي بشر، أبو بشر الواسطي، عن يوسف بن ماهك، هذا ثقة قليل الحديث، هو فارسي الأصل. عن عبد الله بن عمرو، عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: تخلف عنا -عندي في روايتي: عنا- تخلف عنا النبي صلى الله عليه وسلم في سفره سافرنا فادركنا، وقد ارهقتنا الصلاة -ارهقتنا الصلاة يعني أجلت بها لضيق الوقت، يعني ضاق الوقت عليها- ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته، هذا هو الشاهد يا شباب.
طبعا هذا الحديث سيتكرر كثيرا، سيتكرر هذا الحديث في كتاب العلم باب من أعاد الحديث ثلاثا ليفهم، وسيتكرر كذلك في باب الوضوء، فنجعل كل فائدة منه في موضعها.
قال: فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته، طبعا هذا هو الشاهد، و يعني النداء أو رفع الصوت بالعلم هذا أو رفع الصوت عموما له فقهه، ربما يكون لبعد المتعلم أو لكثره الناس أو في الموعظة أحيانا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ويل للأعقاب من النار» مرتين أو ثلاثا.
الأعقاب اللي هي جمع العاقب، اللي هو مؤخر مؤخر القدم إلى موضع الشراك. قال: «ويل للأعقاب من النار» مرتين أو ثلاثا. طبعا هذا الحديث سيتكرر معنا إن شاء الله.
باب قول المحدث حدثنا وأخبرنا وأنبا.
في هذا الباب يا شباب -طبعا قبل أن ندخل في الحديث نحب أن نعلق على هذا الباب- البخاري تكلم هنا عن يعني طرق التلقي تلقي العلم أو التحمل، وتكلم عن الصيغ التي يعبر بها الراوي. نحن عندنا يا شباب الراوي يتحمل من شيخه ويؤدي إلى تلميذه، فهذا هو التحمل والأداء. فما هي طرق التحمل المعتبرة؟ وما هي الصيغة التي يعبر بها الراوي عن الرواية؟
يعني مثلا طرق التحمل؛ السماع، أعلاها السماع، أن يتحدث الشيخ ويستمع التلميذ. طيب التلميذ إذا أراد أن يعبر عن ذلك، فانه يقول مثلا: حدثنا، فمثلا يقول ابن عباس: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، أو أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم، أو حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم، أو أنبأنا. فالإمام البخاري عليه رحمه الله في هذا الباب يتكلم عن طرق التحمل والصيغ التي يعبر بها المحدث أو الراوي. قال: باب قول المحدث حدثنا أو أخبرنا وأنبا، يعني يريد أن يقول إن كل هذا سواء. فأحببت أن أبين بشكل عام هذا الأمر، وأنتم تعرفون يا شباب أن شروط القبول للرواية لابد أن يكون الإسناد صحيحا.
كل راوي من الرواة تلقى هذه الرواية عمن روى عنه بطريقة صحيحة؛ يحكم له بالاتصال، وثقة الرواة، ولا يكون الحديث شاذاً أو به علة. طيب، فنحن الآن نتكلم عن ماذا؟ نتكلم عن طرق التحمل، وعن الصيغة التي يعبر بها الراوي.
فأرفع طرق التحمل هي السماع من الشيخ، ثم يأتي بعد ذلك القراءة على الشيخ أو غير ذلك من الأمور. والبخاري هنا يريد أن يقول: من سمع من الشيخ واضح؟ فعبر بكلمة سمعت، أو حدثنا، أو أخبرنا، أو أنبأنا، فكل ذلك سواء. قال البخاري: وقال لنا الحميدي -الحميدي طبعا عبد الله بن الزبير هو شيخ الآية.. شيخ البخاري-. كلمة قال لنا هي صيغة يذكرها البخاري لما ليس على شرطه، وهذا يتكرر معنا كثيراً إن شاء الله، يعني طبعا هو سمع هذا الحديث من الحميدي، وهذا حديث مسند، لكن لماذا ذكر هذه الصيغة؟ لأن الآثار ليست على شرطه فهو لا يسندها، وإن كان يأتي في بعض المواضع يسندها لكنها قليلة جداً الآثار أقصر.. يعني عما من دون النبي صلى الله عليه وسلم. قال لنا الحميدي: الحميدي عبد الله بن الزبير، كان ابن عيينه.. ابن عيينه طبعا أنت لابد أن تسجل من الآن من هم المعتبرون في علم الحديث، لاحظ البخاري الآن ذكر ابن عيينه واضح، هذا أول عالم يمر علينا في مسائل علوم الحديث، كان ابن عيينه.. كان عند ابن عيينه حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعت واحداً.. يعني كل هذا سواء، كل هذا سواء.
طيب، قال: وقال ابن مسعود -طبعا كل هذه يا شباب أحاديث معلقة لكنها مسنده عند البخاري- فمن أهم ما تعرفه أن البخاري قد يذكر جزءاً من الحديث لموضع الدلالة منه، لكنه بعد ذلك سيسنده، فلماذا ذكر حديث ابن مسعود هذا اللي هو حديث الصادق المصدوق؟ ليبين أن ابن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستعمل كلمة حدثنا، فكل هذه الروايات فيها يروي، أو حدثنا، أو يحدث، كل هذا فيه أن هذه بنفس المعنى. طبعا يأتي معنا هذا الحديث إن شاء الله في باب القدر.
وقال شقيق -اللي هو شقيق بن سلمة أبو وائل من كبار التابعين، ومن ممن يكثرون الرواية عن عبد الله بن مسعود- عن عبد الله -اللي هو ابن مسعود- عن النبي صلى الله عليه وسلم كلمة.. هذا حديث أيضاً يأتي معنا في كتاب التفسير، في كتاب الإيمان والنذور، بلفظ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلمة.. وقلت أخرى. والشاهد من ذلك أن الصحابة كانوا أحياناً يقولون: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، أو يقولون: حدثنا، ولا فرق.
وقال حذيفه: حذيفة بن اليمان حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين، هذا ياتي معنا إن شاء الله في كتاب الرقاق. وقال أبو العالية الرياحي.. وقال أبو العالية.. اللي هو أبو العالية الرياحي هو رفيع بن مهران مولاهم البصري، وكلمة مولى هذه تتكرر معنا إن شاء الله سنتكلم عنها في موضعها اللائق، قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه. فأراد البخاري رحمه الله أن يذكر الصور التي كان يروي بها الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أنس: أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه أيضاً، أن يرويه عن ربه. طبعا كل هذه الروايات تاتي معنا يا شباب في كتاب التوحيد إن شاء الله، ولكن ليس المراد منها هنا الأحاديث التي تعلقت بها، ولكن المراد فقط كلمة يروي، أو سمعت، أو يرويه. وقال أبو هريرة: عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربكم، أيضاً نفس المعنى.
طيب، الحديث.. نقرا معنا يا وئام حدثنا قتيبة، قال حدثنا.. يا محمد. طيب، غيرك يقرا يا محمد، اقرا.
حدثنا قتيبه، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من الشجر شجرة ليسقط ورقها، وانها مثل.. وإنها مثل المسلم، تحدثوني ما هي؟». فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله: ووقع في نفسي أنها النخله، فاستحييت. ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: «هي النخله».
بارك الله فيك. هذا الحديث يا شباب هو تحت هذا الباب، والشاهد من هذا الحديث يا شباب لا يظهر إلا بجمع الروايات؛ أنت إذا نظرت في هذا الحديث فكأنك تريد أن تعرف ما وجه يعني استدلال البخاري بهذا الحديث تحت هذا الباب؟ لا يظهر ذلك إلا بجمع الروايات؛ لأن هذا الحديث في بعض رواياته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حدثوني ما هي»، وأنهم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله، فاستعمال كلمة حدثنا، وفي رواية أخرى عند البخاري: أخبروني، وفي رواية.. يعني في مستخرج الإسماعيلي في رواية: أنبئوني، ففيها لفظ الأخبار والأنباء والتحديث واضح. فكان مراد البخاري عليه رحمه الله أن كل هذه الروايات سواء كانت من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم أو من لفظ الرواة، كل هذه الروايات تدل على أن حدثنا وأخبرنا وأنبأنا بمعنى واحد، فيصح استعمال هذا الباب، ولكنه لا يستدل بنفس لفظ الحديث، وإنما يستدل ببعض طرق الحديث، وهذا سيتكرر معنا كثيراً، فمهم جداً أن تفهم هذا: أنك أنت تجمع طرق الحديث لتعرف وجه الدلالة منه، وتعرف كذلك لماذا ذكرها البخاري تحت هذا الباب.
قال: حدثنا قتيبة، قتيبة بن سعيد تكلمنا عنه. قال حدثنا إسماعيل بن جعفر، إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير، هذا ثقة ثبت، شارك الإمام مالك عليه رحمه الله في كثير من شيوخه وكان يعني.. وهو يعني مدني بغدادي مؤدب قارئ، يعني من أئمة الفضل والعلم. عن عبد الله بن دينار، عبد الله بن دينار أحد أهم من روى عن ابن عمر، وهو طبعا مولى لابن عمر. عن ابن عمر، عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم.. هذا الحديث سيتكرر معنا كثيراً حتى في كتاب العلم.
وجه الشاهد من الحديث.. طبعا نذكر معنى الحديث إجمالاً، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن من الشجرة».. يعني سأل أصحابه: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم» -طبعا هذا هو الأصح، مثل.. بعضهم قال: مثل.. لعلها.. لعل المعنى قريب يعني- «وإنها مثل المسلم، فحدثني ما هي؟» هذا هو وجه الشهادة، حدثوني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حدثوني». فوقع الناس في شجر البوادي، يعني وقع في نفوس الناس أن هذه الشجرة التي تكلم عنها النبي صلى الله عليه وسلم هي من شجر البوادي وبدا الناس يذكرون من أصنافه.. يعني ذهلوا عن أنها النخله. قال عبد الله.. هو ابن عمر: ووقع في نفسي أنها النخله -طبعا في رواية ستاتي معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم يعني أتي بجمار، اللي هو يعني شيء متعلق بالنخله، فلذلك ربط ابن عمر بين هذا وبين سؤال النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا سياتي في باب الفهم في العلم-. ووقع في نفسي أنها النخله، فاستحييت.. طبعا في رواية: لأنه كان أصغر القوم، وكان فيهم أبو بكر وعمر، استحيا أن يجيب.. استحيى أن يجيب النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال.. ثم قالوا: حدثنا ما هي؟ هذا أيضا وجه الشاهد، حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: «هي النخله».
فهذا شباب فيه بالنسبة لطالب العلم أولاً: فيه للمعلم طرح السؤال، وهذا فقه عظيم، المعلم الذي يحرك الطالب هذا عظيم جداً، والمعلم الذي يستغل كل موقف لتعليم الطالب هذا مهم أيضاً. فيه كذلك من من فقه الطالب أنه يعني يجمع بين الخلق وبين النباهة والذكاء، وبعض الطلاب ليس عنده هذا، يمكن أن يكون عنده همة ويكون عنده ذكاء، لكن ليس عنده أدب، يتقدم على من هو أكبر منه سناً، أو لا يراعي مقام المععلم ومقام أصحابه الذين هم أكبر منه سناً، وكما.. يعني كما أنبه عليه كثيراً، أن طالب العلم لا يميزه فقط الهمة والذكاء، وإنما يميزه الخلق، ويميزه كذلك العقل والحكمة.
كذلك أن من المهم هنا أن.. أن المعلم إذا سأل وأجاب غيرك، لا يعني.. لا يصح أن تحسده بل تفرح به، وتفرح كذلك بجوابه. وفيه كذلك أن تجيب.. لا تستحي من الجواب، فلأن عمر رضي الله عنه يعني أحب لولده أن يكون أجاب، كما سياتي معنا في الروايات. فإذاً يا شباب، خير الطلبة هو الطالب اليقظ المشارك الفعال في الدرس، الفقيه الذي يوقر الكبير، ولكنه مع ذلك لا يستحي من العلم.
اكمل يا وئام.. باب ما جاء في العلم لا.. باب.. ط.. عفوا شيخنا. نعم؟ باب طرح الإام المسالة على أصحابه ليختبر ما عنده من العلم.
حدثنا خالد بن مخلد، قال حدثنا سليمان، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، حدثوني ما هي؟». قال: فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله: فوقع في نفسي أنها النخلة. ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: «هي النخلة».
بارك الله فيك. طبعا يعني يا شباب، هذا الباب متمم لما قبله، يعني له تعلق به من جهة الروايات. احنا عندنا يا شباب الأنباء أو الأخبار، مثلاً: من أنباك هذا؟ قال نبأني العليم الخبير، يومئذ تحدث أخبارها. فالأنباء والأخبار والتحديث كل هذا بنفس المعنى، وإن كان النبا.. يعني يختص بالأخبار المهمة، وبشكل عام هذه المصطلحات كانت يعني فيها سهولة عند المتقدمين، لكن المتأخرين أكثروا من المصطلحات والتعريفات والتقسيمات.
ابن حجر عليه رحمه الله.. يعني يذكر كثيراً اختلافات المتأخرين، ويقول أحياناً مثلاً: إن هذا الأمر يخالف الاصطلاح، ويقصد بذلك اصطلاح المتأخرين. وكان الحق يا شباب أن يكون ما جاء عن الأئمة المتقدمين هو الأصل، وأن كل ما جاء بعده يوزن به، لكن في كتب المتأخرين، سواء كتب الأصوليين أو كتب المحدثين التي تناولت علوم الحديث وألفاظ الحديث، يحصل هذا كثيراً أنهم يجعلوا كلام المتأخرين هو الاصطلاح، ويجعلون كلام الأئمة هو الذي يحتاج تأويلاً، وليس صحيحاً.
وابن حجر عليه رحمه الله في كتابه نزهة النظر، أو في كتابه نخبة الفكر.. يعني وقع في شيء من ذلك، أن هو مثلاً ذكر مصطلح الحسن، ومصطلح الصحيح، ومصطلح المنكر، ومصطلح الشاذ، وجعل لها دلالة محددة، مع أن هذه الألفاظ مستعملة في كلام الأئمة بأكثر من دلالة. المهم أن تعلم أنك في أي باب من أبواب العلم ينبغي أن ترجع إلى الأئمة المتقدمين، وأن المتأخرين كان ينبغي عليهم أن يجمعوا ذلك وأن يعملوا عليه، لا أن يعني يخترعوا قسمة غيره ولا أن يخالفوه.
جاء أيضاً في.. من ضمن الشواهد لهذا مثلاً في حديث أشراط الساعة: ساحدث عن أشراطها، أو عن أماراتها، أو في رواية: ساخبرك، أو مثلاً: إن شئت نبأتُك، فهذا أيضاً شاهد على كلمة نبأنا أو أخبرنا.
طيب، في هذا الباب: باب طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم، هذا فيه أيضاً أن الإمام أو العالم بشكل عام يعني يعلم أصحابه بطريقة المناقشه، فيجعل الطالب فعالاً أو متفاعلاً في الدرس، وتكلمنا عن هذا كثيراً.
حدثنا خالد بن مخلد، خالد بن مخلد من أشهر الرواة المتكلم فيهم في صحيح البخاري، وهو يعني صدوق في الجملة. كلمة صدوق يا شباب.. يعني متوسط. كلمة صدوق في لسان المتأخرين بمعنى متوسط، وأنا أذكرها لماذا؟ لأن الحافظ ابن حجر يكثر منها في كتاب تقريب التهذيب، ويعتمد عليه بعض الشباب، فهو راوي متوسط، لكنه يتشيع.. يعني فيه شيء من التشيع، هو مذكور في كتب الضعفاء وله بعض الروايات المنكرة، ولكن البخاري -طبعا هذا هو شيخ البخاري- فالبخاري انتقى له أصح ما عنده، وهذا الحديث.. سنرى أن له يعني طرقاً كثيرة.
قال حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان بن بلال.. طبعا سليمان.. سليمان هذا هو سليمان بن بلال القرشي، وهو من من أقوى الرواة وأرواهم عن يحيى بن سعيد الأنصاري. حدثنا عبد الله بن دينار، هو اللي موجود معنا في الحديث الذي فوقه يا شباب، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، حدثوني» أيضاً هذا هو وجه الشاهد، قال: «فوقع الناس في شجر البوادي»، قال عبد الله: «فوقع في نفسي» سبق معنا هذا، «وقع في نفسي أنها النخله». ثم قال: «حدثنا ما هي رسول الله؟» قال: «هي النخله». هذا باب يعني فيه طرح المسألة على الطالب لينتبه في الدرس.
طيب، أكمل يا وئام.. معانا يا وئام؟ طب أكمل يا محمد. معك شيخنا، معك. تفضل. أنا أتاخر في الكلام فقط شيخنا؛ لأن عندما تتحدث أنت، أنا أغلق الكلام من عندي أتأخر.. طيب، تمام، بارك الله فيك، تفضل. باب ما جاء في العلم وقوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]. القراءة.. القراءة والعرض على المحدث. ورأى الحسن والثوري ومالك: القراءة جائزة. واحتج بعضهم في القراءة على العالم بحديث ضمام بن ثعلبة؛ قال للنبي صلى الله عليه وسلم: آلله أمرك أن تصلي الصلوات؟ قال: «نعم». قال: فهذه قراءة على النبي صلى الله عليه وسلم، أخبر ضمام قومه بذلك فأجازوه، واحتج مالك بالصك يقرا على القوم فيقولون: اشهدنا فلان، اشهدنا فلان، نعم، ويقرا ذلك.. قرأ.. ويقرا.. ويقرا ذلك قراءة عليهم، ويقرا على المقرئ.
فيقول القارئ: أقرأني فلان.
أكمل: حدثنا محمد بن سلام، حدثنا محمد بن الحسن الواسطي، عن عوف، عن الحسن قال: لا باس بالقراءة على العالم. نعم، أكمل، أكمل، آثار هذه آثار إقراء، نعم، نعم، وحدثنا عبيد الله بن موسى عن سفيان قال: إذا قرئ على المحدث فلا باس أن تقول حدثني، فلا باس أن تقول حدثني. قال: وسمعت أبا عاصم يقول عن مالك وسفيان: القراءة على العالم وقراءته سواء. حدثنا عبد الله بن يوسف قال: حدثنا الليث عن سعيد.
نقف هنا قبل الدخول في الحديث. البخاري رحمه الله يا شباب لما بين الصورة الأولى؛ وهي أن يحدث المعلم ويتلقى الطالب، ثم يخبر الطالب عن الحديث بحدثني أو سمعت أو أنبأنا أو أخبرنا، ذكر صورة أخرى وقع فيها خلاف يسير؛ يعني خلاف قليل عند المتقدمين، وهي القراءة على الشيخ، يعني أن يقرأ طالب على الشيخ والشيخ يسمع، يعني إما أن تكون أنت الذي تقرا أو يقرا غيرك وأنت تسمع، فأنت تقول: قرات على فلان، ويحدث هذا كثيرا عن مالك عليه رحمه الله، أو مثلا قراءة عليه، فيبقى أنت عندك هنا طريقة التلقي هي أن الشيخ يكون حافظا لحديثه وأنت تقرا عليه حديثه، أو يمسك أصله في يده؛ يعني إذا لم يكن حافظا وأنت تقرا أو غيرك يقرا.
طيب، ماذا تعبر عن هذا؟ هل تعبر عنها؟ يبقى إحنا عندنا مسألتين هنا: المسألة الأولى: طريقة التلقي؛ وهي القراءة على الشيخ أو يقرا غيرك. طيب، والأمر الثاني أو المسألة الثانية: ماذا تقول في هذا؟ هل تقول سمعت؟ أو تقول أخبرنا؟ أو تقول أنبأنا أو حدثنا؟ هذه المسألة الثانية.
فبالنسبة للمسألة الأولى؛ فالقراءة على الشيخ صحيحة ومتصلة ومعتبرة، وهي بمنزلة السماع، ولكن لها الشروط السابقة. يعني في طبعا الشروط يا شباب، الشروط حتى يصح السماع من شيخ لابد أن يصح الإسناد إلى الراوي الذي صرح بالسماع، ولابد من ثقة الراوي. وكذلك القراءة على الشيخ لابد أن يكون الشيخ حافظا متقنا، وأن يكون حافظا لحديثه أو يمسك أصله في كتابه. ونقل الترمذي رحمه الله أن هذا بمنزلة السماع، أنها بمنزلة السماع عند أهل الحديث، كما في علل الترمذي. له بعض الرواية يصرح بالطريقة التي تناول بها الحديث ليعلم، فيقول مثلا: قرأ عليه، أو قرات على مالك مثلا. فهذا عن حكمها وعن التعبير عنها.
فالبخاري رحمه الله قال: باب ما جاء في العلم، وقال الله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]. قال القراءة -طبعا سبق الكلام على هذه الآية- قال: القراءة والعرض على المحدث. يبقى هذه هذه يا شباب وحدها نجعلها بين قوسين: القراءة، يعني باب ما جاء في العلم والقراءة والعرض على المحدث. وراى الحسن والثوري ومالك: القراءة جائزة.
طبعا هو يرد بهذا الباب على من لم يعتبر الرواية إلا ما سمع من الشيخ، يبقى البخاري هنا يؤسس ويرد. والعرض يعارض به الطالب أصل شيخه، يعني يكون الشيخ معه أصل الكتاب يعني أو مع غيره بحضره الشيخ وهو يعارضه، يعني يقرا، ولا يكون العرض إلا بقراءة، لابد أن هو يقرا على المحدث. قال: وراى الحسن والثوري ومالك (حسن البصري والثوري سفيان بن سعيد الثوري ومالك طبعا مالك بن انس)، يبقى إحنا نقيد هؤلاء يا شباب أنهم من الأئمة المعتبرين. طبعا ذكر قبلهم ابن عيينة، فأئمة العلم المعتبرون يذكرهم البخاري كثيرا تحت المسائل الحديثية.
قال: واحتج بعضهم في القراءة على العالم بحديث ضمام بن ثعلبة قال للنبي صلى الله عليه وسلم: الله أمرك أن نصلي الصلوات... إلى آخر ذلك. هذا الأثر أخرجه البيهقي في معرفة السنن والآثار من طريق ابن خزيمة قال: سمعت البخاري -ابن خزيمة المعروف صاحب الصحيح- سمعت البخاري يقول: قال أبو سعيد الحداد: عندي خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم في القراءة على العالم، فذكر حديث ضمام: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم. والترمذي كذلك عقب على هذا الحديث، قال: سمعت البخاري يقول: قال بعض أهل الحديث: فقه هذا الحديث أن القراءة على العالم والعرض عليه جائز. يبقى هذا إسناد هذا الخبر، وطبعا سياتي معنا.
قال البخاري: واحتج بعضهم في القراءة على العالم بحديث ضمام بن ثعلبة، هذا الحديث سييسده البخاري الآن يا شباب، قال للنبي صلى الله عليه وسلم: الله أمرك أن نصلي الصلوات؟ قال: نعم. قال: فهذه قراءة على النبي صلى الله عليه وسلم، أخبر ضمام قومه بذلك فأجازوه. كلمة فأجازوه يعني قبل قومه هذه الرواية عنه. طبعا كلمة أجازوه هذه لم تأتي في نص الرواية هنا، ولكنها وردت في بعض طرق الحديث.
فإذا وجه استدلال هذا الرجل الذي استشهد به البخاري، اللي هو أبو سعيد الحداد، أن الرجل اللي هو ضمام قرا على النبي صلى الله عليه وسلم، يعني قال له: الله أمرك بهذا؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: نعم. هذا بالضبط ما يحصل في القراءة على الشيخ؛ يأتي مثلا شخص يقرا على مالك كتابه الموطا ومالك يقر، فهذه بالضبط هي القراءة على الشيخ، هذا هو العرض. واضح؟
قال: واحتج مالك بالصك، الصك اللي هو كتاب جمعه سكاك أو سكوك. واحتج مالك بالصك يقرا على القوم فيقولون: اشهدنا فلان، ويقرا ذلك قراءه عليهم. طبعا وجه الشاهد أن الصك هذا يكون كتاب مكتوب، ثم يقراه الشخص فكانه تكلم به، وهو نفسه مثل القراءه على الشيخ، فيقولون: اشهدنا فلان، ويقرا ذلك قراءة عليهم.
ويقرأ على المقرئ، فيقول -يعني هذا في القرآن- فيقول القارئ: أقراني فلان. مالك لما سئل عن الكتب التي تعرض عليه، هذا موجود في كتاب الكفاية للخطيب البغدادي، يعني مالك رحمه الله كان يقرا عليه كتبه، فيقول له الطالب: أيقول الرجل عنك حدثني؟ قال: نعم. كذلك القرآن أنت مثلا يعني تقول: أقراني الشيخ فلان، مع أن الشيخ هذا سمع منك ولم يقرا هو.
فأيضا الحاكم روى في كتاب علوم الحديث من طريق مطرف قال: صحبت مالكا سبعة عشر سنة، فما رايته قرأ الموطا على أحد، بل يقراون عليه، وسمعته يأبى أشد الإباء على من يقول: لا يجزئه إلا السماع من لفظ الشيخ. يقول: كيف لا يجزئه في الحديث ويجزئه في القرآن، والقرآن أعظم؟! الإمام مالك يا شباب كان ينكر على من يقول لا يصح الرواية إلا إذا حدثك المحدث من لسانه أو بكلامه.
وعموما يا شباب هذا الخلاف يعني قليل جدا، يعني لم يكن منتشرا، وعامة العلماء على تثبيت هذا الأمر، وأنه يعني مثل السماع. وروي عن أبي عبيد: القراءة علي اثبت وأفهم لي من أن أطول القراءة أنا. والخلاصه أن القراءة على الشيخ والسماع منه سواء، بشرط أن يكون الشيخ حافظا لحديثه أو يمسك أصل كتابه.
طيب هنا بقى البخاري يا شباب سيسند هذه الآثار؛ وهو ذكر عن الحسن والثوري ومالك سيسند هذه الآثار، وهذا فيه فائدة أن البخاري قد يسند بعض الآثار. عندي الرجل في نسختي، اللي هي نسخة دار التاصيل، أعطى هذا الاحاديث أرقاما، وأنا في رأيي هذا ليس صحيحا، الصواب أن هذه الآثار لا تاخذ أرقاما؛ لأنها ليست أحاديث على شرط الكتاب، شرط الكتاب أن يكون حديثا مسندا مرفوعا، إنما هذه الآثار ربما اسندها لأهميتها، لكن عندي أعطاها عندي رقم ثلاثة وستين.
قال: حدثنا محمد بن السلام، اللي هو البيكندي، حدثنا محمد بن الحسن، اللي هو ابن عمران الواسطي، أصله شامي، عن عوف -عوف بن أبي جميلة الأعرابي- عن الحسن. أبا عوف مكثر عن الحسن البصري قال: لا باس بالقراءة على العالم. طبعا هذا الأثر يا شباب مختصر تماما. هذا الأثر كالتالي: أن عوف ذكر أن رجلا سال الحسن: يا أبا سعيد، منزلي بعيد والاختلاف يشق علي (مش هقدر أجيبك كل شويه للدرس خلاص)، فإن لم تكن ترى بالقراءة باسا قرات عليك. قال الحسن: ما أبالي قرأت عليك أو قرأت علي. قال: أأقول حدثني؟ قال الحسن: نعم. وهذا روي من طرق أخرى.
يبقى يا شباب، يبقى لاحظ أن البخاري اختصر هذا الأثر، والبخاري يفعل ذلك في الاحاديث والآثار؛ لأن الأثر هذا طويل لكن البخاري اختصره. قال الحسن: لا باس بالقراءة على العالم. فالحسن هذا له قصة استخلص منها البخاري هذا المعنى.
قال البخاري: واخبرنا محمد بن يوسف، لا هذا الفبري اللي هو كاتب راوي هذا الكتاب عن البخاري، واخبرنا محمد بن يوسف الفربري، وحدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى. شوف عندنا في النسخ قول: أخبرنا إلى قوله البخاري ليس عند، طبعا في بعض النسخ مش موجود فيها هذا النعم. في بعض النسخ مش موجود فيها كلمة واخبرنا محمد بن يوسف وحدثنا محمد بن إسماعيل، يعني أولها حدثنا عبيد الله بن موسى.
طبعا عبيد الله بن موسى سبق الكلام عنه، ومتكلم فيه يعني، الثوري كان يستصغر في الثوري، ولكن هذا الحديث هذا تابعه عليه أبو عاصم، وهو عموما أثر من الآثار؛ يعني ليس حديثا مرفوعا. عبيد الله بن موسى طبعا ذكرنا أنه كان يعني مفرطا في التشيع، وذكرنا أنه من كبار شيوخ البخاري سنا وأنه ثقه عموما، ولكن أنكر عليه بدعته، وأنكر عليه روايته عن الثوري.
قال: حدثنا عبيد الله بن موسى عن سفيان -طبعا سفيان الثوري- قال: إذا قرئ على المحدث فلا باس أن يقول حدثني. يبقى الآن نحن نتكلم عن حكم هذا وعن الصيغة التي يذكرها، يبقى هذا فيه جواز القراءة وجواز استعمال لفظ حدثني، واضح التسويه بين السماع والقراءة عليه.
قال -اللي هو البخاري-: وسمعت أبا عاصم -اللي هو أبو عاصم النبيل، الضحاك بن مخلد الشيباني، أحد أكبر شيوخ البخاري، وسياتي في روايات كثيرة أن هو يصل به البخاري إلى التابعين- يقول: سمعت أبا عاصم يقول عن مالك وسفيان (طبعا سفيان الثوري): القراءة على العالم وقراءته سواء، يعني كلاهما بنفس المعنى.
طيب اتفضل يا وئام كمل.
حدثنا عبد الله بن يوسف قال: حدثنا الليث عن سعيد -هو المقبري- عن شريك -شريك بن عبد الله بن أبي نمر- أنه سمع انس بن مالك يقول: بينما نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟ والنبي صلى الله عليه وسلم متكئ بين ظهرانيهم أو بين ظهرانيهم. فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ. فقال له الرجل: ابن عبد المطلب. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قد أجبتك. - بصيغة السؤال يا وئام: ابن عبد المطلب؟ - نعم شيخ. - نعم، ابن عبد المطلب. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قد أجبتك. فقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إني سائلك فمشدد عليك في المسالة فلا تجد علي في نفسك. فقال: سل عما بد لك. فقال: أسالك بربك ورب من قبلك أو ورب من قبلك: الله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: اللهم نعم. قال: أنشدك بالله: الله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: اللهم نعم. قال: أنشدك بالله: الله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: اللهم نعم. قال: أنشدك بالله: الله أمرك أن تاخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسم على فقرائنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم نعم. فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر. رواه موسى وعلي بن عبد الحميد عن سليمان عن ثابت عن انس عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا.
تمام، بارك الله فيك. نلاحظ يا شباب أن البخاري عليه رحمه الله بدا في هذا الباب، هو طبعا يتكلم عن ماذا في هذا الباب؟ مهم جدا أن تعرف ما فائدة هذا الباب لتعرف لماذا ساق تحته هذه الاحاديث والآثار. في هذا الباب يتكلم عن القراءة والعرض على المحدث؛ أن الطالب يقرا والمحدث يقر, واضح؟ أو يعرض عليه الحديث والمحدث يقر, فهل هذا يكون بمنزلة السماع؟ واضح؟
فبعد ما ذكر الآثار الصريحة -وطبعا قدمها لأنها أسرع، لأن الحديث هذا ليس صريحا وإنما يستنبط منه- يبقى عندك فائدة هنا أن البخاري قد يقدم الأثر على الحديث؛ الأثر يا شباب يعني الآثار عن الصحابة أو عن التابعين أو عن من أو عن أهل العلم، البخاري قد يقدم الآثار على الأحاديث إذا كانت الآثار أسرع، وقد يقدم الحديث على الآية إذا كان الحديث أسرع.
فالاعتبار هنا يا شباب ليس بقوه الحجة من جهة الثبوت -طبعا القرآن أعظم والسنة أعظم من الآثار- ولكن الكلام هنا عن الأصح فالأصح في الدلالة يقدم إذا كان الجميع في حيز الحجة. ولما كان البخاري يتكلم عن مسائل الحديث فإنه ذكر أئمة هذا العلم الذين لهم اعتناء بالرواية وضبطها والتثبت فيها، وهم مرضيون عند أهل العلم، ذكر ابن عيينة وذكر الحسن وذكر الثوري ومالك، فهم اهل العلم وأهل العبادة، فهم مشهورون بذلك.
ثم بعد ذلك ذكر ما يمكن أن يستنبط منه، وسبحان الله يا شباب هذا من أمانة البخاري عليه رحمه الله أنه أسند الفائدة إلى أصحابها، يعني قال: واحتج بعضهم في القراءة على العالم بحديث ضمام، لم ينسب ذلك إلى نفسه لأنه.
استفاد ذلك من غيره، وهذا فيه أن طالب العلم يسند الفائدة لاسيما إذا كانت فائدة عزيزة، يسندها إلى أصحابها، فذلك من أمانة العلم، فإن الإسناد من الدين.
ثم ذكر البخاري هذا الحديث وأسنده، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف -طبعا عبد الله بن يوسف التنيسي تكلمنا عنه قبل ذلك- قال: حدثنا الليث -الليث بن سعد- عن سعيد -اللي هو سعيد المقبري- عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر.
شريك بن عبد الله بن أبي نمر هذا من جملة الثقات، لكنه متكلم فيه، وسيأتي حديث أنكر عليه انكاراً شديداً، هو موجود عند البخاري والامام مسلم نفسه أنكره في صحيحه، اللي هو حديث المعراج، انفرد فيه شريك بن عبد الله بألفاظ لم يتابع عليها، وهذا الحديث عند مسلم ياتينا إن شاء الله في هذا الكتاب ونعلق عليه في وقتها إن شاء الله.
قال: عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر أنه سمع أنس بن مالك -طبعا في بعض طرق الحديث أن أنس بن مالك قال: نهينا في القرآن أن نسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يعجبنا- طبعا هذه الرواية تحتاج تثبيتاً لأن يعني هي موضع نقد، لكن أنا أذكرها ليعلم هذا الحديث يعني أو يعلم بعض طرقه.
قال أنس: نهينا في القرآن أن نسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل -وفي رواية: كان من الأعراب، وفي رواية أقصى: كان الأعراب أجرأ منا- ولعله كان يقصد يعني على فرض صحة هذه الرواية اللي هي «لا تسألوا عن أشياء تبد لكم» اللي هي في سورة المائدة.
وطبعا هذا استدل به بعضهم على أمور في الحديث، لأن النبي صلى الله عليه وسلم هنا لم يذكر له الحج، فطبعا هذا الحديث له فقه، لكن طبعا يأتي في موضعه إن شاء الله، فقط نتناول منه هنا ما يخص الإسناد والمتن.
أنه سمع أنس بن مالك يقول: بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم -طبعا شريك ليس من أكبر الرواة عن أنس، أكبر الرواة عن أنس يعني عبد العزيز بن صهيب وقتادة والزهري وثابت البناني طبعا وحميد الطويل، فشريك ليس من الكبار عن أنس، لكن جاءت رواية فيها متابعة من ثابت لشريك، ولكن هذه المتابعة أيضاً متكلم فيها سنذكرها إن شاء الله.
قال: بينما نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله، عقله: ربطه، يعني يبقى دخل الرجل النبي صلى الله عليه وسلم طبعا في المسجد -مسجد النبي صلى الله عليه وسلم- فقال ثم قال لهم: أيكم محمد؟
وهذا شباب يعني لو أنت تتبعت الأحاديث ستجد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يتميز عن أصحابه، كان النبي صلى الله عليه وسلم يخفض جناحه للمؤمنين، وهكذا ينبغي أن يكون العالم أو طالب العلم لابد ألا تطلب التميز عن الناس أو تصطنع يعني ذلك، أو لا تظن أن الوقار يكون بتجاهل الناس أو بالترفع عنهم أو بالتعالي أو بأن تميز عنهم في لباس أو في طريقة كلام.
لا، الوقار شيء يجعله الله لك في قلوب العباد، ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾ [الحج: 18]، وهذا الحديث والله حجة على كل من يطلب التميز على الناس يقول: ينبغي للعالم أو الطالب يتميز على الناس بزي أو طريقة جلسوس أو نحو ذلك.
ليس هناك شيء يتميز به الإنسان إلا التقوى، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]، وكما قال ابن تيمية رحمه الله: كم من قديس في قباء -وقباء اللي هو لبس الأعاجم- بيقول: في إنسان بسيط ممكن يكون لابس لبس العمال وهو من أولياء الله الصالحين رجل صالح متقي لله، وربما يكون شخص في زي العلماء أو في زي المؤسسات الرسمية العلمية وهو من أفجر الناس يبيع دينه بعرض من الدنيا.
فأنا عن نفسي لا أحب أن يتعمد أهل العلم التميز على الناس في طريقة الكلام أو في اللباس أو في المجلس أو التعالي على الناس، أكره ذلك جداً، وأحب أن يكون الإنسان يهتدي بهدي النبي صلى الله عليه وسلم فهو خير الهدي، أحسن الناس هدياً في التعلم والتعليم نبينا صلى الله عليه وسلم.
فكل من اخترع طريقة وادعى أنها الأليق بطلبه العلم أو بالعلماء ولم يكن عليها النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة فيها محدثه ينبغي أن ترد، لا أن يطبع معها وأن تجعل هي الأصل، النبي صلى الله عليه وسلم كان يخفض جناحه للناس.
يدخل الرجل يقول: أيكم محمد؟ قال: والنبي متكئ بين ظهرانيهم -لم يتميز عنهم- فقلنا: هذا -يعني هذا الرجل الأبيض المتكئ- طبعا لا يقصد الأبيض صرفاً، النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن أبيض صرفاً صلى الله عليه وسلم.
فقال له الرجل: ابن عبد المطلب، هذا فيه يعني جفاء الأعراب، يعني المفروض كان يعني يوقر النبي صلى الله عليه وسلم لأن الله تبارك وتعالى قال: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ [النور: 63]، ولا ترفعوا أصواتكم، ولكن يبدو أنه لم يكن عالماً بذلك.
قال: ابن عبد المطلب؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «قد أجبتك»، هذا هو موضع الشاهد يا شباب، هذا هو موضع الشاهد.
طبعا هذا الحديث يا شباب لن يتكرر معنا في البخاري، هو له فقط هذا الموضع، وهو موجود عند غيره موجود في مسلم طرق كثيرة لهذا الحديث، وطبعا البخاري أخرج ما يغني عنه، البخاري أخرج ما يغني عن هذا الحديث في مواضعه سواء في الصلاة أو في الصدقة أو في الزكاه أو غير ذلك.
قال: «قد أجبتك»، هذا موضع الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم أقره، فقال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد -تجد يعني لا تغضب، لأن الوجد مثلاً وجد يعني كلمة وجد إما بمعنى غضب أو ألف، وجد الشيء وجدتك مثلاً وجدتك في المنزل وجدت كتاباً، أو وجد بمعنى الغضب وهذا يعني الغضب يكون موجدة، إنما الآخر اسمه وجود- لا تجد علي، لا تغضب يعني تجد علي في نفسك.
فقال: «سل عما بدلك».
فقال: إن أسألك بربك وربي من قبلك: آلله أرسلك؟ شوف هذا السؤال: آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ أرسلك؟ هذا السؤال، والى الناس كلهم؟ سؤال آخر، لأن بعض الأنبياء كان يرسل، أو كل الأنبياء كان يرسل إلى قومه خاصة.
فقال: «اللهم نعم»، هذا هو الشاهد أيضاً، اللهم نعم أنه أقره.
قال: أنشدك بالله: آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟
قال: «اللهم نعم»، هذا أيضاً وجه.
قال: أنشدك بالله: آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟
قال: «اللهم نعم».
قال: أنشدك بالله: آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائهم فتقسم على فقرائنا؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم نعم».
فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي، وأنا الرسول من ورائي، أيضاً هذا معناه أنه سيتحمل تلك الرواية ويؤديها إلى من بعده، واضح؟ وهذا بالضبط ما يفعله الطالب، أن الطالب يقرأ على الشيخ ويقله الشيخ ثم يذهب يحدث يقول لهم: حدثني الشيخ كذا أو قرات عليه كذا، وأنا رسول من ورائي هذا فيه التحمل والأداء من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر.
قال البخاري: رواه موسى -طبعا موسى بن اسماعيل التبوذكي، وطبعا هو شيخ البخاري، وجاء في بعض الروايات أن البخاري أسند هذه الرواية- يعني إيه؟ قال: حدثنا التبوذكي وعلي بن عبد الحميد أيضاً، علي بن عبد الحميد هذا شيخ البخاري، علي بن عبد الحميد ليس له في البخاري إلا هذا الموضع وهو ثقة وهو مشهور بال هو كوفي طبعا مشهور بلقب المعني.
الإمام الترمذي أسند هذا الحديث عن البخاري عن علي بن عبد الحميد هذا، قال: رواه -قال البخاري رواه موسى اللي هو التبوذكي وعلي بن عبد الحميد- عن سليمان عن ثابت، طبعا سليمان هذا سليمان بن المغيرة، طبعا سليمان بن المغيرة ليس على شرط البخاري، أخرج لها البخاري معلقاً ومقروناً وإن كان من جملة الثقات، عن ثابت اللي هو ثابت البناني عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم.
هذا الحديث يا شباب لابد أن نقف معه وقفة لنعرف فقه البخاري عليه رحمه الله في اختيار الروايات، وأنا رسمت لكم خريطة هذا الحديث وإن شاء الله ساضعه لكم في الصفحة التي نتدارس عليها لأن في صفحة خاصة للمدارسة.
شوفوا يا شباب، هذا الحديث بدايه البخاري خرجه من رواية الليث عن سعيد المقبري عن شريك بن أبي نمر عن أنس.
طب هذا الحديث يا شباب خلينا نتصوره كده، سعيد المقبري لما رواه اختلف عليه، تمام؟ رواه عبيد الله بن عمر وعبد الله بن عمر -طبعا عبد الله دول إخوات- تمام، والضحاك بن عثمان رووه عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، تمام؟
الليث بقى خالف هؤلاء كلهم، فرواه عن سعيد عن شريك بن أبي نمر عن أنس.
الإمام مسلم لم يخرج كل هذه الروايات، لم يخرجها مسلم لماذا يا شباب؟ لأنه وجد فيها خلافا، لأن الليث خالف كل هؤلاء، فكان الإمام مسلم راى أن هذه الرواية مضطربة فلم يخرج منها أي رواية، تمام؟
والنسائي رحمه الله لما خرج الروايتين -يعني خرج الرواية اللي هي رواية الثلاثة ورواية الليث- فعل كما أشار إلى رواية الليث وأشار إلى خلاف عبيد الله بن عمر له، طبعا عبيد الله بن عمر من الثقات الحفاظ وابن منده كذلك في كتاب الإمام ذكر طريق الضحاك بن عثمان عن سعيد عن أبي هريرة، تمام؟
وهذه الطريقة -بس يا رب تركزوا معايا يا شباب عشان أنا عارف الناس منكم اللي ما درسو حديث سيكون هذا الكلام صعباً عليهم، أنا أحاول أفهمكم الفكرة بالراحة- هذا الحديث يا شباب حصل فيه خلاف كبير، بعض هذا الخلاف جعل الإمام مسلم لا يخرجه، يعني هذا الخلاف جعل الإمام مسلم لا يخرج هذه الرواية التي خرجها البخاري، لكن الإمام مسلم خرج حديث ضمام من رواية ثابت عن أنس.
نحن الأول هنتكلم عن رواية سعيد المقبري عن أبي هريرة أو عن شريك عن أنس، خلينا في الأول دي، لو لو كان ممكن حد يضع لكم صورة الخارطة بس مش عارف كيف تنظرون إليه وأنتم تستمعون إلى الدرس، طيب إن شاء الله أضعها لكم بعد الدرس.
الإمام مسلم لم يخرج هذه الروايات، الإمام النسائي خرج الروايتين، والامام البخاري خرج فقط رواية الليث عن سعيد عن شريك بن أبي نمر عن أنس لأنها هي الأصح.
فعايز أقول أن هذه الرواية اختلف فيها والصواب هي رواية الليث وأبو حاتم وهم رواية الضحاك بن عثمان عن سعيد عن أبي هريرة، والبخاري عليه رحمه الله واضح أن هو رجح رواية الليث، وكذلك الدارقطني رجح رواية الليث ووهم كل الروايات الباقية عن سعيد المقبري، تمام يا شباب؟
طيب عندنا فائدة يا شباب هنا لا أستطيع أن أفلتها، وهي أن في حاجة اسمها يا شباب طريق الجادة، طريق الجادة يعني إيه؟ يعني في طريق بتكون محفوظة ومعروفة للحديث، مثلاً ابن المنكدر عن جابر ماشي، ثابت البناني عن أنس، سعيد المقبري عن أبي هريرة، روايات معروفة لها سكة معروفة، فكثير من الرواه يخطئ في الروايات فيسلك الجادة، يعني يعمل إيه؟ يعني تكون الرواية مثلاً ليست على الجادة، يعني تكون الرواية مثلاً مختلفة، مثلاً ابن المنكدر مثلاً عن أبي هريرة، فالراوي لكونه متعود على ابن المنكدر عن جابر فيقول إيه: ابن المنكدر عن جابر فيكون هذا خطأ.
فكثيراً ما يستدل العلماء على خطأ الراوي بأنه سلك الجادة، يعني أنه اتبع الطريقة المحفوظة، أضرب لك مثال: تصور أن أنا دائماً مثلاً بسمع من شيخ اسمه مثلاً محمد علي مثلاً، كل مرة أقول لك حدثني محمد علي حدثني محمد علي، وفي مرة من المرات قلت: حدثني محمد بن خالد مثلاً، فمحمد بن خالد هذه ليست هي الطريق المحفوظة التي دائماً أتكلم عنها، فيأتي بعض الرواة يخطئون فيقول أيضاً: حدثني محمد علي بن علي وهذا خطأ.
فصوب البخاري رجح رواية الليث التي تخالف هذا، اللي هي رواية الليث عن سعيد المقبري عن شريك عن أنس، واضح يا شباب؟ فهذا فيه فائدة.
الفائدة الثانية يا شباب: أنه ليس مجرد الاختلاف في الرواية يجعل الرواية مضطربة، فالإمام البخاري عليه رحمه الله صحح هذه الرواية مع أنه خالفه فيها ثقات، وكذلك أبو حاتم ضعف الرواية الأخرى والدارقطني، فليس مجرد وجود الاختلاف في الرواية يجعلها مضطربة أو يجعلنا نصحح كل الطرق، لا، قد نرجح بعض الطرق على بعض.
طيب، ناتي بقى ليه كيف دعم البخاري رواية شريك؟ طبعا شريك متكلم في حفظه يا شباب، شريك متكلم في حفظه، والليث خالف في هذه الرواية، طبعا عارف أن في ناس منكم دماغها متصدع دلوقتي لأنهم لم يدرسوا معنا في علوم الحديث فحسوا أنني أتحدث في الفيزياء أو الكيمياء.
فخلينا نكلم دلوقتي الناس اللي هي فاهمه معانا في الموضوع. دلوقتي يا شباب، نحن عندنا هذا الحديث بالنسبه للبخاري يحتاج أن يحميه وأن يدافع عنه؛ ليه؟ لأن أولاً: الليث بن سعد خولف في هذا الحديث. ليث بن سعد عندنا: البخاري روى الحديث عن عبد الله بن يوسف عن الليث عن سعيد المقبري عن شريك عن أنس. فالامام البخاري يريد دفع هذا الإشكال؛ عشان ما تتصورش أنه أخطأ في الرواية.
طيب، يبقى الليث خالف هؤلاء الثقات. البخاري -طبعا- الليث هو أوثق الرواة عن سعيد المقبري، دي أول سبب جعل البخاري يقدم روايته. اثنان: أن هذه الرواية تخالف الجادة. ثلاثة: الشاهد الذي ذكره البخاري، قال: رواه موسى -اللي هو موسى بن إسماعيل التبوذكي- وعلي بن عبد الحميد، هذان الاثنان رويا هذا الحديث عن سليمان بن المغيرة، وهو من الثقات الحفاظ، عن ثابت البناني عن أنس، فهذا فيه شاهد -ركزوا معي- فيه شاهد على أن هذا الحديث له أصل عن أنس بن مالك. تمام كده؟
طيب جميل، بس هنا بقى فيه مشكلة في الرواية الثانية دي، عايزك تركز معي فيها. هذه الرواية الثانية رواها ثابت البناني واختلف عليه؛ يعني الرواة اختلفوا عليه. رواها سليمان بن المغيرة، وروى عنه جمع؛ روى عنه التبوذكي وعلي بن عبد الحميد وهاشم بن القاسم وبهز، كل دول، وطبعا هذه الأحاديث موجودة عند البخاري تعليقاً وعند الترمذي وموجودة عند الإمام مسلم. كل هؤلاء رووا -يعني اللي هو التبوذكي وعلي بن عبد الحميد وهاشم وبهز- رووا عن سليمان عن ثابت عن أنس.
لكن حماد بن سلمة -ذكر الدارقطني أنه- روى هذا الحديث عن ثابت البناني مرسلاً، والامام الدارقطني رجح رواية حماد بن سلمة وخطأ كل الروايات الأخرى، اللي هي طبعا رواية سليمان بن المغيرة. ده موجود في علل الدارقطني، وذكر أن حماد بن سلمة أوثق الرواة عن ثابت، وهو بالفعل كذلك. بس ركزوا بقى معي؛ إذن الدارقطني يخطئ هذه الرواية التي استشهد بها البخاري، لكن البخاري لا يراها خطأ؛ البخاري يرى أن هذه الرواية من جملة الشواهد التي تؤكد صحة هذا الحديث عن أنس بن مالك.
طبعا البخاري لماذا علقها؟ ركز بقى في السؤال ده، ما واحد يقول: طيب ما هو البخاري أصلاً عنده هذا الحديث مسند؛ يعني عنده رواية موسى التبوذكي -ثقة ثبت حافظ- وعلي بن عبد الحميد -ثقة- الاثنين رووا عن سليمان بن المغيرة -وهو ثقة- عن ثابت البناني عن أنس. طب لماذا لم يسندها البخاري؟ لماذا ساقها البخاري تعليقاً؟ لعلم البخاري بهذا الخلاف، وإن كان ذكر ابن حجر أنه في بعض الروايات أن البخاري أسندها، لكن الأقرب أن البخاري لم يسندها -لماذا يا شباب؟- لأن البخاري علقها لعلمه بوجود الخلاف فيها. والبخاري إذا وجد خلافاً قوياً في الرواية لا يصرح بها ولا يسندها، ولكن يجعلها من جملة المرجحات.
واضح يا شباب؟ وهذا يؤكد فقه الإمام البخاري. والله يا شباب الواقع -يعني أنا قبل أن أدرس البخاري بهذه الطريقة- كنت أحب البخاري؛ حبي أن رجل نقل الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وانتهى الأمر. لكن لما قرأت هذا الكتاب -قبل مثلاً سنوات طويله مع الشباب- بدأت أحبه أكثر، وأعرف فقهه في هذا الكتاب، لما طبقت علوم الحديث على هذه الروايات وجمعت أطراف الروايات، وجدت أن هذا الرجل -يعني- علمه الذي لم يبثه في هذا الكتاب أكثر وأعظم مما بثه.
يعني إيه يا شباب؟ يعني هذه الروايات التي تقرأها أنت في سطر واحد خلفها تعب ومجهود وجمع للروايات وانتخاب لأحسن الروايات. لا ينطق هو بهذه الامور، ينبغي نحن أن نتلمس هذا. شوف كلمة -يعني- تعرف لماذا البخاري مثلاً اختر تلك الرواية مع أن هذا الحديث مثلاً له أكثر من عشرين طريقاً مثلاً؟ من عشرين طريق، لماذا يختار هذه الروايات بالذات؟ ولماذا يذكر -مع أنه عنده روايتان: رواية مثلاً ثابت عن أنس ورواية شريك- لماذا مع أن شريك أقل علما من أنس وأقل ضبطاً -أقصد أقل علماً من ثابت وأقل ضبطاً له منه- لماذا قدم روايته وأسندها وعلق رواية ثابت؟ لوقوع الشك في رواية ثابت.
فلذلك يا شباب، طالب العلم كلما كان عنده أرضية في العلوم التي يتناولها الكتاب، يستطيع أن يستنطق هذا الكتاب ليعرف فقه مؤلفه من جهة، ويستخرج الفوائد من جهة أخرى. ألخص ما تقدم يا شباب باختصار: هذا الحديث اختار البخاري -طبعا الحديث هذا لم يكرره البخاري إلا في هذا الموضع، ليس له وجود إلا في هذا الموضع، واضح؟- فالبخاري رحمه الله ذكر هذا الحديث هنا، لماذا؟ ركزوا بس عشان ده كمان دقيق، لم يذكره ليستدل به على ما تضمنه الحديث من مثلاً وجوب الصلوات أو الزكاة ونحو ذلك. لا، ذكره على معنى واحد وهو: القراءة على الشيخ، أو العرض على الشيخ. تمام، هذا أول أمر.
الامر الثاني: اختار له رواية الليث عن سعيد عن شريك عن أنس، ورجح هذه الرواية على غيرها، وطبعا شاركه في هذا الترجيح أبو حاتم والدارقطني -طبعا الدارقطني متأخر عن البخاري-. وكذلك استدل أو عضد هذا برواية أخرى لم يسندها لكن فيها خلاف. واضح يا شباب؟
طبعا الإمام مسلم رحمه الله حاول أن يهرب من هذا الخلاف في رواية سعيد المقبري، لكنه أيضا -يعني- ينتقد عليه أن حماد بن سلمة خالف سليمان بن المغيرة. طبعا الإمام مسلم خرج رواية مين؟ خرج رواية عمرو الناقد عن هاشم بن القاسم، وكذلك خرج من رواية بهز، خرجها من رواية بهز عن ابن المغيرة، وهرب من رواية مين؟ من رواية الليث عن سعيد المقبري باعتبار أن فيها خلافاً. لكنها كذلك -هذه الرواية- محل نقد باعتبار أن حمادا خالف ثابتاً، حماد -أقصد- خالف سليمان بن المغيرة. معلش، أنا -يعني- عارف أن بعض الطلبة سيجد أن هذه مشكلة عند -يعني- مش هيفهم، أنا عارف أن بعض الشباب مش هيفهم، لكن أنا أُحاول أشرح للطلاب الذين حضروا معنا في دروس الحديث.
باختصار يا شباب، هذا في رأي من أجمل الأمثلة التي تبين لك فقه البخاري فيما أسند وفيما علق وفيما ذكر من الروايات وفيما ترك ولماذا لم يكرر بعض الروايات في كتابه. خليني أراجع كده لأنني متاكد أن هذا الحديث لم يخرجه البخاري في أي موضع آخر، ولكن خليني أتاكد أيضا من -أتاكد أكثر-. نعم، بالفعل لم يذكره البخاري في أي موضع من كتابه إلا هذا الموضع. والبخاري لما أراد أن يستدل على الآيات وعلى الصلاة وغيرها، ذكر أحاديث أخرى كما مر معنا في حديث وفد عبد القيس، وسياتي إن شاء الله. وهذا يا شباب فقه عزيز جداً.
طيب، أكمل يا وئام.
باب ما يذكر في المناوله وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان. وقال أنس: نسخ عثمان المصاحف فبعث بها إلى الآفاق. وراى عبد الله بن عمر ويحيى بن سعيد ومالك ذلك جائزاً. واحتج بعض أهل الحجاز في المناولة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث كتب لأمير السرية كتاباً وقال: «لا تقراه حتى تبلغ مكان كذا وكذا». فلما بلغ ذلك المكان قراه على الناس وأخبرهم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم.
حدثنا إسماعيل بن عبد الله قال: حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبه بن مسعود أن عبد الله بن عباس أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بكتابه رجلاً وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قراه مزقه. فحسبت أن ابن المسيب قال: فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمزقوا كل ممزق.
ماشي، أكمل.
حدثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن قال: أخبرنا عبد الله قال: أخبرنا شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك قال: كتب النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً أو أراد أن يكتب، فقيل له: إنهم لا يقرءون كتاباً إلا مختوماً. فاتخذ خاتماً من فضة نقشه: محمد رسول الله. كأنما أنظر إلى بياضه في يده. فقلت لقتادة: من قال: نقشه محمد رسول الله؟ قال: أنس.
طيب، بارك الله فيكم. هنا يا شباب البخاري دخل في نوع من تلقي الحديث أو تلقي العلم، وهو ما يمكن أن نسميه إجمالاً بالإجازة. وتحته أصناف؛ منها المناولة: أن الشيخ يناول التلميذ بعض حديثه مكتوباً وأذن له في روايته، وهذه صحيحة عند أغلب علماء الحديث. ومنه مثلاً أن يعطيه -أن يكتب له- المكاتبة: أن يكتب الشيخ للراوي بشيء من حديثه مقروناً بلفظ الإجازة (أجازتك)، وقد يختمه للدلالة على أنه منه، فيقول مثلاً الراوي: كتب إلي فلان.
فإذا كان هذا الكتاب موثقاً وفيه -يعني- تأكد الراوي أن هذا من شيخه فعلاً، فهذا يعد متصلاً، يعد متصلاً ومسنداً. وستاتي أحاديث إن شاء الله في الصحيحين فيها هذا في هذه الطريقة، اللي هي طريقة المكاتبة. والبخاري رحمه الله هنا تكلم عن المناولة: (باب ما يذكر في المناوله وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان)، أراد أن يبين هنا أن هذه طريقة صحيحة ومعتمدة إذا كان الكتاب -يعني- إذا تحققنا من كون هذا الكتاب من الشيخ.
وطبعا قد -طبعا- هذا فيه أن يكون الرسول بالكتاب ثقة -يعني الذي أوصل الكتاب ثقة- وأن يعرف خط الشيخ، وأن يكون الكتاب مختوماً؛ كل ما يمكن أن يتخذ كوسيلة للتثبت من صحة هذه الرواية وأنها من الشيخ، فانه يصلح في ذلك ويكون سبباً في صحة هذه الرواية.
طبعا نسيت أن أنبه على أن هذا الحديث الذي تكلمنا عنه -اللي هو حديث شريك- اللي هو قال فيه الترمذي: حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقد روي من غير هذا الوجه عن أنس. هو لما ذكر -أظن أنه ذكر في رقم 619- ذكر هذا الحديث، وهو تقريباً حديث أبي هريرة، ذكر حديث أبي هريرة، وبعد ذلك ذكر أنه يروي من وجه أو روي من وجوه عن أنس رضي الله عنه من غير هذا الوجه. أظن يقصد رواية شريك، وكذلك رواية ثابت.
وبشكل عام يا شباب، هذا الحديث من الأحاديث التي أحب من الطالب أن يتدرب عليها، يجمع فيها الروايات ويرجع فيها إلى كتب العلل؛ اللي هو الحديث اللي هو حديث ضمام رضي الله عنه.
(باب ما يذكر في المناولة): البخاري أحياناً يقول: (باب ما يذكر في كذا) ولا يجزم بالحكم، واضح؟ ولكنه ضمناً يذكر ترجيحه لأن هذه المسالة خلافية. البخاري إذا كانت مسألة خلافية فإنه أحياناً يذكر الترجمة: (باب ما جاء في كذا) أو (ما يذكر في كذا).
طيب، قال: (وقال أنس: نسخ عثمان المصاحف فبعث بها إلى الآفاق). هذا طبعا طرف من حديث طويل ياتي معنا إن شاء الله في فضائل القرآن. ووجه الاستدلال منه أن ليس في ثبوت القرآن نفسه -طبعا- ولكن في أن عثمان أرسل ذلك وكان كتاباً أرسله والناس عملوا به أنه من عثمان رضي الله عنه.
قال: وراى عبد الله بن -حجر يقول: أن عبد الله بن- مكتوب هنا (ابن عمر)، ابن حجر -يعني- بحث هذا ورجح أن يكون عبد الله بن عمر بن الخطاب أو يكون عبد الله بن عمرو بن العاص، يعني كلمة (عمر) (عمر) تكون الأصل فيها (عمرو)، وبحثها بحثاً طويلاً، ليس عندي جزم منهجي، هذا الذي ذكره البخاري اللي هو عبد الله بن عمر أو عبد الله بن عمرو. قال يحيى بن سعيد -طبعا يحيى بن سعيد الأنصاري- ومالك، ثبت الأثر عندهم موجود في كتاب الحاكم في علوم الحديث.
طبعا يا شباب، ذكرنا أن هذا الباب يتكلم فيه البخاري عن طرق التحمل وماذا يقال فيها؛ ذكر السماع والقراءة على الشيخ والعرض على الشيخ. الآن يتكلم عن المناولة -يعني الشيخ يعطي الشيخ الطالب كتابه وياذن له في روايته عنه-. خلاص ومن رد القراءة على الشيخ، رد هذا من باب أولى؛ لو أن شخصاً رد قال: لا يصح أن تقرا على الشيخ، فمن باب أولى يرد أن يعطي الشيخ الكتاب للطالب.
طيب، قال: (واحتج بعض أهل الحجاز) -اللي هو الحميدي- (احتج بعض أهل الحجاز في المناولة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث كتب لأمير السرية) -السرية اللي هي قطعة من الجيش- (كتاباً وقال: لا تقراه حتى تبلغ مكان كذا وكذا. فلما بلغ ذلك المكان) هذا هو الشاهد أن هو لما بلغ ذلك المكان ناول الكتاب، أمره أن يقرأه؛ يعني النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه الكتاب ثم لما بعد عنه قراه وهو بعيد عنه، لأن القراءه على الشيخ يا شباب أن تقرا بحضرة الشيخ، إنما المناولة أنك تاخذ الكتاب أو يرسل إليك بالكتاب، فهمنا الفرق بينهم؟
طبعا أمير هذه السرية جاء في هذا الحديث اللي هو عبد الله بن جحش الأسدي اللي هو أخو زينب بنت جحش، وكان أميراً في السنة الثانية بعد وقعة بدر.
طيب، قال: (واحتج بعض أهل الحجاز في المناولة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم).
حيث كتب لأمير السرية كتاباً وقال: لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا. فلما بلغ ذلك المكان -هذا وجه الشاهد- قرأه على الناس وأخبرهم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، يبقى هذا هو وجه الشاهد من الأثر.
قال: حدثنا إسماعيل بن عبدالله قال: حدثني إبراهيم بن سعد -تكلمنا عنه- عن صالح بن صالح اللي هو صالح بن كيسان، عن ابن شهاب اللي هو الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود، أن عبدالله بن عباس أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بكتابه رجلاً، هذا الرجل هو عبدالله بن حذافة السهمي سياتي معنا إن شاء الله، هذا الحديث سيتكرر معنا شباب فقط نأخذ منه وجه الشاهد، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين فدفعه إلى عظيم البحرين فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى.
هذا هو وجه الشاهد يا شباب، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث كتاباً فيه علمه أو فيه كلامه إلى شخص، وهذا فيه إقرار للكتاب. يبقى هذا هو الشاهد الثالث أو الرابع عند البخاري في هذا الباب الأول، اللي هو نسخ عثمان المصاحف وأنه بعثها إلى الآفاق، وما جاء عن عبدالله بن عمر ويحيى بن سعيد ومالك تمام، وما جاء في الأثر اللي هو النبي صلى الله عليه وسلم كتب لأمير السرية كتاباً، والثالث اللي هو هذا الحديث اللي هو بعث كتاباً إلى عظيم البحرين فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى فلما قرأه مزقه.
إلى هنا انتهى، طبعا هذا الحديث مختصر جداً شباب، البخاري يعني عنده إبداع في اختصار الحديث على وجه الشاهد، سياتي هذا الحديث قال: فحسبت هذا القول من قول الزهري. وهذه الرواية مرسلة، فحسبت أن ابن المسيب قال: فدعى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمزقوا كل ممزق. هذا الحديث سياتي في المغازي وسنتكلم إن شاء الله تبارك وتعالى، والشاهد منه أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل كتابه أو ناول كتابه.
طيب، لماذا هذه الرواية مرسلة يا شباب؟ لأن سعيد بن المسيب لم يحضر هذا المشهد، وإنما يعني حكاه كأنه حضره، فهذا هو الإرسال. قال: حدثنا محمد بن المقاتل أبو الحسن، هذا يأتي معنا كثيراً وهو مروزي، وإذا قال أحد من المراوزة كتابة منها مثلاً أن يكون خطه معروفاً، ومنها أن يرسله مع راوي ثقة، ومنها مثلاً أن يكون مختوماً بختمه.
قال: فاتخذ خاتماً من فضة نقشه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم كأني أنظر إلى بياضه في يده. فقلت -القائل هو شعبة-: فقلت نقشه من؟ قال: نقشه محمد رسول الله. قال: أنس تمام.
ابن منده ذكر أن البخاري حيث يقول: قال لي... وهذا يعني فائده يا شباب أن ابن منده بيقول أن البخاري إذا قال: قال لي فهي إجازة، يعني أخذها إجازة، وهذا ليس صحيحاً شباب. أنا جمعت روايات كثيرة للبخاري رحمه الله يقول فيها: قال لي وهو في غير الصحيح، يعني مثلاً في كتاب الأدب المفرد أو مثلاً في كتاب الترمذي يسند عنه، هذه رواية يعني أنه سمعه، وابن حجر رحمه الله عمل بحثاً في ذلك ورد على ابن منده في هذا.
يعني البخاري إذا قال: قال لي فهذا سماع، ولكنه يقول: قال لي؛ لأنه إما الحديث لم يبلغ شرطه، أو ليس لم يدخله في الصحيح على صيغة المسند، واضح؟ فهذه فائدة. المهم أن البخاري نلاحظ أنه ذكر السماع والعرض والقراءة والكتابة والمناولة، ولم يذكر الإجازة المجردة ولا الوجادة ولا الوصية، والأقرب أنه لا يراها صحيحة.
طيب، احنا بذلك اخذنا تقريباً ساعتين، فبعض الطلاب يعني شدد علي في ألا أزيد على ساعتين، فمش عارف احنا اخذنا تقريباً اخذنا أحاديث، يعني... طيب خلينا نقف هنا يا شباب حتى لا نكثر عليكم، وبكرة إن شاء الله نحاول أن نأخذ غداً إن شاء الله يعني أربعين حديثاً أو ثلاثين حديثاً على الأقل إن شاء الله.
بارك الله فيكم وجزاكم الله خيراً وأحسن الله إليكم، والسلام عليكم ورحمة الله.
- شيخ حسين لو سمحت، آخر سؤال: ذكرنا بالعلماء المعتبرين ابن عيينة والثوري والحسن البصري والإمام مالك، في آخر باب قرأناه ذكر عبدالله ومالك ويحيى بن الأنصاري. - نعم، يحيى بن سعيد يعد من المعتبرين. يحيى بن سعيد نعم يعد. - آه، نعم. بارك الله فيك، جزاك الله خيراً. - ماشي شباب، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق