تسجيل الدخول

الدرس 4 - الأحاديث من 66-72

حسين عبد الرازقالشيخ حسين عبد الرازق
  • مدة الدرس:
  • قراءة

صباح الخير أيها الشباب الكرام، أهلا وسهلا ومرحبا بكم. بارك الله فيكم وجزاكم الله خير الجزاء على استماعكم. وقد تلقيت بعض الاختبارات؛ يعني كنا عقدنا اختبارا في من أول الكتاب إلى الحديث الثامن؛ يعني إلى نهاية كتاب الإيمان، والحمد لله يعني جاءتني بعض الإجابات وهي ممتازة جدا وتدل بفضل الله على أن الشباب الحمد لله يعني يذاكرون والحمد لله استفادوا من الدرس، فاللهم لك الحمد وأنا بانتظار باقي الأجوبة. سألت الله أن يبارك فيكم أن يعينكم. وأحب أن يعني أذكر لكم كلمة مختصرة عن فكرة الاختبارات؛ يعني أنا عن نفسي كنت اختبر نفسي، يعني لا أحب أن أنهي كتابا إلا وأن أضع عليه أسئلة وأن أتصور أني أشرح هذا الكتاب، وأقول إن أي طالب علم لا يفكر في إتقان الكتاب بهذه الطريقة، وإنما يدرس الكتاب ثم يضعه في المكتبة، هذا لا يمكن أن يثبت معه الكتاب، فالكتاب لا يثبت بمجرد حضورك دورة فيه، وإنما يثبت الكتاب بإذن الله تبارك وتعالى بالاستعانه بالله وبالاستماع إلى الدرس مرة أخرى وبكتابة الفوائد وبالاختصار وبالمراجعة.

أنا ذكرت قبل ذلك يا شباب أن هناك كتبا تقرا وهناك كتب تدرس، فلا يصح أبدا أن تأتي إلى الكتب المهمة التأسيسية في أبواب العلم ثم تهملها ويكون حظك منها فقط أن تقراها. أنا أرف أن كثيرا من الشباب في هذه الأيام عندهم عجلة في الانتهاء من الكتاب، وعندهم عجلة في التنقل من دورة إلى دورة ثم بعد ذلك لا يجد نفسه ضابطا لشيء من العلم، فلذلك اهتموا بإتقان الكتاب واهتموا بكتابة الفوائد واصبروا عليها. مثل شخص مثلا حفظ سورة من القرآن ثم انتقل منها إلى غيرها قبل أن يضبطها، هذا يختلف تماما عن شخص يعني حافظ السورة ويصلي بها السنن ويسمعها على أكثر من شخص ثم بعد ذلك مثلا يتلوها في قيام الليل وهكذا، فلا بد أن تأتي إلى الكتب المهمة وتكرر القراءة فيها وتصبر عليها. قراءة كتاب واحد مركزي في بابه بإتقان وتدقيق وكتابة واستماع إلى الشروح هذا أفضل ألف مرة من انك أنت تقرا مثلا عشر كتب أو عشرين كتابا قراءة سريعة، فيبقى أنت تحتاج أن تنتخب الكتاب وتحتاج أن تحسن التفاعل مع الكتاب، فالدرس يعطيك فقط الشرارة الأولى؛ يعني يعطيك المعلومات، لكن يبقى تحتاج أن تثبت هذه المعلومات وأن تطورها وأن تنميها، وهذا لن يكون أبدا بمجرد القراءة أو الاستماع لمره واحدة، بارك الله فيكم.

أنبه في الدرس الماضي كنت أتكلم عن فكرة ألا يتكلف الإنسان؛ يعني بعض طلاب العلم يريدون التعالي على الناس ويظنون أن ذلك من الوقار، فتكلمت عليه من خلال حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه دخل ضمام فقال: أيكم محمد؟ فقالوا: ذلك الرجل. يعني كان النبي صلى الله عليه وسلم ليس بارزا فيهم، وعلقت على ذلك أن ذكرت قول لابن تيمية: كم من قديس كم من صديق في... أنا قلت قباء؛ يعني سبق هذا لساني، هو قباء. قباء هو لبس الأعاجم وضبطه قباء؛ كما جاء في الأثر أن سراقة لبس قباء كسرى، وهو لبس الأعاجم.

طيب ندخل في الحديث، ندخل في القراءة. تفضل اقرا يا بشمهندس عاصم، نحن وصلنا إلى الباب الثامن: باب من قعد حيث ينتهي به المجلس. معانا يا عاصم؟ اتفضل إن شاء الله.

بسم الله، باب من قعد حيث ينتهي به المجلس ومن راى فرجة في الحلقة فجلس فيها. قال حدثنا إسماعيل، قال حدثني مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أن أبا مرة مولى عقيل بن أبي طالب أخبره عن أبي واقد الليثي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ اقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب واحد، قال: فوقفنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبا. فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فاوى إلى الله فاواه الله، وأاما الآخر فاستحيا فاستحي الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه.

بارك الله فيك. قلنا إن الإام البخاري عليه رحمة الله يحاول أن يستخرج من كل حدث من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ما يمكن أن ينتفع به المسلم، فأراد أن يغطي كل أبواب الشريعة، فهذا الحديث أراد البخاري عليه رحمة الله أن يعلم فيه المتعلم والمعلم، فبماذا بوبه؟ قال: باب من قعد حيث ينتهي به المجلس، ومن راى فرجة في الحلقة فجلس فيها. هي الحلقة يا بشمهندس عاصم الحلقة (يعني غير الحلق)، فالحلقة زي اللي هي الحلق اللي احنا بنكون بنجلس فيها في مثلا في المسجد أو في درس، قال: فجلس فيها. فهو الإمام البخاري هنا يريد أن يععلمك كطالب علم أنك إذا وجدت مجلس خير أو أو أي انسان بشكل عام إذا وجد مجلس خير فانه يقبل عليه ويقدم عليه.

قال: حدثنا إسماعيل. طبعا تكلمنا؛ يعني خلاص عرفنا إسماعيل، عن مالك هو إسماعيل بن أبي أويس، وذكرنا أنه متكلم فيه. بعض الشباب اقترح علي أن أنا دائما كلما يتكرر الراوي أتكلم عنه، ولكن اظن هذا يطول بنا، ربما أتكلم عنه بين فترة وأخرى. فإسماعيل بن أبي أويس يعني من جملة الثقات أنه متكلم فيه، وكلمة متكلم فيه لأن بعضكم لا يفهمها؛ يعني جرح بشيء ما، تكلم فيه إما من جهة العدالة أو الضبط، من جهة العدالة غالبا بيكون من جهة أنه مثلا عنده بدعة، ومن جهة الضبط من جهة الحفظ، وإسماعيل متكلم فيه من جهة الحفظ، ولكنه يعني البخاري عليه رحمة الله انتخب أحسن حديثه، ومالك هو خاله الإمام مالك عليه رحمة الله.

قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني مالك؛ مالك بن انس، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة. طبعا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة وثقة كبير القدر عليه رحمة الله، وأبو طلحة طبعا الأنصاري. أن أبا مرة مولى عقيل بن أبي طالب أخبره؛ طبعا هو مولى، يعني أبو مرة هذا مولى أم هانئ بنت أبي طالب. يعني بعض الشباب لا يفهم موضوع كلمة مولى هذه، تتكرر معنا كثيرا فانا أحب أن أبين بشكل مختصر أن المولى كلمة المولى بمعنى الناصر أو بمعنى المالك أو المنعم (الله مولى الذين آمنوا)، لكن كلمة مولى تاتي كثيرا في تراجم الحديث أما بمعنى العتاقة؛ يعني أن فلانا اعتق عبدا فيكون مولاه، مثلا زيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بريرة مولاة عائشة رضي الله عنها، فهذا في العتق. وقد يكون المولى بمعنى أنه حليف أو مناصر، مثلا الإمام مالك يقولون في ترجمته: مالك بن أنس الأصبحي، هذا أصبحي يعني هذا من جهة الصلب، التيمي مولاهم؛ يعني مولى التيميين هذا من باب الحلف أو المناصرة.

وفي مولى بمعنى أنه اسلم على يديه؛ يعني لو أن شخصا أسلم على يد شخص فيكون مولاه، أو أسلم مثلا أحد أجداده، البخاري مثلا يقولون الجعفي مولاهم؛ لأن أحد أجداد البخاري أسلم على يد اليمان بن الأخنس الجعفي، فهم يقولون إن أحد أجداد البخاري اللي هو بردزبه هذا كان مجوسيا فاسلم على يد اليمان بن الأخنس، فلذلك يقولون الجعفي مولاهم، يعني لو انت قرأت في ترجمة البخاري يقولون هذا مثلا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ابن إبراهيم بن المغيرة الجعفي مولاهم، فيقصد بهذا أن هو اسلم على... يعني أحد أجداده أسلم على الجعفي. فهكذا بقى تجده في الكتب، مثلا لو قال فلان مولى ابن عمر، نافع مولى ابن عمر، فتتعرف على طول أن مولى هذه لها أكثر من احتمال: أما أسلم على يديه أو أنه أعتقه، وأكثر ما يأتي في كتب التراجم هو العتاقة؛ أن هو يعني أعتق على يديه أو أنه أعتقه. فيبقى احنا كده فهمنا؛ لأن بعض الشباب لا يفهم هذا، تتكرر كثيرا في التراجم.

طيب، نعود للحديث قال رحمه الله: أن أبا مرة مولى عقيل بن أبي طالب أخبره عن أبي واقد الليثي. طبعا أبو واقد الليثي صحابي كريم واختلف في اسمه، ليس له إلا هذا الموضع، ورجح الترمذي أن اسمه الحارث بن عوف، وكثير من الصحابه مشهور بكنيته ولم يستقر على اسمه، مثل أبي هريرة مثلا، قيل: عبد الرحمن بن صخر وقيل غير ذلك. عن أبي واقد الليثي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في المسجد والناس معه، طبعا جالس يعلمهم، إذ أقبل ثلاثة نفر؛ واضح أنهم أقبلوا ثلاثة نفر مثل مثلا تسعة رهط، فهو يعني مضاف إلى اسم الجمع (رهط أو نفر)، فكأنهم قربوا إلى المسجد. خليني أتصوروا يا شباب هذا، قربوا إلى المسجد مثلا وفيه مجلس خير، فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب واحد؛ يبقى اثنين قربوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم والاخر يعني أدبر أو يعني أعرض. قال: فوقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها؛ شخص وجد مكانا، الحلقة كان فيها فرجة فجلس في هذا المكان، واما الآخر فجلس خلفهم، واضح أنه لم يجد فرجة، وأما الثالث فأدبر ذاهبا.

فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديثه؛ يعني كان يعلمهم، قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فاوى إلى الله فاواه الله. هذا ضبط الرواية وليس أوى، والاقرب والله أعلم أوا يعني بمعنى لجا أو رجع، يعني تاتي كلمة أوى بهذا المعنى (جنة الماوى يعني المرجع أو المكان الذي يؤوي إليه أو يرجع، مثلا ماواهم النار نفس الكلام، فاوا إلى الكهف يعني اسكنوه أو الجاو إليه)، واضحة دي بقى غير اووا ونصروا اللي هو فلان اوى فلان. واضح؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؛ يعني عن حال هؤلاء الثلاثة: أما أحدهم فاوى إلى الله فاواه الله. أوا تاتي كثيرا بمعنى نصره، أيده، لها أكثر من معنى (الذين اووا ونصروا). أما أحدهم فاوى إلى الله فاواه الله، وأما الاخر فاستحيا فاستحي الله منه؛ يعني هذا الشخص استحيا أن يزاحم الناس وأن يضايقهم، لأن كانت الحلقة تقريبا ليس فيها فرجه، فهو يحتاج أن يفسح له في المجلس، فهو ما أحب ذلك، فجلس خلف المجلس فناله الخير. واضح؟ وأما الآخر اللي هو بقى الثالث فأعرض فأعرض الله عنه.

طبعا يعني ابن حجر رحمه الله أو كثير ممن رووا هذا الحديث، ممن شرحوا هذا الحديث (لان أكثر الشروح للحديث هي عند المتاخرين، المتاخرون كانوا اعتنوا بشروح الحديث، وكثير منهم كان أشعريا أو كان عموما دخل في مذهب المتكلمين)، فحينما يأتي مثل هذه الأفعال لله تبارك وتعالى فانهم يصرفونها عن دلالتها، هم يسمون ذلك التأويل، لكن هو تحريف. فكلمة استحيا، صفة الاستحياء لله تبارك وتعالى ثابتة، وجاء في القرآن مثلا: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: 53] أو أن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة، فهذه الصفة ثابتة لله تبارك وتعالى، والله تبارك وتعالى ليس كمثله شيء، فإذا أثبت النبي صلى الله عليه وسلم فعلا لله تبارك وتعالى فيجب أن نثبته كما هو ونعلم أن الله ليس كمثله شيء، ليس هناك أي مشكلة، كما نثبت لله العلم وأنه ينزل إلى سماء الدنيا وانه وأن الله تبارك وتعالى يرضى ويسخط، كل هذه أفعال، ولكن طائفة من المتاخرين تأثروا بقول المتكلمين وحتى ذلك ظهر في شروحهم، فكلما جاء حديث يستعظم أن يكون هذا لله لأنهم قاسوا هذا الفعل على فعل الإنسان، فقالوا هذا يستحيل أن يكون منسوبا إلى الله، فبالتالي يجب أن نأوله (هم يا شباب يقولون إيه: يقولون أؤله أو فوض؛ فوض يعني اتركه كما هو دون أن... قل لا معنى له أو لا يعلم معناه، والمذهب الثاني هو التأويل، انك أنت تصرفه عن معناه، فتقول مثلا استحيا يعني مثلا جزاه أو أثابه، تحاول أن تفسرها بشيء يصرفه عن معناه)، وكل هذا تحريف، والحق أن هذه أخبار الشريعة يا شباب، إما أخبار وإما أوامر ونواهي، الأخبار ليس لها حق أو لا يحل لك إلا أن تصدقها وأن تؤمن بها كما هي، فالله تبارك وتعالى أثبت لنفسه أسماء وأفعال ومحامد وأثبتها له النبي صلى الله عليه وسلم، يجب أن نثبتها كما جاءت.

قال: واما الاخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر -اللي هو الثالث- فأعرض فأعرض الله عنه. صفة أن...

الله أعرض عنه، هذه كثيرة، الله سبحانه وتعالى إذا أعرض أحد، أعرض عنه، كَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ، فالله سبحانه وتعالى، يعني: أن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا، فإن الله لغني حميد.

هذا الحديث يا شباب هو من أجمل الاحاديث التي يمكن أن ينتفع بها المعلم والمتعلم. أما المعلم.. أما المتعلم، نبدأ بالمتعلم، لأن واضح أن هذا الباب أسسه البخاري للمتعلم. المتعلم يجب بشكل عام، أنت كمسلم يجب إذا سمعت بابا من أبواب الخير أن تقبل عليه وأن تلقي بنفسك فيه، لا تتردد، وهذا هو معنى: أسألك العَزِيمَةَ على الرشد، أو في الرشد، والثبات في الأمر، العَزِيمَةَ على الرشد.

في شخص كده مثلا إذا سمع موعظة عن الصدقة، أول ما يخطر بباله أن يتصدق ويبادر. في شخص إذا سمع بدوره، يعني يشعر أنه بحاجة إليه، يبادر. سمع عن شخص يتكلم عن تربية الأبناء، أو شخص يتكلم عن العلم أو القرآن، أو دورة خاصة مثلا بالقرآن، أو شباب سيعتكفون في رمضان، أول ما يسمع بالخير لا يفكر إلا أن يكون فيه، ثم بعد ذلك يبدأ بقى يخطط. لكن في شخص يختلق العواقب والمشكلات، كلما تفتح له فرصة يخترع فيها سببا ليخرج من هذه الفرصة ويتملق منها، يعني تكون حجة له على ترك هذا الخير.

فأول ما نتعلمه من هذا الحديث أن هؤلاء الثلاثة وجدوا.. عرض عليهم عرض واحد، كلهم عرض عليهم عرض واحد، ما هو؟ مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم. الثلاثة تعرضوا لنفس الموقف، لكن منهم اثنان اقترب، ومنهم واحد أدبر، وهذا هو معنى تعرض الفتن أو الوحي. الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: 82]، وبين الله تبارك وتعالى أن طائفة ممن كانوا يحضرون مجلس النبي صلى الله عليه وسلم كانوا منافقين، فهؤلاء يقولون ماذا؟ قال: أُنْفَةً، يعني باستكبار. فالله سبحانه قال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْزَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: 17].

فالذين اهتدوا جاءوا إلى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم قاصدين الهدى، زادهم الله تبارك وتعالى هدى وآتاهم تقواهم، علمهم ما الذي يتقون وكيف يتقون وأعانهم على التقوى. أما الذين أدبروا أو الذين تولوا، قال الله تبارك وتعالى: انصرفوا، صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون، يعني هم يحسبون أنهم الذين انصرفوا، لا، الله الذي صرف قلوبهم بسيئات أعمالهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْضُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران: 155].

وهذا أصل يا شباب في الشريعة، وهو أنك صاحب القرار. الله سبحانه وتعالى ذكر كثيرا في هذه.. في آيات كريمة هذا المعنى، مثلا: ﴿أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: 40]، فأنزل.. ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: 5-7]، وفي الحديث: «قرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا». في المقابل: ﴿فَلَمَّا زاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5]، مثلا: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: 160].

فهذا الحديث أصل في أنك إذا عرض عليك باب خير لا تتردد فيه ولا تختلق المشكلات، سهله ليسهل الله تبارك وتعالى عليك، واستعن بالله. وكثير من الشباب إذا عرض عليه باب من الخير يحاول أن يختلق الأعذار فيه ويصعب على نفسه حتى يخرج منه أو حتى يكون له حجة، مثلا: الدرس طويل، أو أنا مشغول، أنا ما تعودت الدروس بعد الفجر، أنا أحب الدرس مثلا في المساء، الشيخ مثلا بعيد، فكل واحد بيخترق هذه الاعذار تكون على.. ﴿وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد: 38].

فلذلك يا شباب أنا أحب أن تسجلوا هذه الفائدة: ألق بنفسك في أي باب من أبواب الخير، لا تتردد في هذه الأبواب. كان الصحابه رضي الله عنهم إذا علموا شيئا من الخير بادروا إليه، وهذا هو معنى: سارعوا، سابقوا، استبقوا. الله سبحانه وتعالى حثنا كثيرا على هذا المعنى، أن أنت تسابق في الخيرات.

طيب قال: واما الآخر فاستحيا، فاستحيى الله منه. هذا الآخر أيضا فيه خلق، لأنه ما أحب أن يزاحم. هذا الآخر أيضا عمل بالخير وأحسن في فعله، إنما الثالث هو الذي تولى وأدبر وهو الخسران، وهذا ينطبق عليه قول الله: ﴿وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ﴾ [محمد: 38]. الله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: 7].

وهذا من احسن ما يَعْرِفُه أي انسان دخل في أي مجال يا شباب، أي إنسان دخل في أي مجال من مجالات الخير لابد أن يضع أمامه مجموعة من القواعد. المجموعة.. القاعدة الأولى من قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: 6].

القاعدة الثانية: أن يعلم أن اشتغاله بالخير لو لم يكن فيه إلا أنه مشتغل بالخير لكفى، لكان كافيا لأن يتمسك بهذا الخير، حتى لو لم يكن مقدما فيه، حتى لو لم ينل فيه ما طمح إليه كفاية، يكفي أنه مشغول بالخير، واضح يا شباب؟

طيب قال: واما الآخر فأعرض، فأعرض الله عنه. الحديث إن شاء الله سيتكرر معنا، فلذلك يعني يتكرر معنا في الحلق والجلوس في المسجد، سياتي في كتاب الصلاة، فنعلج باقي الفوائد في هذا الموضع. طيب كمل يا عاصم.

باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: رب مبلغ أوعى من سامع. قال: حدثنا.. بعد إذنك يا بشمهندس، أنبه طبعا، نبهت على أن ابن حجر عليه رحمه الله في مثل هذه الاحاديث يُوَلِّهَا، هو يسميها تأويل، لكن هو نوع من التحريف، فيصرف دلالاتها عن معناها، فليكن الطالب على.. يعني يكن في باله هذا المعنى أنه ابن حجر عليه رحمه الله والنووي عليه رحمه الله كذلك أيضا يعني في حينما ياتي فعل لله تبارك وتعالى كثيرا ما يصرفه عن وجهه، فننتبه لذلك ونحن نقرا في شروح الكتب. بارك.. تفضل يا عاصم.

باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: رب مبلغ أوعى من سامع. قال حدثنا مسدد، قال حدثنا بشر، قال حدثنا ابن عون، عن ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قعد على بعيره وأمسك انسان بخطامه، أو قال بزمامه، قال: أي يوم هذا؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى. قال: فأي شهر هذا؟ فسكتنا حتى ظننا أنه.. ثاني يا باشمهندس.. أليس يوم.. أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى. قال: فأي شهر هذا؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس بذي الحجة؟ قلنا: بلى. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه.

بارك الله فيك، هذا الباب.. هذا الباب من أجمل الابواب التي جاءت في هذا الكتاب، لأنها تبين التكامل بين.. بين علمي الشريعة. علم الشريعة يا شباب أو أي علم في الاسلام، أو أي علم بشكل عام وخصوصا علوم الاسلام، هو إما نقل رواية، يعني معطيات موجودة، آيات، أحاديث، آثار، يعني هو من باب الرواية، واضح؟

طيب والعلم الثاني هو الفقه والتفسير، اللي هو التفاعل مع هذه المعطيات. أي إنسان يبحث أي مسألة أو يدرس أي مسألة يحتاج إلى معطى، ثم ينظر في هذه المعطيات. فهذه المعطيات يا شباب هي التبليغ، هي التي يعني عبر عنها رسولنا صلى الله عليه وسلم بالتبليغ، يعني النقل أو الرواية. فهذه يراد منها الجمع والتحري والتثبت، نحن نريد أن نجمع الروايات، يعني كلما كان الجمع مستوعبا كلما كان أفضل، حتى لا يفوتك شيء من الأدلة، من الآيات أو الاحاديث أو أسباب النزول أو نحو ذلك. والإمام أحمد كان يعيب على الرواة الذين لا يعتمدون إلا على الاحاديث المرفوعة، يقول: لا، ربما كان الصواب في الرواية أنها مرسلة، أو أنها من كلام بني إسرائيل أو نحو ذلك، فلابد أن تجمع كل ما جاء في الباب، ثم تختبر هذه الروايات لتخرج بأحسنها أو بأصح الموجود. يبقى هذا هو علم الرواية.

طيب العلم الثاني؟ العلم الثاني هو فقه هذه الروايات، الفهم والتفسير. فالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، أو خلينا نتكلم عن الباب: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: رب مبلغ أوعى من سامع، يعني عندنا مبلغ، انسان بلغ بحديث أو آية ففهم هذه الآية واستنبط منها أكثر مما فهمه الذي نقل له الخبر، يعني عندنا راوي ناقل، وعندنا شخص نقل أو مبلغ تحمل هذا الخبر ففهم وفقه وأحسن العمل به وانتفع به، يبقى.. يبقى كل منهما نفع الآخر.

وهذا طبعا لاحظوا أن هذا جزء من حديث، والبخاري أحيانا يبوب بجزء من حديث ليبرز هذا المعنى، رب.. كما مثلا في مر معنى: أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية، في قول النبي صلى الله عليه وسلم في أبواب الإيمان. هنا قال: رب مبلغ أوعى من سامع، يبقى عندنا شخص استمع إلى الحديث يعني من النبي صلى الله عليه وسلم أو من أي راوي ثم نقله إلى غيره.

فهذا الحديث أصل في بيان علمي الشريعة: النقل أو الرواية، والفقه والتفسير والفهم. وطالب العلم يا شباب الذي يريد أن يتأسس في علوم الشريعة، بقدر ما يجتهد في هذين الجناحين، بقدر ما يكون متميزا في فقه الشريعة. وأنا أعرف أن بعض طلاب العلم للاسف يدرس مثلا في اللغة.. اللغة العربية يدرس كتبا كثيرة ولا يدرس في تفسير القرآن أو في شرح السنة، طب أنت ماذا تغني عنك علوم العربية أصلا إذا لم تكن أداة لفقه الشريعة أصلا؟ وهذا.. هذا من التقصير البالغ.

فهدذه العلوم تتكامل، لذلك الشافعي رحمه الله حرص في كتاب الرسالة أن يبين هذين الامرين: أن الدارس لأي مسألة يحتاج أن يجمع ما جاء فيها من الحجج وأصلها كتاب الله، ويجمع الآيات وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم مع ما يعين على فقه هذه المعطيات التي وجدت معه، اللي هي علوم اللسان العربي وعلم التفسير وما سمي بعد ذلك بعلم أصول الفقه، وإن لم يكن.. يعني الشافعي لم يسمي كتابه بهذا الاسم، ولكن الشافعي يستعمل كلمة نصا أو استنباطا، يقصد بالنص: ما جاء منصوصا عليه، ما جاء مذكورا، والاستنباط هو ما يستخرجه الباحث أو الناظر بنظره أو فقهه من الأدلة.

فهذا يا شباب مهم، كل.. لابد أن يتكامل أهل العلم في هذا الأمر، يعني كل انسان عنده شيء من الخير، ممكن واحد يكون عنده تخصص في باب الحديث، في معرفة في جمع الروايات وفي حفظها، وفي كذلك معرفة طرق الرواية وفي نقد الروايات ومعرفة الأصح، والشخص الآخر يكون عنده ملكة في استنباط الأحكام منها، فيكون بينهما تعاون.

فلذلك لابد أن يتكامل أهل العلم، وفي أثر صحيح أن الحميدي قال، وهو تلميذ للشافعي، قال: طبعا الحميدي عبد الله بن الزبير أحد الثقات الحفاظ من أجل شيوخ البخاري، قال: صحبت الشافعي من مكة إلى مصر، فكنت استفيد منه المسائل وكان يستفيد مني الحديث. وأحمد بن حنبل قال، وهو تلميذ الشافعي أيضا، قال لنا الشافعي: أنتم أعلم بالحديث مني، فإذا صح عندكم الحديث فقولوا لنا حتى ناخذ به. وإسحاق بن راهويه رحمه الله قال: ذاكرت الشافعي فقال: لو كنت أحفظ كما تحفظ لغلبته.

فالبيهقي يعلق على ذلك، ماذا قال؟ قال: هذا لأن إسحاق الحنظلي يقصد ابن راويه، يعني كان يحفظه على رسم أهل الحديث، يعني يسرد أبوابه سرد, يعرف طرقه وعنده نقد في الروايات، واضح؟ يعني جمع بين أمرين يا شباب: حفظ الروايات وجمع الروايات وانتخاب احسن الروايات، يعني يعرف أخطاء الرواة، فمعنى.. عنده علم بعلل الحديث.

قال البيهقي: وكان لا يهتدي.. يعني إسحاق: وكان لا يهتدي إلى ما كان يهتدي إليه الشافعي من الاستنباط والفقه، وكان الشافعي يحفظ الحديث.. يحفظ من الحديث ما كان يحتاج إليه وكان لا يستنكف من الرجوع إلى أهله فيما اشتبه عليه، وذلك لشده اتقائه لله عز وجل وخشيته منه واحتياطه لدينه. هذا من أجمل ما عبر به البيهقي عن الشافعي رحمه الله.

يبقى هنا نركز يا شباب، أنا كطالب علم أحتاج هذا المعنى، أحتاج أن أفقه أولا أن علوم الشريعة لا تعتمد فقط على الرواية ولا على التفسير فقط، كلاهما.. على الرواية، وهذه الرواية نحتاج فيها الجمع والتحرير وانتخاب احسن ما فيها، ثم يأتي دور الفقه أن نفقه ما بين أيدينا. ويعني أنا ذكرت لكم في الدورة السابقة أن المحدثين كانوا يجتمعون، الثقات الحفاظ، كل واحد منهم يتكلم عن طرق الحديث، ثم يتكلمون عن علل الحديث، ثم بعد ذلك إذا انتهوا من ذلك يقولون: ما فقهه؟ ما تفسيره؟ سبق أن ذكرنا ذلك.

طالب العلم كيف يمكن أن ينتفع بذلك؟ ينتفع: أول فائدة أن يجتهد في طلب كل علوم الشريعة، لا تترك بابا من أبواب الشريعة إلا ويكون لك.. أو يكون لك نصيب منه، واضح؟ وأهم العلوم القرآن والحديث وما أعان عليها مثل علوم العربية وغير ذلك.

الفائدة الثانية يا شباب في المذاكرة والمدارسة، أن أنت كطالب علم تحتاج أن يكون لك صحبة تتدارس معهم علوم الشريعة، يفيد أحدكما الآخر. في المذاكرة قد تختار مثلا من يوافقك في المواهب، مثلا: أنت تذاكر لغة عربية وأنت تذاكر مع شخص متقن للعربية، لا، قد تجتمعون على كتاب مثل كتاب البخاري أو كتاب الأم للشافعي مثلا، أو مصنف ابن أبي شيبة أو تفسير الطبري أو غير ذلك من الكتب، كلما كنتم متعددي المواهب والاهتمامات كلما كان الدرس أجمل وأفيد، وأنا كنت أفعل ذلك أنا وأصحابي.

قبل تقريبا 17 عاما كنا نجتمع على تراث الأئمة، مثلا نجتمع على تراث الشافعي، ثم مثلا تراث مالك، ثم تراث الشروح مثلا ابن عبد البر في التمهيد، أو تراث ابن تيمية، وهكذا. فكنا متعددين المواهب؛ عندنا اثنين كانوا متخصصين في اللغة العربية، واثنين كانوا مهتمين بالحديث أكثر، واثنين كانوا مهتمين بعلوم الإيمان، واثنين كانوا مهتمين بالدراسات الفكرية. فكان المجلس هو يعتبر أجمل نقلة في حياتي، فانتم تستطيعون الآن يا شباب أن تفعلوا هذا، أن يكون لكم مجموعات عن طريق الإنترنت، تكون المجموعة قليلة وتتفقوا على كتب وتتفقوا على خطة. وتكلمنا عن ذلك لو تفتكروا في الدورة السابقة عن المذاكرة، وكيف أصنع مجلسا للمذاكرة ويكون المجلس ناجحا، تكلمنا عن هذا. قد تختار -لا يلزم أبدا أن تختار المتميزين- المهم أن يكون منضبطا في الدرس، وأن يكون محترما للدرس، وأن يحضر الدرس. لكن أنت تستفيد حتى لو كان مستوى الطالب الذي يحضر معك قليلا، أنت تستفيد وتتعلم كيف تشرح له.

يبقى هذه هي الفائدة الثانية. ندخل في الكلام عن الباب، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رب مبلغ أوعى من سامع». يبقى المبلغ هو الذي بلغ الحديث، والسامع هو الذي سمع الرواية ونقلها، إذا السامع تحمل وأدى، والمبلغ هو الذي بلغ بالحديث. طيب كيف يكون أوعى؟ أوعى يعني يمكن أن يحفظه بعد ذلك أكثر منه، ويمكن أن يكون أفهم له وأفقَه له، ويحسن تطبيقه وينتفع به، وكلاهما -وإن شاء الله يأتي هذا في الحديث الذي هو: مثل ما بعثتني الله به من الهدى والعلم- يأتي قريبا إن شاء الله.

ولا بد في الحديث الفائت يا شباب في فائدة أنا نسيت أقولها وهي مهمة جدا، لو أنت كنت كمعلم لابد أن تعتني بمن جاءك يسعى وهو يخشى. يعني شوف النبي صلى الله عليه وسلم هنا -نحن لم نذكر الفوائد الخاصة بالمعلم- الفوائد الخاصة بالمعلم في حديث النبي صلى الله عليه وسلم -اللي هو الحديث السابق، اللي هو باب من قعد حيث ينتهي به المجلس- أن المعلم لا يترك فرصة لتعليم الطلاب إلا علمهم؛ يعني أي فرصة، أي مشهد لو هو ماشي معهم في الطريق، لو راكب معهم الأتوبيس، لو هو يجلس معهم في بيت، لو يأكل معهم، كلما وجد فرصة لذكر فائدة يفعل كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم. فالحديث هذا الفائت نسيت أن أقول فيه أن المعلم ينبغي أن يعتني بالطالب المقبل أكثر من إقناع الطالب المدبر؛ يعني لو في طالب يعني تشعر أن ما عنده اهتمام وما عنده شغف وما عنده عناية، خلاص لا تهتم به ولا تضيع وقتك معه ما دمت أنك أنت نصحته، لكن تهتم بمن؟ تهتم بمن تحت يدك. وتكلمت عن هذه الفكرة أن كثيرا في هذه الأيام يهتمون بالملاحدة واليهود والنصارى ومثلا العلمانيين، يهتمون بإقناعهم أكثر مما يهتمون بتثبيت المؤمنين وتعليم المؤمنين. نعم، يجب أن يكون من المسلمين من يعتني بمناظرة المخالفين أو يعتني بدعوتهم، نعم، لكن أن نضيع رأس المال عندنا وهم الشباب الذين عندهم اقبال، نهمل، يأتي الشاب إلى الشيخ ويريد أن يتعلم منه ثم يهمله وهو يجتهد في دعوة من أعرض وتولى، لا، ينبغي أن نعتني بمن أقبل.

طيب، قال حدثنا مسدد، خلاص تكلمنا عن مسدد، الإمام الكبير أحد الثقات الحفاظ. حدثنا مسدد قال: حدثنا بشر، بشر بن المفضل الرقاشي أحد أكبر ثقات البصرة وهو إمام عابد (من الثقات الحفاظ). حدثنا ابن عون، عبد الله بن عون بن أرطأة، عن ابن سيرين، محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه (أبوه اللي هو أبو بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه) ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية أنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو قال النبي صلى الله عليه وسلم: قعد على بعيره وأمسك إنسان بخطامه -الخطام اللي هو يعني تشد به الحلقة في أنف البعير- يعني أمسكه حتى لا يشوش على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتكلم، حتى لا تضطرب الدابة، لا يضطرب البعير. طبعا الحديث هذا سيتكرر معنا كثيرا، فاحنا نرجئ الكلام عنه في موضعه، ولكن طبعا ناخذ منه فقط وجه الشاهد.

قال: أي يوم هذا؟ النبي صلى الله عليه وسلم سالهم: أي يوم هذا؟ فسكتنا حتى ظن أنه سيسميه سوى اسمه. قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى. قال إلى نهاية الحديث. فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا قال: فان دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا، كحرمة -يعني النبي صلى الله عليه وسلم كانت العرب تعظم هذا، تعظم هذه الأشهر وتحرمها- فالنبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يقرب لهم المعنى بأن دماءهم وأموالهم وأعراضهم حرام، يعني في دين الإسلام هي حرام عليهم كحرمة يومهم هذا في شهرهم هذا في بلدهم هذا. طبعا هذا سياتي الكلام عنه إن شاء الله كثيرا، ولكننا فقط ناخذ منه الشاهد، الشاهد: «ليبلغ الشاهد منكم الغائب». وهذا فيه يا شباب التحمل والأداء، أنك كطالب علم إذا بلغك شيء من العلم بلغه، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «بلغوا عني ولو آية». «ليبلغ الشاهد منكم الغائب»؛ فإن الشاهد -كأنه تعليل- فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى منه، لعلك تبلغ شخصا ينتفع بالعلم فانت تكون انتفعت بثواب التعليم، وتكون انتفعت كذلك بعمله، واضح؟ ولعلك تبلغ شخصا ينتفع به وينفع به الناس، يعلمه للناس، وهذا من لو وضع طالب العلم في نفسه هذا المعنى لا تحرك في الدعوة إلى الله تبارك وتعالى.

طيب، كمل يا عاصم.

باب العلم قبل القول والعمل، لقول الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: 19] فبدأ بالعلم، وأن العلماء هم ورثة الأنبياء؛ والرسل العلم من أخذه أخذ بحظ وافر، ومن سلك طريقا يطلب به علما سهل الله له طريقا إلى الجنة. وقال جل ذكره: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. وقال: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43]. وقالوا: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 10]. وقال: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَلَذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا يفهمه». وإنما العلم بالتعلم. فقال أبو ذر: لو وضعتم الصمصامة على هذه -وأشار إلى قفاه- ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن تجيزها علي لانفذتها. وقال ابن عباس: كونوا ربانيين حلماء فقهاء، ويقال الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره. بارك الله فيك.

طيب، في هذا الباب البخاري أيضا يشير إلى قيمة العلم، قيمة أن تتعلم قبل أن تعمل أو تتكلم. وهذا ينتفع به المسلم عموما، أي مسلم لا بد أن يتعلم دينه بقدر ما يستطيع، ويجب عليه أن يتعلم ما دخل فيه، يعني إذا كان تاجرا يتعلم فقه التجاره، وإذا كان يبيع ويشتري، إذا كان يريد أن يستأجر، إذا كان يريد أن يكري شيئا أن يكري داره أو أرضه، فكل مسلم -إذا كان طبيبا- يحتاج أن يتعلم. لذلك البخاري وضع في هذا الكتاب كل ما يمكن أن يحتاجه المسلم، فباب العلم قبل القول والعمل هو فرع عن قيمة العلم، وعن لماذا يجب أن نطلب العلم. فالله تبارك وتعالى علمنا كيف نتقيه، والله تبارك وتعالى قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 26]. وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 260]، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 235] فاعلموا. فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم. فكلمة فاعلم أنه لا إله إلا الله تاتي كثيرا أن الله سبحانه وتعالى يامرنا بالعلم ثم بعد ذلك يعلق حكما، كان هذا التعليم هو تذكير.

فبعض الذين جاءوا إلى هذه الآية قالوا: كيف يقول الله تبارك وتعالى: فاعلم أنه لا إله إلا الله، والنبي صلى الله عليه وسلم يعلم ذلك؟ الله سبحانه وتعالى يعلم نبيه ويذكر نبيه ويثبته، كما قال مثلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: 1] وكما نقول نحن في الدعاء: اهدنا الصراط المستقيم، يعني علمنا واهدنا وثبتنا عليه لأن الإنسان لا يستطيع أن يستوعب كل ما في الصراط المستقيم. قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء: 136]، والنبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي مسعود البدري -كما في الحديث- كان أبو مسعود البدري يضرب غلاما بالسوط فسمع صوتا خلفه: اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود، قال: فالقيت السوط من يدي -السوط سقط من يدي من يد أبي مسعود رضي الله عنه- فقال: اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام. فكلمة اعلم هذه تاتي كثيرا، اما لابتداء التعليم أن الله يعلمنا شيئا لم نكن نعلمه، أو بمعنى التذكير الذي يرتبط بحكم يأتي، واضح؟

فالله تبارك وتعالى مثلا قال: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: 60]، اعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وبعد ذلك الله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَاحْذَروهُمْ﴾ [التغابن: 14]، مثلا اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة ثم قال: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد: 21]. وأنا في رأيي أن البخاري والله أعلم اخذ هذا الاستنباط من أثر لسفيان بن عيينة، موجود هذا الأثر في ترجمة سفيان بن عيينة أنه سئل عن فضل العلم فقال: ألم تسمع قوله حين بدا فقال: فاعلم أنه لا إله إلا الله، ثم أمره بالعمل بعد ذلك: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: 19] وهي شهادة أن لا إله إلا الله، لا يغفر الله إلا بها، أو لا يغفر إلا بها. وبدا يذكر بقى ابن عيينة شواهد: أن الله يعلمنا ثم يامرنا: اعلموا أنما الحياة الدنيا، واعلموا أنما أموالكم، اعلموا أنما غنمتم من شيء، فهذا موجود كثير.

والله سبحانه وتعالى مثلا قال: فاعلم أنه لا إله إلا الله، قال: اقصد لإبراهيم عليه السلام: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 220] فان وقال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص: 50] ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: 49]. فكل هذه المواضع لو ربطت بينها ستجد أن الرابط إما تعليم لأمر جديد، أو تذكير، أو تثبيت، ويأتي بعده أمر يتعلق به، مثلا كما قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: 235] كما في سورة البقرة.

فباب العلم قبل القول والعمل، العلم في هذا الباب يحاول باختصار يا شباب في هذا الباب -اللي هو باب العلم قبل القول والعمل- يحاول البخاري مجموعة أمور؛ يحاول أن يبين أثر ضرورة تعلم العلم قبل أن يقدم إنسان على قول أو عمل، أن العلم بصيرة، ويبين أن الأنبياء ورثوا العلم، خير ما ناخذه من الأنبياء هو ما كانوا عليه من العلم والهدى، ويبين كذلك فضل تحصيل العلوم وأثر العلوم على النفس، ويبين أن العلم بالتعلم وهذا سياتي الكلام عليه، ويبين كذلك الجرأة في إبلاغ العلم كما ياتي في أثر أبي ذر رضي الله عنه، ويبين كذلك معنى الرباني؛ ما معنى أن تكون ربانيا؟ والربانيون أعلى من الأحبار وأعلى من العلماء.

فنحن تكلمنا الآن عن قول الله تبارك وتعالى: فاعلم أنه لا إله إلا الله، قال فبدا، طبعا لا إله إلا الله معناها لا معبود حق إلا الله، ووجه الشاهد لا ياتي إلا من تكملة الآية: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19] قال فبدا بالعلم، يبقى هذا هو وجه الشاهد.

قال: وأن العلماء هم ورثة الأنبياء، يعني يكفي لو لم يكن فضل للعلماء إلا أنهم ورثوا الأنبياء. طيب ما الذي كان عليه الأنبياء؟ العلم بالله والازدياد منه، والعمل به، والدعوة إليه، سواء كانت الدعوة هذه في تأسيس أو في الفرقان في الرد على المخالفين أو الإبطال والإصلاح؛ يعني الأنبياء كانوا على هذه الرباعية يا شباب: العلم بالله والازدياد منه، العمل به -يعني هم أنفسهم: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: 88]- ثالثا الدعوة إلى الله والتعليم ويدخل في ذلك إقامة البينات على الهدى وتثبيت الناس وهداية والفرقان بين الحق والباطل، ورابعا الإصلاح: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: 88]، والإصلاح هو تكثير الخير وتقليل الشر. لو أن إنسانا فهم هذا المعنى استراح؛ ليس الإصلاح أن تنفي كل الكفر من الوجود، هذا لم يفعله أصلا أي نبي، يعني ما فيش هذا أصلا غير مستطاع: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: 31] فلن ينتهي الحق من الدنيا ولن ينتهي الباطل، إنما دورك أن تقلل الشر وأن تكثر الخير بحسب استطاعتك.

فقومه العلماء ورثة الأنبياء، يكفي أنت كطالب علم، والله هذا أقوى دافع لي في طلب العلم أني أحاول أن أشتغل بما كان عليه الأنبياء الكرام. طبعا العلماء ورثة الأنبياء هذا لفظ ذكره البخاري، لفظ لم يجعله حديثا، لكنه روي بأسانيد حسنها بعض أهل العلم، وهو أن العلماء ورثة الأنبياء وأنهم ورثوا العلم، من أخذه أخذ بحظ وافر. هو طبعا هذا ليس معلقا لأن البخاري لم يسنده إلى النبي عليه الصلاة والسلام، نفهم ده.

قال: ومن سلك طريقا.. طيب، في فائدة يا شباب هي في قبل ذلك، في الحديث الماضي تذكرتها الآن، وهي ربما مبلغ أوعى من سامع، أن بعض الطلاب مثلا يكون

حافظاً لحديث لكنه لا يفقه معناه فيبلغ الحديث ويفسره، وهذا من النقص. لا، حسبك أن تبلغه، لا يعني لا تدخل في باب أنت لا تستطيعه. تمام، نعود بقى مرة أخرى، قال: ومن سلك طريقاً يلتمس فيه، ومن سلك طريقاً يطلب به علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة.

طبعا البخاري هنا يتكلم عن تحصيل العلم، وأن سلوك طلب العلم هو كذلك فيه أجر وثواب. طيب هذا السلوك يا شباب هو تهيئة الطريق، أنك أنت مثلاً فيه الرحلة إلى طلب العلم، فيه المذاكرة، يعني كل طريق أو كل سبب تتخذه في نيل العلم أو تثبيت العلم أو تجويد هذا العلم أو حفظ هذا العلم أو نقل هذا العلم، فإنك تسلك به طريقاً إلى الجنة.

طبعا هذا البخاري علقه، لكن أقصد ذكره، لكن لم يذكره بلفظه. لا يصح أن نقول علقه البخاري، لا، لم يعلقه البخاري، واضح. وهذا الحديث رواه مسلم. وهذا الحديث يعني البخاري لم يخرجه لأن هذا الحديث فيه علة معينة، روي عن الأعمش من طرق، يعني جاء من طرق كثيرة عن الأعمش عن أبي صالح وعن أبي هريرة.

والإمام مسلم رحمه الله خرجه في كتابه، وحاول أن، يعني حاول الإمام مسلم أن يدفع الشبهة عنه. الأول أشرح لكم فكرة هذا الحديث، هذا الحديث طبعا مشهور جداً، اللي هو: «ما جلس قوم يذكرون الله تبارك وتعالى إلا حفتهم الملائكة ونزلت عليهم السكينة»، اللي هو حديث والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.

وفي الأخير قال: من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً. الحديث رواه مسلم من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، وذكر له متابعة، ذكر متابعة لهذا الحديث؛ لأن الأعمش يعني يدلس، يعني أحياناً يخفي الراوي بينه وبين شيخه. فالإمام مسلم حتى يدفع هذه الشبهة ذكر متابعة لأبي أسامة عن الأعمش قال: حدثنا أبو صالح عن أبي هريرة.

فالإمام مسلم كده يعتبر عمل إيه؟ أن هو حمى هذه الرواية، بيقول: أنا عندي حجة أن الأعمش سمع هذا الحديث من أبي صالح. لكن الروايات الأكثر ليس فيها كلمة حدثنا، وإنما هي كلمة عن، أو حدثت، يعني جاءت رواية ذكرها الترمذي وغيره أن أحد الرواة اللي هو أسباط بن محمد روى عن الأعمش هذا الحديث قال: حدثت عن أبي صالح.

فالامام الترمذي علق على هذه الرواية. الإمام الترمذي ساق الروايتين ثم علق على الرواية الأخرى اللي هي أسباط بن محمد اللي فيها حدثه دي، قال: وكان هذا أصح من الحديث الأول، ثم أسند رواية أسباط اللي هي إيه؟ اللي هي فيها حدثته، يعني فيها أن في واسطة بين الأعمش وأبي صالح.

ورواها مرة أخرى وذكر الخلاف وذكر ما جاء عن الصحابة في هذا الباب. وأنا في رأي أن والله أعلم كان الترمذي أخذ ترجيح الرواية التي فيها حدثت هذه من إعراض البخاري عن هذا الحديث؛ لأن البخاري ما كان ليعرض عن هذا الحديث يا شباب لو كان هذا الحديث صحيحاً عند البخاري. لا يمكن أن يكون تركه البخاري؛ لأن هذا الحديث إسناده عالي جداً، الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، وقبله أبو معاوية، أبو معاوية الضرير أوثق الرواة عن الأعمش هو وشعبة والثوري.

فلما البخاري تعمد عدم إخراج هذا الحديث وهو أصل في الباب -وهشوف البخاري في باب فضل العلم كان المفروض هذا الحديث أحسن ما يدخل فيه- ثم لما ذكره في باب العلم قبل القول والعمل لم يسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فالبخاري كانه يعني رجح أن هذا الحديث لم يسمعه الأعمش من أبي صالح، والرواية التي فيها عن الأعمش عن رجل رجح أبو زرعة أيضاً، وال كتاب الفوائد المنتقاة عن الشيوخ العوالي للحربي فيه رواية عن الأعمش عن الحكم عن أبي صالح، لكن الله أعلم بصحة هذه الرواية.

المهم أن هذا الحديث يا شباب تعرف لماذا تركه الإمام البخاري عليه رحمه الله؟ تركه لأنه يعني فيه شبهة أن الأعمش بينه وبين أبي صالح رجل. الإمام مسلم رأى أن ذلك هو الصواب، أن هذه الرواية صحيحة، وذكر شاهداً لها وهو رواية أبي أسامة أن هو عن الأعمش حدثنا أبو صالح، لكن والله أعلم يبدو أن العلماء ضعفوا كلمة حدثنا هنا، وأنا وجدت حديث أبي أسامة عند الترمذي ليس فيه حدثنا، وإنما فيه عن، عن الأعمش عن أبي صالح.

والدارقطني ذكر طرق هذا الحديث وذكر كذلك خلافاً، وهو رواية أسباط بن محمد هذه، وابن عمار الشهيد أيضاً في، ابن عمار الشهيد له كتاب علل أحاديث مسلم، قال: أن الأعمش صاحب تدليس فربما أخذ هذا عن غير الثقات. فيبقى أنا لماذا أنا ذكرت لك هذه المقدمة؟

طبعاً المسلم يرى صحة الحديث، ومسلم إمام ناقد فرأى أن هذا الحديث ربما يكون مروي من أكثر من طريق وهو اطمأن إلى صحة الحديث، لكن أنا لماذا ذكرت لك هذا؟ لتعرف لماذا لم يسنده البخاري إلى النبي صلى الله عليه وسلم -يعني لم يعلقه- وكذلك لم يخرجه في كتابه مع أنه أصل في الباب، وإذا كان الحديث أصلاً في الباب ولا يغني عنه غيره وتعمد العالم ألا يذكره فهذه إشارة إلى أنه يعله.

واضح؟ طيب، قال: ومن سلك طريقاً يطلب به علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة. قلنا يا شباب: لو أن المسلم استحضرا هذا المعنى فانه يتثبت به في طلب العلم. نفس سلوكك إلى طلب العلم عبادة، كثير من الطلاب يترك طلب العلم لكونه لم يحقق ما أراد فيه، مثلاً درس الكتاب وينسى المعلومات، يحاول حفظ القرآن لكنه ينسى فيترك.

من الذي قال إن المراد أن تحقق؟ لا، هذه فضلة، المراد أن تشتغل بالخير، فكل من اشتغل بالخير فهو ناجح وفالح. قال: ومن سلك طريقاً يطلب به علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة. وقال جل ذكره: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28].

يبقى هنا البخاري أيضاً يتكلم عن فضل العلم وأن العلم يحقق الخشية، وكل من خشي الله فهو عالم. وأنا ذكرت هذا المعنى كثيراً: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: «أعلمكم وأشدكم له خشية». بقدر علمك بالله تخشاه، وبقدر خشيتك لله تكون عالماً به، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28].

أيضاً ما فائدة هذا؟ أثر العلم على أصحابه. وقال: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43]، هذا في الأمثال، وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون، يعقلها يعني يفقهها وينتفع بها، وإلا فالكفار يمكن أن يفهموا الأمثال لكن لا ينتفعون بها، يقولون: ماذا أراد الله بهذا مثلاً؟ فلا تنفعهم الأمثال.

فهذا فيه أن الأمثال تضرب للناس لكن لا يعقلها إلا العالمون، فهذا أيضاً فيه فضل العلم. ولكن العلم يا شباب العلم المحمود في كل الآيات والأحاديث لا يراد منه إلا العلم الذي يعمل به، أما مجرد المعرفة فهذه حجة على أصحابها، لذلك قال البخاري: وقالوا: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 10].

هذه الآية طبعا يقولها الكفار: كلما ألقي فيها فوج سالهم خزنتها ألم ياتكم نذير؟ قالوا بلى قد جاءنا نذير إلى آخر الآيات، فاعترفوا بذنبهم فسحقاً لأصحاب السعير. وقالوا: لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير، فاعترفوا بذنبهم فسحقاً لأصحاب السعير.

فالرسول ركزوا كده يا شباب عشان تفهم يعني إيه نسمع أو نعقل، الرسل جاؤوا بالبينات والنذر، النذر هو التخويف، النذر هو التخويف؛ لأنهم ينذرون مثلاً بالأخبار السابقة عن الأمم السابقة، ينذرون النار، يخوفون، لكن كثير منهم لم يكن يسمع، أو الكفار لم يكونوا يسمعون ولا يعقلون البينات ولا يسمعون للنذر.

البينات هي الحجج أو الآيات، التي سميت بعد ذلك المعجزات، أو بمعنى الأمور التي تخاطب العقل: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ: 46]. فهؤلاء سمعوا وما عقلوا، عقلوا، يعني قامت عليهم الحجة، الله سبحانه وتعالى أثبت لهم أنهم يعني سمعوا الحجة.

لكن في آيات أخرى قال: ما كانوا يستطيعون السمع، مثلاً، يعني ما استجابوا؛ لأن كلمة السمع هنا بمعنى الاستجابة، مثلاً قالوا: سمعنا وعصينا. فكل من سمع ولم يستجب يصح أن تنفي عنه السمع بمعنى أنه لم يسمع السمع النافع، وأحنا لما بنقول: سمع الله لمن حمده، يعني معناها استجاب، أن كلمة سمع تاتي بأكثر من دلالة.

فهؤلاء يعني سمعوا بمعنى أنهم قامت عليهم الحجة، لكنهم ما عقلوا ذلك، كما قال الله سبحانه وتعالى: يحرفون الكلم من بعد مواضعه، أو مثلاً: من بعد ما عقلوه وهم يعلمون. فالله سبحانه وتعالى ذكر ذلك عنهم، فيبقى كلمة: لو كنا نسمع أو نعقل، يعني لو كنا نسمع لهذا الوحي أو كنا نعقل هذا الوحي ما كنا في أصحاب السعير.

طيب، طبعا هذا قالوه حسرة بعد دخولهم النار. وقال: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]. أيضاً هذه الآية فيها أثر العلم؛ لأن هذه الآية الشاهد فيها في أولها: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 9].

هي صفة النبي صلى الله عليه وسلم وكل من كان على مثل هذا الهدي، أن هو يعمل بالعلم، شوف ربنا قال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: 9]. طب ما الذي أقامه؟ يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه. وبعد ذلك قال: قل هل يستوي الذين يعلمون؟ يعني الذين يعلمون يعني يعلمون ذلك وعملوا به، والذين لا يستوون أبداً لا علماً ولا ديناً.

فكل هذه الآيات ساقها البخاري ليبين أثر العلم على صاحبه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفهمه». طبعا الروايات الأكثر والأشهر: «يفقهه»، وهذا الفقه في الدين ثمره، وإن شاء الله يأتي باب الفقه في الدين نتكلم عنه. فكلمه يفهمه هذا يدل على أنه من الله، التفهم من الله، أنت تأخذ السبب ولكن الله هو الذي ينفعك بالعلم وهو الذي يفهمك العلم.

ثم قال: «وإنما العلم بالتعلم»، وهذا طبعا جزء من حديث، هذا الحديث جاء حديث معاويه مشهور، هذا الحديث أصله مشهور: «من يرد الله به خيراً يفقه في الدين»، هذا هو الجزء المشهور، وفي باقيه اللي هو: «وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة»، إلى آخر الحديث، هذا سياتي معنا ان شاء الله قريبا جداً.

لكن هذا الحديث اللي هو: «وإنما العلم بالتعلم»، التعلم زيد في حديث معاويه، جاء في بعض الروايات: يا أيها الناس -النبي صلى الله عليه وسلم قال:- يا أيها الناس تعلموا، إنما العلم بالتعلم والفقه بالتفقه، من يرد الله... إلى آخره. فهذا الحديث وإن حسنه بعض المتاخرين بتعدد الطرق لكنه ضعيف لا يثبت، وتجد هذه الأحاديث في كتاب البزار وكتاب الطبراني، لكن قوله: «إنما العلم بالتعلم» هذا معنى صحيح، لكنه لا يثبت في من جهة الرواية، يعني لا يثبت في هذا الحديث من جهة الرواية.

العلم بالتعلم يا شباب هذا فيه فائدتان مهمتان. ركز بقى كده: أولاً أن العلم عن الله ورسوله لا يكون له طريق أبدا إلا بأن تتعلمه، وهذا فيه نقد لكلام الصوفية وغيرهم الذين يزعمون أن العلم عن الله يمكن أن يكون يعني نور يقذفه الله في قلبك دون أن تتعلم، دون أن تقرا القرآن والسنة، بيسموه العلم اللدني.

واضح؟ الله سبحانه وتعالى قد يمن على عبده ويعلمه، واضح؟ ليس هناك أي مشكله، لكن ليس هذا هو الأصل في التعليم، يعني في فرق بين المحدث وبين المتعلم. عمر رضي الله عنه يعني كان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن كان من أمتي فعمر»، محدث، يعني يحدثه الله بالععلم أو يلقي في قلبه العلم.

هذا أحد الطرق لكن ليس هو الأصل، لذلك عمر رضي الله عنه في بعض اجتهاداته أخطأ، كما في صلح الحديبية وكما بعد ذلك في وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وفي في قتال مانع الزكاة وغيرهم، وكان أبو بكر أعلم؛ لأن أبو بكر الصديق كان ينطلق من الألدلة، واضح؟ ويسلم لها، فلذلك كان أجوبته، كانت أجوبته في كل مشهد من المشاهد العصيبة أصح من أجوبة عمر رضي الله عنهما.

فطبعا أنا لا أتكلم عن هذه الفكرة وإنما قصدت أن هو لما بيقول: العلم بالتعلم، يعني علم الشريعة لا يكون إلا بطلبه بالعلم. إنما دلوقتي أنا أُريد منك أن تنظر مثلاً في الدروس التي يبثها كثير من هؤلاء الصوفية وغيرهم في القنوات، تجد درساً طويلاً عريضا ليس فيه آية أو حديث، كلها خواطر وكلام مليء بالبدع باطل.

العلم بالتعلم بكلام الله وكلام النبي صلى الله عليه وسلم. الإلهام والخواطر والفلسفة، كل هذه الأمور تعرض على كتاب الله وحديث النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59]، ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ [الأنعام: 106].

فأنت مأمور بأمرين ركز معي عند ابتداء شروعك في أي باب من أبواب العلم: ألا تتكلم فيه إلا بالكتاب والسنة وما كان عليه الصحابة الكرام، هذا هو الأصل، تمام كده؟

إذا تنازعت مع أحد ترد ذلك إلى الكتاب والسنة، ترد ذلك إلى الكتاب والسنة. طيب، يبقى هذه الفائدة الأولى من أنما العلم بالتعلم. طب الفائدة الثانية يا شباب؟

عظيمة جدا لك كطالب، وهي العلم بالتدريب والنظر والبذل؛ يعني أنت كل شيء يأتي من يتصبر يصبره الله، من يستعفف يعفه الله. فأنت تقول مثلاً: أنا حفظي، أنا حفظي ضعيف، أنا بنسى، أنا فهمي ضعيف، مالك؟ كلنا هكذا نحاول ونجتهد ونمتعض. العلم بالتعلم، زي ما الإنسان عايز يتمرن مثلاً ضغط في أول مرة بيعمل اثنين، بعد كده يعمل خمسة، عشرة، بعد كده يعمل مائة، وممكن يعمل أكثر من كده.

احنا كان عندنا مدرس في المدرسة والله كان بيعمل ثلاثمائة عَدَّة ضغط، ويعملها بطلاقة؛ يعني احنا بنجيب مثلاً ثلاثين أو أربعين بالعافية، وهو والله كان يجيب ثلاثمائة. فكل ده ليه؟ يعني إيه السبب؟ سألناه، يعني قال كده: إن أنا كنت بدأت أعمل واحدة وأزود أزود لحد... فالعلم بالتعلم. كل باب في الحياة يأتي بالممارسة والصبر. الناس لا ينقسمون إلى ناجح وفاشل، ينقسمون إلى مواظب صابر يواظب ويتعب ويحاول، وشخص آخر سريع الملل. يبقى العلم بالتعلم اصبر.

إحنا أخذنا معنى قبل ذلك، وهو نفس بقائك في طلب العلم خير، يكفي أنه بسلوكك به تسلك به طريقاً إلى الجنة، والله سبحانه وتعالى يجزيك -أعني- يثيبك عليه. طب الفكرة الثانية: العلم بالتعلم؛ يعني لن تنال العلم إلا من جهة ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، هو القرآن والسنة، ولن تنال العلم إلا بالتعلم والصبر والتعب. واضح يا شباب؟

طب يبقى يخرج عندنا هنا صنفان: في صنف من الناس يعظم القرآن والسنة لكنه لا يعتمد -لا يعتمد أقصِدْ، لا يطلب العلم بها- يعني لا يهتم بها. طب الصنف الثاني: يجتهد ويتعب ولكن في غير القرآن والسنة، كما فعل المتكلمون والفلاسفة والصوفية؛ أنهم مثلاً يجتهدون في الخواطر أو مثلاً في فلسفة أرسطو. طب أنت بتتعب وتجتهد؟ أه، لكن تعبت من غير الجهة الصحيحة.

والحق يا شباب هو أن يجتهد المسلم في طلب الحق من القرآن والسنة. أضرب لكم مثال: تصور أن أنا مثلاً أنا مسافر، وعاصم مثلاً اللي بيقرا مسافر، أنا وهو رايحين مثلاً مسافرين من الإسماعيلية إلى بورسعيد، أنا أخذت الطريق الذي يوصلني إلى السويس -طبعاً ده عكسه تماماً يعني، لو أنا في الإسماعيلية وعايز أروح بورسعيد في الشمال، والسويس في الجنوب، فأنا أخذت الطريق الخطأ، فمهما اجتهدت فيه لن أزداد إلا بعداً-. تمام؟ هو بقى أخذ الطريق الصح وماشي فيه، فحتى لو ماشي بالراحة، بس هو ماشي في الطريق الصحيح. يبقى دي مهمة يا... هذه الكلمة: «إنما العلم بالتعلم»، فيها معنيان: العلم عن الله ورسوله بتعلمه من مصدره، والامر الثاني بالاجتهاد في طلبه.

وقال أبو ذر: لو وضعتم الصمصامة على هذه، وأشار إلى قفاه، ثم ظننت أن أنفذ كلمة سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن تجيز علي لانفها؛ قبل أن تجيز علي -يعني تقتلوني- يعني: لو أنتم وضعتم الصمصامة -اللي هي السيف القاطع- لو وضعتُموه على رقبتي يعني لتقتلني، فمعناها إيه؟ فانا ولكن أنا كان عندي علم عن النبي صلى الله عليه وسلم سأبلغ هذا. فيه يا شباب تبليغ العلم وأن العلم أمانة. ولكن نذكر هذا الأثر.

طبعا أنا مهم جداً أنك أنت تستحضر في كلمة «إنما العلم بالتعلم» معنى حتى يتعزز عندك هذا المعنى: الأنبياء يا شباب هم أعلَم الناس، واضح بلا شك، لكن الله سبحانه وتعالى بيّن أن علمهم من الله؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: 113]. ﴿ذَلِكُمِمَّا عَلَمَنِي رَبِّي﴾ كما قال يوسف. والله سبحانه وتعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: 7]، وقال إبراهيم: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام: 77]. فهذا يعزز عندك هذه الفكرة، وهي فكرة أن الأنبياء وهم خير الناس علماً وعملاً، علمهم من الله. لذلك ربنا أمر النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: 50]، هدايتي من وحي الله. فكل من اجتهد في هذا الدين من غير طريق الوحي لن يزيده اجتهاده إلا بعداً عن الحق. واضح؟

طيب، يبقى هذا الحديث بقى، اللي هو أثر أبي ذر، طبعا هذا علقه، هذا معلق يا شباب؛ مادام قال: قال أبو ذر، هذا معلق كما علق الحديث الذي قبله، اللي هو قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفهمه». هذه بعض الروايات، طبعا سيأتي هذا الحديث مسنداً، ولعل البخاري يعني خرج يعني ذكره هنا بكلمة «يفهمه» ليشير إلى باب الفهم، وخرجه بعد ذلك باللفظ المشهور، اللي هو «يفقهه».

وقال أبو ذر... بهذا حديث إيه معلق يا شباب؟ فائدته: الجهر بالحق وبث العلم، وأن العلم ميثاق. قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187]. وقال الله عز وجل لما ذكر اليهود الذين يأخذون الرشوة ليحرفوا كلام الله، قال: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 169]. ثم ذكر الله سبحانه وتعالى المثل الآخر: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: 170].

هذا الأثر يا شباب أخرجه ابن سعد وابن زنجويه والدارمي وأبو نعيم في الحلية من طريق الأوزاعي، حدثني أبو كثير، سمع أباه يقول: أتيت أبا ذر وهو عند الجمرة الوسطى -يعني في الحج يعني- وقد اجتمع الناس يستفتونه، فجاءه رجل فوقف عليه وقال: ألم ينهك أمير المؤمنين عن الفتيا؟ -أمير المؤمنين اللي هو عثمان رضي الله عنه-. فرفع راسه -يعني أبو ذر رضي الله عنه- وقال: رقيب علي أنت؟! لو وضعتم الصمصامة... إلى آخر الحديث.

وكان سبب الخلاف يا شباب أن أبا ذر اختلف مع معاوية رضي الله عنه في: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 34]. فمعاوية يرى أن هي خاصة بأهل الكتاب، وأبو ذر يرى أن هي لأهل الكتاب ولنا. فمعاوية... هذا هو الخلاف الذي حصل بين معاوية وأبي ذر، وبسببه انتقل أبو ذر إلى الربذة.

المهم يا شباب أن هذا الأثر لابد أن تسجله عندك لو سمحتم، نحن نكتب الآثار المهمة؛ يعني سيأتي معنا مثلاً اللي هو قول ربيع الجميل: لا ينبغي لاحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه. وسبق معنا كلام بعض الصحابه الكرام في أبواب الإيمان، وسبق قول عمر بن عبد العزيز. فانا أحب منكم أن تسجلوا هذه الكلمات يا شباب. فهذا القول، أو هذا القول من أبي ذر، فائدتها يا شباب: الجهر بالحق وبث العلم.

قال وقال ابن عباس: كونوا ربانيين حلماء فقهاء، ويقال: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره. أنا وجدت ابن تيمية أسند هذا القول إلى مجاهد، وسبحان الله أردت أن أراجعه؛ لأن طبعا مظنة هذه الاقوال يكون في كتب الآثار، كتب الآثار هي إما الآثار الخاصة بالتفسير، كتفسير الطبري، تفسير عبد الرزاق، تفسير البغوي، تفسير ابن أبي حاتم الرازي، أو كتب الآثار اللي هي مثلاً مسند الدارمي أيضاً يذكر هذه الآثار، وكذلك كتاب مصنف ابن أبي شيبة، وكتاب الإيمان لابن أبي شيبة ونحوها. وهذه الكتب توجد فيها هذه الآثار.

أنا يا شباب أحب أن نقف هنا وقفة يعني إن شاء الله لا أختصرها في معنى الرباني؛ لأننا حينما ندرس هذا العلم يا شباب نريد أن نبلغ أعلاه، إن شاء الله تبارك وتعالى نحاول نجتهد. وقيمة الإنسان ما يطلب، وليست قيمة الإنسان محصورة فيما يحسن، لا، قيمة الإنسان ما يطلب، فنحن نطلب أن نكون أعلى من يطلب العلم، وهم الربانيون.

طيب، نحن نريد أن نعرف أساساً من هو الرباني؟ من هو الرباني؟ لأنه يعني اختلف في اشتقاقه، هل هو مأخوذ من الربان ولا الرب؟ وسنتكلم عليه. قبل أن ندخل في الكلام عنه يا شباب، نحاول أن نبين معنى مهماً، وهو: أنت إذا نظرت في الشريعة، ستجد -أو في القرآن تحديدا- ستجد أن أكثر من أمر ونهي وخوف ورغب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهذا له شواهد كثيرة جداً -يعني تتبع كده في القرآن الأمر والنهي للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وحده، وليس باقي الانبياء- شوف قدر الامر والنهي من الله تبارك وتعالى له! لماذا يا شباب؟ لأنه خير الناس، وبقدر منزلة الإنسان تعلو تكاليفه، أو يعني يكثر الواجب في حقه. فهذا كثير جداً، أنا يعني عندي شواهد في هذا جمعتها طويلة، لو ذكرتها لكم هتاخذ منها ساعة.

بعد الأنبياء الكرام: رؤوس الناس، رؤوس الناس والمتبوعون من الأحبار والرهبان والربانيين والملوك. هؤلاء الأربعة يا شباب: الأحبار العلماء، والرهبان العباد الذين يقتدي بهم الناس في العمل، والربانيون هم الذين يربون الناس، يعني يسوسون الناس، الناس يتبعونهم اللي هم رؤوس الناس، والملوك معروفون الحكام. فهؤلاء الأربعة صلاحهم سبب عظيم في صلاح الناس، وفسادهم سبب في فساد الناس؛ وإن كان كل إنسان... لا تزر وازرة وزراً أخرى، لكن هؤلاء إذا كانوا على خير فثوابهم يضاعف، وإذا كانوا على شر فإثمهم يضاعف.

فالله سبحانه وتعالى ذكر أصناف هؤلاء؛ ذكر مثلاً من فيهم صفة العبادة، مثلاً النصارى الذين قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَتَجَدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهَا لَا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ [المائدة: 82-84]. يعني هؤلاء نموذج للرباني بمعنى أنه عابد ويُقتدى به، فلما عرض عليه الحق استجاب، والله سبحانه وتعالى أثنى عليهم.

والفعل الثاني... الله سبحانه وتعالى قال مثلاً: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُوهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 164]. والله سبحانه وتعالى ذكر أنه نجاهم فقاموا بحق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال الله: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مَنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: 116]. فذكر الله سبحانه وتعالى البقية الذين ينهون عن الفساد في الأرض. في نفس الشيء ذكر مثلاً مؤمن آل فرعون الذي قام مقام صدق، وجهر بإيمانه ونصح الناس، والله سبحانه وتعالى وقاه سيئات ما مكروا. ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ [القصص: 20].

في المقابل، ذكر الله أئمة الضلال؛ أن كثيراً من الأحبار والرهبان لا يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله. وقال الله وذكر طبعا اللي هو: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: 34]. وكما راينا في القرون الوسطى، الذين كانوا يعني اخترعوا فقرة صكوك الغفران، أن المذنب النصراني يأتي إلى القس أو الراهب ويعترف بذنبه ويدفع مالاً، ثم يدعي هذا القس أنه غفر له ذنوبه، واستغل ذلك في الحملات الصليبية، له هذا له موضع آخر.

قال الله سبحانه وتعالى أيضاً: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 30-31]. يعني ربنا سبحانه وتعالى بين أن هؤلاء الأحبار والرهبان جعلوا أنفسهم أرباباً، أو أن الناس اتخذوهم أرباباً. فهل هذا... هل هؤلاء كانوا ربانيين مرضياً عنهم؟ لا، لم يكن مرضياً عنهم. فليس مجرد كون... إن شاء الله نتكلم عن هذا، ليس مجرد وصف الرباني مدحاً في نفسه، وإنما هو معناه أن هذا الشخص متبوع يتبعه غيره، أو أنه من سراة الناس، لكن قد يكون مرضياً عنه وقد يكون مسخوطاً عليه.

فلذلك الله سبحانه وتعالى بين قيمة أن تكون ربانياً مسؤولاً: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187]. والله سبحانه وتعالى ذكر الطائفتين في قول الله: ﴿وَقَطَعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأعراف: 168-169]. هذا هو القسم الأول.

القسم الثاني: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: 170]. وحديث أسامة بن زيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن يُجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابُه -أمعاؤه يعني- فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان، ما شانك؟ أليس كنت تامرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه. فهذا يؤكد هذا المعنى: ليس كل من كان رأساً للناس يكون محموداً.

وفي الحديث الذي صححه بعض أهل العلم -له شواهد- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون». الأئمة كل متبوع؛ سواء من كان يقود الناس بالشرع، بالعبادة، الأحبار، الرهبان، الملوك، أو يقودهم بالقهر والسلطان، أو العلماء الفاسدين، كل هؤلاء يدخلون. ونُسب إلى عبد الله بن المبارك أبيات قال: وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها لأن العلماء يدون بالكلمة أو يضلون، والعباد بالاعمال والأسوة، والحكام.

بالسلطان والإلزام والقهر. وثبت عن عمر رضي الله عنه أنه قال لزياد بن حدير: هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت: لا. قال: يهدمه ذلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين. وروي هذه روايات كثيرة. يبقى باختصار يا شباب، حتى ابن عيينة كان يقول: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى. وأكثر، يعني كثير من العلماء قالوا: احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل، فإن فتنته فتنة لكل مفتون.

يبقى نحن الآن يا شباب وصلنا إلى فكرة، وهي أن الرباني، هنعرف يعني هي مشتقة من إيه، لكن بشكل عام الرباني هو الراس، رأس يتبعه الناس، قد يتبعه الناس لكونه عابداً، قد يتبعونه لكونه عالماً، قد يتبعونه لكونه مثلاً قائداً، وقد يتبعونه لكونه ملكاً. هذا الشخص يا شباب لا يحمد ولا يذم إلا بقدر قيامه بواجبه أو عدم ذلك. الحق يضيع مع من يكتمون العلم، أو من يلبسون، يخلطون الحق بالباطل، يعني بعض هؤلاء يخلط الحق بالباطل، أو يتكلم في الدين بغير علم، أو يبغي بما عنده من العلم. واضح؟

لذلك الله سبحانه وتعالى علمنا من هو الرباني المرضي عنه؛ لأن ربنا ذكر ربانيين ليس مرضياً عنهم. قال الله عز وجل: ﴿وَتَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: 62-63]. يعني ربنا سبحانه وتعالى يقول: هلا ينهى هؤلاء الذين يسارعون في الإثم والعدوان وأكل الرشا في الحكم من اليهود من بني إسرائيل؟ هلا ينهاهم رباني، الربانيون هم الأئمة وهم السادة الذين يسوسون الناس، هل نهوا هؤلاء؟ كان المفروض ينهونهم. لذلك ربنا قال في آخر الآية: لبئس ما كانوا يصنعون، هؤلاء وهؤلاء.

والله سبحانه وتعالى علمنا من هو الرباني المرضي عنه، قال الله تبارك وتعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي من دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا ۗ أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 79-80]. فليس كل رباني يكون مرضياً عنه، الله سبحانه وتعالى بين أن الرباني يحكم بين الناس، واضح، لكنه قد يحكم بكتاب الله وقد يحكم بالهوى، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِكْتَابِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهَ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: 44]. فهذا الرباني يحكم بين الناس.

فاختلف بقا في الرباني هذا، بعضهم قال مثلاً إن الرباني هذا مشتق من الرب، وبعضهم قال إن الرباني هذا هو الحكيم، وبعضهم قال إن هو الحليم. فاختلف كثيراً في معنى الرباني، وأنا طبعا أطمح أن اختصر ذلك. هذه الآية طبعا فيها بما كنتم تعلمون وبما كنتم تعلمون، وكلاهما قراءة صحيحة. ذكر الطبري رحمه الله أقوالاً كثيرة: إنهم الفقهاء، الربانيون هم الفقهاء، أو هم العلماء، أو هم الحكماء، أو هم الأتقياء، وأنهم منسوبون إلى الرب، أو هم ولاة الناس وقادتهم. فلما ذكر الطبري ذلك عقب بقوله: وفي رأي، هذا هو الأقرب والصواب. وابن تيمية رحمه الله نصر هذا القول نصراً كبيراً، أن الرباني منسوب إلى الربان الذي يرب الناس، أي يقوم على شؤونهم وعلى مصالحهم. وأنا وجدت لذلك شاهداً في صحيح البخاري برقم 4666، ولكن اختصاراً لن أذكره.

فالطبري رحمه الله ذكر قولا لعلقم بن عبدة، شعراً استنبط منه هذا المعنى، قال في الشعر: وكنت امْرَأً أفضت إليك ربابته، وقبلك ربتني فضع ربوب. فالرب هنا بمعنى المربي أو الربان الذي يرب الناس، يعني يقوم على أمرهم. واضح؟ يبقى دي الآية، دي الفكرة الأولى، أن الطبري يخالفهم في أن الرباني مشتقة من الرب، لأنها لو كانت مشتقة من الرب يا شباب لكانت هتكون مدحاً في كل السياقات، وهذا ليس صحيحاً؛ لأن الله ذم ربانية اليهود. تمام كده؟

طيب، يبقى خلص الطبري إلى أن الربانيين هم عماد الناس في الفقه والعلم وأمر الدين والدنيا، ده التعريف الخلاصه يعني. عماد الناس في الفقه والعلم وأمر الدين والدنيا. وقال: ولذلك قال مجاهد: هم فوق الأحبار؛ لأن الأحبار هم العلماء، والرباني هو الجامع، ركز بقى في دي، هو الجامع إلى العلم والفقه البصر بالسياسه والتدبير والقيام بأُمور الرعية وما يصلحهم في دنياهم ودينهم. يا سلام! الشيخ محمود شاكر أول ما وقف، يعني لما كان بيحقق تفسير الطبري، علق تعليقاً بديعاً على تعريف الطبري قال: قل أن تجده في كتاب من كتب اللغة، هذا أجود ما قراته في معنى الرباني. وبدا يتكلم ويثني على الطبري في تحريره لهذا المعنى.

هذا المعنى يا شباب لو طالب العلم تفكر فيه سيعرف أن المنوط به أعظم بكثير من مجرد أن يبلغ العلم. أعيد مرة أخرى يا شباب، شوف بيقول إيه: الربانيون هم عماد الناس في الفقه والعلم وأمر الدين والدنيا، ولذلك قال مجاهد كذا كذا كذا. قال يعني في الرباني الجامع إلى الفقه إلى العلم والفقه البصر بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية وما يصلح دنياهم ودينهم. ليس مجرد إنسان يبث العلم، لا، إنسان يريد الخير للناس ويسعى ويجتهد وهو بصير بواقع الناس ويقوم على مصالحهم في دينهم ودنياهم. نفس الكلام ابن تيمية عليه رحمة الله كان يتكلم في معنى الربانيين، ونحن أخذناها، اخذنا هذه الرسالة «وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير»، وتعرض فيها ابن تيمية لمعنى الرباني وذكر أن الربان مأخوذ من ربان السفينة الذي يقوم عليها، وأن بعض، لأن بعض العرب لم يكن يعرف هذا، لم يكن يعرف السفن أو كذا، يعني لم يتفطن لهذا المعنى. المهم أن ابن تيمية وصل إلى قريبا مما وصل إليه الطبري عليه رحمة الله، فابن تيمية ينفي نسبتها إلى الرب ويثبت أن الصواب فيها أنها مأخوذة من الربان.

طبعا هذا الربان يا شباب، هذا له صفات كثيرة جداً، أنا في محاضرة تكلمت عنها بتوسع، لكن فقط أنا توسعت في هذا المعنى لماذا يا شباب؟ لبيان أن مجرد وصف الإنسان، مجرد وصف الإنسان بأنه رباني هذا لا يستلزم أن يكون مرضياً عنه إلا إذا كان ربانياً بعلم الكتاب وتعليمه، وهذا فيه صفات كثيرة: منها الفقه في الدين، ومنها العمل بالعلم، ومنها الصبر، ومنها البينات أن يكون على بينة، ومنها الحكمة في بث العلم كما ذكر البخاري، اللي هو يربون الناس بصغار العلم قبل كباره، أن هو ينبغي أن يتعلم المحكمات قبل أن يتعلم الشبه والرد عليها، وكذلك تعلم الكليات قبل الجزئيات. فكل هذا يندرج تحت معنى الرباني، بمعنى أنه عنده حكمة في العلم، سواء في تلقي العلم أو في تعليمه.

وأنا ذكرت كثيراً من أعظم أسباب ضعف كثير من طلاب العلم الدخول في الجزئيات والشبهات والاعتراضات قبل القواعد والمحكمات، فهذا يناسب قول البخاري: ويقال الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره. صغار العلم يعني يقصد الأمور الواضحات البينات أو المحكمات قبل الكبار، اللي هو الكبار اللي هو دقائق العلم أو الجزئيات أو الشبهات أو نحو ذلك مما يحتاج إلى أن يكون عند الطالب قاعدة قبل الدخول فيه. فهذا الباب طويل جداً، ولكني حاولت أن أبين لك معنى الربان أو معنى الرباني حتى تسعى في هذه الصفات؛ منها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاصلاح والقيام على أمر الناس.

بمعنى أصح يا شباب، أن تنصر دين الله على هدى من الله، وأن، يعني كان باختصار يا شباب وظيفة الأنبياء، كان هي وظيفة الأنبياء بالضبط، اللي هو القيام على إصلاح الناس بالوحي، ولكن كونوا ربانيين بما كنتم، بعلمكم أو بتعلمكم، بتعلمكم للكتاب وتعليمه ﴿بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: 79]، يعني أن تقوموا بحق الله على هداية من الله تبارك وتعالى. فأن اطلت عليكم في هذا، ولكن يعني هذا كنت احتاج أن أفسر لكم فيه.

طيب، نكمل معانا يا وئام، تقرا شوية يا وئام؟ معك شيخنا، معك أنا، اتفضل يا وئام. مكان، عفواً شيخ تفضل، ممكن تعيد؟ تفضل، اتفضل، اقرا جزاك الله خيراً: باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم. حدثنا محمد بن يوسف قال: أخبرنا سفيان عن الأعمش عن عندك فقط يتخولهم عندي أنا؟ ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا، ليست موجودة عندك؟ ها لا، عندي شيخنا أنا إذا ما قراتها ما أنا منتبه والله. آه لا اقراها، عدها مرة أخرى. باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا، حدثنا محمد بن يوسف قال: أخبرنا سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السامة علينا. حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا شعبة قال: حدثني أبو التياح عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا».

بارك الله فيك. التنبيه، يعني أخص تنبيه أردت أن أنبه عليه في معنى الرباني يا شباب، اشتقاق هذه الكلمة وأنها ليست مشتقة من الرب في قول بعض أهل العلم، وأنها ليست صفة مدح في كل حال، بل ذكر ربانيون مذمومون. والفائدة الثانية وهي دقيقة بقا، أدق يا شباب، وهي أن عند الطبري وعند ابن تيمية لا يكون الإنسان بمجرّد علمه ودعوته ربانياً محموداً، لابد أن يكون قائماً بالاصلاح وعالماً بواقعه ومحاولاً لإصلاح واقعه بالوحي، فالرباني أعلى من مجرد العالم أو الحبر. فهذان تنبيهان مهمان.

طيب، هذا الباب هو باب للمعلم، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا، فهو نافع للمعلم وللمتعلم. طبعا لاحظوا أن البخاري يستمر معنا في هذه الفكرة، أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في كل باب هو أحسن الهدي حتى في التعليم. وكثير من الناس يجعل هدي النبي صلى الله عليه وسلم مقدماً في أبواب الفقه والأحكام، ويترك أبواب مثلاً التعبد، فكما يفعله كثير من العباد، أن هو يتعبد إلى الله بطريقته هو، وهي دي معنى كل كلمته كلمتهم، كل شيخ له طريقه، ومثلا كل واحد من هؤلاء ياخذ من الدين قطعة لنفسه، في السياسة مثلاً أو في العبادة أو في باب الإيمان، يقول لك: هذا نرجع فيه إلى العقليات أو إلى علم الكلام. لا، كل أبواب الدين أنت فقير فيه إلى هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فهنا البخاري نقل لك كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمهم، وهي فيها الحكمة في التعليم. الحكمة في التعليم يا شباب ترجع إلى أمور كثيرة، منها مثلاً ليس كل ما تعلمه تعلمه، ليس كل شيء عندك فيه حجج تقوله لكل أحد، لابد أن تختار الوقت المناسب والشخص المناسب والطريقة المناسبة، فهذا من الحكمة. فهنا يعلمك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتخولهم بالموعظة، التخول اللي هو التعهد، ﴿وَتْرَكْتُم مَّا خَوْلَنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: 94]. ففق التعليم فيه أن تختار الشخص المناسب، وأن تختار الوقت المناسب، وأن تختار الظرف المناسب، وأن تختار كذلك الطريقة المناسبة التي توصل بها المعلومة.

باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة، الموعظة اللي هي التذكير أو النصح ويدخل فيها العلم، وعطف عليه العلم للتاكيد: بالموعظة والعلم كي لا ينفروا، يبقى هنا مراعاة المتعلم. طيب، هذا يا شباب إذا قال كي لا ينفروا معناها أن المعلم إذا علم من الطالب أن لديه رغبة وأنه لا ينفر بل عنده شوق، فانه يزيد عليه. والعلماء لم يفهموا من هذا الحديث قط أن الإنسان يدرس يوماً في الأسبوع، لا، وإنما فهموا منه أن في دعوة الناس عموماً أننا نحاول أن نتخولهم، نقلل عليهم في الموعظة، ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وأن احنا نراعي مصالحهم ونراعي أعمالهم، سواء في العبادة، في الصلاة، سياتي معنا: إن منكم منفرين، لا نطيل عليهم في الصلاة بحيث يضيقوا أو يتعطلوا عن مصالحهم. لكن إذا كان الإنسان مثلاً يصلي لنفسه يصلي ما شاء، يصلي بناس مثلاً عندهم قدرة وحب يصلي معهم ما شاء. وكذلك في التعليم، فنفرق بين تعليم الناس عامة الناس، ونفرق بين من عنده حب وتفرغ للعلم. واضح؟

فلا يفهم من هذا الحديث، لأن بعض الطلبه بقى ممكن ياخد الحديث ده حجة ويقول: لا، بص بقا احنا بعد كده ناخد الدرس عشر دقائق وخمس دقائق، لا، هذا مقصود به في من يمكن أن ينفر، لكن انتم إن شاء الله مش هتنفروا وأنا وراكم وراكم لحد ما اطلع إيديكم. قال: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا. يبقى النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن نراعي حال المتلقي، ممكن أنت كشخص يكون عندك نهم وحب وصبر وجلد، لكن لابد أن تراعي المتلقي، تمام، حتى مع ولدك، مع أهل بيتك، حاول أن كلف الناس بما يستطيعون القيام به وبما يفرحون بالقيام به؛ لأن الشريعة لم تأتي لينفر الإنسان منها، لأن الشريعة لم تأتي لتنفر الناس، بل لتجلبهم إلى الواجبات أو طلب العلم. قال: حدثنا محمد بن...

يوسف طبعا الفريابي قال: أخبرنا سفيان. طبعا سفيان الثوري أول ما تلاقي محمد بن يوسف عن سفيان، يعني بيكون محمد بن يوسف الفريابي عن سفيان الثوري، وهذا موجود كثير عند البخاري. عن الأعمش سليمان بن مهران، عن أبي وائل، اللي هو شقيق بن سلمة.

في رواية موجودة عند مسلم عن علي بن مسهر عن الأعمش، وحدثني عمرو بن مرَّة عن شقيق، يعني في الأعمش كأنه سمعه مرتين؛ مرة سمعه من أبي وائل مباشرة، ومرة سمعه من عمرو بن مرة عن أبي وائل. ولكن الأعمش صرح بالسماع في مسند أحمد، يعني في مسند أحمد الأعمش صرح بالسماع من أبي وائل. أبو وائل هو شقيق بن سلمة عن ابن مسعود، قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السامة علينا». السامة اللي هو الضجر أو الملل، أو أن الإنسان يعني يكره شيئا بعد الدخول فيه، فالإنسان يكون فقيها يعني المعلم يراعي حال الناس.

ووجد أيضا تصريح للأعمش في صحيح البخاري رقم 6411 صرح بالسماع أيضا، فهذه فائدة. فالمهم أن المعلم يا شباب بشكل عام يحاول أن يراعي حال المتلقي، لا يصل به إلى السامة، وكذلك مع نفسه؛ يعني أنت مع نفسك يا شباب حاول أنك أنت -أنا مش عارف هل هتكون النصيحة دي في موضعها ولا لا- يعني هل أنتم تشقون على أنفسكم لدرجة أن أنا أوصيك منك أنت ترحم نفسك شوية؟ زي ما كان في شخص يعني أعرفه حياته كلها بقى مكبر دماغه من الدنيا ما بيصليش ومقضيها ألعاب على الكمبيوتر، فانا في مرة بقول له: يعني حاول بقى تفوق لنفسك شوية كده وتبدا تلتزم بالصلاة وتسيبك من الألعاب الإلكترونية دي تضيع وقت وتضيع صحة. فقال لي: يا شيخ ربنا بيقول: ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77]. قلت له: يا ابني ده أنت أخذت نصيبك ونصيب الناس كلها! يعني أنت أنا عايز أقول لك: لا تنس نصيبك من الآخرة.

فأنت بشكل عام حاول أنك أنت والله يا شباب الإنسان لما يصبر على طريق الخير الله سبحانه وتعالى يفرحه به، وما وجدت إنسانا أبدا يصبر على طريق إلا ويستلذ به بعد ذلك، ويكون متعته وقرة عينه، فاصبر. ولكن هذا الكلام نحن ننصح به من دخل في طريق ويخشى الملل عليه، أما طالب العلم لا ينبغي أبدا أن يطاوع نفسه في هواها؛ لأنك طبيعي في البداية هتقول لي أصل أنا.. طيب كان يتخولهم النبي صلى الله عليه وسلم بالموعظة، فتضع الحديث في غير موضعه. تقول: طيب أنا أصل أنا بتعب وبمل وتضيع وقتك، لا، هذا للانسان الذي يخشى عليه من ذلك، أما إنسان جعل طلب العلم طريقه وجعل طلب العلم قربته إلى الله، ينبغي أن يعود نفسه على الصبر والجلد في طلب العلم ويتحمل ذلك، هذا لا يستدعي هذا الحديث، وإنما يستدعي: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]، ويستدعي: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله»، ويستدعي معنى: «إنما العلم بالتعلم».

فلا بد يا شباب أن تصبروا وتستعينوا بالله، ولكن هذا بشكل عام يبين فقه النبي صلى الله عليه وسلم وحكمته، وهو طبعا كان أحكم الناس، ويبين كذلك اهتداء ابن مسعود بالنبي صلى الله عليه وسلم، لأنه سياتي في لفظ أن ابن مسعود كان يتبع النبي صلى الله عليه وسلم في تعليمه للناس في هذا الهدي الشريف.

الحديث الثاني: حدثنا محمد بن بشار، طبعا محمد بن بشار بندار يعني هذا يتكرر معنا كثيرا، حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن، حدثنا شعبة، قال: حدثني أبو التياح، اللي هو يزيد بن حميد الضبعي البصري، ثقة ثبت يعني من ثقات الحفاظ، عن أنس، أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يسروا ولا تعسروا». هذا يعني ترى أن التيسير في الشريعة أمر تأسيسي، والانسان يحتاج أن يصطحب هذا في كل أمر من أموره، أن ييسر على الناس. التيسير يا شباب سواء في التشجيع أو في أن تيسر عليهم أسبابه. أضرب لكم مثالا حتى نجعل هذا الدرس عمليا؛ تصور أنا مثلا حينما أدعوك إلى مذاكرة كتاب البخاري، أنا قلت لك على فكرة ذاكر كتاب البخاري لأنه كتاب مهم، أنا كده عرفتك لكن لم أيسره لك. أيسره لك أن أقول لك أشجعك عليه، افتح نفسك للكتاب، خد بالك ده الكتاب مفيد في كذا، سيضيف لك كذا، فهذا من التيسير أنني أشجعك على الإقبال على الكتاب.

ومن التيسير أيضا أن أشرحه لك، أو مثلا أن أجعله لك في سؤال وجواب، أو أن أكتب لك الفوائد، أو أن أدرسه لك، أو مثلا الأمور الصعبة مثل خرائط الحديث أكتبها لك. فالتيسير يا شباب ليس في مجرد اللسان فقط، وإنما التيسير أن تعين المتلقي على العمل بالخير. أن تعين مثلا أنت ولدك كلفته بحفظ سورة -وبعض الناس يعملها دي للأسف- يكلف ابنه مثلا بحفظ سورة ويسيبه، طيب لا، أنت كلفت ولدك بأنه يحفظ مثلا سورة الفرقان، اقف جنبه وابدا بقى اقرا معه السورة. وأنا ذكرت قبل ذلك الشخص الذي يعلم أبناءه بهذه الطريقة؛ يشغل مثلا وهو يحفظوا سورة الفرقان زي ما قلنا يشغلها طول النهار في البيت، وبيصلي بهم الصلوات كلها بالسورة، ولما الأولاد يصلون السنن يخليهم يصلون بأجزاء منها ويفسر لهم السورة، وبعد كده يراجع لهم السورة، ولو مسافرين مثلا يقرأها عليهم. تصور أن هو يكلف ويحاول يعينهم.

أنت نفس الشيء، إذا كلفتك امرأتك بشيء أعدها عليه، إذا كلففت أبناءك، إذا كلففت صديقا لك في العمل مثلا أنت لسه عايز تفتح نفسه على القراءة في القرآن أو حفظ القرآن، اختر له السورة السهلة عليه حتى يسهل عليه ذلك. يبقى يسروا ولا تعسروا، مع أن التيسير متضمن عدم التعسير، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم يؤكد: «ولا تعسروا»، لا تصعب الأمور ولا تشقوا على الناس. الله سبحانه وتعالى ما جعل علينا في الدين من حرج. وهذا يا شباب يرجع إلى الفقه، أنك أنت تختار لكل شخص ما يناسبه؛ في شخص مثلا عنده صبر على الأمور الكبيرة خلاص أعطه، لكن في شخص آخر يمل، وهذا تحتاج أنت فعلا في تربية أبنائك وفي سياسة زوجتك وفي تعليم الناس، أنك أنت تختار لهم ما يناسبهم وما يقوون عليه. لكن أنت لو شقيت عليهم -بعض الناس مثلا يقول لابنه: أنا هبدا أحفظك مثلا من سورة البقرة- طيب اصعق عليه، سيحس ولدك باليأس، لا، ابدأ بما يمكن أن يحفظه ويسهل عليه حتى يكون عنده ثقة.

يبقى التيسير يا شباب هو الهدي النبوي في التعليم، وليس المراد منه فقط أن تذكر عبارات التيسير، وإنما المراد أن تسهل له وأن تشجعه عليه وأن تعينه عليه أيضا. قال: «وبشروا ولا تنفروا». وفي رواية عند البخاري «سكنوا» ستاتي معنا إن شاء الله من رواية آدم عن شعبة «سكنوا ولا تنفروا»، يعني قريبة من كلمة بشروا، أنك أنت دائما تبشره؛ يعني أنت تبشر الشخص الذي تكلفه بالشيء، مثلا أنت تقول لولدك: احفظ القرآن، طيب تذكر له ثواب من تعلم القرآن، تذكر صديقك مثلا بترك الربا وتذكره بذلك، يبقى تبشره، يعني تهيئ نفسه للعمل بهذا الخير، ودائما يكون عندك نية الخير. وبشروا يعني بمعنى إيه؟ حاول يعني مثلا إذا كان في شخص يقدم على شيء حاول أن تبشره، لا تذكر له ما ينفره عنه.

الباب الذي بعده معنا سيد هلال؛ سيد هلال عشان رافع إيده من مدة، اتفضل يا سيد. معانا يا سيد؟ سيد ممكن يكون فتح الميكروفون وراح يفطر بقى. آخر نداء إلى سيد. طيب تفضل يا سيد، أفضل يا سيد.

باب من جعل لاهل العلم أياما معلومة. حدثنا عثمان بن أبي شيبه قال: حدثنا جرير عن منصور عن أبي وائل قال: كان عبد الله يذكر الناس في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن لوددت أنك ذكرتنا كل يوم. قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم، وأني أتخول بالموعظة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بها مخافة السامة علينا.

أحسنت بارك الله فيك. باب من جعل لأهل العلم أياما معلومة. طيب هذا هنا يعني هذا الحديث تكرر معنا ولكن فيه زيادة، هذا الباب يختلف عن الباب الذي قبله -ممكن تقفل بعد إذنك يا سيد الميكروفون عشان ما يشوش- فباب من جعل لأهل العلم أياما معلومة يختلف عن الذي قبله اللي هو تحديد أيام معلومة للدروس أو العلم. وليس المراد من ذلك يعني أنك تحدد نفس اليوم، ولكن المقصود يعني اللي هو أن يكون هناك ورد ثابت في الدرس أو التعليم، وهذا أفضل، أن لما يكون في مثلا معروف أن الدرس مثلا يوم كذا في الوقت الفلاني، هذا أفضل أن يكون شيئا تعتاد عليه النفس، فهذا أيضا فيه فائدة للمعلم وللمتعلم.

قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة. عثمان بن أبي شيبة اللي هو عثمان بن محمد بن إبراهيم أخو أبو بكر بن أبي شيبة شباب اللي هو ليه كتاب المصنف، ليه كتاب الإيمان. فعثمان بن أبي شيبه أحد الثقات الحفاظ أيضا، طبعا ليس مثل أخيه، ولكن عائلة ابن أبي شيبه عموما هم من أهل العلم، هم طبعا كوفيون. هذا الاسناد كوفي من أوله إلى آخره. حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا جرير، جرير بن عبد الحميد الضبي، يتكرر معنا كثير، عندنا جرير بن حازم، ولكن يعني الأشهر عندنا والأكثر الذي يتكرر معنا جرير بالذات، عن منصور، منصور بن المعتمر، عن أبي وائل اللي هو شقيق بن سلمة، قال: كان عبد الله -عبد الله طبعا عبد الله في الإسناد الكوفي يا شباب دائما هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه- هنا بقى هذا الحديث ذكر سبب الحديث، يعني احنا في المره اللي فاتت ابن مسعود قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة، لم نعرف سبب أو مناسبة الحديث، إنما في هذا الحديث يا شباب فيه المناسبة.

قال: كان عبد الله يذكر الناس -يعني يعلمهم أو يعظهم- في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، لوددت أنك ذكرتنا كل يوم. يبقى هنا في مناسبة، عرفنا مناسبة هذا الحديث الذي استدعاه ابن مسعود رضي الله عنه. ويا شباب بشكل عام، معرفة سبب نزول الآية، ومعرفة سبب الحديث، ومعرفة سبب القصيدة، كل ذلك معين على فهمها، معرفة سبب الحدث معين على فهم الحدث، واضح؟

فهنا ابن مسعود تأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم في أنه كان يتخول الناس بالموعظة أو بالتعليم، وفيه فائدة أن لو بعض المتلقين مثلا توجد عنده همة ولكن الأغلب من الناس لا يحتمل، فانت تراعي الأغلب، ولكن هذا بحسب الدرس يا شباب، بحسب الهدف من الدرس. يعني مثلا أنا كنت مثلا في فيسبوك بعمل بعض المقاطع القصيرة، خمس دقائق أو عشر دقائق أو سبع دقائق للناس، أتكلم فيها عن آية أو حديث، فمثلا أحيانا يكون عندي درس فأشرح فيه كتاب، فهذا طبعا موجه لشريحة معينة من الناس، فيأتي بعض الناس الذي ليس عنده طاقة لتحمل الدروس فينهاني عن هذا الدرس، طيب أنت لماذا تنهاني؟ أنا أعطيتك نصيبك، فانت لماذا تنهاني على الدرس؟ يقول: احنا هذا الكلام أما صعب علي وأما الدرس طويل. طيب هو ليس مقدما لك أصلا، ليس مقدما لك، زي بالضبط مثلا قطعه اللحمة يأكلها الإنسان الكبير لكن لا يأكلها الطفل، فما دمت لست مهتما باب فلا تنه من اشتغل بهذا الباب.

واحد يقول: كيف أنت مثلا تدرس للطلاب مثلا ثلاث ساعات أو أربع ساعات؟ أربع ساعات إيه يعني؟ أنا في طلاب بذاكر معاهم بالعشر ساعات والحمد لله وأكثر من ذلك. فأنت ما دمت أنت مثلا لا تجد في نفسك طاقة أو ليس عندك وقت، لماذا تجور على غيرك؟ فهذا خطا، وإنما يراعي المعلم حال الناس ويراعي الهدف من الدرس أيضا. لأن ممكن واحد يقول: طب أنا بحضر معك درس البخاري، لكن أول ما تذكر فوائد في الإسناد أنا لا أفهمها، طيب وأنا ما ذنبي؟ أنا هنا أدرس لطلاب درسوا علوم الحديث، فأنت حاجة من الاثنين؛ أما أنك تفوت هذه الفوائد، أو أنك أنت تحاول أن تتعلمها ترجع وتستدرك ما فاتك، لكن أن تنهاني عن بث هذه الفوائد لمن يستحقها أو لمن يحتاجها يبقى ده خطأ.

فدي فكرة مهمة، يبقى احنا هنا يا شباب عندنا أمران؛ أن المعلم يراعي حال أغلب الناس ويراعي كذلك الهدف من الدرس أو من المحاضرة. فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن -اللي هي كنية عبد الله بن مسعود- لوددت، يعني أنا أريد منك أن تذكرنا كل يوم. من جمال كلامه ومن جمال حديثه يعني قال: أما إنه يمنعني من ذلك -شوف هو بيقول: أنا أريد ذلك وأنا أحب- يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم، وأني أتخول بالموعظة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بها مخافه السامة علينا. فيه اتباع عبد الله بن مسعود لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذا الحديث يا شباب يدخل في الحديث الفعلي، يعني من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتخولهم، إنما الحديث الآية التي قبله أيضاً كذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة، ففيه مراعاة حال المتلقي، ويختلف هذا باختلاف الحال وباختلاف الهدف من الدرس والمخاطبين ومراعاة الأغلب.

طبعا هذا الحديث إن شاء الله سيأتي معنا أيضاً، وعندما يأتي يتكرر معنى الحديث سنتكلم عنه إن شاء الله تبارك وتعالى في موضوعه.

باب من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين.

حدثنا سعيد بن عفير، قال: حدثنا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: قال حميد بن عبد الرحمن: سمعت معاوية خطيباً يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله».

بارك الله فيك، هذا الباب (باب من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) هذا هو ثمره تحصيلك للعلم.

يبقى هذا الباب يا شباب هو ثمره تحصيل العلم، يفقهه في الدين ليس طلب العلم هو الفقه في الدين، طلب العلم هو أخذ الأسباب لتحصل على المعلومات، ثم أنت تحتاج أن تتفقه في هذه المعلومات، ثم تحتاج أن تعيها، فهذه أمور، فأنت كطالب علم تتوجه لطلب العلم يعني تتوجه للتفقه في الدين، تجمع المعلومات وتحاول أن تفقهه، لكن الله هو الذي يفقه والله سبحانه وتعالى هو الذي يفهم، قال الله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: 79]، فهذا مهم جداً يا شباب، هذه الفكرة مهمة: من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين.

يعني كون الإنسان توجه إلى طلب العلم فهذا فيه خير، لكن أن يفقه في الدين هذا أعلى من مجرد أن يكون لديه معلومات، لا، أن يفقه في الدين يعني يفهم المعلومات، وأن يحسن إنزال المعلومات في مواقعها أو مواضعها، وأن يحسن الدعوة إليها والعمل بها والانتفاع بها، واضح؟

فليس مجرد كون الإنسان طلب العلم يلزم أن يحصل له التفقه في الدين، التفقه نتيجة وأثر للدراسة واتخاذ سبل العلم والتقوى وحسن النظر، فالتفقه في الدين نعمة من الله وعطاء، ولعله لأجل ذلك جاء في الحديث: «وإنما أنا قاسم والله يعطي».

الله سبحانه وتعالى يعطي، فالله سبحانه وتعالى وإن كان المعنى مثلاً أنه يعطي كل ذي حق حقّه في الفرائض أو في الزكاة أو نحو ذلك، لكنه كذلك يعطي يفقه ويعلم، فهذا من المعاني المهمة جداً يا شباب، لذلك البخاري رحمه الله ذكر هذا في فضل العلم، وأنا أحب منك أن تستحضر هذه الفكرة، أن تفقهك في الدين هو نعمة من الله ومسؤولية تحاسب عليها، فهو نعمة تستحق الشكر، لا أبدا لا يستحق منك الإعجاب، لا يحل لأحد أن يغتر بأنه تفقه في الدين لأن هذا نعمة من الله، بل هي مسؤولية، هي مسؤولية والله سبحانه وتعالى يحاسبك عليها، فهي نعمة من جهة ومسؤولية من جهة.

قال البخاري: حدثنا سعيد بن عفير، هذا منسوب إلى جده، وينسب كثيراً إلى جده، وسعيد بن كثير بن عفير، قال: حدثنا ابن وهب، عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي المصري، عن يونس، يأتي هذا الإسناد كثيراً: ابن وهب عن يونس، يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب، محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، قال: قال حميد، حميد بن عبد الرحمن بن عوف ثقة نبيل شريف، قال: سمعت معاوية، معاوية بن أبي سفيان اللي أمه أبو سفيان طبعا أبوه، وأمه هند بنت عتبه رضي الله عنهم جميعاً، قال: سمعت معاوية خطيباً يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين».

يبقى هذا يا شباب أعلى من مجرد التوجه إلى طلب العلم، وأنا أكرر هذا كثيراً: يفقه في الدين يعني أن يكون فقيهاً في دين الإسلام، هذا الفقه مبني على المعلومات ومبني على فهم هذه المعلومات ومبني على حسن التصرف بهذه المعلومات، لأنه ممكن إنسان يضع المعلومة في غير موضعها، واضح؟ ومبني كذلك على العمل، أن تنتفع أنت، والفقيه هو الذي يخشى الله وهو الذي يعمل بالعلم، وليس الفقيه من يحفظ العلم، والله سبحانه وتعالى ذكر: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: 175-176].

فهذا شخص عنده معلومات، لكنه لم يزك بها ولم يكن راسخاً فيها ولم يكن فقيهاً بها، واضح؟

قال: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين»، يبقى نلاحظ هنا أن في عندنا أمران: الفقه، يعني إنسان صار فقيهاً صار فاهماً عالماً عاملاً بالدين أو في الدين، هذا خير الأمور، خير ما يمكن أن يفقهه إنسان في حياته أن يكون فقيهاً في دين الإسلام.

قال: «وإنما أنا قاسم والله يعطي»، سياتي معنا إن شاء الله ذلك في بابه، يأتي معنا في باب فرض الخمس، ويأتي معنا في كتاب التوحيد وكتاب الاعتصام وإن شاء الله، لكن أريد أن نقف هنا على هذا المعنى: «ولن تزال هذه الأمة»، هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله.

لعل في هذا إشارة إلى أن يصبر الإنسان على الحق الذي تعلمه، وأن يكون موقناً به، لا يضره من خالفه ولا يغره تقلب الذين كفروا في البلاد، لأن هذا يا شباب كثير من طلاب العلم يضعف عن العمل بالعلم، ويضعف عن الدعوة إلى الله بسبب كثرة الكفار والمنافقين والمخالفين الذين يصدون عن سبيل الله وينفقون أموالهم، فيغره تقلب الذين كفروا في البلاد.

فهذا الحديث يقول: لن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يضرهم من خالفهم، يعني الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: 31].

كثير من المسلمين وبالذات من طلاب العلم وحدثني بذلك يئسوا والله حدثوني بذلك يقول: أنا يئست من كثرة الكفار والمنافقين والعلمانيين الذين يدعون إلى الفسق والفجور، ويدخل مثلاً على يوتيوب يجد برامج تدعو للإلحاد والكفر وعمل قوم لوط ونحو ذلك، يقول: ومن الذي قال إنك أنت واجبك أن تنفي كل ذلك من الوجود؟ الأنبياء أنفسهم لم يكلفهم الله بذلك، بل ربنا قال لنبينا صلى الله عليه وسلم يريد أن يعرفه سنته وسنة من قبله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ﴾، كما لك أعداء في مكة من المشركين، ولك أعداء كذلك من اليهود والنصارى في المدينة، وأعداء من المنافقين، قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ﴾.

وورقة بن نوفل أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في أول يوم نزل عليه فيه جبريل، قال: ليتني فيها جذعاً إذ يخرجك قومك، قال: أو مخرجهم هم؟ قال: لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي. يعلمه ذلك ليخوض هؤلاء المجرمين، لماذا؟ لأنه يريد أن ينشط في مقابل هؤلاء، ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ﴾ [هود: 121].

فأنت كطالب علم حينما تدرس وتعرف أن هناك من يدعو إلى بدعة أو من يدعو إلى الكفر أو الفسوق أو العصيان، ينبغي أن تزداد همتك لا أن تضعف همتك، ربنا لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ هل يضعفه بذلك أم يقويه؟ يقويه.

إذا علم المسلم أن أعداءه مجرمون هذا يقويه ويجعله أكثر تمسكاً بالحق، فلذلك شباب لابد أن تفهم هذا، إياك، كثير من الناس يقول: أنا أخاف على الإسلام، لا يا حبيبي، الإسلام هو دين الله، والله سبحانه وتعالى كتب: ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: 21]، إنما خاف على نفسك أنت، الحق منصور والباطل موجود، لن ينتفي الباطل من الوجود، وكل مسلم يسعى في نفي الباطل هذا يعني جاهل، يعني يريد أن ينفيه تماماً، وإنما غايتك أن تواجه هذا الباطل بالحق، بنشر المعروف وبإقامة البينات على الحق وبتعليمنا وبنشر الطيبات، تقاوم الفواحش بنشر الطيبات وبالتحذير من الفواحش، وتقابل المنكر بالتحذير منه وببيان المعروف، وتقابل البدعة ببيان السنة ونشر السنة وتعليمها وإقامة الحجج عليها.

هكذا المؤمن لا يضعف، فشوف هذا الحديث، هذا حديث عظيم جداً: «لن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله»، هذا هو المراد يا شباب، أن تلقى ربك وأنت قائم على أمره، هذا معنى كلمة ربنا: ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: 126]، وهذا معنى قول الصحابي الكريم: ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي، أهم شيء أن أنا ألقى ربي مؤمناً موحداً غير مبدل غير مفتون، هذا هو الذي يهمك.

يبقى هذا هو النصر، أنت بتقول النصر إيه؟ طب كيف كيف تقولون النصر واحنا الكفر مالئ الدنيا والشوارع والنساء العاريات؟ من الذي قال إن أنا نصري أن أنفي كل هذا من الكون؟ لا، نصري أن أتعلم الحق وأن أصبر عليه وأن أجاهد في سبيله وبيانه وتعليمه للناس وأن أجهر به وأن ألقى الله به، هذا هو النصر، ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7].

أن تلقى ربك غير مبدل، لذلك يا شباب هذه نصيحة أكررها كثيراً لطلبة العلم: اصبروا واستعينوا بالله، لا يغرنكم تقلب الذين كفروا في البلاد، ربنا قال لنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿فَلَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾ [آل عمران: 196]، الله سبحانه وتعالى قال ذلك: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ [محمد: 4]، الله سبحانه وتعالى ألا يقدر أن ينفي هؤلاء من الكون؟ لكن هذه سنة الله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 251]، سنة التدافع.

فالمهم أين موقعك أنت؟ يعني اصبروا يا شباب بارك الله فيكم.

نكمل، اقرأ يا وئام.

معك شيخنا.

تفضل.

باب الفهم في العلم.

حدثنا علي، حدثنا سفيان، قال: قال لي ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: صحبت ابن عمر إلى المدينة، فلم اسمعه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حديثاً واحداً، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأتي بجمار، فقال: «إن من الشجر شجرة مثلها كمثل المسلم»، فأردت أن اقول هي النخله، فاذا أنا أصغر القوم فسكت، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هي النخلة».

بارك الله فيك، باب الفهم في العلم، هذا باب جديد، في الأبواب السابقة كان يتكلم البخاري عن فضل العلم، ويتكلم عن العلم قبل القول والعمل، ويتكلم كذلك عن التخول في الموعظة، ويتكلم عن جعل لأهل العلم أياماً معلومة، ويتكلم عن التفقه في الدين، الآن يتكلم عن الفهم في العلم.

الفهم في العلم أعلى من مجرد المعلومات، يعني أنت عندك معلومات فانت عندك معلومة، لكن أن تفهم هذه المعلومة أو أن تحسن التعاطي مع هذه المعلومة هذا أمر جديد، باب الفهم في العلم.

الفهم في العلم يا شباب، الفهم من الله، الله سبحانه وتعالى هو الذي يفهم وهو الذي يعلم، ولكن له أسبابه، من ضمن هذه الأسباب المحاولة وتربيه الملكات، يكون بالتركيز مثلاً في الاستماع، يكون بالكتابة، يكون بالمدارسة مع الطلاب، أنك أنت تتدارس مع إخوانك، فالفهم وإن كان من الله لكنه كذلك له أسبابه، فطالب العلم يستفيد من هذا الباب الأخذ بأسباب تنمية الفهم.

ما فيش واحد يقول: أصل أنا فهمي ضعيف، كم من انسان كان ذكياً لكن باهماله فرط، الكسل يورث العجز، انسان عنده موهبة الحفظ لكنه لم ينمها تضيع، طب انسان بسيط؟ إنما العلم بالتعلم، والصبر بالتصبر، كذلك الفهم بالتفهم، أنك أنت تحاول أن تفهم، تحاول أن تجيب، تحاول، يعني أنا كثيراً في بعض الدروس كنت أعلم الشباب مثلاً يرسم خرائط الدروس الصعبة، في شباب من أول ما أشرح لهم المثال مرة واحدة يطبق المثال مهما كان الحديث صعباً، سبحان الله عنده موهبة، في أشخاص آخرين والله كان يرسم الخريطة مثلاً 50 مرة عشان يحاول أن هي تكون صح وفي الأخيرة الحمد لله استطاع أن هو يرسمها بطلاقة هكذا.

والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرا القرآن وهو عليه شاق له أجران»، ليه؟ لأنه أجر القراءة وأجر الصبر عليها، فأنت حتى لو لم ترزق هذا الفهم اجتهد، نفس اجتهادك وصبرك وجلدك تثاب عليه ثواباً مضاعفاً أكثر من مجرد المذاكرة العادية، فاستعن بالله واصبر.

حدثنا علي، حدثنا سفيان، طبعا علي بن عبد الله بن جعفر المديني مشهور، علي بن المديني إمام كبير حجة ثقة، يعني البخاري نفسه يقول: ما استصغرت نفسي بين يدي أحد إلا بين يدي علي بن المديني، وإن كان علي بن المديني طبعا تكلم فيه يعني العقيلي، وهذا من أكبر الأخطاء اللي وقعت، ربما أكبر خطا وقع له في كتابه الضعفاء، والذهبي يعني شد عليه في الكلام جداً وقال يعني: أما لك عقل يا عقيلي أنك وضعت علي بن المديني في كتب الضعفاء؟ فقد خرجت الشمس من مغربها، وخرج الدجال، أو طلبت الشمس من المغربية وخرج الدجال، يعني يبين يعني أن هذه مصيبة كبيرة يعني.

السبب أن علي بن المديني أجاب في الفتنة والإمام أحمد يعني كان أجره وبعدها صار يقول علي فقط، لم يقل علي بن المديني، طبعا لكن هذا لا يؤثر عليه في الحديث، هو إمام ناقد ثقة ثبت بمعنى الكلمة، جمع علم الرجال، جمع الثقة في الرواية وعلم الرجال وعلل الحديث، وهو إمام في علل الحديث، وطبعا له كتاب مطبوع.

حدثنا علي، هو ابن المديني، طبعا عن علي عن سفيان، هو سفيان بن عيينة على طول، قال: قال لي ابن أبي نجيح، اللي هو عبد الله بن يسار الثقفي، هو من كبار ثقات مكة ومشهور بهذا، يعني يأتي كثيرا بهذا، اللي هو منسوب إلى كنية أبيه ابن أبي نجيح، وهو عبد الله بن يسار أبو نجيح، اللي هو يسار هو ثقة لكن متكلم في روايته عن مجاهد في التفسير، وهو كان قدريا معتزليا، أفسده عمرو بن دينار، عمرو بن عبيد أسف، عمرو بن دينار ثقة ثبت.

لكن عمرو بن عبيد المعتزلي، أنت عارف المعتزلة كان أولهم واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، وسبحان الله، هذا يا شباب شاهد يعني يحتاج إلى وقفة؛ ابن أبي نجيح إمام في الحديث ومحدث، كان المفروض أن ابن أبي نجيح هو الذي يجر عمرو بن عبيد من الاعتزال إلى السنة، لكن يعني كان يجب أن ينكر عليه وأن يعلمه وأن يحاجه بالسنة، لكن سبحان الله من العجب أن ابن أبي نجيح تأثر بعمرو بن عبيد، فسبحان الله قال عن مجاهد، مجاهد بن جبر قال: صحبت ابن عمر، مجاهد بيقول هو صاحب ابن عمر إلى المدينة، فلم أسمعه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حديثا واحدا.

طبعا ابن عمر مكثر جدا، ولكن لم يسمع منه مجاهد في هذه الرحلة إلا هذا الحديث، ابن عمر مشهور بالرواية الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن كان يتوقى طبعا فيها وكان يحذر منها، لكن لم يمنعه ورعه من أن يحدث حديثا ضبطه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إلا حديثا واحدا قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتي بجمار، طبعا مناسبة هذا الحديث لم تذكر في الروايات التي قبل، طبعا هذا الحديث تكرر معنا قبل ذلك أكثر من مرة، لكن ذكر هنا المناسبة باب الفهم في العلم؛ أنه لما أتي بجمار، والجمار هو جمع جمارة وهي قلب النخله أو شحمة النخلة، فطبعا النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: إن من الشجر شجرة مثلها كمثل المسلم، فربط ابن عمر بين الجمار وبين هذا السؤال، قال: فاردت أنقول هي النخلة فإذا أنا أصغر القوم فسكت.

وطبعا ابن البخاري عليه رحمة الله ذكر هذا في باب الفهم في العلم؛ لأن ابن عمر طبعا مناسبة الحديث أن ابن عمر ربط بين الجمار وبين سؤال النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا فيه تركيز الطالب ويقظة الطالب وربط الأمور بعضها ببعض، وأشرف من هذا الحديث يعني أنا كنت أحب أن يخرج البخاري في هذا الباب حديثا آخر، وهذا الحديث يا شباب يعني بصراحه أنا لابد أن آقراه عليكم، يعني هذا الحديث حديث شريف جدا في كتاب البخاري برقم ثلاثة آلاف وتسعة وأربع.

طيب، الحديث رواه البخاري بإسناده إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: شوفوا يا شباب اسمعوا هذا الحديث، يعني اكتبه عندك، قال: جلس النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال: «إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء الله وبين ما عند الله، فاختار ما عند الله».

فبكى أبو بكر وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، عجبنا له أبو سعيد الخدري يقول: فعجبنا له، يعني عجب الناس من أبي بكر فعجبنا له، وقال الناس: أنظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير، وكان أبو بكر هو أعلمنا به، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت أبا بكر، إلا خلة الإسلام، لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر».

شوفوا هذا الحديث يا شباب نتكلم عنه في موضوع إن شاء الله، هذا الحديث فيه أن أبا بكر رضي الله عنه لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا المخير، لكن أبا بكر علم أن المخير هو النبي صلى الله عليه وسلم لم يحتج إلى بيان، بينما احتاج باقي الصحابه أن يعرفوا من هو المخير، وأنا في رأي أن هذا الحديث لو كان أدخله البخاري عليه رحمة الله في باب الفهم في العلم لكان يعني أجمل حجة فيه.

ويمكن أن نكتفي على هذا المقدار بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرا، الذي نريد أن ناخذه من هذا الحديث هو أن طالب العلم لا يجمع فقط المعلومات، وإنما يدرب نفسه على الفهم وحل الأسئلة وحل الإشكالات والمدارسة مع إخوانه والحوار، وإنما العلم بالتعلم ومن يتصبر يصبره الله، بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرا.

وقد يكون عندنا درس غدا إن شاء الله سأخبركم في الليل، وأسف أننا في هذه الأيام يعني أحيانا أغير موضوع الدروس لأني كنت مشغول بأشياء كثيرة جدا، وهي أشياء يعني مفروضة علي لا أستطيع أن أتركها، فأنا متأسف أن أنا أغير أحيانا، أنا يعني لا أحب أن ألغي الدرس ولكن أراحل الأيام في يعني من لا يستطيع أن يدرك الدرس في هذه المواعيد يمكن أن يراجعه بعد ذلك في التسجيلات، جزاكم الله خيرا وبارك الله فيكم وأحسن الله إليكم.

وأحب من كل واحد يحضر يا شباب أن يجيب على الأسئلة التي يعني ذكرت لكم ثلاثين سؤالا تستوعب أهم ما مر معنا في كتاب بدء الوحي وفي الإيمان، أحب منك أن تعرض نفسك على هذه الأسئلة لتتعود على، طبعا هي ليست مثل الأسئلة اللي كانت بتجيلك في المدرسة وصح وغلط وأكمل، لا، هي أسئلة تمتحن فهمك وتمتحن كذلك حفظك؛ لأن طالب العلم لا يحتاج فقط الفهم وإنما يحتاج كذلك أن يكون ثابت عنده المعلومات، ويصح لك أن تراجع الشروح ليس مشكلة، المهم عندي أن تثبت هذه المعلومات وتراجعها.

وبعض النساء طبعا أرسلن الاختبارات ممتازة جدا، ونفسي الرجالة بقا يتشجعون؛ لأن بصراحه في كل الدورات اللي بيشترك فيها، بكل بكل صراحه بكل الدورات التي يشترك فيها النساء والرجال سواء دوریة مباشرة، كانت في دورات قبل ذلك في كثير من الدول يكون فيها جناح مثلا للنساء يحضرن، بصراحه في كل الدروس كان يعني يكن أكثر تفاعلا من ناحية إجابة الأسئلة ومن ناحية الاهتمام بعد الدرس سواء في التلخيص أو غيره، طبعا الحمد لله احنا معانا عدد من الشباب مجتهد؛ بشمهندس عاصم وغيره، الحمد لله، ولكن بصراحه أنا أشاعر بكسل شوية من الشباب في الاهتمام بالدروس، سواء هذه الدروس أو غيرها، يعني أشاعر بأنه يحضر الدرس فقط لا يتفاعل مع الدرس ولا يكتب الفوائد ولا يهتم بحل الاختبارات.

مع أن هذا يا شباب هو الذي يثبت عندك المعلومة ويجودها ويطورها، فاجتهدوا بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرا، واصبروا وأدخل كل وقت في هذا الطريق، فانه طريق الأنبياء أن تتعلم وأن تعمل وأن ينفعك الله تبارك وتعالى بالعلم وأن تبث العلم، ونحن نحتاج إلى كتائب من طلاب العلم، لا تظن أننا خلاص كده في طلاب علم كتير، والله أبدا طلاب العلم بالنسبة لحاجة الناس قليلون جدا، والنابغين من طلاب العلم أقل، والعاملون من هؤلاء النابغين أقل، فاستعن بالله واصبر ويكفي أن تكون أنت واحدا من هؤلاء، لا تعتمد على غيرك.

كيف كيف تطيب نفسك أن يكون هناك باب من أبواب الخير وأنت تكسل عنه، كيف كفانا ما أضعناه، كفانا ما أضعنا، أنا لو فتحت هذا الباب لا أملك نفسي ولا أملك عيني إذا تكلمت عما فرطنا فيه وعما تبقى لنا من العمر، الانسان يعني يريد أن يكون اليوم ألف ساعة وليس أربعة وعشرين ساعة حتى يعمره بالعلم والعمل والدعوة إلى الله، يحاول أن يجبر ما فاته، خلاص يعني أظن أن الشباب أكثرهم أفاق من وسائل التواصل التي تحرق الأعمار ومن الجدال الفارغ الذي لا يفيد شيئا، وأظن أن كثيرا منهم بدأ يفيق الآن وعرف طريقه.

فاستعينوا بالله يا شباب واصبروا والله تبارك وتعالى معنا، الله سبحانه وتعالى يعيننا ويسددنا، ﴿اصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الروم: 60]، والله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128]، ونحن لا نتعلم بذكائنا ولا بقوتنا، وإنما نتعلم بفضل الله، الله يبارك لنا في الأوقات القصيرة، حتى لو كنت تجلس على الكتاب ساعة يبارك الله فيها، ساعة بحسن نية وبتركيز وفي الكتاب النافع أبرك من مئة ساعة مع قلب لاه.

وإياك أن تظن، سياتي معنا باب خاص أتكلم فيه عن نموذج منكم وهو من عنده عمل ليس متفرغا، عنده عمل وعنده دوام، سياتي عندنا أن عمر بن الخطاب كان يعمل وكان يعمل في السوق ومع ذلك كان لا يفوته العلم، يعني يدخر كل وقت للمذاكرة ويتناوب العلم مع صاحبه الأنصاري، سياتي معنا ذلك وسأتكلم فيه عن أن كل مسلم يستطيع أن يتعلم فيما تبقى له من الوقت، ربة المنزل والعامل والصانع والطبيب والمهندس، كل واحد منا يا شباب لا بد أن له وقتا، وقت فراغ، هذا الوقت لا بد أن يحسن أن يعمره بالعمل الصالح والعلم النافع.

بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.