الحمد لله رب العالمين، واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له، واشهد ان محمدا عبده ورسوله. صلى الله على محمد وعلى اله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. صباح الخير يا شباب، ارجو ان تكونوا بخير. هذا هو الدرس الثالث عشر من قراءتنا لكتاب الامام البخاري عليه رحمه الله: الجامع المسند الصحيح المختصر من امور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وايامه. معنا الاخ الكريم ابو البراء، تفضل اقرا.
عبد الرزاق: باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم. حدثنا علي بن الجعد، قال: اخبرنا شعبة، قال: اخبرني منصور، قال: سمعت ربعي بن حراش يقول: سمعت عليا يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تكذبوا علي، فانه من كذب علي فليلج النار». حدثنا ابو الوليد...
خلينا نقف ناخدهم حديثا حديثا. البخاري عليه رحمه الله في الباب الذي قبل ذلك: باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب، ذكر فيه ان النبي صلى الله عليه وسلم امر بتبليغ العلم. وهذا الباب مناسب جدا بعده ان يبين إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم، فامر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبلاغ مع تحذيره من الكذب عليه، وهذا ترتيب بديع من الامام البخاري عليه رحمه الله.
وهذا الباب لا يدخل تحته فقط من تعمد الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، بل يدخل فيه كذلك من يتهاون أو يتساهل في التحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. فكان هذا الباب يقول: كل من اراد البلاغ عن النبي صلى الله عليه وسلم، او كل من اراد الكلام في دين الاسلام سواء كان ناقلا او كان ناظرا يستنبط حكما أو ينشره بين الناس، لابد ان يتثبت وأن ياخذ باسباب التحري.
وكثير من الناس سواء كانوا من الدعاة أو كانوا من طلاب العلم أو ممن يكتبون منشورات أو ممن يخطبون الجمعة ونحو ذلك، يتهاونون جدا في امر الاحاديث. اي حديث يسمعه في يوتيوب او يسمعه مثلا في مسجد أو يقرأه في منشور، فانه يبادر بتحديث الناس به، وهذا ليس صحيحا، فمن حدث بكل ما سمع فلا بد ان يقع في الكذب، ويمكن ان يناله نصيب من هذا الاثم لانه كان يجب عليه ان يتحرى.
فانت بين امرين: إما أن تكون من اهل العلم بالحديث تستطيع ان تعرف صحة الحديث وأن ترجع إلى كتب العلل وكلام الائمة فيجب عليك ان تجتهد في معرفة صحة الحديث من ضعفه، أو تكون لست من طلاب العلم فتسأل من تثق فيه. وبشكل عام، صحيح الحديث يغني عن سقيمه، انت لست محتاجا إلى الاحاديث الضعيفة.
وانا اعرف كثيرا من الدعاة يتهاونون جدا في هذا الباب، يجد حديثا يعجبه لفظه أو يشعر فيه بالغرابه أو انه سيجذب انتباه المتلقي، فلذلك يحدث الناس بالحديث مع علمه بأن الحديث ضعفه ائمة العلم، لكنه يتعلق مثلا ببعض التصحيحات للمتاخرين ويتهاون في ذلك. إذا هذا الباب ليس فيه فقط تعمد الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، بل يدخل فيه كذلك من يتهاون أو من يحدث الناس بما يغلب على ظنه أنه ليس صحيحا، أو من يحدث الناس دون أن يتثبت من صحة الحديث.
باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم. لا شك ان الكذب عموما محرم، والكذب على النبي صلى الله عليه وسلم اعظم لأنه نسبة شيء إلى الدين ليس منه، ولذلك فهذا الكذب من الكبائر بلا شك. واختلف هل يكفر صاحبه بناء على ذلك ويخلد في النار أو أنه لا يكفر ولكنه، وهل تقبل توبته؟ يعني لو أن رجلا كذب على النبي صلى الله عليه وسلم واكتشف كذبه هل تقبل توبته عند الناس أم لا؟ يعني هل يقبل حديثه بعد ذلك أم لا؟
اما توبته عند الله فحتى لو كان اشد الناس كفرا وتاب فالله يتوب عليه، قال الله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38]. لكن الكلام هنا: إذا اكتشف ان رجلا يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم ثم تاب، هل نقبل رواياته بعد ذلك؟
قال: حدثنا علي بن الجعد. ذكرت قبل ذلك أن علي بن الجعد هو ثقة حافظ، لكن تكلم فيه لاكثر من بدعة، والبخاري رحمه الله يخرج عنه. وهو تكلم فيه لاكثر من بدعة، ومسلم مع أنه لقيه وهو يعتبر أكبر من لقي الإام مسلم لكن لم يحدث عنه، لماذا؟ لانه روي عنه انه قال: من قال إن القرآن مخلوق لم أعنّف.
المهم أن ترجمة علي بن الجعد نموذج لتراجم الرواة الثقات الذين كل ما فيهم لبدع، وهي ترجمة مفيده لمن يريد منكم أن يهتم بعلم الرجال. ولكن هذا الحديث تابعه عليه عن غندر يحيى القطان، يعني أقصد تابعه عليه غندر عند يحيى القطان. غندر طبعا أروى الناس عن شعبة أو من احفظ الناس عن شعبة رحمه الله، ويحيى القطان كذلك عند أحمد.
فييبقى هذا الباب والبخاري، وهذا بشكل عام يا شباب: أن البخاري إذا روى لراو متكلم فيه، فانه يختار احسن حديثه مما تابعه عليه الثقات ولكنه يقول: هذا الرجل ثقه حتى لو تكلم فيه لبدعة أو تكلم فيه بضعف ما، لكنه تحقق عنده أنه ضبط تلك الرواية فلماذا لا يخرجها؟ واضح.
قال: حدثنا علي بن الجعد، قال: أخبرنا شعبة. شعبة بن الحجاج، قال: أخبرني منصور. منصور بن المعتمر الكوفي، أحد الثقات الحفاظ، أحد ائمة الاسلام، وأحد الرواة الذين هم ثقات مكثرون ينبغي لطالب العلم ان يعرفه وأن يقرأ ترجمته. وهو من اهل العلم والعبادة ومن اهل الفضل، وترجمته تؤثر في طالب العلم، وانا أحب منكم أن يكون لك على الاقل شهريا تقرا في تراجم هؤلاء، وتعلم ان جزءا عظيما مما كانوا عليه من العلم سببه ما كانوا عليه من تقوى الله بكل فروعها؛ التقوى بكل فروعها، سواء منها الاجتهاد في العباده أو الورع في العلم أو صدق النية ونحو ذلك.
قال: سمعت ربعي بن حراش. ربعي بن حراش من كبار التابعين. يقول: سمعت عليا. طبعا أي تتابع يروي عن علي أو يروي عن احد من الصحابه الذين تقدمت وفاتهم يكون من كبار التابعين، وكثير منهم يكون مخضرما؛ يعني يكون عاش الجاهلية والاسلام.
قال: سمعت عليا يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تكذبوا علي، فانه من كذب علي فليلج النار». وفي رواية: «يولج» يعني يدخل. وفي رواية عند مسلم: «يلج». وهنا فليلج النار هنا كان فيها يعني فيها حرف الفاء، فعند مسلم: «يلج النار».
والامام الترمذي ذكر هذه الرواية من طريق شريك بن عبد الله بن ابي شريك عن منصور، وقال: إن الحديث هذا حسن صحيح. وذكر ما جاء عن الصحابه رضي الله عنهم في هذا الباب اكثر من خمسة عشر صحابيا رووا هذا الحديث، وهو من الاحاديث التي قيل انها متواترة.
وطبعا هو حديث متواتر على رسم اهل الحديث بلا شك، بل هو من اعلى الاحاديث المتواترة. لكنه بالنسبة للمتكلمين؛ لان المتكلمين المعتزلة ومن تبعهم يشترطون للاحاديث المتواترة شروطا لم يثبت ولم يصح بها أثر ولا حتى يدل عليها واقع الرواية، ولم يوافقهم عليها ائمة الحديث بل هي شروط مخترعة اراد منها في الاساس ان يردوا الاحاديث التي تخالف ما هم عليه في ابواب الايمان واسماء الله ومحامده وقدره ونحو ذلك.
فلذلك اخترعوا شروطا للحديث المتواتر، وقالوا إن الاحاديث التي تذكر في فيما سموه اصول الدين -اللي بيسموها العقائد أو اللي هي مسائل العلم- يجب أن تكون توفر فيها العلم أو القطع، والقطع لا يتوفر إلا بالمتواتر بأن يكون الحديث متواترا. ثم اخترعوا شروطا للمتواتر لم يكن عليها احد من اهل الحديث، وأنكرها عليهم ائمة السنة كالشافعي مثلا في كتاب جماع العلم، وكأبي سعيد الدارمي وغير هؤلاء. وتكلمت عن هذا المعنى كثيرا.
وأساسا المتكلمون والاصوليون لا يؤخذ عنهم في علوم الحديث، لا من جهه الرواية ولا من جهه الاسانيد ولا من جهه الكلام عن مصطلح الحديث ولا غير ذلك، وإنما يحاج هؤلاء بما كان عليه ائمة الحديث. فهذا الحديث من اصح الاحاديث، ومن الاحاديث التي رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم عدد كبير من الصحابة الكرام.
نلاحظ أن البخاري عليه رحمه الله قدم رواية علي بن ابي طالب مع أن الاسناد عندنا هنا كم راوي يا شباب؟ عندنا علي بن الجعد، عندنا واحد، اثنان، ثلاثة، اربعة، خمسة. سياتينا بعد ذلك حديث مكي بن ابراهيم عن يزيد بن ابي عبيده عن سلمة، فكان المفروض ان يقدم البخاري هذا الحديث الثلاثي. لكن لجلاله علي بن ابي طالب، فكانه اصح من روي من بلغ البخاري حديثه هو علي بن ابي طالب فلذلك قدمه قبل الاسانيد التي بعده وان كان بعضها اعلى منه اسنادا. وعلو الاسناد -يا شباب- ان يصل الى الصحابي بعدد قليل.
فالحديث الاول واضح في قوله: «لا تكذبوا علي، فانه من كذب علي فليلج النار»، هو لم هنا لم يقيدها بالمتعمد، والكذب هو ان تخبر بخلاف الواقع، قد يكون ذلك بتعمد وقد يكون بغير تعمد.
طيب، الحديث الثاني، تفضل عبد الرزاق. حدثنا ابو الوليد، قال: حدثنا شعبة عن جامع بن شداد عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: قلت للزبير: إني لا اسمعك تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يحدث فلان وفلان؟ قال: أما إني لم أفارقه ولكن سمعته يقول: «من كذب علي»، فـ«من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار».
تمام، هذا الحديث هو الحديث الثاني تحت هذا الباب، والبخاري سيذكر جملة من الاحاديث لأن كل حديث يضيف معنى جديدا، وكل حديث يدل على فقه الصحابة رضي الله عنهم لهذا المعنى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: حدثنا ابو الوليد، طبعا هو هشام بن عبد الملك الطيالسي، هذا بصري وتكلمت عنه قبل ذلك وأنه من اثبت الرواه عن شعبة بن الحجاج، وهو كذلك من الشيوخ الذين يصل بهم البخاري الى شعبة براوي واحد، لانه احيانا يصل الى شعبة باكثر من راوي.
قال: حدثنا شعبة -طبعا شعبة بن الحجاج- عن جامع بن شداد المحاربي، هذا كوفي ايضا ثقة، عن عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام عن أبيه؛ أبوه اللي هو عبد الله بن الزبير، قال: قلت للزبير -الزبير بن العوام رضي الله عنه حواري الرسول صلى الله عليه وسلم-: إني لا اسمعك -يعني ابنه عبد الله بن الزبير يقول لابيه-: إني لا اسمعك تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يحدث فلان.
يعني جاءت رواية عند ابن ماجه رواية غندر عن شعبة عند ابن ماجه وأحمد: كما يحدث ابن مسعود. كأنه يقول له: أنت كنت ملازما للنبي صلى الله عليه وسلم وكان لك منه وجه، فلماذا لم تحدث كما يحدث فلان؟ وهذا -يا شباب- مهم أن يعرفه طالب العلم، لابد أن تعلم أن هناك تحملا وهناك أداء.
فالصحابة صاحبوا النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا ملازمين له وكانوا قريبين منه كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغير هؤلاء الكرام، ليس كل هؤلاء الصحابة يكونون على درجة واحدة في الرواية عنه، بل إن الصحابة الذين كانوا صغارا أو كانوا في الطبقة الثانية أو الثالثة هم أروى حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الاكابر. لاسباب، منها مثلا أن هؤلاء الاكابر تولوا الخلافة فهذه تشغلهم عن الرواية، ومنها كذلك من تقدمت وفاته منهم، ومنها أن الصحابة صغار السن كانوا أكثر تفرغا لهذا الأمر، وكان لهم مجالس في العلم ولم يكن لهم مثلا من الولايات أو من الإامارة ما يمكنهم من نشر العلم. فهذا يؤكد أنه لا تلازم بين كونك قريبا من شيخ أو انك تعلم عنه أكثر من غيره، أن تكون أكثر نشرا لعلمه.
هذا بشكل عام، لا نتكلم عن رواية الزبير رضي الله عنه إنما نتكلم عن الصحابة. الصحابة المكثرون تجدهم مثلا: أبو هريرة، وعائشة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبو موسى الأشعري، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري. هتجد أغلب هؤلاء، طبعا أقل أو كلهم طبعا أقل درجة من الخلفاء الأربعة، فهذا تفهمه.
قال: كما يحدث فلان وفلان، فهو يستشكل يقول: لماذا مع أنك حضرت وشهدت لماذا لم تكن تكثر من الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: أما إني لم أفارقه -يعني انا لازمته وعندي كثير من علمه، وهذا يؤكد يا شباب أن من كان ملازما للعالم يكون هذا أدعى للعلم به أكثر من غيره-. قال في رواية أخرى يا شباب عند ابي داود: كان لي منه وجه ومنزلة لكني قال: ولكن سمعته يقول: «من كذب علي فليتبوأ مقعده».
من النار، وهذا من تأديب النبي صلى الله عليه وسلم لصحابته. وكان عبد الله وكان الزبير رضي الله عنه فهم من هذا الحديث كما فهمه من بعده أنس رضي الله عنه؛ كلاهما فهم أن الكذب هنا هو الخطأ، يدخل فيه الخطأ، فمن كان مكثراً من الرواية يمكن أن يقع في الخطأ، فلذلك صار ذلك سبباً في الاحتياط أو في شدة الاحتياط.
لكن هل معنى ذلك يا شباب أن الصحابة الذين أكثروا من الرواية، كعائشة، حديث دل على أن الزبير بن العوام رضي الله عنه كان ملازماً للنبي صلى الله عليه وسلم، طبعا من وجه، لم يكن كلمة لم أفارقه هذا في الأغلب، وإلا فهو لم يشهد معه كل أحواله ولكنه يدل على انه كان على علم بكثير من أمور النبي صلى الله عليه وسلم. ولكن قيده في كثرة الرواية هذا الحديث، وهذا الخلق إذا لم يتخلق به طالب العلم فإنه يفسد نفسه، اللي هو خلق الاحتياط والورع في التحديث؛ سواء في الرواية أو في التفسير، يعني سواء في نقل الروايات والتحديث بها أو في الاستنباط أو التفسير أو معاني الروايات. وإن شاء الله سيكون عندنا خاتمة في هذا الكتاب نتكلم فيها عن خلق أهل العلم ونفرق بين دائرة الاستماع ودائرة البلاغ والتعليم؛ دائرة الاستماع أوسع، يعني الإنسان يسمع، لكنه بعد ذلك ينتخب أحسن ما عنده مما اختبره وتحقق من ثبوته ليحدث به الناس، وكذلك هذا له فقهه وحكمه وحكمته كما سياتي إن شاء الله تبارك وتعالى.
طيب، ما الذي اضافه هذا الحديث على الحديث الأول؟ لتعرف لماذا البخاري أحيانا يذكر حديثاً واحداً تحت الباب وأحيانا يذكر أكثر من حديث؛ يذكر أكثر من حديث إذا وجد أن الأحاديث يتمم بعضها بعضاً وأن أحد هذه الأحاديث لا يكفي في بيان الباب كله، فلذلك ستجد، سنعرف هذا إن شاء الله بعدما ننهي أحاديث الباب نبين وجه ذلك إن شاء الله.
طبعا أنبه هنا على أن الكلام عن الحديث المتواتر، وأنا تكلمت عنه كثيراً، وأن المتكلمين من الاصوليين تكلموا في شروط الحديث المتواتر، خطأ فيها وابن حجر عليه رحمه الله، وإن كان من المحدثين ومن الحفاظ إلا أنه في هذا الباب تبع المتكلمين، وذكر ذلك في كتاب النخبة والنزهة. وذكر هذه الشروط، وهذا في رأي من أكبر الماخذ على هذين الكتابين للحافظ رحمه الله؛ أنه في بعض الأبحاث أو في بعض المسائل ذكر فيها قول المتكلمين، وكان الأولى أن يذكر كلام المحدثين وأن يجعله هو الحكم. فابن حجر عليه رحمه الله في هذه الكتب -في النخبة وفي النزهة، طبعا نخبة الفكر شرحه في نزهة النظر- قد يحصر دلالة المصطلح في بعضها، بينما يدل المصطلح على أكثر من معنى، كما في مصطلح المنكر والشاذ مثلاً، أو أنه يرجع إلى كلام المتكلمين أو المتأخرين ولا يعتمد كلام المتقدمين في دلالة اللفظ، كما حصل في بحث المتواتر والآحاد. ولكن الفائدة التي ممكن نأخذها هنا أن ابن حجر ذكر في كتابه فتح الباري كتاب النخبة والنزهة والنكت على ابن الصلاح، فعرفنا أن هذه الكتب كانت قبل فتح الباري، وهذه فائدة مهمة في ترتيب الكتب.
طيب، يبقى الحديث هذا الذي اضافه على الحديث الذي قبله، احتياط الصحابة، أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تكذبوا علي» أو «من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار» كان سبباً في احتياط الصحابة رضي الله عنهم. وهذا من جملة الأمور التي ينبغي أن تذكر في الرد على من يطعن في السنن، والذي يطعن في السنن يريد أن يطعن في الدين من الآخر يعني، فهذا يذكر أن الصحابة رضي الله عنهم كان عندهم عن النبي صلى الله عليه وسلم علم أكثر من ذلك، ولكن لكون بعضهم مثلاً كان عنده شك في الرواية أو لم يكن مطمئناً لها فتركها ورعاً، وأن من حدث منهم ما حدث بالحديث إلا بعد تيقنه له وتثبته فيه، فهم تأدبوا بأدب النبي صلى الله عليه وسلم والله سبحانه وتعالى أدبنا بذلك وذكر لنا: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] وفي قراءة: فتثبتوا، وكذلك سيدنا سليمان قال: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: 27]، والله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]، ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة: 111]، فالقرآن كان أدب الصحابة، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم أكد لهم ذلك.
الحديث الذي بعده، تفضل عبد الرزاق: حدثنا أبو معمر قال: حدثنا عبد الوارث عن عبد العزيز قال: أنس: إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثاً كثيراً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تعمد علي كذباً فليتبوأ مقعده من النار».
تمام، هذا هو الحديث الثالث هنا، حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو هو المقعد، له لقب، لقب المقعد، وهذا الإسناد كله بصري، قال: حدثنا عبد الوارث -تكلمنا عن عبد الوارث بن سعيد كثيراً- عن عبد العزيز بن صهيب من أوثق الرواه وأثبته في أنس رضي الله عنه. قال أنس: إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثاً كثيراً أن النبي... مع أن أنس رضي الله عنه من المكثرين، ولعل أنساً لكونه طبعا تاخرت وفاته وأحتيج إلى علمه أكثر من الرواية بعد ذلك، يعني كان يحمله الورع والتقوى على أن يقلل من الرواية، ولكنه نشر الرواية، أو لعله يقصد أنه كل ما حدثهم به هذا أقل مما عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا أيضاً يفيد أو هو شاهد لحديث الزبير أن هو كان يحمل هذا الحديث، يعني أنه يدخل في هذا الحديث من لم يتورع في الرواية أو من حدث وهو يشك في الرواية، لأنه لا يمكن أن يتعمد كذباً على النبي صلى الله عليه وسلم.
إذن، ما الذي يمنعه أن يحدث حديثاً كثيراً سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم؟ يحمله الورع على ذلك؛ أنه إذا لم يكن متيقناً، وهذا يا شباب من أهم ما ينبغي أن يلاحظه طالب العلم؛ ليس الاعتبار بكثرة الدروس أو بكثرة كتابة المنشورات ونحو ذلك أو بكثرة التصنيف، وإنما الاعتبار بجودته وصدقه. وكثير من الطلاب أنا أرفض ربما يعني يكون طلب العلم منذ سنة أو اثنين أو ثلاثة أو حتى خمسة وتجده يؤلف ويكتب ويعقد دروساً كثيرة في امور لا، يعني ليس متيقناً فيها أو لا تفيد الناس؛ فليس الاعتبار بكثرة ما يقول الإنسان أو بكثرة ما يعلمه أو بكثرة الدروس، وإنما الاعتبار بالجودة، وهذه الجودة ترجع إلى أمرين أساسيين: الأول: صحة ما لديك، والثاني: جودة العرض أو احتياج الناس لما عندك.
فأنس رضي الله عنه كان محتاطاً، ولم يكن يحدث إلا بما تيقن صحته وأنه ليس فيها تعمد، وهذا يؤكد أن الكذب هو الإخبار بخلاف الواقع، لكن قد يكون بتعمد وقد يكون بغير تعمد؛ فتعمد هذا يعني من أكبر الكبائر معروف، لكن يدخل في التعمد كذلك التهاون في التحديث. قال: «فليتبوأ مقعده من النار» يعني يتخذ مقعداً من النار.
وهذا يؤكد يا شباب أن طالب العلم يفرق بين دائرة العلم والسماع أوسع بكثير من دائرة التحديث؛ التحديث أضيق، أن تنشر ما عندك هذا أضيق، تنتخب أحسن ما عندك مما يحتاجه الناس ومما ضبطته، وهكذا. وعلماء الحديث كانوا يستمعون إلى آلاف الروايات ثم بعد ذلك... كما قال ابن معين: سمعنا أحاديث وسجر بها التنور، يعني حرقها بعد ذلك لأنه اكتشف أنها ضعيفة أو باطلة. وهكذا، أي انسان لا يمكن أبدا أن يكون صادقاً وهو يحدث بكل ما سمع، لأنه لا شك بعض ما سمعه سيكون خطأ أو يكون كذباً، أو يكون فهمه هو خطأ، فلا بد أن ينتخب أحسن ما عنده.
الحديث الذي بعده: حدثنا مكي بن ابراهيم قال: حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار».
هذا أول حديث ثلاثي في صحيح البخاري، مكي بن ابراهيم من أكبر شيوخ البخاري وهو ثقة بلخي خرساني، قال: حدثنا يزيد بن أبي عبيد هذا حجازي هو مولى سلمة بن الأكوع، وستأتي أحاديث ثلاثية موجودة فيها أيضاً، قال عن سلمة، سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من يقل علي ما لم أقل».
نلاحظ هنا أنه قال: «من يقل علي ما لم أقل»، في عندنا في الحديث الذي قبله: «من تعمد علي كذباً»، قوله: «من يقل علي ما لم أقل» هذا يدخل فيه إلى... يدخل في هذا اللفظ سواء كان متعمداً أو غير متعمد، لأن كلمة يقل علي ما لم أقل لم يتكلم هنا عن تعمد، وإنما شخص نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقله. ولكن هذا الحديث يضبطه ما قبله أو يقيده ما قبله وهو التعمد، ويبين أن أول من يدخل في هذا الإثم هو من كان متعمداً، ويدخل فيه بدرجة ما من كان متهاوناً متساهلا يحدث بما لا... بما غلب على ظنه أنه ضعيف أو بما لم يتحقق من ثبوته أو تهاون في مراجعته ليتحقق من ثبوته؛ فكل من نسب إلى الدين ما ليس منه متعمداً أو بغير اجتهاد فانه يدخل تحت هذا الوعيد.
طبعا هذا الحديث البخاري ساوى فيه أحمد بن حنبل، لأن أحمد بن حنبل رواه عن الضحاك بن مخلد عن يزيد بلفظ: «من كذب علي متعمداً»، وكذلك رواه عن يحيى القطان عن يزيد بلفظ: «لا يقول أحد علي باطلاً أو ما لم أقل إلا تبوأ مقعده من النار».
وترتيب هذه الأحاديث مهم جداً يا شباب؛ فأولا ذكر البخاري نفي اللي هو لا تكذب علي، النهي عن الكذب واضح وقدمه برواية علي بن أبي طالب لشرف علي رضي الله عنه، فلعله أشرف من ثبت عنه الرواية عند البخاري لهذا الحديث، ثم بعد ذلك ذكر توقي الصحابة وتوقي الزبير بن العوام رضي الله عنه وكذلك أنس، وفيه الامتناع من الإكثار من الحديث أو التبليغ؛ لأن الإكثار هذا مظنة الخطأ، يبقى الإنسان ليس كل ما بلغه يحدث به وإنما يتثبت. ثم ذكر بعد ذلك القيد وهو في رواية أنس اللي هو التعمد، قيد المتعمد، ثم بعد ذلك ذكر الحديث الثلاثي عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه.
طيب، تفضل يا عبد الرزاق: حدثنا موسى قال: حدثنا أبو عوانة عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي، ومن راني في المنام فقد راني فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار».
نعم، هذا هو آخر حديث في هذا الباب. موسى هذا ياتي كثيراً، موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري أحد ثقات الأثبات. قال: حدثنا أبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، دائماً أبو عوانة ياتي في الأسانيد هكذا، وهذا غير أبي عوانة الذي له المستخرج؛ أبو عوانة صاحب المستخرج هذا متأخر، لكن هذا الوضاح بن عبد الله اليشكري بصري ثقة. قال عن أبي حصين عثمان بن عاصم أبو حصين الأسدي الكوفي ثقة حافظ، تجد في ترجمته أنه كان عثمانياً. سبق أن أكلمنا، لاحظ بقى أنا لن أقول لك ما معنى عثمانياً هنا؛ لاحظ هو كان كوفياً، فإذا كان رجل من الكوفق وقيل فيه عثماني فما معناها؟ حاول أنت بقى تفهم هذا، احنا سبق أن احنا ذكرناها في قيس بن أبي حازم.
قال عن أبي حصين عن أبي صالح اللي هو ذكوان السمان عن أبي هريرة، أبو صالح طبعا من أوثق الرواة عن أبي هريرة وأكثرهم حديثاً، قال عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي». إن شاء الله سياتي عندنا في كتاب الأدب في هذا الحديث فنتكلم عن فقهه إن شاء الله. قال: «ومن راني في المنام فقد راني فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار».
كأنه والله أعلم ساقه هنا، يعني البخاري ساق هذه الرواية بتمامها هنا لكون هذه الرواية فيها أن من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم ادعى مثلاً أن النبي صلى الله عليه وسلم آتاه في النوم وأخبره بكذا، فكذلك يدخل في هذا الإثم أنه كذب عليه متعمداً، يعني لا يشترط أن يكون كذب عليه فقط في الحديث، وإنما لو ادعى مدع أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه في النوم وأخبره بكذا فهذا يدخل في هذا الإثم.
فاختلف في حكم من تعمد الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم؛ هل يكفر أم لا؟ وابن تيمية عليه رحمه الله ذكر هذا في بحث في كتاب الصارم المسلول، وكذلك ابن حجر عليه رحمه الله ذكره. وجاء، إن شاء الله سياتي حديث آخر: «إن كذباً علي ليس ككذب على أحدكم». المهم أن أقل حكم الكاذب على النبي صلى الله عليه وسلم أنه مرتكب كبيرة. والرواة الذين... في فرق بين أن الراوي كذاب يا شباب وبين أنه متهم بالكذب؛ كذاب يعني علم كذبه يعني وجد الكذب في حديثه.
روايته ونسب إليه، إنما متهم بالكذب؛ يعني أن الراوي وجد في روايته روايات منكرة يغلب على الظن أنه هو الذي كذبها، يغلب على الظن أنه هو الذي كذبها.
طيب، ندخل في الباب الذي بعده، معانا أبو براء، أبو البراء معانا؟ طيب أكمل يا عبد الرزاق.
باب كتابة العلم، حدثنا محمد بن سلام قال، أخبرنا وكيع، عن سفيان، عن مطرف، عن الشعبي، عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر.
باب كتابة العلم؛ البخاري عليه رحمة الله كما سبق، يعني يحاول أن يأتي لكل معنى يحتاجه طالب العلم، سواء كان معلما أو متعلما أو مبلغا أو داعيا، لا يترك معنى إلا ويذكره عليه رحمة الله، وأنا أكدت كثيرا يا شباب؛ أنفع كتاب في مقدمات طلب العلم، لا أعلم أنفع من كتاب العلم من صحيح البخاري، ثم كتاب العلم من مسند الدارمي عليه رحمة الله، وهذه الكتب خير من كل الكتب التي تقراها بعد ذلك في آداب طالب العلم وأخلاق طالب العلم، هذه الكتب هي الأصل.
والبخاري كأنه يجعل كل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم بعدما بحث عنه ونقب عنه واستخرج منه المعاني وترجم التراجم وبوب الأبواب، كأنه يقول لك: هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم متعلما ومعلما وداعيا ومبلغا، وهذا هدي الصحابة متعلمين ومبلغين، فكل ما جاء بعد ذلك يوزن به.
باب كتابة العلم؛ يعني البخاري يريد أن يقول إن العلم يُكتب، وهذه المسألة يعني مختلف فيها، ولكن بعد ذلك يعني انحسر هذا الخلاف، سواء في الخلاف في كتابة الأحاديث أو في كتابة العلم، اللي هو المسائل المستنبطة أو الأحكام المستنبطة من الأحاديث؛ لأن احنا عندنا في الرواية وفي الاستنباط أو التفسير، فعدد من العلماء يعني أو كان الأمر استقر على كتابة الأحاديث دون خلاف، ولكن كتابة العلم، يعني كتابة استنباط أو كلام الفقهاء أو استنباطات العلماء، هل تذكر مع الأحاديث؟
كان بعض الأئمة لا يرى ذلك، مثل أحمد بن حنبل، ولكن غيره من أهل العلم رأى ذلك، مالك مثلا كتابه في الموطأ، وبعد ذلك البخاري وكتب السنن كثير منها يعلق على الأحاديث ويذكر آراء الفقهاء، فالمهم أن البخاري هنا يحتج لكتابة العلم، كل علم سواء كان رواية أو كان تفسيرا.
وطبعا المفروض إني أنا كنت أعمل لكم بحث طويل في كتابة العلم فقه: كيف يكون طالب العلم؟ كيف يكتب الفوائد؟ كيف يفهم أن هذه فائدة وكيف ينتزعها وكيف يكتبها ويصوغها وكيف يستثمرها؟ ولكن أنا يعني آثرت أننا يعني أجعله لكم في ملف وأنتم تقرونه إن شاء الله، حتى يعني لا نضيع وقتا طويلا في الدرس، ولكن أرجو أن هذا البحث سيفيدك جدا في قراءة كتب العلماء الكبار وكيف تقيد فيها الفوائد.
قال: حدثنا محمد بن سلام، هو البيكندي البخاري، ويأتي معنا كثيرا، وأحيانا يقول ابن سلام على طول، حدثنا محمد بن سلام قال: أخبرنا وكيع.
وكيع طبعا وكيع بن الجراح، قال: عن سفيان ابن حجر عليه رحمة الله، قال إن سفيان هنا هو سفيان الثوري، واعتمد عليه رحمة الله على قاعدة مشهورة ذكرها بعض أهل العلم منهم الذهبي وهو نفسه ابن حجر ذكرها: أن الراوي إذا كان يروي عن شيخين بنفس الاسم، فإذا أطلق يحمل هذا على من كان مكثرا عنه؛ باختصار وكيع مثلا بيروي عن سفيان بن عيينة وسفيان الثوري، فهو بيقول ابن حجر ما يعني إذا كان وكيع بيروي عن السفيانين لكنه هنا أطلق، قال: سفيان، فيحمل ذلك على المكثر عنه.
طيب، معروف أن وكيع من أكثر الناس رواية عن سفيان الثوري وهو مقل من الرواية عن سفيان بن عيينة، هذا ذكره عليه رحمة الله، ولكن في تتبعي لهذا الحديث وجدت أن سفيان الثوري ليس له رواية لهذا الحديث، يعني أنا لم أقف على رواية واحدة لسفيان الثوري لهذا الحديث، وسفيان الثوري أحد الثقات الحفاظ المكثرين، يعني يروي عنه أبو نعيم الفضل بن دكين وعبد الله بن مبارك، ويروي عنه عبيد الله بن عبد الرحمن الأشجعي، ويروي عنه يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي، فلم أجد أي رواية لهؤلاء عنه، فقط هذه الرواية التي رأى ابن حجر رحمة الله أن أنه سفيان الثوري.
لكن في المقابل وجدت روايات كثيرة جدا لهذا الحديث عن سفيان بن عيينة، منها مثلا رواية صدقة بن الفضل عن ابن عيينة، هذه تأتي في البخاري وأحمد روى عن ابن عيينة، والنسائي رواه عن محمد بن منصور الخزاعي عن ابن عيينة، فالروايات يعني التي رأيتها لم أجد أي رواية لسفيان الثوري وإنما كلها عن ابن عيينة، فالذي يميل إليه قلبي أن هذا هو سفيان بن عيينة والله أعلم، وليس سفيان الثوري، والقاعدة التي ذكرها ابن حجر هي قاعدة صحيحة في الأصل إلا أن يأتي قرينة تؤكد أن هذا الراوي هو يعني؛ لأن هذه القاعدة يا شباب ليس قاعدة، لم يخبر بها الراوي، يعني مثلا أن وكيعا لم يقل: أنا إذا قلت سفيان باطلاق فأقصد سفيان الثوري وإذا سميته سأسمي كل مثلا أقول سفيان بن عيينة، هو لم يقل ذلك وإنما هذا استنبط، فأنا يميل قلبي إلى أن سفيان هذا هو سفيان بن عيينة والله أعلم.
طيب، قال: عن مطرف، طبعا مطرف بن طريف الحارثي هذا كوفي من الثقات الكبار، عن الشعبي رحمه الله، لأن الشعبي أحد الرواة المكثرين، وأي راوي مكثر لازم تعرف من الرواة الثقات عنه؛ لأنهم قد يختلفون عليه.
طيب، كيف نعرف الثقات عن الراوي يا شباب؟ هذا له أحيانا ترجع إلى كتب السؤالات التي يسألها الأئمة، مثلا ابن معين، أحمد يسأل، وابن معين يسأل، والدارقطني يسأل، وعلي بن المديني يسأل أيضا، كتاب علل ابن المديني فيه طرف من ذلك، وكتاب علل الترمذي شرح علل الترمذي لابن رجب الحنبلي هو أصل في ذلك، وتعرف ذلك أيضا من روايات البخاري ومسلم، تشوف من الذين اختارهم البخاري ومسلم عن الراوي فتعرف أنهم على الأقل من جملة الثقات.
قال: عن مطرف، عن الشعبي اللي هو عامر بن شراحيل، عن أبي جحيفة اللي هو وهب بن عبد الله السوائي الكوفي من صغار الصحابة، وهو من أصحاب علي رضي الله عنه.
قلت لعلي؛ طبعا هذا الحديث يا شباب رواه عن علي عدد من من من أصحابه، يعني هذا الحديث مروي سياتي عندنا في أبواب كثيرة، والحديث هذا يعني طويل ياتي في كتاب الاعتصام عن يزيد بن شريق قال: خطبنا علي بن أبي على المنبر، على منبر من آجر وعليه سيف وفيه صحيفة فعلقه فقال: والله ما عندنا من كتاب الله من كتاب يقرأ إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة فنشرها فإذا فيها أسنان الإبل، يعني أعمار الإبل التي تعطى في الدية.
وهذا الحديث يعني كأنه وفي رواية أخرى مما ليس في القرآن، يعني هذا الحديث واضح أنه كان مشهورا عن أصحاب علي بن أبي طالب، ياتي أيضا في كتاب الجهاد من طريق زهير عن مطرف بنفس هذا الإسناد قال أبو جحيفة: قلت لعلي: هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال: لا، والذي فلق الحبة وبرا النسمة، ما أعلم إلا فهما، ما أعلمه إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن، وما في هذه الصحيفة.
مروي كذلك عن الحسن عن قيس بن عباد قال: انطلقت أنا والأشتر النخعي إلى علي عليه السلام فقلنا ذكر بقى ذلك هل عهد إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يعهده إلى الناس عامة؟ قال: لا.
فالحديث هذا مشهور عن علي بن أبي طالب؛ لأن بعض الشيعة كانوا يدعون أن النبي صلى الله عليه وسلم خص علي بن أبي طالب بشيء لم يذكره أو خص أهل البيت بشيء من الوحي لم يطلع عليه غيرهم.
طيب نكمل يا شباب.
قال: قلت لعلي هل عندكم، طبعا لعله يقصد عندكم يعني آل البيت أو أو يقولها له توقيرا: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، يعني هل عندكم كتاب خاص بكم غير القرآن؟ قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، هذا هذا هو وجه الشاهد أيضا يا شباب، يعني هذا شاهد أيضا في هذا الحديث يقصد فهم يعني مستنبط من كتاب الله، يعني هذا زيادة عن كتاب الله الذي يعلم بالاستنباط مما في كتاب الله، أو ما في هذه الصحيفة، الصحيفة ورقة مكتوب فيها.
قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل اللي هو الدية، وفكاك الأسير يعني تخليص تخليص الأسير من العدو هذا فيه الحث على فكاك الأسير، ورويت كذلك في في هذه الصحيفة بعض الأخبار أكثر من ذلك، فيها مثلا: لعن الله من ذبح لغير الله، والمؤمنون تتكافأ دماؤهم، وذكر فيها فرائض الصدقة، وسياتي إن شاء الله بعض ذلك في موضعه، نحاول أن نقف مع كل حديث يا شباب في وجه الشاهد منه فقط.
قال: وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر؛ ما هو وجه الشاهد هنا يا شباب؟ وجه الشاهد أن علي بن أبي طالب كتب هذا، وهذا شباب وإن كان بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لو اعتبرنا أنه كتب ذلك بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه كذلك قوي في هذا أن كتابة العلم كانت متقدمة، وعلي بن أبي طالب من أكابر أهل العلم والفضل من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فاستدل البخاري به استدلالا قوي، لا يقال مثلا: طيب هذا من كلام علي بن أبي طالب، لا هذا يتنزل منزلة فهم الصحابة لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان الصحابة فهموا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يكتب العلم لما كتبه علي بن أبي طالب، واضح؟
وإن شاء الله سياتي أن هذا نقد للحديث المشهور عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم أن يكتبوا عنه شيئا، وسياتي بأنه إن شاء الله لأن الصواب في هذا الحديث والله أعلم أن هو موقوف، هو حديث النهي عن كتابة الحديث.
يمكن أن يكون نكتفي من هذا الحديث بهذا القدر، وإن شاء الله سياتي شرح كل ما في هذه الصحيفة في موضعه بإذن الله، اتفضل أكمل.
عبد الرزاق: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال: حدثنا شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن خزاعة قتلوا رجلا من بني ديث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوا، فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فركب راحلته فخطب فقال: إن الله حبس عن مكه القتلى أو الفيل شك أبو عبد الله، وسلط عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، الا وانها لم تحل لأحد قبلي ولم تحل لأحد بعدي، الا وانها حلت لي ساعة من النهار، الا وانها ساعتي هذه حرام، لا يختلى شوكها ولا يعضد شجرها ولا تلتقط ساقطتها إلا لمنشد، فمن قتل فهو بخير النظرين: إما أن يُعقل وإما أن يُقاد أهل القتيل.
فجاء رجل من أهل اليمن فقال: اكتب لي يا رسول الله، فقال: اكتب لأبي فلان، فقال رجل من قريش: إلا الإذخر يا رسول الله، فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إلا الإذخر، إلا الإذخر.
قال عبد الله، آه ماشي أفضل أكمل.
قال أبو عبد الله: يقاد بالقاف، فقيل لأبي عبد الله: أي شيء كتب له؟ قال: كتب له هذه الخطبة.
بارك الله فيك، عندي في رواية عندي في رواية أن البخاري رحمه الله علق على كلام أبي نعيم قال: كذا قال أبو نعيم، واجعلوه على الشك الفيل أو القتل، وغيره يقول الفيل، وعندي يعني علامه صح يعني دليل على أن هذا من الزيادات أو مما ينبغي أن يلحق بكلام البخاري وسياتي بيانه إن شاء الله.
هذا هو الحديث الثاني في هذا الباب، اللي هو كتابة العلم؛ قال: حدثنا أبو نعيم، أبو نعيم طبعا هو مكتوب حتى اسمه هنا ولكن ياتي كثيرا بكنيته هو الفضل بن دكين أحد الثقات الحفاظ وهو من أوثق الرواة عن سفيان الثوري وهو كوفي قرشي وممن من كبار شيوخ البخاري عليه رحمة الله.
قال: حدثنا شيبان، شيبان بن عبد الرحمن النحوي هذا كوفي أيضا وهو من أوثق الرواة في يحيى، يحيى بن أبي كثير ويحيى بن أبي كثير هو بصري يمامي وهو من من أهل العلم والعبادة ومن الثقات المكثرين، يعني لازم أنك أنت تعرف الرواة عنه، أوثق الرواة عنه هشام الدستوائي والأوزاعي شيبان هذا صاحبنا هذا وهو من الثقات المكثرين يعني في الطبقة يعني في الطبقة اللي أقل من أو مثلا تقول إن هو في طبقة الأعمش وكذلك أبي إسحاق مثلا السبيعي أو يعني في نفس هذه الطبقة.
فمعرفتنا يحيى اللي هو يحيى بن أبي كثير اليمامي، قال: عن أبي سلمة، أبو سلمة طبعا ابن عبد الرحمن بن عوف القرشي هو من أثبت الناس في أبي هريرة، ومعه عدد من الرواية، يعني أبو هريرة سبق أن احنا ذكرنا أن هو من الثقات المكثرين، أسف طبعا هو من الثقات لكن أقصدي من المكثرين وهو لا شك من الثقات ولكن أنا.
قصدت هنا بالرواة الذين دارت عليهم الأسانيد في من طبقة الصحابة، ومن أثبت الناس سعيد بن المسيب والأعرج وأبو صالح وابن سيرين وطاوس وهمام بن منبه، وطبعا مع هؤلاء أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. أبو سلمة ثقة مكثر، ولكن قال الزهري وهو تلميذه: كان أبو سلمة يناظر ابن عباس ويماري، فحرم بذلك كثيرا من علمه. هو مشهور بذلك، أن أبا سلمة كان يماري ابن عباس، وابن عباس لم يعطه علمه بسبب هذه الممارة.
قال عن أبي هريرة: أن خزاعة، قبيلة خزاعة، طبعا اريد أن أنبه هنا يا شباب أن يحيى بن أبي كثير أخذ عليه التدليس. وأكيد بقى احنا شرحنا معنى التدليس أكثر من مرة، ولكنه صرح بالتحديث من أبي سلمة في كتاب اللقطة من رواية الأوزاعي عنه، وكذلك في كتاب الديات من رواية حرب بن شداد عن يحيى، قال: حدثنا أبو سلمة. وهذه فائدة مهمة جدا يا شباب؛ أن الإمام البخاري عليه رحمة الله يعتني جدا إذا كان الراوي عليه مأخذ، سواء مثلا اختلط قبل موته، أو أنه ضعيف في شيخه، أو أنه مشهور بالتدليس، فإن البخاري يحمي هذا الإسناد بأن يخرج للراوي ما تحقق لديه أنه ضبطه، أو ما يدفع عنه الشبهة.
طيب، سؤال هنا: هل يجب أن البخاري يذكر المتابعات التي تقوي الرواية بعد الرواية مباشرة؟ لا، لا يلزم؛ يكفي أن تكون موجودة في كتابه، أو يكون هو عالما بها حتى لو لم تكن في كتابه. فهذا الحديث مثلا، البخاري لم يذكر متابعة فيها تصريح يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، لم يذكرها هنا، ولكنها موجودة في كتابه في أكثر من موضع. فهذي مهمة جدا أنك أنت تحاول أن تجمع كل الأسانيد للحديث الواحد، حتى تعرف كيف أدار البخاري تلك الرواية. وهذا يا شباب يطمئن قلب طالب العلم لصحيح البخاري؛ صحيح البخاري يا شباب يشبه قطعة الذهب، كلما اختبرتها كلما تحققت من صحتها، ويطمئنك سواء في الروايات التي اختارها أو في الألفاظ التي اختارها. وإن كان لا شك طبعا في بعض الألفاظ انتقدت عليه وفي بعضها يكون الحق مع غيره، ولكنها قليلة جدا بالنسبة لما في هذا الكتاب من الصواب عليه رحمة الله.
قال: أن خزاعة هي قبيلة قتلوا رجلا من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه، فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فركب راحلته فخطب. طيب، خلينا نقف فقط مع الألفاظ الخاصة بهذا الحديث، لأن سيأتي هذا الحديث في أكثر من كتاب. قال فخطب فقال: ﴿إن الله حبس عن مكة القتل أو الفيل﴾ [شك أبو عبد الله]. طبعا الرواية اللي عندي قال أبو عبد الله: كذا قال أبو نعيم، واجعلوه على الشك. هذا الشك ليس من البخاري واضح، والشك من أبو نعيم، أو يكون المعنى أن البخاري شك هل اللفظ الذي قاله أبو نعيم هو الفيل أو القتل؟ لكن البخاري في رواية أخرى قال: حتى هنا في هذه الرواية عندي في رواية أبي الوقت، نعم، في رواية أبي ذر والأصيل وابن عساكر وأبي الوقت، قال أبو عبد الله: كذا قال أبو نعيم، واجعلوه على الشك. يعلق: اجعلوه على الشك، هذه من البخاري نفسه، أو أنه ينقل ذلك عن أبي نعيم. قال: وغيره يقول -وغيره هذا اللي هو عبيد الله بن موسى، ستأتي روايته إن شاء الله- وغيره يقول: الفيل. يعني الصواب: الفيل، الواقعة المشهورة اللي هي جاءت في سورة الفيل: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ [الفيل: 1-2]. القصة المعروفة أن الله سبحانه وتعالى أرسل عليهم طيرا أبابيل.
فطبعا الذي يؤكد عندنا خطأ كلمة القتل وصواب كلمة الفيل، أن هذا الحديث رواه عن يحيى: الأوزاعي وحرب بن شداد وشيبان والوليد بن مسلم، عن الأوزاعي قال: الفيل. وعبد الله بن رجاء عن حرب قال: الفيل. وعبيد الله بن موسى عن شيبان قال: الفيل، بدون شك، وستأتي هذه الرواية إن شاء الله وموجودة كذلك عند مسلم. ورواية أبي نعيم فقط هي الشك، فاحنا تأكدنا أن كلمة القتل خطأ وأن كلمة الفيل هي الصواب، وتأكدنا من أن الراوي يروي الرواية حتى لو خطأ ثم يبين خطأها. فالبخاري مثلا لم يستحل أن يغير كلمة القتل وإنما رواها على الشك كما ذكرها أبو نعيم، ثم ذكر صواب الرواية، وهذا هو الصواب يا شباب؛ أنك أنت تذكر الكلام كما جاء ثم بعد ذلك تعليق عليه، بخلاف ما يفعله بعض النساخ من أنه يتصرف في اصل الكتاب، كان الصواب أن هو يضع علامه ثم يعلق تحت الكلام ويذكر رأيه فيه.
طيب، قال: تمام، وسلط عليهم رسول الله والمؤمنين، الا وأنها لم تحل لاحد قبلي، ولم تحل -في رواية: ولن تحل لاحد بعدي- الا وأنها حلت لي ساعة من نهار، الا وأنها ساعتي هذه حرام، لا يختلى شوكها ولا يعضد شجرها ولا تلتقط ساقطتها إلا لمنشد، فمن قتل فهو بخير النظرين: اما ان يعقل -العقل اللي هو الدية يا شباب- في رواية: أما أن يفدى واما أن يعقل. والنظر هما العقل أو القصاص، اللي هو الدية أو القصاص، وسياتي إن شاء الله في كتاب الديات، واما ان يقاد اهل القتيل -احنا قلنا القتل القاتل يعني القصاص، وهو قتل القاتل بدل القتيل-.
فجاء رجل من اهل اليمن فقال: اكتب لي يا رسول الله. فقال: اكتبوا لأبي فلان. هذا هو الشاهد، أن الرجل طلب أن يكتب. وفي رواية أن هذا أبو شاه، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: اكتبوا لأبي فلان. فقال رجل -اللي هو العباس من قريش، هو العباس، إن شاء الله ياتي في رواية الأوزاعي عن يحيى-: الا الإذخر يا رسول الله؟ الا الإذخر حشيشة طيبة الرائحة. هو مكتوب عندي: تسقف بها البيوت فوق الخشب. يعني قال: الا الاذخر، يعني هذا دعنا نقطعه. فقال: إلا الإذخر. وإن شاء الله هذا الحديث سياتي معنا كثيرا.
المهم أن الروايات هنا، في رواية: أما أن يعفو واما أن يقتل، أما أن يعفو أولياء الدم أو يقتلوا هذا الرجل. وفي رواية أخرى: العفو أو الدية أو القصاص. وفي رواية أن العفو هذا يكون بأخذ الدية. فهل يقصد بالعفو فقط من غير دية أو العفو هو دليل على العفو بأخذ الدية؟ كل هذا سياتي بيانه إن شاء الله تبارك وتعالى.
طيب، قال أبو عبد الله: يقاد، بالقاف. قيل لأبي عبد الله: أي شيء كتب له؟ قال: كتب له هذه الخطبة. في رواية يا شباب اللي هي رواية وليد بن مسلم قال: للأوزاعي: ما قوله: اكتبوا لي يا رسول الله؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا شاهد قوي في ماذا؟ في كتابة العلم.
تفضل عبد الرزاق: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا عمرو، قال: أخبرني وهب بن منبه عن أخيه، قال: سمعت أبا هريرة يقول: ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثا عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فانه كان يكتب ولا أكتب. تابع معمر عن همام عن أبي هريرة.
تمام، بارك الله فيكم. حدثنا علي بن عبد الله، علي بن المديني؛ أحيانا ياتي علي وأحيانا ياتي ابن المديني وأحيانا ياتي علي بن عبد الله. أحد طبعا أئمة العلم والحفظ، وهو ناقد كبير، وهو شيخ البخاري. والبخاري كان يقول: ما استصغرت نفسي بين يدي أحد إلا علي بن المديني. يعني كأن يقول: هذا أكبر شيوخي، وهذه الشهادة قوتها من قوة البخاري عليه رحمة الله، وطبعا له كتاب العلل.
قال: حدثنا سفيان -طبعا سفيان بن عيينة- قال: حدثنا عمرو -طبعا عمرو بن دينار المكي، أحد الثقات الحفاظ المكثرين-. وعمرو بن دينار أيضا من الرواة الذين يجب أن تعرف ترجمتهم وتعرف أصحابهم. يروي عنه أوثق الناس عنه هو سفيان بن عيينة، وله في البخاري أكثر من مائة وثلاثين رواية عنه، واعتمد البخاري في الرواية عن عمرو بن دينار -سفيان بن عيينة هو المقدم-. سفيان الثوري ثقة ثابت، ولكنه مقل في الرواية؛ تجد مثلا عند البخاري حوالي أربعة أحاديث عن الثوري عن عمرو. شعبة أيضا ثقة ثبت في عمرو بن دينار، لكنه مقل. حماد بن زيد أكثر شوية، حوالي عشرين رواية. ابن جريج أيضا من الثقات، وهشيم وإسمعيل بن جعفر، لكن حماد بن سلمة يخطئ في روايته عن عمرو بن دينار، وإن كان حماد بن سلمة أوثق الناس في ثابت البناني.
فمهم جدا أنك أنت تعرف هؤلاء الرواة، لماذا يا شباب؟ لأن اللي هيشتغل منكم بعد ذلك بالروايات والأحاديث حينما يرى راويا ليس من الثقات الحفاظ عن راوي مكثر، فانه يشك في الرواية فيحاول أن يبحث لها عن شاهد، وإذا لم يجد شاهدا فغالبا سيجد هذا الحديث فيما أنكر على الراوي، سيجد هذا الحديث فيما أنكر فيه على الراوي أنه تفرد وأنه ليس أهلا للتفرد.
طيب، قال: أخبرني وهب بن منبه. وهب بن منبه تابعي، وهب بن منبه يماني صنعاني، معروف بالقصص والوعظ وكان عليما بقصص الأنبياء، وهو أخو همام بن منبه، وهو يروي هذا الحديث عن أخيه.
قال: أخبرني وهب بن منبه عن أخيه، اللي هو همام بن منبه، له صحيفة. همام بن منبه له صحيفة مشهورة عن أبي هريرة، وهو كان قريبا من الثقات؛ همام بن منبه ليس من الكبار في أبي هريرة مثل طبعا سعيد بن المسيب أو الأعرج أو أبي صالح أو ابن سيرين، لكنه من جملة الثقات عنه. قال: سمعت أبا هريرة يقول: ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثا عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فانه كان يكتب ولا أكتب.
طبعا هذا الحديث كانه نقد واضح لرواية أبي سعيد الخدري، اللي هي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن، ومن كتب عني شيئا سوى القرآن فليمحه». وحاول بعض أهل العلم أو كثير منهم أن هو يجمع بين الحديثين.
فحاول عدد من أهل العلم أنهم يجمعوا بين الحديثين؛ يعني لأن هذا الحديث يخالف هذا حديث أبي سعيد فيه لا تكتبوا، ولهذا الحديث أن عبد الله بن عمرو كان يكتب. ورجح عدد من أهل العلم أن وقف هذه الرواية على أبي سعيد، يعني كان أبا سعيد هو الذي كان ينهى عن الكتابة، أو أن هذا من كلامه هو. والخطيب البغدادي قال: يقال إن المحفوظ هو من قول أبي سعيد في كتاب تقييد العلم.
ولازم تفهم أن عدم اخراج البخاري لرواية أبي سعيد الخدري، وهي أصل تحت هذا الباب، دليل على أن البخاري يرد هذه الرواية. ليه؟ لأن كتاب العلم أولى رواية تدخل فيه لو كانت صحيحة، هي رواية أبي سعيد الخدري. هذا طبعا حديث موجود عند مسلم، اللي هو حديث أبي سعيد، فعدم اخراج البخاري له وهو أصل في الباب، هذا مشعر بان البخاري يرده.
والدليل على ذلك أن البخاري خرج هنا كل الأحاديث التي يرد بها هذه الرواية؛ عندنا خرج أولا حديث علي، وبعد ذلك خرج حديث اللي هو أبو سلمة عن أبي هريرة، اللي هو اكتبوا لأبي شاه، وهذا الحديث أيضا: فانه كان يكتب ولا أكتب، ثم يخرج حديث اللي هو حديث ابن عباس رضي الله عنه. فكل هذا مشعر أن البخاري يرى ضعف الحديث اللي هو لا تكتبوا عني شيئا، طبعا وإن كان غيره يصححه.
قال: نرجع تاني لحديث يا شباب: ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثا مني. لاحظ هو يفرق هنا بين العلم وأكثرية الرواية. طبعا الصحابة الأعلم من أبي هريرة كثيرون، والأجل من أبي هريرة كثيرون، لكنه يتكلم هنا عن الرواية التحديث، واضح؟ فقال: إلا ما ما أحد، ما من أحد ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثا عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو.
اختلف هل معناها أن أن أبو هريرة يقول إن هو أكثر، أن أبا هريرة يقول عن نفسه إنه أكثر الصحابة حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن كان عبد الله بن عمرو يكتب، أو أن هو يقصد أن عبد الله بن عمرو كان أكثر حديثا منه؟ واقع الروايات يا شباب أن أبا هريرة أكثر من عبد الله بن عمرو بكثير من جهة الرواية، ولكن المراد هنا أن عبد الله بن عمرو كان يكتب، وهذا هو وجه الشاهد. وعبد الله بن عمرو رضي الله عنه عالم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أهل العبادة، ولكن كان مقامه بمصر ولم تكن الرحلة إلى مصر كما كانت الرحلة إلى المدينة. أبو هريرة كان في المدينة وكان متصدرا للتحديث وللفتاء، وتلاميذه كان أكثر من مائة تلميذ، فكان حدث وروى عنه كثيرون، له اتباع وتلاميذ.
قال ابن حجر رحمه الله من جملة المرجحات التي رجح بها لماذا رواية أبي هريرة أكثر من رواية عبد الله بن عمرو، يعني شيء لابد أن نقف معه، هو أن عبد الله بن عمرو ذكر طبعاً أوجه، ولكن من ضمن هذه الأوجه قال: إن عبد الله بن عمرو كان في الشام ظهر يعني أو يعني اطلع على بعض كتب أهل الكتاب وكان ينظر فيها ويحدث منها؛ فتجنب الأخذ عنه عدد من التابعين. فكأنه يقول إن عبد الله بن عمرو كان مكثراً من الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن بعض التابعين لم يكن يأخذ عنه الحديث؛ لأنه كان أحياناً يروي من الصحيفة أو من الكتب التي وجدها عن أهل الكتاب.
في الواقع يا شباب هذه القصة تحتاج إلى مراجعة، وهي قصة أخذ عبد الله بن عمرو من أهل الكتاب أو من كتب أهل الكتاب، وأنا أرد يعني كنت أعددت بحثاً أيضاً لكم، ولكن يمكن أن أشير لكم إلى موضع البحث يعني أيسر، أن هذه القصة محل نقد، يمكن أن تراجع فيها كتاب الدكتور مساعد الطيار في شرحه لمقدمة في أصول التفسير لابن تيمية، طبعة دار ابن الجوزي صفحة 162، تكلم فيها الشيخ حفظه الله على هذه المسألة؛ لأن ابن تيمية ذكرها ضمن الرسالة، فعلق عليها الدكتور مساعد من جهة الرواية ومن جهة واقع الروايات: هل فعلاً عبد الله بن عمرو كان يروي عن أهل الكتاب؟ وهل وجد له روايات عن أهل الكتاب؟ وهل فعلاً التابعون كانوا يتحاشون الأخذ عنه بسبب ذلك؛ لأن ابن حجر جعلها من جملة الأسباب في قلة الرواية عنه؟ فيمكن أن تراجعوا هذا، فهو بحث مهم، وهو عموماً محل نقد.
طالب العلم ماذا يفيد من هذا يا شباب؟ يفيد من هذا الكتابة، وأن الكتابة هي حفظ، طبعاً بفضل دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، أو بفضل الحديث الذي سيأتي لما النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي هريرة لما قال له: إني أحفظ عنك حديثاً وأنساه، فالنبي صلى الله عليه وسلم غرف له، ثم قال له: ضم، فقال: فما نسيت شيئاً. طبعاً هذا لا شك له أثر في حفظ أبي هريرة وفي نشره للحديث. ولكن نقف هنا فقط مع فائدة وهي أنه كان يكتب ولا أكتب، لا شك أن هذا تعليل لتميز ما لعبد الله بن عمرو على أبي هريرة. فهذا يفيد منه طالب العلم الكتابة، كتابة الفوائد، وأنا قلت لكم إن شاء الله في بحث أعددته لكم عن كتابة الفوائد، إن شاء الله أضعه لكم في ملف اليوم يوزع عليكم إن شاء الله.
قال: «تابعه»، هذه تعود على ماذا؟ تابعه تعود على وهب؛ لأن معمر روى عن همام، تابعه معمر -اللي هو معمر بن راشد- عن همام -اللي هو همام بن منبه-، وهذا الحديث موجود في مصنف عبد الرزاق، قال: عن همام -اللي هو همام بن منبه- عن أبي هريرة. هذا الحديث لم يتكرر في البخاري ولا هو عند مسلم، اللي هو هذا الحديث الذي قرأناه الآن.
ندخل في الحديث الذي بعده: تفضل يا عبد الرزاق. حدثنا يحيى بن سليمان قال: حدثني ابن وهب قال: أخبرني يونس، وعن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وسلم وجعه قال: «ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده». قال عمر: إن النبي صلى الله عليه وسلم غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا. فاختلفوا وكثر اللغط، قال: «قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع». فخرج ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزيه ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كتابه.
أنت عندك كلمة لا ينبغي عندي الياء عندي عليها فتحة، لا، ولا لا ينبغي عندي التنازع؟ لا، عندي، إي، قلها مرة أخرى: لا ينبغي عندي التنازع. قال: «قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع». تمام، بارك الله فيك.
هذا هو آخر حديث في هذا الباب. ولماذا آخر حديث؟ لأن الكتابة هنا مستنبطة؛ لاحظ أن الدليل يقدم تحت الباب إما لقوه ثبوته أو لقوه دلالته، والبخاري بشكل عام من خلال تتبعي لكتابه يقدم الأصح دلالة على الإثبات، قد يقدم الأثر على الحديث، وكثيراً ما يقدم الآثار أو الأحاديث الأقل صحة على الأكثر صحة لكونها أسرَح. فهذا الحديث هو الحديث الاخير في هذا الباب.
قال: حدثنا يحيى بن سليمان، يحيى بن سليمان بن يحيى تكلم فيه ببعض الضعف، قال: حدثني ابن وهب قال: أخبرني يونس، ابن وهب هذا تابعه جرير بن حازم عند أحمد، قال: أخبرني يونس أيضاً، يونس تابعه معمر عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله، عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وسلم وجعه قال: «ائتوني بكتاب» -هذا هو الشاهد، ائتوني بكتاب يعني قرطاس وقلم لأكتب- «أكتب لكم كتاباً» وفي رواية: «ائتوني أكتب لكم كتاباً»، وهذه فيها شاهد لمسألة لغوية مشهورة جداً، اللي بيسموها التنازع، زي مثلاً: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: 96]، أن يكون في فعل وفي مفعول واحد، في فعلان ومفعول واحد، فيتنازع الفعلان هذا المفعول.
طيب، ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً، النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم يعني قبل موته: ائتوني أكتب لكم، فهذا هو الشاهد أنه كان سيكتب شيئاً غير القرآن. قال عمر: إن النبي صلى الله عليه وسلم غلبه الوجع. طبعاً هذا الحديث من الأحاديث التي تمسكت بها الرافضة وطعنت بها في عمر رضي الله عنه، وإن شاء الله سياتي معنا هذا الحديث في بابه سأتكلم عنه بتوسع، ولكن فقط بشكل عام حتى تفهم الفكرة، أنهم قالوا إن هذا الكتاب الذي كان سيكتبه النبي صلى الله عليه وسلم هو الوصية لعلي بن أبي طالب، وأن عمر منع ذلك، وأنه رد أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وابن عباس أنكر عليه. طبعاً كل هذا الكلام كذب، وابن تيمية دافع عن عمر رضي الله عنه وذكر فضائل لعمر وذكر علمه، وذكر كلام الرجل الرافضي الذي هو ابن مطاهر الحلي، ممكن تراجعوا الموضع يا شباب هو في المجلد السادس صفحة 19، وهو الكتاب كله نفيس جداً.
أنا بالنسبة لي أهم الكتب الكبيرة لابن تيمية هو منهاج السنة، وهو عندي أهم من درء تعارض العقل والنقل، وإن كان درء التعارض كتاباً مهماً، لكنه يناقش قضية واحدة ويتوسع فيها اللي هي علاقة العقل بالوحي. لكن منهاج السنة موسوعة، تقريبا مر على كل مسائل الإيمان والقدر والأسماء وأفعال الله تبارك وتعالى، ورد على القدرية والرافضة، فكتاب مهم جداً أنك تمر عليه. ثم بعد ذلك بدأ ابن تيمية يتكلم عن هذا الحديث ويجيب بما أجاب به أهل العلم، أن عمر رضي الله عنه رأى أن النبي صلى الله عليه وسلم غلب عليه الوجع -يعني كان الكلام الذي يصدر من النبي صلى الله عليه وسلم ليس مقصوداً منه، وفي رواية أن هو قال: أهجر، يعني الهجر اللي هو الكلام يقوله الإنسان المريض-، وهذا محل اجتهاد من عمر رضي الله عنه، حتى لو أخطأ فيه فهو محل اجتهاد. والصحابه أنفسهم تنازعوا في هذا، كما تنازعوا في الصلاة في صلاة العصر في بني قريظة، فهذا اجتهاد من عمر، أقل أحواله أن يكون أخطأ فيه أو أقصد يعني أكثر أحواله أنه اجتهاد فأخطأ فيه وليس عليه جناية في ذلك، وليس كما يقول الرافضة. ولو كان هذا الذي يبينه النبي صلى الله عليه وسلم يجب أن يبينه لبينه، لو كان هذا مما يحتاجه المسلمون لبينه، ولعل عمر رضي الله عنه خشي أن يأخذ المنافقون ذلك ويقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم كتبه في حال الوجع، فهذا يجعلهم يطعنون في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم.
فما الذي كان سيكتبه النبي صلى الله عليه وسلم؟ قيل إنه كان سيكتب لأبي بكر الوصية لأبي بكر مثلاً، أو غير ذلك، المهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتب ذلك، ولما اختلفوا عند النبي صلى الله عليه وسلم وكثر اللغط -وهو الضجة التي لا يفهم معناها كلام- قال: «قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع». فخرج ابن عباس -طبعاً ابن عباس لم يكن شاهداً هذا، وإنما خرج ابن عباس من المجلس الذي كان جالساً فيه لما كان بيحدث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، ليس المراد أنه خرج من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم- يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابه.
طبعاً كان ابن عباس يقول: لو كان هذا الكتاب كتب فيه النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر، كان يقطع ألسنة أي أحد طعن في خلافة أبي بكر، ولكن ابن تيمية يقول: لم تكن رزية إلا على من كان يشك في إمامة أبي بكر، فهي كانت رزية في حقه، أما باقي الصحابة فلم تكن رزية في حالهم. فكأنه يقول هذا اجتهاد من ابن عباس؛ أن ابن عباس رضي الله عنه لما قال إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابه، هذا اجتهاد منه، رأى أن هذا رزية وهو لا شك كان رزية من وجه ما، لكن هل هو كان رزية على الصحابة الكرام الذين ثبتوا خلافة أبي بكر أو نحو ذلك؟ لا، لم يكن رزية. وإن شاء الله سياتي مزيد بيان لهذا الحديث في بابه لأنه سياتي معنا إن شاء الله في أبواب كثيرة.
في أحد يريد أن يقرأ؟ اظن فتحت على أستاذة دعاء، أحياناً بعض الناس يرفع وبعدين... طيب، شوف عمرو. تفضل يا عمرو.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. باب العلم والعظة بالليل. حدثنا صدقة، أخبرنا ابن عيينة، عن معمر، عن الزهري، عن هند، عن أم سلمة، وعمرو، ويحيى بن سعيد، عن الزهري، عن هند، عن أم سلمة قالت: استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقال: «سبحان الله، ماذا أنزل الليلة من الفتن؟ وماذا فتح من الخزائن؟ أيقظوا صواحبات الحجر، فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة».
باب العلم والعظة بالليل. لماذا يعتني البخاري بذكر هذا؟ لأن ورد أحاديث -كما في البخاري ومسلم عن أبي برزة- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها، وذكر عدد من أهل العلم أن ذلك محمول على ما كان فيه لغو ورفث ونحوهما، وأنه قد يؤدي السهر إلى تضييع الصلوات أو قيام الليل أو صلاة الفجر، أو أنه لا يعطي النفس حظها من النوم، وكذلك قد يفوت أذكار الصباح مثلاً. فحملوا هذا النهي على ذلك.
فإذا لم يكن ذلك متحققاً -اللي هو هذا الذي يخشى منه- فلا بأس بالسمر بعد العشاء لا سيما إذا كان في العلم، والله سبحانه وتعالى جعل الليل لباساً، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: 10-11]. وأنا في رأيي يا شباب أن طالب العلم خصوصاً لا يعتاد على السهر حتى لو كان في المذاكرة، بعض الطلاب يذاكر في الليل إلى صلاة الفجر، أنا صراحه لا أراى ذلك ولا أحبه، وأجد أن نوم الطالب بعد العشاء هو أفضل بكثير من جهة الراحة في النوم، ومن جهة الاستيقاظ، يمكنه من الاستيقاظ قبيل الفجر مثلاً، والصلاة صلاة الفجر في جماعة، والأذكار، واستغلال الفترة من الفجر إلى الظهر، هذه في رأيي أفضل فترة لطالب العلم، وإن كان الأمر اجتهادياً، ما دام الإنسان لا يفوت الصلاة ولا يفوت العبادة، خلاص ليس هناك مشكلة.
يبقى عندنا هذا الحديث أيضاً يا شباب أحببت أن أنبه فيه على مسألة، وهي أن بعض أهل العلم ورد عنهم روايات في المذاكرة في الليل، حتى لا يظن أن هذا لم يرد هذا عن أحد من أهل العلم، لا، ورد مثلاً في ترجمة أبي زرعة من تاريخ بغداد، قال: كان إماماً ربانياً حافظاً متقناً صادقاً، ثم أسند عن عبد الله بن أحمد قال: لما قدم أبو زرعة الرازي نزل عند أبي، فكان كثير سير المذاكرة له، فسمعت أبي يوماً يقول: ما صليت اليوم غير الفريضة، استأثرت بمذاكرة أبي زرعة على نوافله. فكان بعض أهل العلم قد يجتمعون من العشاء إلى الفجر في المدارسة، لكن لم يكونوا يضيعون الفريضة. والمهم عندي فقط أن تعرف أن هذا يمكن أن يكون حالاً عارضاّ لطالب العلم أحياناً، أحياناً الإنسان فعلاً يكون يذاكر.
ولا يستطيع أن يترك المذاكرة خالص يعني لا يستطيع، فماذا يفعل؟ يذاكر لكن لا يضيع صلاة الفجر، ولا يضيع صلاة الليل بسبب المذاكرة.
هذه الرواية قال: حدثنا صدقة بن، طبعا وجه هذه الرواية يا شباب هو الجمع بين، يعني حتى لا يققال: ينهى عن المذاكرة بالليل بعد العشاء. قال: حدثنا صدقة، اللي هو صدقة بن الفضل، هو مروزي. قال: أخبرنا ابن عيينة -طبعا سفيان بن عيينة- قال: أخبرنا ابن عيينة عن معمر عن الزهرية. طبعا لاحظ هنا ابن عيينة أصلاً تلميذ الزهري، فنزل هنا درجة، نزل روى عن معمر عن الزهري، أخذ أخذها بواسطة عن الزهري. طب لماذا يا شباب؟ لأن ابن عيينة أصلاً سفيان بن عيينة التحق بالزهري مؤخراً، كان صغيراً في السن، وكان، وكان فاته أحاديث عن الزهري، فأخذها عن معمر، أخذها عن مالك. قال: أخبرنا ابن عيينة عن معمر -معمر بن راشد، طبعا أحد الثقات الحفاظ في الزهري، وإن كان يضعف في غيره، يعني هو روايته ضعيفة عن قتادة، وروايته ضعيفة عن أيوب، وروايته ضعيفة عن عمرو بن دينار، ولكنه كان ثقة في الزهري.
قال: عن هند، هند هذه بنت الحارث، هي زوج معبد بن المقداد بن الأسود، وهي راوية، تفرد الزهري بالرواية عنها، وفي رواية، في جاء في بعض الروايات أن الزهري قال: وكانت هند بنت الحارث لها أزرار في كميها بين أصابعها، يعني يقصد ألا يبدو من سعة كميها شيء من جسدها، يعني عارف أنت الكم لما بيكون واسع، تعرف الجلابية الصعيدي بيكون الكم بتاعها واسع، لو واحد رفع إيديه كده ممكن يبان شيء، فهي الظاهر كانت، كانت أكمامها واسعة فكانت تضع أزرار حتى لا يظهر شيء من جسدها رحمه الله.
عن الزهري عن هند بنت، عن هند اللي هي هند بنت الحارث عن أم سلمة. أم سلمة اللي هي هند بنت أبي أمية المخزومية، هي أم المؤمنين زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وهي آخر أمهات المؤمنين موتاً، وهي يعني ابنة عم أبي جهل، وابنة عم خالد بن الوليد، وذكر الذهبي رحمه الله أنها توفيت بعد مقتل الحسين، ويعني حزنت كثيراً جداً عليه رضي الله عنه ورضي الله عنها.
قال، خلاص كده خلص الإسناد الأول، قال: وعمرو ويحيى بن سعيد عن الزهري الذي قال ذلك، وسفيان بن عيينة أيضاً، فسفيان يروي عن معمر، نعم، وبعض، وقد يكون قال: وعمر، لم يقل مثلاً حدثنا ابن عيينة. أحياناً يفعل هذا، يذكر الراوي دون أن يذكر الأداة، ولكن هذه الرواية رواها ابن عيينة في أكثر من كتاب بهذه الطريقة، رواها عن ثلاثة، فجاء مثلاً في مسند الحميدي عن ابن عيينة: حدثنا معمر عن الزهري، وحدثنا عمرو ويحيى بن سعيد عن الزهري -يحيى بن سعيد الأنصاري- وجاء كذلك في معجم الطبراني الكبير الثلاثة مع بعض من رواية ابن أبي عمر عن سفيان قال: عن معمر عن عمرو بن دينار عن الزهري، وفي رواية أخرى قال: عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن دينار، وفي رواية: ومعمر بن راشد. يعني أحياناً يجمع الثلاثة مع بعض يا شباب، يبقى سفيان بن عيينة هنا له ثلاث مشايخ وصل بهم إلى الزهري: معمر، وعمرو بن دينار، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ولذلك الطبراني رحمه الله، الطبراني له المعجم الكبير والمعجم الأوسط، لما علق على رواية عمرو بن دينار عن، عمرو بن دينار ويحيى بن سعيد عن الزهري قال: لم يروِ هذا الحديث عن عمرو بن دينار ويحيى بن سعيد عن الزهري إلا سفيان بن عيينة، ليه؟ لأن هي رواية غريبة شوية، أن يحيى بن سعيد الأنصاري وعمرو بن دينار يرووا هذه الرواية عن الزهري، فلذلك اهتم الطبراني بلفت النظر إلى أن ابن عيينة تفرد بهذه الرواية.
وهذا الحديث رواه مالك في الموطأ من رواية يحيى، عن مالك عن الزهري مرسلاً ولم يسنده، فالحديث يعني وقع في إسناده بعض الخلاف، ولكن البخاري اختار هذه الرواية، قال: ويحيى بن سعيد عن الزهري عن هند، هي هند بنت الحارث، عن أم سلمة قالت: استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم -في رواية عند البخاري: فزعا، يعني رواية استيقظ النبي فزعا ستأتي معنا إن شاء الله- قال: ذات ليلة فقال: سبحان الله. كلمة سبحان الله تأتي للتعظيم وتاتي لنفي النقص عن الله، بخلاف ما بعض الناس حصرها في نفي النقص فقط، وهذا ليس صحيحاً، فهي تأتي للتعظيم أيضاً، مثل: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ [الإسراء: 1]، فتأتي لتعظيم الله وبيان قدرته كما تأتي لنفي النقص عنه، وتاتي أحياناً للتعجب.
قال: سبحان الله، ماذا أنزل الليلة، أو ماذا أنزل الليلة من الفتن؟ الفتن ما يفتن به الخلق وماذا فتح من الخزائن؟ خزائن الله سبحانه وتعالى. قال: أيقظوا صواحبات الحجر، فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة. الحجر، طبعا، اللي هي منازل النبي، منازل زوجات، أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، بدأ بهنا يعني النبي صلى الله عليه وسلم ذكرهن؛ بين أن في فتن تنزل، وفي كذلك من خزائن رحمة الله تبارك وتعالى تنزل، وأراد أن يذكر أزواجه لأنهن أقرب إليه.
في هذه الرواية يعني اختلف ما معنى، يعني: فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة؟ أولاً: هل كاسية هنا معناها خاص بالمراه فقط؟ أنا في رأيي ليس خاصاً بالمراه، كان المعنى: فرب نفس كاسية، أن يكون الإنسان مكسواً في الدنيا بالعافيه مثلاً أو مور، أن يكون مستوراً، أو تكون المرأة مثلاً مستورة بملابس أو مستورة بعز وجاه، ولكنها تكون عارية في الآخرة عن العمل الصالح، وكذلك الرجل، كما في الحديث، في الحديث الصحيح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة»، ثم قال: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ [الكهف: 105].
فاحنا عندنا معنى هنا، أن النبي صلى الله عليه وسلم، يعني، طبعا عن وجه الشاهد يا شباب من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم وعظ وعلم بالليل، فهذا يؤكد أن النهي عن السمر بعد العشاء مخصوص بما، أو هو نهي خاص عما كان فيه لغو رفث، أو يضيع على الإنسان صلاته أو نحو ذلك، فهذا وجه الشاهد.
طيب، النبي صلى الله عليه وسلم بين أن الله ينزل من خزائنه من خزائن رحمته، وكذلك من الفتن ما يفتن به الخلق، وكذلك مما يفتح من الخزائن ما يفتن به الخلق، واضح، فالفتنة منزله، لكنه لا يساوي عند الله شيئاً، وجاء في الحديث اللي هو حديث: هذا خير من ملء الأرض من هذا. وجاء في حديث مثلاً: «رب أشعث أغبر مدفوع بالابواب لو أقسم على الله لأبره»، فهذا يبين أن خير الزاد هو التقوى، خير، الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ﴾ [البقرة: 197]. وقال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: 26].
وكما أن الله سبحانه وتعالى قال: «إن الله جميل يحب الجمال»، هذا الجمال أعظم ما فيه جمال الإيمان، وإن كان يدخل فيه كذلك جمال المظهر، وجمال الرائحة، والنظافة، وجمال السلوك والخلق، ولكن الله سبحانه وتعالى يحب جمال الإيمان، يعني يحب، في في الحديث: «الله جميل يحب الجمال»، وفي الحديث الآخر: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم -وفي رواية: ولا إلى أموالكم- ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».
فقد يكون من الجمال ما يبغضه الله، مثل مثلاً الحرير والذهب على الرجال، ومثل آنية، آنية الذهب، ومثل كذلك الفخر والخيلاء، لا ينظر الله لمن جر إزاره خيلاء، وكذلك بينما رجل يجر إزاره خسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة، وفي حديث قارون في، في الحديث عن قارون، على قومه في زينته، فقد يكون الجمال مذموماً، أما لكونه محرماً كالحرير مثلاً والذهب على الرجال، أو آنية الفضة أو الذهب، وكذلك قد يكون مفتخراً به فيكون محرماً، وقد يستعمله الإنسان يتكبر به، أو المرأة مثلاً قد تتبرج بجمالها فتكون، فيكون مبغوضاً من هذا الوجه.
فالذي لابد أن نفهمه هنا أن خير الزاد هو التقوى، وخير اللباس هو التقوى، والجمال عند الله تبارك وتعالى هو بالعمل الصالح، لذلك الله سبحانه وتعالى مثلاً ذكر خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك، مع أن هذا لا يحبه الإنسان، لكنه يحبه الله تبارك وتعالى، فلا بد للمرء أن يتجمل بما يحبه الله تبارك وتعالى، ومما يحبه الله أن يكون الإنسان جميلا نظيفاً يلبس ملابس حسنة، ولكن هذا الجمال قد يخرج عن الحد فيصير غير محمود عند الله.
فخلاصة هذا الكلام يا شباب أن رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة، لا شك أن، أنها عارية في الآخرة عما ينفعها، وأنها كاسية في الدنيا يعني أنها مستورة بشيء ما، أو أن هذه النفس مستورة بشيء ما، وخير ما تستر به النفس عند الله هو العمل الصالح: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]، وكذلك من يهن فما له من مكرم.
طيب، ندخل في باب السمر في العلم، تفضل تفضل يا عمر أحسن إليك.
باب السمر في العلم. حدثنا سعيد بن عفير قال: حدثني الليث قال: حدثني عبد الرحمن بن خالد عن ابن شهاب عن سالم وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم العشاء في آخر حياته، فلما سلم قام فقال: أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإن رأس مئة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد. بارك الله فيك.
طبعا في الباب الذي قبله، يعني، اللي هو: أيقظوا صواحبات الحجر -في رواية لكي يصلين، يعني في رواية هي موجودة إن شاء الله تاتي عندنا في البخاري، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم أيقظه ليصلي، وهذا فيه الاستعانة بالعمل الصالح في الفتن، وهذا من أحسن ما يكون، وكثير من الناس عند الفتن يترك العمل الصالح، والله سبحانه وتعالى ذكر المؤمن: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ [هود: 9]، ثم ذكر بعد ذلك حال المؤمن: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [هود: 11]، فهذا فيه فائدة وهو العناية بالعمل الصالح في أزمنة الفتن، فإنها مما يعين الله تبارك وتعالى به العبد على الفرقان: ﴿إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾ [الأنفال: 29].
هذه الرواية: باب السمر في العلم. قال: حدثنا سعيد بن عفير، طبعا هو منسوب إلى جده، تكلمنا عنه كثيراً: سعيد بن كثير بن عفير. قال: حدثني الليث، الليث بن سعد. قال: حدثنا عبد الرحمن بن خالد، عبد الرحمن بن خالد المسافر هذا مصري، ويعني كان أمير مصر لهشام بن عبد الملك، وهو ثقة في الحديث، وكان قريناً لليث، الليث أخذ عنه، وعموماً البخاري يعني روى عنه ثلاث أحاديث، ثلاث أحاديث فقط، لم يكن من المكثرين، يعني. قال: عن ابن شهاب، أصلاً هو طبعا ليس من الكبار المقدمين في ابن شهاب، ولكن هذا الحديث يعني سياتي إن شاء الله من روايات أخرى عند البخاري من رواية شعيب عن الزهري.
قال: عن ابن الشهاب، اللي هو، عن سالم وأبي بكر بن، ابن سليمان بن أبي حثمة، هذا قرشي مدني ثقة، لاحظ هنا في، يعني، جمع مع الزهري بين سالم وأبي بكر. أن عبد الله بن عمر قال، صلى، طبعا سالم يا شباب اللي هو ابن عبد الله بن عمر: صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم العشاء في آخر حياته. جاء في، في رواية في رواية جابر عند مسلم أن ذلك كان قبل موته بشهر، من رواية الحجاج الأعور عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير سمع جابرا، جابر بن عبد الله: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بشهر قال: تسألون، يعني الساعة إنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة، أو قال: أقسم بالله ما من نفس، أقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي، ثم ذكر الحديث.
يبقى الشاهد هنا، الشاهد هنا في قوله إيه: بعد العشاء. هذا هو الشاهد يا شباب: صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم العشاء في آخر حياته فلما سلم قام فقال، هذا هو وجه الآية، الشاهد. قال: أرأيتكم ليلتكم هذه؟ أرأيت هذه تاتي كثيراً في القرآن يا شباب، مثلاً: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْداً إِذَا صَلَّىٰ﴾ [العلق: 9-10]، ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَىٰ﴾ [العلق: 11]، ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: 63]، ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّىٰ * وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً وَأَكْدَىٰ﴾ [النجم: 33-34]، ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُم إن أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 40]. أرأيت هذه للاهتمام والتنبيه والتقرير، لأنه سيذكر بعدها شيئاً يلتفت إليه أو يهتم به.
قال: أرأيتكم ليلتكم هذه فإن رأس، هي بالضبط دي تشبه إيه؟ أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني، لأن الفاء هذه تاتي كثيراً بعد أرأيت، فإن رأس مئة سنة منها، يعني عند انتهاء المئة، لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد. رايت دي يا شباب عامله زي ما أقول لك إيه: تعرف فلان فحصل له كذا؟ يبقى كانها للتنبيه.
هذا الحديث إن شاء الله سيتكرر معنا شباب في مواقيت الصلاة وغيرها، وطبعا هذا هو من الغيب الذي علمه الله النبي صلى الله عليه وسلم أن هو بعد مرور مئة سنة لن يكون حياً مما على الأرض أحد، وفعلاً هذا من، من آيات النبوة، لأن آخر صحابي توفي اللي هو أبو الطفيل عامر.
بن واثلة هو توفي تقريبا سنة 110 والنبي صلى الله عليه وسلم حدث بهذا الحديث تقريبا في السنة التي توفي بها فهذا بالضبط وقع كما بين النبي صلى الله عليه وسلم، واستدل بهذا الحديث على مثلا ضعف حديث الجساسة في مسلم لأنه أصلا فيه اضطراب في سنده وفيه أن المسيح الدجال موجود وموثق في جزيرة. وكذلك استدل به على أن الخضر مات؛ لأن بعض الناس يدعي أن الخضر حي والصواب أنه مات، فاستدل بهذا الحديث على أكثر من أمر وإن شاء الله يأتي في موعده نتكلم فيه عن هذا بإذن الله.
وجه الشاهد خلاص من الحديث ذكرناه وإن شاء الله بقية الكلام عنه ستأتي في موضعها. طيب اقرأ كمل يا عمر أحسن الله إليكم: حدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا الحكم، قال: سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: بت في بيت خالتي ميمونة بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم عندها في ليلتها، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم العشاء ثم جاء إلى منزله فصلى أربع ركعات ثم نام ثم قام ثم قام ثم قال: «نام الغليم» أو كلمة تشبهها، ثم قام فقمت عن يساره فجعلني عن يمينه. اقرأ كده مرة ثانيه يا عمر كده معلش، نام الآية؟ نام الغلم، لا الياء عليها شدة. نعم نعم أحسن الله عليك نام الغليم. أيوه أفضل، قال: «نام الغليم» أو كلمة تشبهها ثم قام وقمت عن يساره فجعلني عن يمينه فصلى خمس ركعات ثم صلى ركعتين ثم نام حتى سمعت غطيطه أو خطيطه ثم خرج إلى الصلاة.
هذا هو الحديث الثاني هنا في هذا الباب. حدثنا آدم، آدم بن أبي إياس طبعا ذكرنا أن البخاري اعتمد عليه في رواياته عن شعبة هو أحد الثقات الكبار في شعبة. قال حدثنا الحكم، الحكم بن عتيبه الكندي كوفي فقيه من الثقات الأثبات. قال سمعت سعيد بن جبير، تكلمنا عنه كثيرا سعيد بن جبير بن هشام ثقه مفسر من أثبت الناس في ابن عباس وكان فقيها عليه رحمة الله. عن ابن عباس قال: بت في بيت خالتي ميمونة، ميمونة رضي الله عنها هي آخر من تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها ميمونة بنت الحارث الهلالية أمنا زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم عندها في ليلتها. طبعا في وجه الشاهد هنا لم يظهر من هذا الحديث اللي هو السمر في العلم، السمر كلمة السمر يا شباب اللي هو السهر، يعني السمر اللي هو الكلام الذي يقال في السهر، فلم يظهر هنا لكن في لو أنت تتبعت طرق الحديث ستجد في كتاب التفسير في رواية شريك عن كريب عن ابن عباس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم تحدث -يعني ابن عباس قال: تحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة ثم رقد فلما كان ثلث الليل- فذكر فكل أن وجه الاستدلال إذا كان السمر في المباح فأولى أن يكون السمر في العلم مشروعا. يعني النبي صلى الله عليه وسلم تحدث مع أهله ساعة بعد ما صلى فهذا يدل على أن هذا مباح أن الإنسان يمكن أن يتكلم مع أهله بعد العشاء، فأولى منه أن يتكلم في العلم. كان السمر في العلم يا شباب معناها أن تسهر في العلم.
قال: بت ابن عباس يقول: بت في بيت خالتي ميمونة بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم عندها في ليلتها، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم العشاء ثم جاء إلى منزله فصلى أربع ركعات ثم نام ثم قام ثم قال: «نام الغليم» -هذا تصغير الغلام المراد بابن عباس- أو كلمة تشبهها، يعني الراوي كأنه بيقول يعني ابن عباس أما أن يكون هو الذي قال ذلك أو الراوي، ثم قام فقمت عن يساره فجعلني عن يمينه، فصلى خمس ركعات ثم صلى ركعتين ثم نام حتى سمعت غطيطه -طبعا ركعتين دول هو ركعتا الفجر، هذا هو الأقرب في تفسيرها أن هو ختم الوتر ثم بعد ذلك لما أذن الفجر صلى ركعتين ثم اضطجع النبي صلى الله عليه وسلم- قال: حتى سمعت غطيطه، الغطيط اللي هو الصوت الذي يخرج من الإنسان النائم صوت النفس يعني. قال: أو خطيطه، والأقرب والله أعلم هي كلمة غطيطه وهذا هو الصواب ثم خرج إلى الصلاة.
فوجه الشاهد يا شباب طبعا هذا الحديث سيتكرر معنا في أكثر من عشر مواضع وهو أطول من ذلك والبخاري سيوظفه تحت أكثر من باب فاحنا لن نطيل فيه إلا بقدر الحاجة.
تدخل في باب حفظ العلم. ممكن نشوف بقى أحد غير الأستاذ عمرو أحد معانا يقرا عاصم مثلا. أحمد الشيخ تفضل يا احمد. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. تفضل ابدأ يا شيخ. أفضل، باب حفظ العلم. حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدثني مالك، عن ابن شهاب، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثا، ثم يتلو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 159، 160]. إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطنه ويحضر ما لا يحضورن ويحفظ ما لا يحفظون.
بارك الله فيك. هذا الباب كله سيكون لأبي هريرة رضي الله عنه وهو حقيق بذلك رضي الله عنه. باب حفظ العلم، نلاحظ أن البخاري رحمه الله لم يترك بابا يحتاجه طالب العلم إلا ذكر فيه الأخبار، بل ذكر فيه أفضل الأخبار. حفظ العلم معناه أنك تلقيت العلم تمام، هذا العلم الذي تلقيته إذا لم تحفظه ضاع، وحفظ العلم يكون بفقهه، أنك أنت تفهم ما أخذت وتحفظه يعني يبقى في صدرك، وأن تعمل به وأن تبلغه للناس، هذا هو تمام ذلك وهو الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثت به من الهدى والعلم فعلم وعلم، هذا هو النسق التام.
أول أمر أنك أنت تختار المعلم الذي تتلقى منه العلم، تختار الثقات، وبعد ذلك تجمع قلبك على حديثهم، يعني تركز وتنقطع له وتحسن التلقي، ثم تكتب وتحفظ وتراجع وتذاكر وتكرر وتعمل به وتحدث الناس وتطوره وتجود، يعني إيه تطوره وتجود؟ يعني ممكن أنت مثلا تكون أخذت معلومة عن شيخ أو عالم أو طالب علم ولكنك لا تعرف مثلا إلا حجة واحدة لها، فتكثر من الحجج حولها ويمكن أن تنتقدها فتكتشف أنها خطأ أو تكتشف أن بعضها خطأ.
إذا يا شباب في فرق بين تلقي العلم وبين ضبط العلم وتجويد العلم وحفظ العلم وتأدية العلم، كل هذه من المراحل التي يمر بها طالب العلم في الواقع. هذا الباب هو في رأي من أجمل الابواب التي يحتاجها طالب العلم وينتفع فيها من أبي هريرة رضي الله عنه بأمور كثيرة. أبو هريرة رضي الله عنه أسلم متأخرا فاته كثير من مشاهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن له سبق كمن سبقه من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهما أجمعين، لكنه بفضل الله تبارك وتعالى استطاع أن يكون له سبق ما، استطاع أن يحصل فضلا عظيما في الإسلام.
فاول ما نفيد من أبي هريرة رضي الله عنه أن من فاته شيء يمكن أن يستدرك بما تبقى له من العمر، دي أول فائدة يا شباب. السبق المستطاع، سابقه، الله سبحانه وتعالى أمرنا، ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 26] أمرنا أن نجتهد، ليس لسبق الناس، وإنما أمرنا أن نجتهد لنسايق، أن نحن أنفسنا نحاول أن نبذل ما نستطيع. فأول أمر نلاحظ في أبي هريرة أنه احسن استثمار ما تبقى له مع النبي صلى الله عليه وسلم، هذا أمر.
الامر الثاني: جمع قلبه على الباب الذي يحسنه. ومن تفرغ لشيء أتقنه، لاحظوا يا شباب في فرق بين الفراغ والتفرغ، فراغ انسان عنده فراغ فاضي لكن التفرغ يعني أن تتفرغ له، ممكن انسان فاضي بيضيع وقته بالنوم والالعاب والمسلسلات والكلام الفارغ ده أو الجدال، انما كلمة التفرغ معناه أنك انقطعت لشيء تماما، ليس كل من كان عنده فراغ يكون متفرغا للعمل النافع.
يبقى اذا السبق المستطاع وجمع الهم، حسن التلقي. حسن التلقي معناه أن انا اجمع قلبي وأركز وأكتب. الحرص، الحرص يا شباب معناه أنك لا تفوت شيئا. مر معنا باب الحرص في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه مرة لما النبي صلى الله عليه وسلم بين له أنه عندنا الباب رقم 33 باب الحرص على الحديث وذكرنا أن الحرص يذكر كثيرا في من لا يريد أن يضيع شيئا لا يبقي ولا يذر، كما قال الله: ﴿لَتَجَدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة: 96]، وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين. فالحرص أحد اعظم الأمور التي يتميز بها طالب العلم مع الكتابة كذلك.
كل الأبواب هذه يا شباب مما -مش احنا بنشوف مثلا 100 ألف طالب أو 200 ألف طالب لماذا يخرج منهم مثلا 10 أو 5 هم المتميزون جدا بإذن الله؟- لماذا؟ لهذه الأسباب. ممكن كل هؤلاء يشتركون في التلقي عن شيخ وعندهم نفس الأدوات لكن المهارات تختلف والنيات تختلف. فطالب العلم يا شباب يحتاج أن يختار من يأخذ عنه العلم ويجمع قلبه على العلم ويحسن التلقي ويكون حريصا ويحفظ علمه ويحفظ نفسه، يعني صورة طالب العلم المتكاملة هذه فيها تجمع القوة والأمانة، الأمانة فيها معاني الصدق والإخلاص والتوكل وحسن النية وحب الخير للمسلمين وهكذا. والقوة فيها اختيار من تتعلم عنه وفيه الرحلة في طلب العلم وفيه البذل والتعب والكتابة والحرص وفيه المهارات وفيه كذلك المراجعه والمذاكرة، كل ذلك يا شباب في الواقع نحن نتعلم من أبي هريرة رضي الله عنه كثيرا جدا في هذا الباب.
أيضا من الأمور المهمة هنا يا شباب في هذا الكتاب أن العلم مسؤولية، يعني في هذا الباب أن أبو هريرة رضي الله عنه يتكلم أن العلم مسؤولية وليس مجرد أنت لما تبلغ العلم ليس هذا مجرد أمرا مستحبا وخلاص، لا، هي مسؤولية من جهتين: ليبلغ الشاهد منكم الغائب، مسؤولية البلاغ. والامر الثاني: الاحتياط في البلاغ. قال حدثنا أ... يبقى إذا باب حفظ العلم يا شباب حفظ العلم يبدأ من ماذا؟ من التلقي: عمن تتلقى وماذا تتلقى وكيف تتلقى وكيف تضبط ما تلقيت ضبط الصدر وضبط الكتاب، تضبط بصدرك لكن أنا دائما أعتمد على الكتاب لا أعتمد على صدري أبدا حتى في الأمور التي أتقنها، يعني مثلا في القرآن أنا لا أراجع القرآن طول ما قدامي مصحف إلا من المصحف أنا أحب ذلك، نفس الكلام الأحاديث طول ما أنت متوفر لك القراءة اقرا، ولكن لو كنت مثلا ماشي في الطريق ممكن تراجع من حفظك، فانا أحب أن يعتمد الإنسان جدا على الكتابة. الحفظ خوان مهما كان الإنسان، والامام أحمد بن حنبل كان يكتب وهو من أحفظ الناس، وكان علي بن المديني يقولون: يقول أمرني سيدي أحمد بن حنبل ألا أحدث إلا من كتاب، وهذا هو الأضمن لمن يشك في حفظه، وحتى إذا لم يشك في حفظه.
يبقى إذا حفظ العلم يا شباب يبدأ بتلقي العلم، تختار من تتلقى عنه وكذلك تركز أثناء الدرس وتقيد وتكتب وتجود ما عندك من العلم سواء بكثره الأدلة وتؤديه كما تحملته، هذا هو أعلى انسان في العلم هو الذي يؤدي العلم كما تحمله، هذا هو معنى الثقة.
قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، هذا هو الأويسي المدني فقيه ثقه. قال حدثني مالك، مالك طبعا ابن انس، عن ابن شهاب اللي هو الزهري، عن الأعرج اللي هو عبد الرحمن بن هرمز المدني، عن أبي هريرة. عبد الرحمن طبعا ابن هرمز من كبار أصحاب أبي هريرة وكان يقرئ الناس القرآن وكان يكتب المصاحف عن أبي هريرة. أبو هريرة طبعا حافظ الصحابة رضي الله عنه هو دوسي يمني مدني، وكان فقيها عابدا عالما وكان له حلقات في التعليم وكان له أكثر من 800 تلميذ يتعلمون منه، وذكرنا أهم أصحابه قبل ذلك كثيرا.
قال: إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة، يعني في بعض الروايات يقولون أكثر أبو هريرة يكثر أبو هريرة الحديث، وفي رواية يقولون: ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل أحاديثه؟ كأنهم يتهمونه وكأنهم يقولون أو كأنهم يقولون ذلك على التشكيك فيه، أو كأنهم يقولون ذلك يقولون: طيب إذا كان المهاجرون والأنصار أقدم صحبة وأعلى من أبي هريرة كيف يروي هو ما لا يرويه هؤلاء وكيف يعلم ما لا يعلمه هؤلاء؟ فيعني هم حضروا ما لم يحضروا وشهدوا ما لم يشهدوا فكيف يكون هو أكثر حديثا منهم؟ هذا يا شباب يبين لك الفكرة التي تكلمت عنها كثيرا، وهي فكرة أن السبق في التعليم لا يستلزم أن يكون هو السبق في...
التعلم، ممكن إنسان يكون تعلم كثيرا جدا، لكنه لم يحفظ علمه أو لم يخرج علمه. كثير من طلاب العلم عندهم علم كثير وعلوم، عندهم تفنن في كثير من العلوم، ولكنهم لا يعلمون الناس فضاع علمهم.
لكن أبو هريرة رضي الله عنه، كثير من الصحابة مثلاً شهد أكثر مما شهد أبو هريرة، لكنهم -إن شاء الله سياتي التعليق على هذا المعنى-. ولكن في موضع قال: إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، قال: ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثا. يا سلام! يبقى أبو هريرة كأنه يقول لهم: أنا أحدث من باب المسؤولية، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرني بذلك، فأنتم تلوموني فيما كان ينبغي عليكم أن تحمدوني وتحفظه لي!
كان المفروض، شوف أبو والله يا شباب هذا المعنى لابد أن تضعه في قلبك كطالب علم؛ أنك تحدث من باب الدين والمسؤولية، وليس من باب نافلة أو من باب مثلاً أنك أنت تجمع الناس أو تصرف وجوه الناس إليك، لا، من باب المسؤولية. شوف بقول: ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثا، ثم تلى هذه الآيات من سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنْنَاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 159-160].
فنلاحظ هنا أن أبا هريرة، وإن كان غيره من الصحابة سبقوه بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم وبالهجرة وغير ذلك والجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه جمع قلبه على حفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى تبليغه للمسلمين، وكان حافظ الصحابة، وحفظ لنا كثيرا من السنن التي لم يروها غيره رضي الله عنه وجزاه الله عنا خير الجزاء.
فنلاحظ هو لما تلى هذه الآيات يا شباب، طبعا هذه الآيات وإن نزلت في أهل الكتاب لكن يدخل فيها كل من كان كذلك. فأبو هريرة رضي الله عنه هنا لما تلى هذه الآيات يبين هذا المعنى، وهو أنه يحدث من باب المسؤولية. طبعا الآية ذكرت في علماء اليهود وأحبار، وكذلك علماء النصارى الذين يكتمون أمر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل ولكن يكتمون العلم به أو يكتمون الحجج في صحة نبوته، وكما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 146]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: 174].
هذا الكتمان قد يكون خوفا أو طمعا، وقد يكون حسدا، حسدا من عند أنفسهم كما ذكر الله. والطبري علق على هذه الآية وقال: وإن نزلت في خاص من الناس فإنها معني بها كل كاتم علم، كل كاتم علما فرض الله بيانه للناس. وعندنا الآية المعروفة: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187].
فكتمان العلم، أو كتم العلم: ألا تخبر بشيء من شأنه أن يخبر به، يعني شيء يجب أن تبينه وأنت كتمته، ويدخل فيه كذلك تحريف المعنى، ويدخل فيه إخفاء المعنى، كما قال الله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: 91]. والأعظم ما يكون في تبليغ العلم إذا كان في موضعه، كما مثلاً ذكر الله عن سحرة فرعون، وكما ذكر عن النصارى الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم قال: ﴿وَمَا لَنَا لَنُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: 84] فلم يكتموا ذلك ولكن جهروا به.
فالله سبحانه وتعالى اخذ على أهل العلم ميثاقا أن يبينوه وأن يبلغوه وأن لا يكتموا منه شيئا، ولكن سياتي فقه ذلك إن شاء الله في باب من خص بالعلم قوما دون قوم؛ هذا له فقه أيضا. الإنسان قد يكتم علما لأمر ما، وقد يحجب علما عن بعض الناس لأمر ما، هذا سياتي في موضعه إن شاء الله تبارك وتعالى.
ولكن يا شباب كتم العلم الذي جاء وقت بيانه سبب في وقوع الناس في الضلالة، وإظهار الإنسان لما عنده من العلم وقت الشدائد هذا لا يقوى عليه أي انسان، قليل من الناس من يفعل ذلك، والله سبحانه وتعالى قال: ﴿الَّذِينَ يُبْلِغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: 39].
طيب، قال أبو هريرة رضي الله عنه تلى ذلك إلى قول إلى قول الرحيم. شوف في الآية يا شباب: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾؛ توبة العالم من كتمانه أن يبين وأن يصلح، ليس فقط أنه يتوب بينه وبين الله، لا، يبين، هذا هو تمام التوبة.
قال: إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق -يعني مشتغل بالتجارة- وإن إخواننا من الانصار كان يشغلهم العمل في أموالهم -وفي رواية: كان يشغلهم في عند مسلم عمل أراضيهم- قال: وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون.
طيب، إذاً هنا أبو هريرة رضي الله عنه يعلل لماذا هو روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يروه غيره، لكن أبا هريرة هنا ذكر طرفا واحدا، ذكر أنه كان يحضر ما لم يحضره ويشهد ما لم يشهد، لا، حتى الذين شهدوا مع أبي هريرة لم يكونوا يروون مثل ما روى، وإنما تميز أبو هريرة بأنه تفرغ لذلك وأن قطع له.
فمن الصحابة من كان أكثر صحبة للنبي صلى الله عليه وسلم من أبي هريرة، ولكنه لم يكن متفرغاً للتحديث، أو كان مشغولا بإمارة أو غير ذلك، أو كان مثلا يمنعه الورع والاحتياط كابن الزبير، كالزبير بن العوام مثلا، وبعضهم كان مشغولا بعمله فلم يحضر، وبعضهم لم يكن يحفظ كما يحفظ أبو هريرة، فكان أبو هريرة يقول: أنا حضرت وشهدت وحفظت.
وهذا يؤكد يا شباب أن مجرد حضورك للدرس لا يستلزم أن تكون متقنا لهذا الدرس، وأنا كثيرا ما أتدارك مع شباب كثيرون جدا العلم، ويخرج منهم واحد أو اثنين أو ثلاثة فقط هم الذين يضبطون لماذا؟ لأنهم يعتنون. وقليل من هؤلاء الذين يضبطون هم الذين يبلغون.
يبقى إذا يا شباب الدائرة تضيق؛ الدائرة الأوسع: دائرة من يحضرون الدروس، والدائرة الأضيق: من يضبطون ويحفظون، والدائرة الأضيق: من يحضرون ويضبطون ويحفظون ويبلغون. وهؤلاء خير من انتفع برسالة النبي صلى الله عليه وسلم.
نلاحظ في هذا الحديث يا شباب أن أبا هريرة جعل جزءا أو سببا أساسيا من تحديثه واكثاره من الرواية أنه كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا أول شيء؛ أن تلازم اهل العلم وأهل الخير، لا تستكثر ما تاخذه منهم بل تطلب الزيادة، وإن شاء الله سياتي عندنا قصة موسى عليه السلام مع الخضر وقول الله تبارك وتعالى: النبي صلى الله عليه وسلم يقول: رب زدني علما، فهو لم يكتفي بسماعه من النبي صلى الله عليه وسلم، بل بقي يطلب الزيادة.
كان يلزم -ده أول شيء- بشبع بطنه، كان يقلل من امور الدنيا، وهذا جزء أساسي مما ينبغي لطالب العلم، بقدر ما تقلل من الصوارف بقدر ما تتفرغ لمشروع حياتك. كثير من الطلاب يدخل نفسه في مشاريع أو في أمور تقلل فرصة نبوغه في طلب العلم، ممكن يكون هو مؤهل، وهذا من تضييع الإنسان نفسه يا شباب. الإنسان يكون عنده موهبة في تلقي العلم وفي حفظ العلم وفي نشر العلم، ثم يضيع عمره في جدال، أو بمعاصي أو ذنوب، أو يدخل في تجارات أو أشياء. يكفيه من الدنيا ما يقيمه ويقيم أهله، لم يحرم عليك أحد أنك أنت تكون احسن الناس في التجارة برحتك، لكن نحن نتكلم هنا في ماذا؟ نتكلم في شخص يريد أن يتقرب إلى الله بطلب العلم، فكيف يتقرب إلى الله بطلب العلم وهو أساسا لا يعطي العلم إلا فضول وقته؟
لا يمكن، طبعا إن شاء الله سياتي عندنا رواية واسعة عن أبي هريرة ستاتي إن شاء الله برقم 2047، هذه الرواية واسعة وفيها فوائد كثيرة جدا لطالب العلم سنكلم إن شاء الله في وقتها. وهذا الحديث مروي عن سعيد بن المسيب وعن أبي وعن أبي سلمة عن أبي هريرة، يعني الزهري رواه عن هؤلاء، عن هذا وهذا، وهي مروية من أكثر من وجه عن أبي هريرة رضي الله عنه وبعضهم يجمع الروايات.
ولكن نلاحظ أن الله تبارك وتعالى ذكر في الذين يكتمون العلم أنهم يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، لماذا يا شباب؟ لأن كتم العلم هذا سبب في ضياع الحق. الله سبحانه وتعالى لما أرسل الرسل كان الناس أمة واحدة، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، فالإنسان لما يكتم هذا العلم يكون الناس في لبس ويكون الناس في فتنة، فإظهار العلم في وقته خير ما عبد الله تبارك وتعالى به.
طيب ندخل في الحديث الذي بعده، تفضل اقرا، من يقرا معنا؟
حدثنا أحمد بن أبي بكر أبو مصعب قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن دينار. بص يا عمر، لما تكون هتقف تقول: أبو مصعب، يعني مادمت مش هتكمل تقول: أبو مصعب، يعني حدثنا أحمد بن أبي بكر أبو مصعب خلاص، لكن لو هتكمل: أبو مصعب قال، أفضل.
تمام، حدثنا أحمد بن أبي بكر أبو مصعب قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن دينار عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قلت يا رسول الله، إني أسمع منك حديثا كثيرا أنساه، قال: ابسط رداءك. فبسطت، قال: فغرف بيده ثم قال: ضمه، وضممته فما نسيت شيئا بعده.
ماشي اقرا الذي بعده كمان.
حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثنا ابن أبي فديك بهذا، أو قال: غرف بيده فيه.
تمام، بارك الله فيك. هذا الحديث بين فيه أبو هريرة رضي الله عنه، طبعا الحديث ذكره البخاري تحت حفظ العلم، وذكره عن أبي هريرة لأن أبا هريرة هو حافظ الصحابة وأكثر من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وحفظ لنا علمه، فأراد البخاري أن يبين سببا أو من جملة الأسباب التي حفظ بها حديث أبي هريرة -وبارك الله فيه وفي حديثه- أن النبي صلى الله عليه وسلم كأنه دعا له، أو كأنه بارك عليه، دعا له بالبركه أو نحو ذلك فذكر هذا الحديث.
قال: حدثنا قال البخاري: حدثنا أحمد بن أبي بكر أبو مصعب، هذا أبو مصعب الزهري القرشي المدني، له رواية مشهورة عن الموطا وهي الرواية المدنية التي وصلتنا كاملة، وذكر الخليلي أنه آخر من روى الموطا عن مالك من الثقات، هو طبعا كان من فقهاء أهل المدينه، عاب عليه أبو خيثمة الفتوى بالرأي ولكن ليس ذلك، هذا لا يقدح في روايته، وعموما هو له موطأ مشهور ومطبوع عن مالك رحمه الله.
قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن دينار، هذا أيضا من الثقات ومن اهل الفقه، وكان قرينا لمالك في الفقه -من أقران مالك في الفقه- وكان يستفتى أيضا.
قال: عن ابن أبي ذئب، اللي هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة، هذا مدني، وهو من أثبت الناس في سعيد المقبري، أن سعيد المقبري في بعض الرواية يخطئون عليه كابن عجلان، لكن ابن أبي ذئب من الثقات عنه.
قال: عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قلت يا رسول الله إني أسمع منك حديثا كثيرا. لاحظ أن السماع السماع هو التحمل؛ حديثا كثيرا أنساه، يبقى هذا يؤكد أن الطالب قد يحفظ، كثير منا درس كتبا كثيرا وعلما كثيرا ونسيه، لأن يا شباب الإنسان إذا لم يضبط المعلومات التي ياخذها تتبخر المعلومات، ده الواحد بيكرر في الاشياء كثيرا جدا عشان تبقى معه لمده بسيطه، فكيف بانسان مثلا يأخذ كتابا ثم يركن في رف المكتبة؟ لا، لازم في فترة بعد التحمل يا شباب، اللي هي الاتقان والضبط والحفظ والمراجعه والمذاكره. المذاكرة: أن تتذاكر أنت وأخوك، والمراجعة: أن تراجع المعلومات. أنا استغرب من واحد درس كتابا ثم يجعله في المكتبة! أنت تدرس كتابا لا تدخل في غيره إلا بعد أن تتقن الكتاب، إلا بعد أن تتقن الكتاب.
طيب، قال: إني أسمع منك حديثا كثيرا أنساه، قال: ابسط رداءك. فبسطت، قال: فغرف بيديه -يعني النبي صلى الله عليه وسلم صنع كأنه يغرف بيديه- ثم قال: ضمه -يعني يغرف بيديه ويدخل في الرداء- قال: ضمه، قال فضممتها، أضم يعني اجمع، فضممتها فما نسيت شيئا بعده. يعني بعض العلماء يحمل هذا: فما نسيت شيئا من هذه الأحاديث بعينها في هذا الموقف. والاقرب والله أعلم أنه ما نسي شيئا من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، أو على الأقل أغلب -لأن بعض الروايات جاءت أن أبا هريرة نسي بعض الأحاديث وذكره غيرهم- فيعني كأنه يقول: أن هذا الأغلب أو الأعم.
المهم أن هذا الحديث شاهد وآية من آيات النبوة، وفيه فضل لأبي هريرة رضي الله عنه، وفيه كذلك أن حب المعلم للطالب بسبب حرصه يجعله يعتني به ويدعو له ويهتم به ويخصه، والنبي عليه الصلاة والسلام سبق معنا أنه ذكر لأبي هريرة: «إنك لحرصك على الحديث ظننت ألا يسألني على على ذلك إلا أنت أو أحدا أحد».
فالنبي صلى الله عليه وسلم لعلمه بحرص أبي هريرة دعا له، وخصه بأحاديث وبرواية حدثنا ابن أبي فديك، اللي هو محمد بن إسماعيل بن مسلم مدني، كان من أروى الناس عن ابن أبي ذئب. وطبعا هذه الرواية رواها عن ابن أبي ذئب قال أو قال غرف بيده فيه، هذا الحديث سيأتي إن شاء الله في البخاري، سيأتي إن شاء الله في البخاري بنفس هذا الإسناد.
في هذا الحديث يا شباب فائدة الدعاء، يعني لو احنا جعلنا أن هذا من باب أن في سبب من أسباب حفظ العلم يرجع إلى غير الاجتهاد والمذاكرة والمراجعة، يكون هو الدعاء؛ يعني النبي صلى الله عليه وسلم كأنه دعا لأبي هريرة بالبركة، أو أنه أراد أو أو كانه يعني اعتنى بأبي هريرة في ذلك. نحن بالنسبة لنا ما هو الباب المتاح لنا؟ الدعاء، أن تدعو لنفسك، وأن تدعو لمن تحب من من طلاب العلم الذين تتوسم فيهم خيرا.
طيب، نقرا آخر حديث في الباب، أفضل؟ قال رحمه الله: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني أخي عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائين: فأما أحدهما فبثثته، وأاما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم.
تمام، بارك الله فيك، هذا هو آخر حديث في حفظ العلم. شوف من فقه الإمام البخاري رحمه الله يا شباب، أنه ذكر هذه الأحاديث في نسق واحد؛ يعني بدأ بالحديث الأول، اللي هو مسئولية العلم والبلاغ والتبليغ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: 159]، وأن أبا هريرة كان يحدث ذلك تدَيُّنا وعملا بأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم وحتى لا يكون كاتما للعلم كويس، لكنه ختم بحديث أن أبا هريرة حفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائين؛ يعني صنفين من العلم.
يعني فأما أحدهما فبث؛ يعني نشره وأذاعه وبلغه، والآخر قال: لو بثثته قطع هذا البلعوم؛ يعني قُتِل تمام. طيب لماذا ذكر البخاري هذه الروايات مع بعض يا شباب في نسق واحد؟ حتى لا يطعن أحد في أبي هريرة. شوفوا ركزوا كده يا شباب، بعض الناس كان يطعن في أبي هريرة بأنه يكثر الحديث، لا، بعضهم سيطعن عليه بأنه كان يكتم بعض الأحاديث، شوف الفرق عشان تعرف الإنسان الزائغ، يعني الزيغ ليس له منتهى.
بعضهم يطعن فيه لكونه يكثر من الروايات، فيقولون: أكثر أبو هريرة، ويعني، طيب وأين باقي الصحابة؟ وغيره يطعن فيه، يقول يعني أن هو نفسه كتم بعض العلم، وكلاهما باطل. لذلك من فقه البخاري أنه خرج هذه الروايات يكمل بعضها بعضا، وهذا من الفقه العالي جدا، أن هو يخرج الروايات التي يتمم بعضها بعضا، ويكمل بعضها بعضا، ويدفع بعضها عن بعض الإشكال. فأبو هريرة لا يمكن أن يكون كتم حديثا يحتاج إليه، لأنه هو نفسه ذكر قبل ذلك مسئولية التبليغ أو أو أو التحذير من كتمان العلم.
طيب، قال حدثنا إسماعيل -طبعا إسماعيل بن أبي أويس- قال حدثني أخي -اللي هو عبد الحميد بن عبد الله، هو مدني أيضا- عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري. على فكره هو هو نفس هذا الحديث، ولكن هذا الحديث قد يروى مطولا وقد يروى مختصرا، يعني نفس هذا الحديث قد يروى وفيه كل هذه الروايات السابقة، يعني بعض الروايات جمع كل هذه الروايات عن أبي هريرة في رواية واحدة، لكن البخاري هنا فرقها؛ لأن كل واحدة منها لها دلالة.
عن ابن أبي ذئب -ذكرناه قبل ذلك- عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائين. هذا يا شباب فيه التصنيف، والتصنيف تصنيف العلم كان قديما؛ شوف أبو هريرة كان يصنف ما أخذه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: وعائين، يعني صنف من العلم، فأما أحدهما زي بالضبط يا شباب طالب العلم لما بيسمع بتكون دائرة السماع واسعة؛ البخاري مثلا سمع مثلا روايات عن الصحابة، روايات عن بني إسرائيل، أحاديث للنبي صلى الله عليه وسلم، أحاديث قدسية، أحاديث مثلا في النكاح، أحاديث في الطلاق، أحاديث في السير في المغازي، أحاديث ضعيفة، أحاديث صحيحة، بدأ يصنفها إلى أن استقر على هذا الكتاب.
فالتصنيف يا شباب معناه أنك أنت تجعل كل صنف من العلم على حدة، واضح؟ فأبو هريرة سمع من النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة فصنف، قال: وعائين، وعائين يعني جرابين، جاء في بعض الأحاديث جرابين أو صنفان من العلم، فأما أحدهما فبث، يعني نشرته بين الناس وبلغته، واما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم؛ يعني لو أنا بثثته، يعني هذا كناية عن القتل. طيب لا شك أن الذين سيقتلونه ليس هم الصحابة الكرام، ولكن أهل الظلم أو الجور هم الذين سيقتلونه.
فأبو هريرة هنا لما لما ذكر هذا يا شباب، فيه حكمة، الحكمة في النشر مراعاة المتلقي، فليس من العلم أن تحدث بكل ما سمعت، أو أن تحدث كل الناس بكل ما سمعت. فهذه الرواية النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بلغوا عني ولو آية». وابن الجوزي لما ذكر هذا، ابن الجوزي له كتاب كشف المشكل، كشف مشكل الصحيحين؛ فذكر هذا المعنى، يعني لما تكون في حديث مشكل في الصحيحين، حاول تراجع كتاب ابن الجوزي.
فقال ابن الجوزي رحمه الله: أنا أذكر لكم بلفظه، قال: ولقائل أن يقول: كيف استجاز أبو هريرة كتم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال: بلغوا عني، وكيف يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما إذا ذكر قتل راويه، وكيف يستجيز المسلم من الصحابة الأخيار والتابعين قتل من يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ طبعا هو يبرز الإشكال ثم يحل أو يجيب عن الإشكال.
فالجواب: أن هذا الذي كتمه ليس من أمر الشريعة، فانه لا يجوز كتمانها، وقد كان أبو هريرة يقول: لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم، وهي قول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ﴾ [البقرة: 159] إلى آخره. فكيف يظن به أنه يكتم شيئا من الشريعة بعد هذه الآية وبعد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ عنها؟ وقد كان يقول لهم: ليبلغ الشاهد منكم الغائب.
وإنما هذا المكتوم مثل أن يقول: فلان منافق، وستقتلهم بنو فلان، يعني يعينهم؛ فلو صرح باسمائهم لكذبه وقتلوه. هذا موجود في كتاب كشف المشكل. وانظر أيضا ممكن أن تنظر كتاب سير أعلام النبلاء في المجلد الثاني، صفحة 597. هذا يا شباب من الحكمة، أن الإنسان يختار ما يحدث به، ويختار من يحدثه، ويختار أسلوب الحديث.
والحسن البصري كره تحديث أنس بن مالك للحجاج بن يوسف بحديث العرنيين، اللي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم عاقب عقوبة شديدة هؤلاء العرنيين، عاقبهم عقوبة شديدة، فتمسك به الحجاج بن يوسف وتعلق به، وكان مسرفا؛ تعلق به في قتل أو في سفك دماء الناس. فلذلك الحسن البصري كره ذلك، ووردت رواية أن أنس رضي الله عنه ندم على ذلك، ندم أنه حدث الحجاج بن يوسف بهذا الأمر، لماذا؟ لانه اعتمد عليها.
فهذا فيه الإمساك عن الأحاديث لمن يخطئ في العمل به، أو يخطئ في فهمها، وسياتي إن شاء الله عندنا هذا الباب. لكن فقط اردت أن أبين هذا المعنى، وهو أن الأحاديث التي لم يبلغها أبو هريرة رضي الله عنه لم تكن من الأحاديث التي من الشريعة أو يحتاج إليها، ولو كانت كذلك لما كتمها رضي الله عنه.
طيب، ممكن ناخذ الحديث الاخير هذا، ونقف عند الباب: باب حديث قصه موسى والخضر؛ لأنه طويل، إن شاء الله سنقف فيه على فوائد كثيرة. طيب ممكن نخليه أقرأ ماشي، طيب معانا أحمد، اتفضل يا أحمد كمل.
قال رحمه الله: باب الإنصات للعلماء. حدثنا حجاج قال: حدثنا شعبة قال: أخبرني علي بن مدرك عن أبي زرعة عن جرير: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له في حجة الوداع: «استنصت الناس»، فقال: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض».
هذا الحديث باب الإنصات للعلماء، فيه أن الطالب ينصت، وفيه أن الطالب يستنصت؛ يهيئ للعالم ما يجعل الناس تعتني بكلامه، يعني إذا طالب مثلا وجد عالما رضيه، أو وجد طالب علم رضيه، فمن تمام عنايته به أن يستنصته، يعني أن يكون سببا في استماع الناس إليه أو اهتمام الناس به.
باب الإنصات، طبعا الله سبحانه وتعالى ذكر: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: 204] فالإنصات غير الاستماع؛ الإنصات أنك أنت تركز أو تهتم ونحو ذلك. فهذا فيه للطالب دلالتان، الأولى: أن ينصت هو، والثانية: أن يستنصت في تهيئة ظروف الدرس للعالم، أو يعني أن يلفت نظر الناس لهذا الشخص حتى ينتفع الناس منه.
قال حدثنا حجاج، هو حجاج بن منهال، هذا بصري أيضا، ثقة فاضل ثبت، وهو من الثقات في شعبة. قال حدثنا شعبة قال: أخبرني علي بن مدرك، هذا نخاعي كوفي، عن أبي زرعة؛ أبو زرعة ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي هو يروي عن جده هنا، جده اللي هو جرير بن عبد الله البجلي، وأسلم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بمده ليست كبيرة، يعني أسلم في السنة التي توفي فيها النبي صلى الله عليه وسلم.
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له في حجة الوداع: «استنصت الناس»؛ يعني اجعل الناس يلتفتون إلي أو ينصتون إلي، يعني مرهم بالإنصات. فقال: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض». مر معنا هذا الحديث، وإن شاء الله سياتي معنا في بيان أن الكفر يطلق على الأعمال التي يختص بها الكفار؛ لأن المؤمن ليس من شانه أن يقتل مؤمنا، والقتل من أعظم الموبقات ومن أكبر السيئات، ومن أخص أوصاف الكافر أنه يقتل المؤمن.
فاقصد أقول: أن لماذا سمي هذا الفعل كفرا؟ لأنه من أخص صفات الكفار، المؤمن لا يقتل مؤمنا. وإن شاء الله يأتي الحديث عنه في موضعه، ولكن فقط وجه الشاهد منه هنا هو: «استنصت الناس»، وفيه أن العالم يمكن أن يأمر بأن ينصت الناس له، هذا ليس من الكبر، بالعكس، هو الإنسان العاقل لا يتكلم بكلام والناس لاهون عنه أو مشغولون عنه، وإنما يعني وهذا فيه كمان فائدة يا شباب، وهي أن العالم يقبل على من ينصت إليه.
يعني إذا كان إنسان زاهدا فيك، فكيف تهتم به؟ ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ﴾ [عبس: 5-6]؛ الله سبحانه وتعالى قال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ﴾ [عبس: 1-6]. فالإنسان إذا استغني عنه يحاول أن يلفت النظر، لكن إذا استغني عنه فكيف يبث علمه في من زهد فيه؟ بل يقبل على من اقبل عليه، ويهتم بمن يهتم به، ويخص الطالب المهتم.
وهكذا شباب، وإلا ضاع العلم. أنا أعرف كثيرا من اهل العلم يدرس لطالب أو اثنين أو ثلاثة وعنده بركة، وشخص آخر يمكن يكون عنده مئة وثلاثة والآلاف ولا فائدة منهم. العبرة ليست بالكثره، إنما الناس كالابل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة. فهذا فيه دلالتان يا شباب لك كمتعلم ومعلم؛ كمتعلم أنك تنصت لمن تعلمه من أهل الخير، وتكثر من الاستماع له، وتجمع قلبك على ما يقول. الأمر الثاني، إذا كنت معلما استنصت؛ يعني حاول انك أنت تطلب من الناس الاهتمام بالحديث، وأنك أنت تقبل على من ينصت إليك ويهتم بحديثك.
واضح؟ بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرا. إن شاء الله سأحاول إن شاء الله أن أجعل لكم هذه الملفات التي تتمم هذا، لأني باحاول أختصر في الفوائد، كنت أحب أن نتوسع في هذا الكتاب أكثر لطالب العلم حتى يكون كشافا لنا في طلب العلم، ولكن أرجو أن يكون ما ذكرته لكم إن شاء الله فيه كفاية. وما بقي لنا من المباحث سبق معنا في دورة قراءة الكتب التأسيسية، وإن شاء الله أحاول أن استخرج لكم بعض المباحث المهمة التي تتمم ذلك.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن ينفعنا بما نتعلم، وأن يجعل العلم حجة لنا، وأن يهدينا وأن يهدي بنا، وأن يجعلنا هداة مهتدين، اللهم مهدينا وسددنا. موعدنا ربما يكون إن شاء الله غدا ننهي الكتاب أكيد؛ لأننا خلاص بقي عندنا عشرة أحاديث، والأحاديث إن شاء الله يسيرة ليس فيها فقط إلا حديث موسى والخضر، هذا هو الذي سنتوسع فيه قليلا إن شاء الله لأنه يستحق ذلك.
وإن شاء الله أيضا عندنا باب آخر، وهو باب من خص بالعلم قوما دون قوم، أيضا هذا ربما يحتاجه طالب العلم جدا حتى يعرف من يحدث، وبماذا يحدث، وكيف يحدث، وكيف يمهد لما يحدث به. إن شاء الله غدا سننهي هذا الكتاب، وحينما ندخل إن شاء الله في كتاب الوضوء وأحاديث الأحكام، إن شاء الله سيكون الأمر أيسر بكثير وسيمر معنا إن شاء الله على الأقل ثلاثون حديثا في اليوم.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يتم لنا هذا الخير، وأن يجعله بركة علينا، وأن يرزقنا العلم به. أحب منكم يا شباب أن تستحضروا نية العمل بكل ما نتعلم، وإلا، وإن فاتنا شيء من العلم فلا يفوتنا العمل. بارك الله فيكم والسلام.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق