بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. هذا هو المجلس الحادي عشر من تعليقنا على كتاب فضائل القرآن للإلامام ابن كثير الدمشقي رحمه الله تعالى عليه. وصلنا إلى قول المصنف رحمه الله تعالى تبعا للإمام البخاري: باب في كم يقرأ القرآن؟ وقول الله تعالى: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ.
أورد البخاري في هذا الباب ابتداء حديث علي بن المديني: حدثنا سفيان بن عيينة قال لي ابن شبرمة -وهو أحد فقهاء الكوفة-: نظرت كم يكفي الرجل من القرآن فلم أجد سورة أقل من ثلاث آيات، فقلت: لا ينبغي لأحد أن يقرأ أقل من ثلاث آيات. طبعا هذا الحديث أحبائي الذي يظهر من سياقه أنه يتحدث عن القراءة في الصلاة، أنه يتحدث عن القراءة في الصلاة.
طبعا فقهاء الكوفة رحمه الله تعالى عليهم كانوا يرون أنه لا يلزم الإنسان أن يقرأ في صلاته سورة الفاتحة، هكذا كانوا يرون، وإنما يقرأ ما تيسر له من القرآن ولا يجزئ أقل من ثلاث آيات. يعني هذا يتعلق بمسألة فقهية عند فقهاء الكوفة في قضية القراءة في الصلاة، أنتم تعلمون أحبابي الكرام أن جماهير أهل العلم يقولون لا بد من قراءة الفاتحة في كل ركعة في الصلاة. فقهاء الكوفة فكانوا يرون أنه لا يلزمك أن تقرا الفاتحة بعينها، بل يكفي أن تقرأ ما تيسر من القرآن لأن الله عز وجل قال: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ، ورأوا أن الحد الأدنى الذي لا ينبغي النزول عنه ثلاث آيات.
فمثلا ابن شبرمة وهو أحد فقهاء الكوفة كيف استنبط هذا أنه أقل شيء يجزئك أن تقرا في الصلاة ثلاث آيات؟ يقول: نظرت كم يكفي الرجل من القرآن أي في الصلاة هذا المراد. قال: فنظرت في المصاحف فلم أجد سورة أقل من ثلاث آيات، فقلت: إذا الحد الأدنى للقراءة في الصلاة أن تقرأ ثلاث آيات سواء من سورة الفاتحة أو من غيرها. طبعا هذا هو رأي فقهاء الكوفة لكن جمهور أهل العلم يلزمون قراءة الفاتحة، يعني لا تبنوا على هذه المسألة.
وذكر بعد ذلك أثرا آخر قال: سفيان أخبرنا منصور عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد أخبره علقمة. علقمة يروي عن أبي مسعود، وهذا أحد الصحابة الكرام، يته وهو يطوف بالبيت، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه، من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه.
وهذا يدل على أن قراءة الآيتين أيضا تجزئ، يعني كان هذا موطن الشاهد لذا أورده البخاري رحمه الله تعالى عليه. يعني ابن شبرمة يقول أقل شيء ثلاث آيات، لكن هذا الحديث يدل على أن قراءة الآيتين من آخر سورة البقرة مثلا أو من غيرها، يعني لكن هو الحديث ورد باخر سورة البقرة وهي آية آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ، من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه.
لكن في الحقيقه يعني هناك إشكال، وهو أن هذا الحديث حديث أبي مسعود: من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه، لا يتحدث عن القراءة في الصلاة، هو لا يتحدث عن القراءة في الصلاة، يتكلم عن القراءة عموما. وهذه القراءة قراءة الآيتين من آخر سورة البقرة هذه قراءة خارج الصلاة، وهو أنه يستحب للمسلم في الليل أن يقرأ آخر آيتين من عند قوله تعالى: آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ إلى آخر السورة.
فلا يظهر أن هناك معارضة أو نقول خلاف بين هذا الحديث حديث أبي مسعود والنظر السابق لابن شبرمة، فابن شبرمة كان يتكلم عن القراءة في الصلاة، وحديث أبي مسعود يتكلم عن القراءة خارج الصلاة، يتحدث عن القراءة خارج الصلاة. ثم أورد ابن كثير أثرا وقد جاء، لكن أثرا ليس في صحيح البخاري ومسلم، وإنما جاء في السنن: لا صلاة إلا بفاتحه الكتاب وثلاث آيات. ولكن هذا الحديث يقول: حديث أبي مسعود أصح وأشهر، وعموما يعني بعد ذلك يقول ابن كثير: ووجه مناسبة هذه الأحاديث السابقة للترجمه التي ذكر البخاري فيه نظر، والله تعالى أعلم.
يعني ابن كثير يقول: كل ما ذكره البخاري ابتداء تحت قوله أو تحت ترجمته في كم يقرأ القرآن، ما ذكرنا من قول ابن شبرمة وحديث أبي مسعود الأنصاري، في الحقيقه ربما علاقته بترجمه الباب وبعنوان الباب يعني بعيدة قليلا، لأنه هو ماذا عنوان البخاري؟ قال: باب في كم يقرأ القرآن؟ أنت ماذا تفهم من هذه من هذا العنوان؟ أي في كم أختم المصحف؟ هل أختمه في شهر؟ هل أختمه في أقل من شهر؟
فعنوان الباب يدل على أنه يبحث عن المدة الزمنية التي يقرا فيها المصحف كاملا. وأول حديث ذكره البخاري حديث أبي مسعود الأنصاري، وذكر قبله فتوى ابن شبرمة تتعلق أو تتكلم عن كم يقرأ الإنسان في الصلاة، تتكلم عن عدد الآيات التي يقرأها الإنسان في الصلاة، وعرفنا أن فقهاء الكوفة يقولون لا تقل قراءته عن ثلاث آيات.
ثم عارض البخاري فهم ابن شبرمة بحديث: من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه، فدل هذا على أن قراءة الآيتين أيضا تجزئ ولا يعني ولا يشترط أن تكون ثلاث آيات فقط. لكن كما يقول ابن كثير بعد ذلك: وكل هذه الآثار وجه مناسبتها أي علاقتها بعنوان الباب فيه نوع من النظر، يعني تحتاج إلى نظر وتفتيش أكثر لعدم وجود المناسبة الظاهرة.
أما الحديث الذي يليه الذي الذي سنذكره الآن نعم فعليا هو الذي يتعلق بعنوان الباب، لذلك دعونا ننتقل إليه وهو حدثنا يقول البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة الوضاح اليشكري عن مغيرة، المغيرة بن مقسم عن مجاهد بن جبر عن عبد الله بن عمرو قال: أنكحني أبي امرأة ذات حسب، فكان يتعاهد كنته، أي عمرو بن العاص زوج ابنه عبد الله بن عمرو، فتاة ذات حسب ذات جمال من عشيرة من قبيلة، فكان عمرو بن العاص يتعاهد زوج ابنته أو عفوا يتعاهد زوجه ابنه، عمرو بن العاص كان يتعاهد زوجه ابنه وهي الكنة كما يقولون، فيسألها عن بعلها، يسألها: كيف ابني معك؟
فتقول له: نعم الرجل من رجل لم يطأ لنا فراشا ولم يفتش لنا كَنفا منذ أتيناه، وهذا كناية عن أنه لم يكن بينه وبينها العشرة الزوجية، هي تقول: هو رجل فاضل، لم إلى الآن لم يحدث بيني وبينه أي التقاء على الفراش. طبعا عمرو بن العاص لم يعجبه هذا الأمر، فلما طال ذلك كلما دخل عمرو بن العاص على زوجة ابنه يسألها: كيف الرجل معكم؟ تقول له: نعم الرجل الرجل لم يطأ لنا فراشا ولم يفتش لنا كنفاً منذ أتيناه، أي لا يوجد بيننا وبينه أي علاقة زوجية.
فلما طال ذلك عليه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم، ذهب عمرو بن العاص إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشكى ذلك إليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص: ألقني به، ألقني به يعني دعه يلقاني. فلقيته بعد الآن، عبد الله بن عمرو بن العاص الاب يقول: لقيت النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في مسجد أو في طريق من الطرقات، المهم فالنبي صلى الله عليه وسلم بدأ يتحدث مع عبد الله بن عمرو بن العاص حتى يعالج هذه الإشكالية معه، فقال له: كيف تصوم؟ فقال عبد الله: كل يوم، كل يوم صائم سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص.
طيب، قال له: كيف تختم المصحف؟ فقال: كل ليلة. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: صم كل شهر ثلاثة واقرأ القرآن في كل شهر. طبعا عبد الله بن عمرو بن العاص من صغار الصحابة، فبالتالي يعني هو أدرك معظم القرآن، أو أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وقد نزل معظم القرآن، لأنك تقول النبي صلى الله عليه وسلم ما زَالَ على قيد الحياة، فما زال القرآن بالتالي ينزل، إذا نحن لا نتكلم عن ختمة كاملة للقرآن كون القرآن ما زال يتنزل على النبي صلى الله عليه وسلم.
لكن كما قلت عبد الله بن عمرو بن العاص من فتيان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فبالتالي يعني لما كان حيا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، كان حيا في آخر حياته، في آخر عهده، وعندما كان أغلب القرآن عنده، المهم النبي صلى الله عليه وسلم قال له: صم كل شهر ثلاثة، يعني ما ينفع تصوم كل يوم، صم من كل شهر ثلاثة أيام، واقرأ القرآن في كل شهر مرة.
فقلت يعني يا رسول الله إني أطيق أكثر من ذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: صم ثلاثة أيام في الجمعة. طيب صم في كل أسبوع ثلاثة أيام، النبي صلى الله عليه وسلم بدو يساعد هذه الهمة فقال له: خلص مش ثلاث أيام كل شهر، ثلاث أيام من كل أسبوع، المراد بالجمعة هنا الأسبوع، صم ثلاثة أيام في الجمعة يعني صم ثلاثة أيام في كل أسبوع.
فقلت إني أطيق أكثر من ذلك يعني يا رسول الله، قال عليه الصلاة والسلام: أفطر يومين وصم يوماً، اعطاه هم أكثر أفطر يومين وصم يوم، أفطر يومين وصم يوم وهكذا. فقلت إني أطيق أكثر من ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: صم أفضل الصوم صوم داود، عليك أن تصوم إذا أفضل الصوم ما في حل أكثر من ذلك صيام يوم وإفطار يوم. وبالنسبة للقران قال: واقرا في كل سبع ليل مرة.
النبي صلى الله عليه وسلم قال له: خلص صم صيام داوود وهو أن تصوم يوما وأن تفطر يوما، تصوم يوم وتفطر يوم، وأما القرآن فاقرأ في كل سبع ليال مرة ليس أقل من ذلك. يقول: فليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني هو كان يتمنى أنه اتبع النبي صلى الله عليه وسلم في هديه الأول لما قال له: صم كل شهر ثلاثة واقرأ القرآن في كل شهر، هو أخذ باخر أمر أي أن يصوم يوما وأن يفطر يوما وأن يقرا في كل سبع ليال مرة.
لكن هو كان يرجو أنه أخذ بالسعة الأولى التي أعطاها النبي صلى الله عليه وسلم له، لأنه شعر بالضعف في بدنه وفي جسده عندما كبر. قال: انظروا ماذا قال؟ قال: وذلك أني كبرت وضعفت، أجهد نفسه بالعبادة رضي الله تعالى عنه ووجد أنه عندما كبر ما عاد يستطيع أن يتعبد الله سبحانه وتعالى بالشكل الجيد، فعرف أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم والاقتصاد في العبادة هو الخير والكمال.
لذلك قال: فليتني قبلت رخصة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أني كبرت وضعفت، فكان يقرأ على بعض أهله السبع من القرآن بالنهار، والذي يقرأ يعرضه بالنهار ليكون أخف عليه بالليل. وإذا أراد أن يتقوى أفطر أياما وأحصى وصام مثلهن، كراهية أن يترك شيئا فارق عليه النبي صلى الله عليه وسلم. يعني كان إذا أراد أن يتقوى عندما كبر وضعف كان يضطر بسبب الضعف أن يفطر أياما، أخذ بأخر شيء بفتوى صم يوما وأفطر يوما، لكن هو كبر وضعف ما عاد يستطيع حتى صيام داوود، فقال: أصبحت أفطر أياما لكنني أحصي كم عدد الأيام التي أفطرتها ثم أقضيها مرة أخرى.
طيب، لماذا يتعب نفسه مع أن الأمر ليس ملزما؟ يقول: كراهية أن يترك شيئا فارقت عليه النبي صلى الله عليه وسلم. كان حريصا وهذا من جمال همم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم: خلص أنا وعدت النبي صلى الله عليه وسلم أن أخذ صيام داوود ووعدته أن أقرأ في كل سبع ليال مرة، فأنا إلى الموت إلى أن ألقى الله سبحانه وتعالى أكره أن أترك شيئا فارقت عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال بعضهم يقول البخاري في بعض الروايات: في ثلاث، وفي بعض الروايات: في خمس، وأكثرهم يعني على سبع، أي أكثر الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: اقرأه في كل سبع ليال، هذه هي الرواية التي عليها الأكثر. وبعضهم أورد في هذا الحديث رواية أخرى أنه اقرأه في كل خمس، ورواية اقرأه في كل ثلاث، لكن الرواية المشهورة في الحديث وأكثرهم على سبع، يعني أكثرهم ذكر الحديث: واقرا في كل سبع ليال مرة، هذه هي الرواية المشهورة له.
ثم روى البخاري ومسلم وأبو داود من حديث يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن مولى بني زهرة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: وسبني سمعت أنا من أبي سلمة عن عبد الله بن عمرو، أي طبعا هذا الكلام عن أبي سلمة قال: حسبني سمعت أنا من أبي سلمة، الذي يقوله هو محمد بن عبد الرحمن، يعني يقول: الذي أظنه وأتذكر أنني أنا الذي سمعت هذا الحديث من أبي سلمة مباشرة أن أبا سلمة يحدث عن عبد الله بن عمرو قال: النبي صلى الله عليه وسلم اقرأ القرآن في شهر، قلت: إني أجد قوة أي أجد في نفسي قوة، قال: فاقرأ في سبع ولا تزد على ذلك.
هذا هو نفس الحديث السابق في الحقيقه يعني إنما هي رواية مختصرة، فيقول ابن كثير: فهذا السياق هذه الرواية -لاحظوا هذه الرواية النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اقرأه في سبع ولا تزد على ذلك، يعني لا تقرأه في أقل من ذلك هذا المراد يعني في ستة أو خمسة أو أربعة أقل شيء سبع- فيقول ابن كثير: فهذا السياق ظاهره يقتضي المنع.
من قراءة القرآن في أقل من سبع، لو أتينا لظاهر الحديث نفهم منه أنه لا يُقرأ القرآن كاملاً، لا يُختم في أقل من سبع ليالٍ. وبعد ذلك ذكر ابن كثير مجموعة من الآثار والأحاديث التي تشهد لهذا المعنى؛ أن القرآن إنما يُقرأ في سبع، وكذلك من أفعال الصحابة كابن مسعود وأبي بن كعب، وأفعال التابعين مثل إراهيم النخعي، وكان الأسود بن يزيد يختم القرآن في كل ست، وكان علقمة يختمه لا في كل خمس.
المهم الآن دعونا من قضية علقمة؛ في الحقيقة أكثر السلف من الصحابة والتابعين كانوا يلتزمون أن يختموا القرآن في السبع، فيقول ابن كثير: فلو تركنا ومجرد هذا لكان الأمر في ذلك جلياً. يعني لو أننا لو لم ترد أحاديث أخر تدل على جواز قراءة القرآن في أقل من سبع, لقلنا الحد الأدنى هو سبع لا أقل من ذلك. هذا معنى قول ابن كثير: فلو تركنا ومجرد هذا لكان الأمر في ذلك جلياً. يعني لو لم تأتِ أحاديث أخرى سنوردها الآن إن شاء الله تدل على جواز قراءة القرآن في أقل من سبع، لقلنا إنه لا يُقرأ في أقل من ذلك.
لكن الآن يقول ابن كثير: لكن دلّ حديث آخر على جواز قراءته فيما دون ذلك، أي في أقل من سبع. فمثلاً ذكر الحديث الأول في مسند الإامم أحمد الذي فيه عن سعد بن المنذر الأنصاري أنه قال: يا رسول الله، أقرأ القرآن في ثلاث؟ قال: نعم. فكان يقرأه حتى توفي في ثلاث أيام، وهذا إسناد جيد قوي. يقول ابن كثير مع أن فيه ابن لهيعة، لكن هنا ابن لهيعة صرح بالتحديث، وابن لهيعة بشكل عام هو مصدر إشكال خلينا نقول في الأسانيد، وإن كان من أئمة السلف رضوان الله تعالى عليه، وكان على معتقد سليم، وكان رجلاً فاضلاً عالماً، لكنه حدثت عنده اشكاليات في الحفظ، ساء حفظه وحدثت عنده اشكاليات في الحفظ، لكن هنا صرح بالتحديث.
فابن كثير رحمه الله تعالى عليه ذهب إلى صحة هذا الحديث، لذلك قال: وهو أي ابن لهيعة من أئمة العلماء بالديار المصرية في زمانه، وشيخه حبان بن واسع بن حبان وأبوه كلاهما من رجالات الإمام مسلم، أي كان يعتمد عليهم الإمام مسلم في الرواية. المهم فهذا الحديث جيد يدل على أن يجوز أن يُقرأ القرآن في ثلاثة أيام. أيضاً ذكر حديث آخر، أنه قال: يا رسول الله، أقرأ القرآن في ثلاث؟ ويعني نفس الحديث السابق حديث عبد الله بن عمر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يفقه في قراءة في أقل من ثلاث، أي القراءة التي في أقل من ثلاث أيام لا يفقه الإنسان فيها شيء من القرآن، أو تكون قراءته قراءة لا فقه فيها ولا تدبر فيها، فهذا يدل على أنه إذا قرأ في ثلاث أيام أو أربع أيام يكون فيها تفقه، فيدل على جواز القراءة إذاً في أقل من سبعة، هذا هو المقصود، لا يفقه في قراءة في أقل من ثلاث.
وأيضاً ذكر حديث أن عائشة، طبعا حديث عائشة أنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يختم القرآن في أقل من ثلاث. حديث في الحقيقة ضعيف، حديث يعني ضعيف فلا يُعتمَد عليه في هذه المسألة. وعن معاذ بن جبل أنه كان يكره أن يقرأ القرآن، أو أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث، فهذه هي الأحاديث.
أيضاً مثلاً حديث قال عبد الله: من قرأ القرآن في أقل من ثلاث. عبد الله بن مسعود يقول: من قرأ القرآن في أقل من ثلاث فهو راجز. راجز يعني، يعني كأنه يقرأ الشعر، لأنه في أقل من ثلاث أيام تريد تختم المصحف ستسرع تسرع تسرع، تصبح قراءتك للقرآن كأنها كقراءة الشعر على بحر رجز، هذا هو المراد.
كذلك روي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ القرآن في رمضان، وانتبهوا هذه قضية رمضان؛ أن إقبال بعض الناس يكون عنده همة للقراءة، فنقول له هكذا كان الصحابة، يعني أو أقل شيء ثبت عن الصحابة في ختمة القرآن في رمضان أنهم كانوا يقرؤونه في ثلاث، هذا ثبت عنهم.
الآن انظروا في حديث المسند، حديث عبد الرحمن بن شبل مرفوعاً؛ ما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الرحمن بن شبل مرفوعاً، قال صلى الله عليه وسلم: اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ وَلَا تَغُلُّوا فِيهِ وَلَا تَجْفُوا عَنْه. هذا يدل على أنه في قراءة القرآن هناك غلو وهناك جفاء. فان تغلو فيه قالوا: أن تقرأه في أقل من ثلاث أيام، وأن تجفوا عنه وهو أن يمر عليك أربعون يوماً وأنت لم تختم المصحف. فالمسلم يكون لا عنده غلو ولا عنده جفاء، بل يسعى أن لا يمر عليه أربعون يوماً إلا وقد ختم كلام ربه.
الآن إذاً دعونا نقول: أقل شيء ثبت في الآثار في الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن الصحابة في ختم المصحف، أنه يُختم في ثلاث ليالٍ، هذا الذي وصلنا إليه النتيجة والمحصله النهائية. نعم، النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمر: اختم في سبع. لكن لو نظرنا في الأحاديث الأخرى وأفعال الصحابة، نجد أنه لا يُقْرَأ في أقل من ثلاث، وهذا في الحقيقة هو مدار المساله، والذي استقر عليه الأمر أنه لا يُختم في أقل من ثلاث، ويجوز أن يُختم في ثلاث فصاعداً.
الان ابن كثير عقد فصلاً يقول فيه: وقد ترخص جماعات من السلف في تلاوة القرآن في أقل من ذلك. هذا الفصل يعقد فيه ابن كثير، أو عقده ابن كثير، يذكر فيه مجموعة من الآثار عن بعض الصحابة عن بعض التابعين، روي عنهم أنهم ختموا القرآن في أقل من ثلاث، منهم من ختمه في ليلة كما كان يُروى عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان أنه يقرا القرآن في ليلة. لكن يعني كما يعني يقول المحقق: إنه الحديث الذي ذكر عن عثمان أنه كان يختم القرآن في ليلة لا يدل على ذلك، يعني هو ذكر حديثاً أقرأه عندكم في قضية ختم القرآن في ليلة، لكن يقول المحقق رحمه الله عليه وحفظه: إنه لا يدل على أنه كان يختم القرآن في ليلة.
حديث أيضاً ذكر عن بعض السلف رضوان الله تعالى عليهم؛ عن تميم الداري مثلاً وقرأ القرآن في ركعة، وبعضهم نقل عنه أنه ختم في ليلة مرتين، وبعضهم نقل عنه أنه كان يختم بالليلة ثلاث مرات كما روي عن سليم بن عتر، أقرؤوا هذه القصة. لكن قضية مثلاً أن سليم بن عتر هذا التابع الجليل كان يختم في الليلة ثلاث مرات، في الحقيقه يعني هذا أنا أشك في صوابه، والأصل في مثل هذه الآثار أن يتوقف فيها، لن أقراها في الحقيقه من أحب منكم أن يقرأها سريعا فليقرأها.
لكن ما أقوله: إنه لا ينبغي أن يُقرأ أو أن يختم القرآن في أقل من ثلاث مهما ذكر لكم هنا من آثار عن بعض الصحابة عن بعض التابعين، لكن بعض هذه الآثار في الحقيقه لا تصح أصالة ولا يتصور حقيقة يكون فيها ضعف. والأصل والمدار في حياة المسلم أن ينظر في هدي النبي صلى الله عليه وسلم، يعني لو كان بعض التابعين آتاه الله سبحانه وتعالى قوة خاصة به أو كرامة من كراماته، فهذا ليس هو الأصل العام الذي تقعد عليه المسائل، وإنما تقعد المسائل ابتداءً على هدي النبي صلى الله عليه وسلم وفعل جمهور الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.
والذي قرأناه وعيناه من هدي عليه الصلاة والسلام ومن تنبيهه وإشارته؛ أن القرآن لا يُقرأ في أقل من ثلاث ليالٍ، وهذا ما عليه العمل عند الصحابة أو جُلِّ الصحابة. بالتالي ما ورد من آثار وتقرؤونه في بعض الكتب والمصنفات، ومنها هنا في هذا الفصل الذي عقد ابن كثير أن بعضهم كان يختم القرآن في أقل من ثلاث، وبعضهم كان يختم في الليلة أكثر من مرة، وما روي عن الشافعي أنه كان يختم القرآن في رمضان مرة في النهار ومرة في الليل، هذا إما يشك في ثبوته في الحقيقة، وإن ثبت وصح بعضه، نقول هذا أمر خاص بصاحبه، هذا أمر خاص بصاحبه، لكننا لا نجعله ديناً ندل الناس عليه، هذا باختصار ما حط المسألة ونهايتها.
بعد ذلك يقول ابن كثير رحمه الله عليه تبعا للبخاري: باب البكاء عند قراءة القرآن. وهذا من المعاني الشريفة التي ينبغي أن يحرص عليها المسلم، وهو أن يتاثر وهو يقرأ القرآن. بعض الناس أحبابي الكرام، ونحن نشكو أنفسنا والله، تمر علينا الأيام تلو الأيام، والشهور تلو الشهور، نقرا القرآن لكن لا يشعر الإنسان بزيادة الإيمان، لا يشعر بالتأثير عند قراءة القرآن، مع أن الله سبحانه وتعالى أخبر أنه من صفات المؤمنين أنهم إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً.
والإنسان الذي لا يقشعر جلده، ولا يرجف فؤاده، ولا يشعر أن القرآن يزيد من إيمانه، عليه أن يراجع هذه المسألة من نفسه، عليه أن يراجع هذه المسألة من نفسه. فالقرآن ليس كتاب ثقافة أو كتاب عام تقراه وينتهي الأمر من دون أن تشعر بشيء حدث في قلبك، نعم كتب أُخر يقرؤها الإنسان وقد لا يشعر أنها أحدثت شيئاً في نفسه، لكن القرآن كتاب خاص، طبيعة قراءته، طبيعة الانتفاع به كتاب خاص أحبابي الكرام؛ يحتاج إلى أنك كلما قرأت تشعر بهيبة، تشعر بجلال، تشعر بقرب من الله سبحانه، تشعر بتأثر.
فإذا كنت تفقد هذه الأمور ولا تجاهد نفسك عليها، فعليك أن تبكي على نفسك كما قالوا. إذاً البكاء عند قراءة القرآن وأورد فيه البخاري من رواية الأعمش عن إبراهيم بن عبيدة عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ علي. النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن مسعود: اقرأ علي. فقلت: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أنزل؟ يعني أنا أقرأ عليك يا رسول الله وهو أنزل عليك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: بأبي وأمي، إني أشتهي أن أسمعه من غيري. قال ابن مسعود: فقَرأتُ النساءَ، أي سورة النساء، حتى إذا بلغت إلى قوله تعالى: فَكَيفَ إِذا جِئنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهيدٍ وَجِئنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهيدًا، قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: كَفَّ، أي قف أو أمسك.
فهنا أمسك ابن مسعود ثم نظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فرايت عينيه رفيفان، بأبي وأمي صلوات ربي وسلامه عليه، دمعت عيناه حينما سمع قوله تعالى: وَجِئنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهيدًا. كان يدرك صلى الله عليه وسلم عظم المسؤولية الملقاة على عاتقه، فهكذا إذاً حال المؤمن مع القرآن؛ يتاثر به لأنه يدرك أنه يقرأ حقائق كبرى، عندما يسمع وصف النار وما أعد الله عز وجل فيها من العذاب يخشى الإنسان، والله عندما تسمع صفات جلال الله سبحانه وتعالى وتنظر في تقصيرك في حقه يبكي الانسان على. نعم، هنا فلْتُسكَب العبرات يا رعاكم الله.
ثم قال: باب من راءى بقراءة القرآن أو تأكل به أو فخر به. يعني من الصفات المذمومة أن يكون الإنسان يقرا القرآن ليُراعي به، أو ليأكل به أموالاً، أو ليتفاخر به على غيره، وليس المقصود منه وجه الله سبحانه. أورد حديث محمد بن كثير، أخبرنا سفيان عن الأعمش عن خيثمة عن سويد بن غفلة عن علي رضي الله تعالى عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ياتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية.
ما معنى يقولون من خير قول البرية؟ قيل معناها أنهم يتكلمون بافضل الكلام، يتكلمون بأفضل كلام بين الناس، يعني لسانهم حلو مثل ما يقولوا. والبعض قال: لا، المراد من قوله: يقولون من خير قول البرية، المراد خير قول البرية أي من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، أي أنهم يقرؤون السنة والأحاديث. والبعض قال: يقولون من خير قول البرية، يعني أنهم لا يقرؤون القرآن، يقولون من خير قول البرية أي أنهم يقرؤون القرآن.
فاختلف في فهم هذه العبارة؛ ما معنى يقولون من خير قول البارية؟ لكن في الجملة تدل على أنهم يتكلمون بالكلام الحسن، سواء كان القرآن أو السنة أو بالكلام الطيب عموماً. لكن ما مشكلة هؤلاء القوم؟ أنهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، يعني ما بدي أقول يخرجون من الإسلام لأن الصحيح أن هؤلاء هم الخوارج، وهم عند جماهير أهل العلم ليسوا كفاراً، لكنهم يفقدون كثيراً كثيراً من خصال أهل الإسلام.
لذلك النبي صلى الله عليه وسلم جعلهم كمن يمرق، أي يخرج من الإسلام، فهذه من عبارات النبي صلى الله عليه وسلم التي المقصد منها أنهم يفقدون كثيراً كثيراً من خصال الإسلام، وليس المراد الخروج الكامل أنهم كفار، لكن المعنى أنهم خسروا كثيراً من أخلاق الإسلام بسبب عدم طلبهم العلم بشكل صحيح، وعدم انتباههم لقلوبهم، عدم انتباههم لقلوبهم.
فهم يقرؤون القرآن، وكما سياتي معنا في الأثر القادم، يعني وصلاتهم عالية وصيامهم عالي إلى غير ذلك، لكنهم لم يتفقدوا الإخلاص في قلوبهم، ولم يتفقدوا العلم، فلا هم حرصوا على الإخلاص والصدق مع الله سبحانه وتعالى، ومن كان منهم مخلصاً صادقاً مع الله عز وجل لم يهتم بالعلم وأن يطلب العلم عند أهله، فلذلك خسروا كثيراً من أخلاق أهل الإسلام. فقال صلى الله عليه وسلم: يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. كيف سهم دخل في رمية، أي في صيد ثم خرج من الجهة.
الأخرى، تخيلوا معي سهماً دخل في شاة أو دخل في حمار وحشي أو دخل في غزال من جهة وخرج من الجهة الأخرى ولم يعلق به شيء، فكذلك حال هؤلاء. وأنظروا التشبيه الغليظ؛ أنهم دخلوا في الإسلام من جهة وخرجوا من الجهة الأخرى كما يدخل السهم في الصيد من جهة ويخرجون من الجهة الأخرى، قال صلى الله عليه وسلم: لا يجاوز إيمانهم حناجرهم. هذا يدل، كما قلنا، أنهم عندهم إشكالية، ليس فقط في جهلهم، بل هناك إشكالية في صدقهم مع الله سبحانه وتعالى؛ إنه قال هنا: لا يجاوز إيمانهم حناجرهم. هذا يدل على أن الإيمان ليس إيماناً حقيقياً مستقراً في قلوبهم، قال: فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة.
يعني هو باختصار الذي يظهر، أن البخاري فهم من قوله: يقولون من خير قول البارية، أنهم يقرؤون القرآن، لكنهم للأسف للأسف لا يقرؤون القرآن قراءة صادقة مع الله سبحانه وتعالى، وهذا الذي أثمر أو جعلهم يصلون إلى هذا الوصف الشنيع، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: أينما لقيتموهم فاقتلوهم. لماذا؟ طبعا وليس نقتلهم لأنهم هؤلاء هم الخوارج الذين يعتدون على أهل الإسلام ويسفكون الدماء، فهم يقرؤون القرآن، لكن لضعف الصدق ولضعف العلم ولضعف علاقتهم بالله سبحانه وتعالى، سبحان الله، تنكبوا طريقاً غير سوية، فيقتلون ويسفكون الدماء البريئة.
فإذا وصل بهم الحال إلى سفك الدماء، فالأصل أن يكفى شرهم عن المسلمين؛ فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة. ثم ننتقل للحديث الآخر، أيضاً حديث أبي سعيد الخدري، قال صلى الله عليه وسلم: يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، ويقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم. هنا قال: يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وفي الحديث السابق قال: لا يجاوز إيمانهم حناجرهم. لاحظتم، في الحديث الأول كان الإيمان هو الذي لا يجاوز الحناجر ولا يدخل إلى القلب، وهنا نفس الشيء، هنا القرآن لا يجاوز التراقي، والتراقي هي الحناجر، أي أنهم يقرؤون القرآن بألسنتهم، لكن هذا القرآن لا ينزل، لا ينز، لا يتجاوز الفم، لا ينزل إلى القلب ليؤثر فيه.
وهذا يعني ما يفهمه البخاري من هذا؛ أن عندهم مشكلة في صدقهم مع الله سبحانه وتعالى في قراءتهم القرآن، يقرا ويقرأ ويقرأ، لكن القرآن لا يؤثر في قلبه، أما ل يعني نفاقاً، واما رياءً، واما لأمر آخر، نسأل الله العفو والعافية. إذاً، ويقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. نفس التشبيه السابق، لكن هنا النبي صلى الله عليه وسلم دخل في تفصيل هذا التشبه فقال: ينظر في النصل فلا يرى شيئاً، وينظر في القدح فلا يرى شيئاً، وينظر في الريش فلا أو ينظر في القدح فلا يرى شيئاً، وينظر في الريش فلا يرى شيئاً، ويتمر في الفوق.
الآن السهم أحبابي الكرام له أجزاء، عند العرب السهم له أجزاء؛ هناك النصل، النصل هي المنطقة المقدمة في السهم المدببة الحادة التي تقتل، هذه تسمى النصل، المنطقة الأمامية المدببة من السهم التي تدخل في الجسد. القدح هو عمود السهم، العمود الحديد الذي يركب عليها النصل، هذا يسمى قدح. الريش هي المنطقة الخلفية من السهم، فإذا السهم مقدمة يسمى النصل، ثم يأتي بعد ذلك حديدة طويلة تسمى القدح، وفي آخر هذه الحديدة تكون الريش معلقاً على الجانبين، ثم بعد ذلك يأتي الفوق، وهو المنطقة التي توضع من السهم على الوتر.
الآن، إذا أردت أن تطلق السهم، المنطقة الخلفية من السهم آخر آخر القدح، المنطقة الخلفية هي التي يتم تثبيتها على الوتر، على وتر القوس، ثم يشد هذا الوتر فينطلق السهم. إذاً هذه أجزاء السهم، عندنا: النصل، والقدح، والريش، والفوق. فهنا النبي صلى الله عليه وسلم يشبه حال هؤلاء الخوارج بحال سهم خرج من رمية، فأنت تنظر في نصل السهم فلا ترى شيئاً، وتنظر في قدحه فلا ترى شيئاً علق من هذا الصيد، وتنظر في ريشه فلا ترى شيئاً علق من هذا الصيد، وإنما اللهم تنظر في الفوق فترى يعني شيئاً خفيفاً يمكن أن يكون علق به، فباختيارك ولا يوجد شيء من لحم الصيد على النصل ولا القدح ولا الريش، وإنما لربما لربما شيء قليل علق بالفوقية.
دخلوا وخرجوا ولم يبقَ معهم شيء من الإسلام، حالهم حال السهم الذي خرج من رمية ولم يعلق به شيء من اللحم، اللهم إلا شيء يسير من الإسلام بقي لهم، فهم ذلك العلماء من قوله: ويتمر في الفوق. أي أنه هذه فيها إشارة خفية أنه بقي معهم شيء قليل جداً جداً أي قد ينجيهم عند الله سبحانه وتعالى، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما قال: ولا ترى شيئاً في الفوق، لا، قال: ويتمر. أي يعني يشك هل فيه شيء ولا لا، فهذه فيه إشارة أنه عندهم شيء من الإسلام، لكن للأسف خسروا كثيراً منه بسبب فقدان الصدق مع الله سبحانه وتعالى وفقدان العلم الشرعي.
ثم ذكر حديثاً آخر مر معنا أظن مسبقاً لكن بألفاظ أخرى، حديث أبي موسى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب، المؤمن الذي لا يقرأ القرآن ويعمل به كالتمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافقين، وركزوا هنا، الذي يقرأ القرآن كالريحان ريحها طيب وطعمها مر. هذا موطن الشاهد في الحديث، أن المنافق الذي يقرأ القرآن إنسان مش صادق مع الله، لكنه يقرأ القرآن، حاله حال، يشبهه بالريحان النبي صلى الله عليه وسلم، تجد رائحة طيبة لكن الطعم مر، للأسف الطعم مر لأنه إنسان ليس صادقاً مع مولاه.
يقول ابن كثير: مضمون هذه الأحاديث التحذير من المرائاة بتلاوة القرآن التي هي من أعظم القرب، كما جاء في الحديث: واعلم أنك لن تتقرب إلى الله باعظم مما خرج منه، وهو القرآن. وإن كان الحديث فيه ضعف الإسناد، لكن المراد أن من أفضل القربات قراءة القرآن، فينبغي للإنسان أن يحرص على الصدق والإخلاص عندما يتلو القرآن ويتقرب إلى الله سبحانه وتعالى به، وأن يحذر من أن يكون فيه صفات المنافقين وصفات الفرق التي ابتعدت عن منهج الإسلام السوي. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل