تسجيل الدخول

فضائل القرآن "لابن كثير" | المجلس الثاني عشر

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. هذا هو المجلس الثاني عشر من تعليقنا على كتاب فضائل القرآن للإمام ابن كثير الدمشقي رحمه الله تعالى عليه. ووصلنا إلى قوله: باب اقرأوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم. ذكر البخاري تحت هذه الترجمة، قال: حدثنا أبو النعمان محمد بن الفضل الملقب بعارم، حدثنا حماد بن زيد، عن أبي عمران الجوني، عن جندب بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اقرأوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه. وحدثنا عمرو بن علي بن بحر الفلاس، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سلام بن أبي مطيع، عن أبي عمران الجوني، عن جندب بن عبد الله قال: صلى الله عليه وسلم: اقرأوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا.

ثم ذكر البخاري مجموعة من المتابعات لهذا الحديث، وذكر سنداً آخر روي فيه هذا الحديث موقوفاً من كلام جندب وليس مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر إسناداً آخر روي فيه الحديث موقوفاً من كلام عمر. ثم بين البخاري شيخ الصنعة رحمه الله عليه أن الصحيح في هذا الحديث أنه مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وليس موقوفاً. ثم يعلق ابن كثير رحمه الله عليه على معنى الحديث فيقول: ومعنى هذا الحديث أنه عليه الصلاة والسلام أرشد وحض أمته على تلاوة القرآن إذا كانت القلوب مجتمعة على تلاوته، متفكرة متدبرة له، لا في حال شغلها وملالها. المقصود من التلاوة بذلك، أي يريد أن يقول ابن كثير رحمه الله عليه: إن المقصود بهذا الحديث أن الإنسان إنما يقرأ القرآن في حال اجتماع قلبه على التلاوة، لأن هذا هو مفتاح التدبر لكتاب الله سبحانه وتعالى والتاثر به، وأن يكون سبباً في زيادة الإيمان. أما إذا كان الإنسان منشغلاً بشيء من أمور دنياه أو يشعر بالملل أو الفتور، فحينئذ لا ينصح ولا يوجه إلى قراءة القرآن، لأن هذه القراءة لا تكون ناجعة، لا تكون مؤثّرة.

فهذا هو ما فهمه ابن كثير رحمه الله عليه من هذا الحديث، وإن كان هذا الحديث في الحقيقة اختلف الشراح في فهمه، فالبعض فهمه بطريقة أخرى، فهمه أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اقرأوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا عنه. أي إذا كان قوم جلسوا في مسجد أو في مجلس علم يقرؤون القرآن ويتدارسونه فيما بينهم، وكانوا مؤتلفين متفقين، لا جدال بينهم ولا مراء ولا خوض زائد عن القدر الجائز شرعاً في معاني الآيات، فهؤلاء يقرؤون القرآن، لا حرج إذا اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتدارسون كلام الله سبحانه وتعالى ويتدبرون ويتجاذبون الفوائد فيه بنقاش علمي فكري ناضج مبني على أسس علمية، والقلوب مؤتلف مجتمعة لا نفور فيها، فهذا حسن وخير عظيم. وأما إذا أصبح هناك جدال ومراء في معاني الآيات وكل شخص يريد أن ينتصر لرأيه ويريد أن يفحم الطرف الآخر، ولم يعد المقصد هو الوصول إلى حقيقة التدبر ومعاني الآيات وفهم كلام الله سبحانه، فهنا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: فإذا اختلفتم فقوموا عنه.

وهذا فهم آخر يتعلق بالمدارسة القرآنية، يشير النبي صلى الله عليه وسلم أننا عندما نتدارس القرآن ونتفهم، يجب أن تكون هذه المجالس المراد منها والمقصود بها الوصول إلى الحق، والوصول إلى المعنى الذي أراده الله سبحانه، وأن يسمع كل طرف للآخر بهدوء، وأن يتكلم الإنسان بعلم وأن نئتلف ولا نختلف. فإذا وقع الجدال في القرآن والخوض فيه وتجاوز المتدارسون الحدود الشرعية في أدب النقاش وأصبح الانتصار للنفس هو السيمة العامة في هذه المجالس، فقوموا عنه وليذهب كل منكم إلى حال سبيله لئلا يقع الشر. ثم ذكر البخاري حديثاً آخر: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة، عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه سمع رجلاً يقرأ آية سمع النبي صلى الله عليه وسلم قرأ خلافها. ابن مسعود رضي الله تعالى عنه سمع رجلاً من المسلمين يقرأ آية من آيات القرآن، كان ابن مسعود سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرا هذه الآية بطريقة أخرى في الأداء، فابن مسعود أخذ بيده قال: فانطلقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم طبعا فأخبره أنه يا رسول الله، سمعت هذا الشخص يقرأ هذه الآية بطريقة تختلف عن الطريقة التي أقرأتني إياها، فقال عليه الصلاة والسلام: كلاكما محسن، فاقرؤوا.

أكبر علمي أنه قال يقول ابن مسعود: فإن من قبلكم اختلفوا فيه فاهلكهم الله عز وجل. وهذا الحديث قد نقول له علاقه بقضية الأحرف السبعة التي كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو شبيه بحديث عمر بن الخطاب لما سمع رجلا يقرأ سورة الفرقان بطريقة تخالف الطريقة التي سمعها هو من النبي صلى الله عليه وسلم. فالصحابة رضوان الله تعالى عليهم بعضهم لم يكن مدركاً ابتداءً لقضية الأحرف السبعة ووجود هذه السعة في القراءة على وفق لهجات العرب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فكان بعضهم ينكر على بعض، فيذهبون إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الوجه صحيح في الأداء وهذا الوجه صحيح في الأداء، ويحذرهم النبي صلى الله عليه وسلم من الاختلاف في القرآن، ويخبرهم أن الله سبحانه وتعالى رخص للعرب أن يقرؤوا القرآن على سبعة أحرف من باب التسهيل عليهم ابتداءً لئلا يثقل ذلك على اللهجات العربية البعيدة عن قريش.

فالمهم موطن الشاهد في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم في نهايته: فإن من قبلكم اختلفوا فيه فاهلكهم الله. وهذا كما قلت يشير إلى المعنى الثاني الذي ذكرته لكم، أن المراد بائتلاف القلوب أنه ينبغي علينا أن نهتم بقضية أن نجتمع على كتاب الله سبحانه وتعالى، وأن يكون كتاب الله عز وجل سبباً لوحدتنا لاجتماع كلمتنا وأن نجتمع عليه بالتدارس العلمي الرشيد الذي يقصد منه الوصول إلى الحق، وألا يكون سبباً في الاختلاف بيننا والتناحر والتباعد، عافاني الله وإياكم. يقول ابن كثير: وهذا في معنى الحديث الذي تقدمه، وانه ينهى عن الاختلاف في القراءة والمنازعة والمراء فيه، هذا هو المعنى والله تعالى أعلم المراد من هذا العنوان. هكذا نكون انتهينا من كتاب فضائل القرآن للإمام البخاري.

الإمام البخاري في صحيحه في كتاب فضائل القرآن أورد هذه الأبواب وهذه المسائل وهذه الأحاديث التي ذكرناها من بداية ومن مطلع هذا الكتاب إلى هذا الباب الأخير. ثم بعد ذلك سيعقد ابن كثير فصلين ختاميّن، فصل يذكر فيه أحاديث جامعة جمعها ابن كثير من كتب السنة ومن مسند الإام أحمد ومن مسند البزار، وثم يعقد فصلا ختامياً يذكر فيه الدعاء المأثور عند ختم القرآن. فإذا بقي علينا فصلان: فصل جامع لأحاديث شتى تتعلق بتلاوة القرآن وفضائله وفضل أهله، وهنا سيورد أحاديث ليست من صحيح البخاري، بل سيورد أحاديث من مسند الإمام أحمد، من كتاب البزار، من كتاب الترمذي، من كتب السنن عموماً، وهذه الأحاديث منها ما هو صحيح ومنها ما هو حسن ومنها ما هو ضعيف. ما سيرده الآن ابن كثير من الأحاديث: منه ما هو صحيح ومنه ما هو حسن ومنه ما هو ضعيف.

فقد يعني علق الشيخ أبو إسحاق الحويني حفظه الله تعالى ومد الله بالصحة والعافية على هذه الأحاديث عندكم في الحاشية، فاقرأ الخلاصة حتى يتنور الإنسان ويعرف ما هو الصحيح وما هو الحسن وما هو الضعيف من هذه الأحاديث. فمثلاً من الأحاديث التي ذكرها نبدأ: حديث رواه الإمام أحمد في مسنده عن بسنده إلى أبي سعيد الخدري قال: صلى الله عليه وسلم: يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة: اقرأ واصعد، فيقرا ويصعد بكل آية درجة، حتى يقرا آخر شيء معه. وهذا الحديث يدل على أهمية حفظ القرآن، بعض الناس يزعم أنه لا توجد أحاديث تدل على الحث على حفظ كتاب الله سبحانه، نقول: هذا ليس بصحيح، بل الأحاديث التي تحث على حفظ كلام الله كثيرة، ومنها هذا الحديث، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم يخبر أن صاحب القرآن إذا دخل الجنة يقال له: اقرأ واصعد، فكلما قرأ من حفظه وصعد يصعد درجة بكل آية حتى يصل إلى آخر شيء معه، إلى آخر آية يحفظها. فمن تزود من الحفظ في الدنيا ازداد رقياً في درجات الجنة.

وذكر حديث آخر في مسند الإام أحمد يقول صلى الله عليه وسلم: يكون خلف من بعد الستين سنة -أي من بعد حياة النبي صلى الله عليه وسلم بستين سنة، وهذا لاحظوا يعني النبي صلى الله عليه وسلم لا يتكلم عن زمن بعيد، بل يتكلم عن ستين سنة فقط من بعد لموته عليه الصلاة والسلام-يكون خلف من بعد ستين سنة أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً. ثم يكون بعد هذا الخلف يعني ثم يكون خلف يقرؤون القرآن لا يعدو تراقيهم، يعني القراءة فقط باللسان لا تتجاوز هذه القراءة إلى القلب لتؤثر فيه، والتراقي هي المنطقة التي تكون حول الحلق خلينا نقول، فالمراد لا يعدو تراقيها أنها مجرد قراءة لسانية لا تصل إلى القلب لتؤثر فيه. وثم قال عليه الصلاة والسلام: ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن ومنافق وفاجر. قال بشير: قلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ يعني ما المقصود أنه يقرأ القرآن ثلاثة مؤمن ومنافق وفاجر؟ يريد أن يفهم. فقال له الوليد: المنافق هو الكافر بالقران، والفاجر الذي يتاكل بالقران يجعل القرآن وسيلة للتكسب والرزق، والمؤمن هو الذي يؤمن به.

فاذا، وهذا موجود في مجتمعاتنا أحبائي اليوم، تجد إنسان عنده نفاق والعياذ بالله وعنده يعني كفر واستخفاف بكلام الله عز وجل، لكنك قد تراه في رمضان أو في بعض مواسم الخيرات أو ما شابه ذلك يقرأ القرآن، قراءته للقران هذه لا تتجاوز تراقيها لأنه هو أصلاً مستخف بكلام الله سبحانه وتعالى، لا يعبأ به ولا يقيم حدوده ولا يجعل له ميزان في حياته. هذا معنى أنه كافر به: لا يقيم حدوده، لا يلتفت إلى أحكامه، إذا قلت له: يا فلان القرآن يقول الربا حرام يقول لك: يا شيخ يعني دعك من هذا، وإذا قلت القرآن يقول لك الزنا حرام يقول لك: يا شيخ دعك من هذا، وإذا قلت الحرام القرآن يأمر النساء بالحجاب والجلباب يقول لك: يا شيخ دعك من هذا. فهذا هو المنافق الذي يقرأ القرآن لكنه كافر به، كلما أخبر بحكم من أحكام القرآن أعرض عنه واستخف به، فنسأل الله العفو والعافية.

وأما الفاجر فهو الذي يتاكل بالقران ويجعله وسيلة للتكسب، وهذا أحبابي الكرام يجب أن ينتبه إليه، فإن بعض الناس إنما يقرأ القرآن من أجل أن يخرج على الإذاعات أو من أجل أن يصور على التلفاز أو يرزقه الله صوتاً حسناً فيستعمل هذا الصوت من أجل جلب الأموال والتكسب وبناء القصور والحصول على السيارات الفارهة، وهذا من والعياذ بالله من التكسب بالقران، هذا من التكسب بالقران، أعيدكم بالله عز وجل من هذه الحال. وأما المؤمن به فهذا واضح.

ثم ذكر حديثاً آخر في من مسند الإمام أحمد أيضاً قال: أنا أخبركم بخير الناس حديث أبي سعيد الخدري قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك خطب الناس وهو مسند ظهره إلى نخلة فقال: ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس؟ إن من خير الناس رجلا عمل في سبيل الله على ظهر فرسه أو على ظهر بعيره أو على قدميه حتى ياتيه الموت، وإن من شر الناس رجلاً فاجراً جريئاً يقرأ كتاب الله لا يرعوي إلى شيء منه. فالنبي صلى الله عليه وسلم يخبر أن من شر الناس وهذا موطن الشاهد: انسان فاجر جريء على الله يقرا كتاب الله سبحانه، لكن القرآن لا يؤثر فيه، لا يرعوي إلى شيء منه، يسمع آيات تقرعه تأمره بغض البصر تأمره بترك الربا تأمره بالوقوف عند محارم الله سبحانه وتعالى وألا يتجاوزها، لكنه لا يقف ويبقى يخوض في الكبائر وفي الموبقات وفي المهلكات ولا يجعل القرآن سبباً يرعوي به عن المعاصي والذنوب وعن معصية الله سبحانه وتعالى، نسأل الله العفو والعافية ممن هذا حاله.

ثم ذكر حديثاً من مسند البزار، حديث أبي سعيد الخدري قال: صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى: من شغله قراءة القرآن عن دعائي أعطيته أفضل ثواب الشاكرين. أي من شغله قراءة القرآن والاقبال عليه عن سؤال الله سبحانه وتعالى والطلب منه أعطيته أفضل ثواب الشاكرين، وهذا يدل على فضل قراءة القرآن، وعلى فضل قراءة القرآن وأنها تربو على فضيلة الدعاء، والمراد بالدعاء الذي يطلبه دعاء المسألة، الإنسان يسال الله عز وجل شيئاً من متاع حياة الدنيا، فمن انشغل بالقران عن دعاء المسألة أعطيته أفضل ثواب الشاكرين، لأنه قدم الفاضل وقدم الأعظم والأجل والأحبه سبحانه وتعالى، فالله عز وجل يجازيه بهذا الثواب.

وقال صلى الله عليه وسلم: إن فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه. يعني أنظروا البون الشاسع بين الله الخالق وبين المخلوق، فكذلك هناك بون شاسع بين كلام الله وكلام المخلوقين. وهذا أصل عظيم أحبابي الكرام هو الذي يجعل الإنسان يقبل على قراءة هذا الكتاب بنهم، وهو أن هذا الكتاب كلام الله. هذا ما أقوله دائماً، هذا ويكفي بهذا الكتاب شرفاً أنه كلام الله سبحانه وتعالى، أن الله هو الذي تكلم به ابتداءً ومنحه لجبريل ليأتي جبريل به من السماوات العلى إلى الأرض ليعطيه إلى محمد صلى الله عليه وسلم ثم نحن نحصل عليه، فهذا.

هو كلام الله عز وجل لا يساويه أبداً كلام أي مخلوق بشكل من الأشكال، فعندما تقرأ القرآن عليك دائماً أن تستحضر هذه المنقبة وهذا الشرف الذي منحك الله إياه، وأن تقرأ كلامه الذي تكلم به.

ثم ذكر مجموعة من الأحاديث؛ من أحاديث أنس بن مالك أنه كان إذا ختم القرآن جمع أهله وولده فدعا لهم، وهذه سنة أنا أحث عليه أحبابي الكرام، إذا ختم الإنسان القرآن فهذه ساعات مباركة ويحسب أن الدعاء فيها مستجاب لأنه على أثر طاعة وعبادة، فكان أنس بن مالك يجمع أهله وولده ويدعو معهم.

وذكر كذلك صالح بن الإام أحمد في كتاب المحنة، ذكر صالح أن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله عليه كان كل جمعة يختم القرآن فيجمع أبناءه وزوجه وأهله ويدعو بهم، فهذه طريقة أهل العلم وطريقة الأكابر وطريقة الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، أنهم إذا ختموا القرآن فإنهم يدركون أن هذه ساعات مباركة ودقائق يرجى أن يستجاب فيها الدعاء فيجمعون أهلهم وولدهم ليحصلوا على هذه البركه.

ثم ذكر بعد ذلك حديثاً عند معجم الإمام الطبراني رحمه الله عليه ذكره في المعجم الكبير، قال صلى الله عليه وسلم: القرآن غنى لا فقر بعده ولا غنى دونه، حديث فيه ضعف لكن معناه صحيح؛ أن القرآن من حصله وحفظه وفهم معانيه فهو الغني ولا يفقر، وأما من أضاع القرآن فلو ملك أموال الدنيا فهو فقير، لذلك قال: ولا غنى دونه، لا يمكن أن تكون غنياً غنى القلب إذا كنت تفقد القرآن، وإذا حرمت من قراءة القرآن، وإذا حرمت من التدبر له، ولو كنت تملك كنوز الدنيا.

ثم ذكر حديثاً آخر: حديث لكل شيء حلية وحلية القرآن الصوت الحسن، وهذا حديث ضعيف في الحقيقة.

ثم ذكر حديث أيضاً أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: بينما نحن نقرا فينا العربي والأعجمي والأسود والأبيض إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنتم في خير تقرؤون كتاب الله وفيكم رسول الله، وسيأتي على الناس زمان يثقف كما يثقف القدح يتعجلون أجورهم ولا يتاجرون.

والقدح هي خلينا نقول الحديد الذي يصنع منه السهم ويصنع منه الرمح، وتثقيفه هو أنه يوضع في الثقاف وهي آلة كانت تستعملها العرب لوضع الحديد فيها؛ حديد الرماح وحديد السهام ليتم تسوية هذا الحديد واصلاحه مما يكون فيه من إشكاليات، تكون الحديد مثلاً فيه اعوجاج إلى اليمين أو إلى الشمال، فحتى يتم تقويمه وتعديله ليصبح صالحاً لأن يصنع منه سهم أو ليصنع منه رمح يدخلونه في الثقاف.

فالثقافات عند العرب يدخلون فيها القدح ليتم إصلاحه وتهذيبه واصلاح اعوجاجه، فأصبح يضرب بهذا المثل في أي عملية إصلاح في حياة الإنسان، فالنبي صلى الله عليه وسلم يخبر مثلاً في هذا الحديث أنه سيأتي على الناس زمان يثقف كما يثقف القدح، أي سيأتي على الناس زمان يهتمون بتحسين قراءة القرآن من حيث الصوت وطرق الأداء، لكنهم لا يهتمون بتدبره والنظر في معانيه والإقامة لحدوده وأحكامه.

وهذا هو المراد بالتكسب بالقران؛ أنك تأتي إلى شخص تجده يخرج مخارج الحروف بكل إتقان وبكل اهتمام، ويتعلم المقامات ليطبق على القرآن، هذا تثقيف يعني هو يعني ما شاء الله كأنه يضع حديدة في الثقاف ليصلحها، فهو يأتي بالقرآن كل حرف من مخرج وكل صفة من صفات الحروف يحاول أن ويجاهد أن يأتي بها، ويجاهد أن يأتي بالمقام الصوتي المناسب للقراءة، لكن بعد ذلك ننظر في حاله مع القرآن هو لا يعرف شيئاً من معانيه.

طيب، ننظر في تطبيقه للقران هو لا يطبق شيئاً منه، لا يقف عند حدوده، فهذا والعياذ بالله حال مذمومة، فالقران إنما يراد تحسين الصوت به وتحسين المخارج به وإصلاح الصفات ليكون وسيلة وطريقاً لتدبر القرآن والاهتمام بأحكامه وفهم معانيه وأخذ القلوب إلى هذه المعاني، أما مجرد أن نقف على القشور الظاهرة، مجرد تحسين الصوت بدون انشغال بالمعاني والتدبر والتطبيق في حياتنا، فهذا ليس هو الهدي الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم.

إذاً بعد ذلك ذكر ابن كثير رحمه الله عليه أيضاً مجموعة من الآيات والآثار أتركها لكم، يعني هناك مجموعة من الأحاديث ذكرها الإمام ابن كثير رحمه الله عليه جمعها وهي تدور على الأحاديث التي ذكرناها.

عموماً المجلس القادم سيكون أحبابي بإذن الله هو المجلس الأخير في كتاب فضائل القرآن، ثم بعد ذلك سيكون هناك يعني استراحة، لا أدري لعله يكون الأول من رمضان، ثم بعد ذلك نشرع في الكتاب الآخر.

وفي يوم الجمعة القادم بحول الله وسيكون من رمضان -أسأل الله أن يبلغنا شهر رمضان بأمن وإيمان وسلامة وإسلام في ديننا ودنيانا- سيكون هناك يعني تقييم سهل إن شاء الله ميسر لعموم هذا الكتاب المبارك حتى يعني نختم عليه بإذن الله ونستمر مع كتابنا الآخر البرهان في تناسب سور القرآن.

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.