بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. هذا هو المجلس السادس من تعليقنا على كتاب فضائل القرآن للإلامام ابن كثير الدمشقي رحمه الله تعالى عليه. ووصلنا من الحديث إلى باب تأليف القرآن، وهذا الباب يتحدث عن ترتيب سور القرآن، ويناقش مسألة: هل ترتيب سور القرآن كان توقيفياً من النبي صلى الله عليه وسلم، أم أنه كان اجتهادياً، أم كان بعضه توقيفياً وبعضه اجتهادياً؟
ذكر الحديث الذي أورده البخاري رحمه الله تعالى عليه؛ قال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم قال: وأخبرني، أي: ابن جريج هو الذي قال: وأخبرني، وسبب هذه الواو في مطلع وأخبرني فيه نقاش عند المحدثين تجدونه في تعليق ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى عليه. المهم أن ابن جريج أخبرهم قال: وأخبرني يوسف بن ماهك -بفتح الهاء وهو يوسف بن ماهك الفارسي- قال: إني عند عائشة -يوسف بن ماهك الفارسي كان عند سيدتنا عائشة رضي الله تعالى عنها- إني عند عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، إذ جاءها عراقي، أي: رجل من أهل العراق، فقال: أي الكفن خير؟ قالت: ويحك! ما يضرك؟ هذا العراقي يسأل: أي أنواع الكفن أجود؟ فسيدتنا عائشة تقول: ما يضرك؟ يعني ما قيمة هذا السؤال؟ لماذا تدخل نفسك في مثل هذه الأسئلة التي ليس من ورائها طائل، سواء كفنت بهذا الثوب أو بهذا الثوب، المهم أن تتحقق شروط الكفن العامة.
المهم، هذا العراقي سأل سؤالاً آخر، فقال: يا أم المؤمنين، أريني مصحفك. فقالت له: لم؟ قال: لأؤلف القرآن عليه، فإنه يُقْرَأ غير مؤلف، أي: لأرتب سور المصحف عندي كما ترتبين أنت السور عندك في مصحفك، فإنه يُقْرَأ غير مؤلف، أي: إن الناس في العراق في بلادنا تقرؤه غير مؤلف؛ منهم من يقرأ سورة البقرة، ومنهم من يقرأ سورة النساء، ومنهم من يقرأ سورة آل عمران، ولا يحافظون على هذا الترتيب الذي في مصحفك. فقالت له: وما يضرك أيها قرأت قبله؟
عائشة تريد أن تعلم هذا الرجل العراقي ألا يتكلف ولا يشدد على نفسه وعلى المسلمين، ففي موضوع القراءة، لو أن الإنسان قرأ من آخر المصحف أو من وسطه أو من أوله، فهذا لا يضر؛ فإن موضوع ترتيب السور في المصحف إنما يتعلق بموضوع الكتابة والرسم. وأما من حيث القراءة في الصلاة أو مراجعة القرآن، أو من حيث الحفظ، فالإنسان يستطيع أن يحفظ من وسط المصحف، يستطيع أن يحفظ من آخره، من أوله. في الصلاة لك أن تقرا من أي القرآن شئت؛ فعائشة تعرف أن هذا رجل عراقي، وأهل العراق في زمانهم كانوا أهل كلفة في الأسئلة وكان عندهم شيء من التشدد، كما سيذكر ابن كثير.
فعائشة: إنما نزل أول ما نزل منه سورة فيها ذكر الجنة والنار. تقول عائشة رضي الله تعالى عنها: إن أول ما نزل من القرآن سورة، وفي الحقيقة هي لا تقصد سورة معينة، وإنما تقصد جنس السور، جنس السور التي نزلت في بداية الهجرة، هي لا تقصد سورة معينة والله تعالى أعلم، وهذا الاحتمال ذكره ابن كثير. لا تقصد سورة معينة، وإنما تقصد جنس السور التي نزلت في بداية البعثة والتي كان موضوعها الحديث عن الجنة والنار، وعن اليوم الآخر، وتخويف الناس من لقاء الله، مثل سورة القارعة، والتكاثر، والعاديات، والزلزلة، والهمزة، والماعون، وقريش، وسورة الكافرون، والمسد، والإخلاص. تتحدث عن هذه السور التي، يعني كما تعلمون، إنما تتحدث عن وقائع اليوم الآخر وتخوف الناس منها في جزء عم أو في جزء تبارك وما شابه ذلك.
فَعَائِشَةُ تقول إنه أول السور، السور التي أنزلت كانت تتحدث عن الجنة والنار، التربية العقدية، تربية الناس على العقيدة؛ هذه كانت فترة مكة في جلها: تربية الناس على العقائد وربطهم باليوم الآخر. ثم قالت: حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام، أي أن الناس أقبلت، ثاب عادوا أي أقبلوا على هذا الدين وبدأوا يدخلون فيه وقويت شوكته، قال: نزل الحلال والحرام، أي نزلت السور التي تتحدث عن الحلال والحرام في المسائل عموماً، في المعاملات، في المناكحات، في الدماء وما شابه ذلك، في حتى مسائل الجهاد والأحكام العامة التي تتعلق به.
ثم قالت عائشة -انظروا الفهم العميق لأم المؤمنين رضي الله عنها-: ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا -أي: قال المسلمون الجدد-: لا ندع الخمر أبداً، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبداً. يعني لو أن أول شيء نزل في القرآن كانت الأحكام وحرم على المسلمين من بداية البعثة شرب الخمر والزنا والأمور التي كانوا معتادين عليها في الجاهلية قبل أن ترسخ العقائد في قلوبهم، لكان لسان حالهم وقالوا: لا، لا ندع الخمر ولا ندع الزنا ولا ندع هذا. لماذا؟ لأن التربية العقدية لم تتجذر في قلوبهم.
لكن الله سبحانه وتعالى أنزل أولاً السور التي تتعلق بالتربيه العقدية وربط المؤمن بالدار الآخرة والكلام عن الجنة والنار، حتى إذا أسست القلوب على معرفة الله سبحانه وتعالى وعلى معرفة اليوم الآخر وعلى الوجل منه وعلى السمع والطاعة للأوامر الإلهية وأصبحت عقيدة مححكمة، بعد ذلك جاءت الأحكام الشرعية بتحريم الخمر وتحريم الربا وتحريم الزنا وتحريم الميسر إلى غير ذلك من الأمور، وإيجاب كثير من الفرائض التي لم تكن واجبة في بداية البعثة.
ثم تقول عائشة: لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية أَلْعَبُ. في مكة نزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهي ما زالت جارية صغيرة، نزل قوله تعالى: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ. وما نزلت سورة البقره والنساء إلا وأنا عنده، إلا وأنا قد تزوجني النبي صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها في المدينه كَدُخُولٍ، دخل بها في المدينة.
ثم قال: فأخرجت له المصحف فأملت عليه الآيات التي في السور. وأما ترتيب السور فالذي يظهر من سياق الحديث والله أعلم أنها لم ترد أن تعطيه إياه لئلا يكلف أهل العراق؛ يعني هذا رجل عراقي إذا عاد إلى أهل العراق وقال لهم: أتيتكم من عند أم المؤمنين بترتيب معين للصور، فهنا يخشى أن أهل العراق يظنون أن هذا أمر ملزم في القراءة، فيظنون أنه في الصلاة يجب أن يقرؤوا بهذا الترتيب وفي الحفظ يقرؤوا بهذا الترتيب فيحدث مشقة على الناس.
فسيدنا عائشة كان عندها من الحكمه والنار العالي في هذه الأمور حتى لا يشق الأمر على الناس. هي تعلم أن ترتيب المصحف نعم ثبت الأمر على ما أجمع عليه الصحابه في زمن عثمان بن عفان، بغض النظر هو ترتيب توقيفي أو اجتهادي أو كان فيه شيء من التوقيف والاجتهاد، المهم أن الأمور استقرت على ترتيب معين للمصحف. لكن هذا الترتيب المعين للمصحف، كما ذكرنا كثيراً أحبابي الكرام، إنما هو ترتيب في كتابته؛ فأي مصحف يطبع ويكتب يجب أن يكتب على ما اتفق عليه الصحابة.
لكن من حيث قراءته في الصلاة وفي تعليمه للطلبة ومن حيث الحفظ وفي الأمور العامة لك أن تقرأ من أي الأماكن شئت. لكن الحديث هذا جمالية في فهم عائشة رضي الله تعالى عنها بطريقة الشارع سبحانه وتعالى، وهذه الحكمة يجب أن يراعيها الإسلاميون الذين يريدون إقامة الحضارة وبعث روح جديدة للإسلام في واقعنا المعاصر، وهي قضية التدرج في إوصل الأحكام الشرعية للناس، وأن يراعي الداعي المسلم واقعه الذي يعيش به، فينظر في هذا الواقع في مجتمعه أين وصل الانحراف والبعد عن أحكام الله سبحانه وتعالى، فيبدأ تصليح الأمور بالأهم فالأهم.
يعني إذا كان المجتمع مليء بالشركيات والبعد عن الله سبحانه وتعالى وعبادة القبور وعبادة الأصنام وعبادة الأوثان وما شابه ذلك، دخلت عليه أن يبدأ بهذه الكليات، فيبدأ ينزع منهم مثل هذه الأفكار المغلوطة التي فيها الشرك ويعيدهم إلى دوحة الإيمان، ثم بعد ذلك يبدأ يخاطبهم بالأحكام الشرعية رويداً رويداً. أما أن يعالج مسألة جزئية، وإن كان مسألة متفقاً عليها لكنها في النهاية ليست في أهمية الأصول الكبرى، فهذا من عدم مراعاة الحكمة في تعليم الناس الخير وفي قيود الناس إلى الله سبحانه وتعالى.
إذا كان الله سبحانه وتعالى استعمل مع هذه الأمة في بداية أمره هذا التدرج، فهذا فيه تعليم لهذه الأمة أن البشر أحبابي الكرام في مجتمعاتهم يصعب عليهم أن تغيروه مرة واحدة ودفعة واحدة، لا بد أن يقع شيء من الترتيب في الأولويات عندما تقيم دعوتك إلى الله سبحانه وتعالى، فتنظر في أعظم المنكرات في مجتمعدك تبدأ بتغييره، ثم إذا نجحت واستطعت أن تغرس العقيدة الصحيحة في قلوب المجتمع أو في أبناء المجتمع تبدأ بهم رويداً رويداً في حل هذه العقد والمنكرات.
أما إذا المجتمع في أصول المنكرات منهدم وأنت تناقشهم في فروعها وفي جزئياتها، فهذا من عدم الترتيب وعدم الأولوية وعدم فهم طريقة الشارع سبحانه وتعالى في التشريع. والكلام في هذا في الحقيقة يطول، لكن سيدتنا عائشة رضي الله عنها كانت على وعي تام من هذه القضية.
هنا ابن كثير يعلق على هذا الحديث فيقول: والمراد من تأليفها هنا ترتيب السور. وهذا العراقي سأل أولاً -أي سأل عائشة أولاً- عن أي الكفن خير أو أفضل، فأخبرته عائشة أن هذا مما لا ينبغي أن يعتنى بالسؤال عنه، يعني هذه قضية قضية ثانوية، يعني بغض النظر ما هو الثوب الذي تكفن به، المهم أن تتوفر فيه الشروط والضوابط العامة، ولا القصد له ولا الاستعداد له، لا يهمك أن تستعد له هذه القضية، فإن في هذا تكلفاً لا طائل تحته.
وكانوا في ذلك الزمان يصفون أهل العراق بالتعنت في الأسئلة، كما سأل بعضهم سيدنا عبد الله بن عمر عن دم البعوض يصيب الثوب؛ يعني جاء أحد العراقيين إلى سيدنا عبد الله بن عمر فقال له: هل دم البعوض يعني إذا أصاب الثوب ينجسه؟ فقال ابن عمر -انظروا إلى أهل العراق، يعني عبد الله بن عمر كان مميتةً أو في الساعة غاضب- فقال: انظروا إلى أهل العراق! يسألون عن دم البعوض يصيب الثوب، وقد قتلوا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي قتلوا الحسين. فكان ابن عمر مغضباً، فقال: تسالون عن دم بعوض وأنتم شاركتم في قتل الحسين، فمنكم من قاتل ضده ومنكم من خذله!
ولهذا لم تبالغ معه عائشة في الكلام لئلا يظن أن ذلك أمر مهم؛ يعني عائشة رضي الله عنها لما هذا العراقي سألها عن موضوع الكفن ما أطالت معه الحديث في الحقيقة، قفزت عن هذه الجزئية، تدرك أن هذا الرجل سيبدا يتعنت، تماماً، وانتقلت معه للقضية القضية الأخرى التي سأل عنها، وهي قضية ترتيب المصحف، فعلمته وأرشدته إلى الطريقة الشرعية.
طيب، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم هل ذكر في موضوع الكفن أشياء؟ نعم، هناك أحاديث مثل يعني ذكرها ابن كثير لكم: البسوا من ثيابكم البياض فإنها خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم إلى غير ذلك من الأحاديث.
ثم سألtoasterا هذا العراقي عن ترتيب القرآن، فانتقل إلى سؤال كبير، وأخبرها أنه يقرأ، أنه يقرأ -أي في العراق- غير مؤلف، أي على دون ترتيب السور. وكان هذا قبل أن يبعث أمير المؤمنين عثمان إلى الآفاق بالمصاحف الأئمة المؤلفة على هذا الترتيب المشهور اليوم؛ يعني ابن كثير يقول: إن هذا العراقي الذي سأل عائشة عن موضوع كيف يرتب السور، إنما كان سؤاله قبل أن يأتي موضوع سيدنا عثمان بن عفان ويجمع الناس على كتابة واحدة ويوزع النسخ في الأمصار. كانت هذه الحادثة قبل أن يقع النسخ من سيدنا عثمان، ولهذا أخبرته أنه لا يضرك بأي سورة بدأت، وأن أول سورة نزلت فيها ذكر الجنة والنار.
والآن كلمة سورة، يعني عائشة قالت: وأول سورة نزلت، هل مراد بأول سورة نزلت سورة: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ؟ ليس البعض قال: يمكن، ها، يمكن أن يراد بها ذلك، بناء على أن في آخرها: فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ فيها إشارة لموضوع الجنة والنار. لكن ذكر احتمال آخر ابن كثير: أن مراد عائشة بقولها إن أول سورة، أرادت اسم جنس، يعني لم تقصد سورة معينة، وإنما جنس السور المفصلة، السور القصير التي في ختام القرآن والتي هي في العاده يكثر فيها الوعد والوعيد، ثم لما انقاد الناس إلى التصديق أَمَرُوهُم بالتدريج أولاً فأولاً.
ومعنى هذا الكلام أن هذه السور التي فيها ذكر الجنة والنار ليست البداءة بها في أوائل المصاحف مع أنها من أول ما نزلت فعلياً. يعني أحبابي الكرام، أنتم تلاحظون أنه المصحف، حتى المصحف الآن، مصحف سيدنا عثمان الذي بين أيدينا، هل هل ترتيبه من حيث النزول، أم ترتيبه على ما اتفق عليه الصحابة؟ في الحقيقة ترتيب القرآن ليس على حسب النزول، فسورة العلق وهي أول ما نزل تجدون أنها في آخر المصحف، في السور الأخيرة في المصحف، وكذلك سورة المدثر في جزء تبارك مع أنها من أوائل ما نزل.
ولكن في بداية المصحف نجد سورة مثلاً البقرة، وهي سورة مدنية نزلت بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. فإذاً باختصار: ترتيب المصحف ليس على حسب نزوله، وهذا ما يقوي من يرى أن ترتيب المصحف جله كان بالتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم وأن الاجتهاد من الصحابة وقع في ترتيب بعض السور المحددة، وليس في ترتيبه جله. طيب، أي إذا ومعنى هذا الكلام أن هذه السور التي فيها ذكر الجنة والنار ليست
البداء بها في أوائل المصاحف كما هو ظاهر، مع أنها من أول ما نزلت في مكة، بينما البقرة والنساء هي في أول المصحف وقد نزلت في المدينة، وهي عنده أي بعد أن تزوج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة، وهذا يدل أنها كانت متأخرة في النزول عن تلك السور.
أي ثم قال: فأما ترتيب الآيات في السور فليس في ذلك رخصة، بل هو أمر توقيفي. أمر معنا أن ترتيب الآيات داخل السورة الواحدة هذا باتفاق الجميع هذا من النبي صلى الله عليه وسلم ولا يقبل أي قول مخالف لذلك، وقول عائشة لهذا الرجل لا يضرك بأي سورة بدأت يدل على أنه أثناء القراءة لو قدم بعض السور أو أخر بعض السور لا تثريب عليه، كما دل على ذلك حديث حذيفة بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم في قيام الليل قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران، هذا يدل على أن طريقة ترتيبك للسور في أثناء القراءة لا حرج فيها.
الآن هناك قول لبعض أهل العلم لكنه قول ضعيف حكاه القرطبي عن أبي بكر بن الأنباري أنه قال: من أخر سورة مقدمة أو قدم سورة مؤخرة كان كمن أفسد نظم الآيات. يعني جعل الأنباري تقديم سورة أو تأخير سورة بمرتبه تقديم الآيات وتأخيرها في داخل السورة الواحدة، كأنه نوع من أنواع التلاعب بالقرآن. هذا رأي للأنباري رحمه الله تعالى عليه، لكن السواد الأعظم من الأئمة لا يوافقونه على هذه القضية، ويرون أن موضوع السور في التقديم والتأخير من حيث القراءة والتعليم لا حرج فيه وفيه سعة، وإنما الحرج في موضوع الكتابة.
ففي موضوع الكتابة يجب الالتزام بمصحف عثمان، وأما موضوع القراءة فهذا باب واسع، والظاهر أن ترتيب السور فيه، انظروا الآن ماذا يقرر ابن كثير في موضوع ترتيب السور، قال: والظاهر أن ترتيب السور فيه أي في المصحف منه ما هو راجع إلى رأي عثمان رضي الله تعالى عنه. وفي الحقيقة ليس رأي عثمان وحده، رأي عثمان ومن حوله من شاركوه في عملية نسخ المصاحف، وذلك ظاهر في مسألة ابن عباس له عن ترك البسملة في أول براءة، مرت معنا القصة في المجلس السابق، أي لذلك ابن كثير يقول: منه ما هو راجع إلى رأي عثمان واجتهاده. إذا ترتيب المصحف في جله توقيف من النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هنا هناك جزء يسير بقي لاجتهاد الصحابة.
طيب يقول القاضي، ثم قال القاضي: يقول القاضي أبو بكر الباقلاني: ويحتمل أن ترتيب السور في المصحف على ما هو عليه اليوم من اجتهاد الصحابة. وهذا قول آخر أن كل ترتيب السور إنما هو من اجتهاد الصحابة في زمن عثمان، وكذا ذكر مكي، الإام مكي بن أبي طالب في تفسيره لسورة براءة، وهو الإمام مكي هو تفسير يقول في تفسير سورة براءة: فأما ترتيب الآيات والبسملة في الأوائل فهو النبي صلى الله عليه وسلم.
أي وقال ابن وهب في جامعه: سمعت سليمان بن بلال يقول: سئل ربيعة: لم قدمت البقرة وآل عمران وقد نزل قبلها بضع وثلاثون سورة؟ فقال: قدمتا وألف القرآن على علم ممن ألفه، وقد أجمعوا على العلم بذلك، فهذا مما ينتهى إليه ولا يسأل عنه الآن. يعني هذه العبارة من ربيعة لما قدمت البقرة وآل عمران وقد نزل قبلهما بضع وثلاثون سورة؟ فقال: قدمتا وألف القرآن على علم ممن ألفه، وقد أجمعوا على العلم بذلك، هل يدل على أن ترتيب السور كان اجتهادياً من الصحابة ومجرد اجتهاد منهم في تحقيق هذه المسائل؟ في الحقيقة كلام ربيعة يعني محتمل ومحتمل أن يراد به أنهم تلقوا هذا الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم فيجب الوقوف عند ذلك ولا يسأل عنه، وكذلك كلام مالك الذي أورده بعد ذلك: إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي صلى الله عليه وسلم. ما المراد به حقيقة؟ أيضاً هذه العبارة في تحليلها نزاع وتجاذب بين أهل العلم، لكن الظاهر أنها تدل على أن تأليف القرآن عموماً أن المراد ترتيب السور على ما كانوا يسمعونه من النبي صلى الله عليه وسلم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم: ضعوا هذه السورة قبل هذه السورة وضعوا هذه بعد هذه، فهذا كان في جل القرآن حاضراً، وإنما كما قلنا في بعض السور المحدودة هي التي وقع فيها الخلاف.
أي الآن أبو الحسن ابن بطال يقول في شرحه لصحيح البخاري، له شرح على صحيح البخاري يقول: إنما يجب تأليف السورة في الرسم والخط خاصة، يعني موضوع ترتيب السور والالتزام بما اتفق عليه الصحابة في زمن عثمان، هذا الالتزام بتأليف السور على هذا الترتيب إنما هو في موضوع الرسم والكتابة القرآنية، ولا نعلم أن أحداً قال إن ترتيب ذلك واجب في الصلاة وقراءة القرآن وفي الدرس، ولا نعلم أحداً قال إنه لا يحل لأحد أن يتلقن أن يتعلم الكهف قبل البقرة ولا الحج بعد الكهف، ألا ترى إلى قول عائشة: لا يضرك أيهما قرأت قبل؟ وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أصلاً يقرا في الصلاة السورة في ركعة ثم يقرا في الركعة الأخرى بغير السورة التي تليها، يعني كان النبي صلى الله عليه وسلم في ركعة يقرا مثلاً بسورة البقرة ثم في الركعة الثانية يقرا بسورة النساء، بل كما ثبت في الأحاديث أنه في نفس الركعة قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران، لذلك هذا الترتيب والتأخير لا حرج فيه.
ثم ذكر البخاري حديثاً آخر فقال: حدثنا آدم عن شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول: سمعت ابن مسعود يقول في بني إسرائيل وهي سورة الإسراء وفي الكهف ومريم وطه والأنبياء، لاحظوا هذه السور سورة بني إسرائيل وسورة الكهف ومريم وطه والأنبياء، تلاحظون أن هذه السور في مصحف عثمان مرتبة على هذا الترتيب، أنه سورة الإسراء بعد سورة الكهف ثم بعدها سورة مريم ثم بعد سورة طه ثم بعد سورة الأنبياء. ابن مسعود وهو يعدد هذه السور ذكرها على هذا الترتيب المعين، ثم قال: إنهن من العتاق الأول وهن من تلادي. سنعرف إن شاء الله ماذا يقصد أنهن من العتاق الأول وهن من تلادي، لكن يقول ابن كثير: يعني ما الفائدة من إرادة هذا الحديث والمراد منه؟ أي من ذكر هذا الحديث ذكر ترتيب هذه السور في مصحف ابن مسعود كالمطابقين أنه هذه السور في مصحف ابن مسعود هي مرتبة كما هي مرتبة في مصاحف عثمان رضي الله عنه، فهي مرتبة سورة الإسراء الكهف مريم ثم طه ثم الأنبياء.
وقوله: إنهن من العتاق الأول، أي من قديم ما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، فعلا هذه السور من أوائله أو خلينا نقول من قديم ما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، وأنتم تلاحظون أن موضوع هذه السور لا يعالج أحكام فقهية، وإنما يعالج أمور عقدية. وقوله: وهن من تلادي، أي من قديم ما اقتنيت وحفظت، العرب تسمي المال القديم المال التالد، وتسمي المال الجديد الذي يكتسبه الانسان حديثاً بالمال الطارف، فهنا ابن مسعود يشبه حفظه قديماً لهذه السور كأنه مال قديم اقتناه واكتسبه، فقال: هذه السور من تلادي، أي من الأشياء القديمة التي حفظتها ابتداءً، شبهها بالمال الذي يكسبه الإنسان قديماً.
طبعاً الفائدة من ذكر هذا الحديث بيان أنه فعلياً أن أكثر سور القرآن أكثر سور القرآن كان الصحابة متفقون على ترتيبها بناءً على ما علمهم النبي صلى الله عليه وسلم، يعني سبحان الله كيف يتوافق مصحف ابن مسعود مع الطريقة التي ألف فيها سيدنا عثمان المصاحف الست أو السبع التي وزعها، هذا يدل على أنه كان هناك اتفاق عام على ترتيب أغلب سور القرآن، وهذا الاتفاق العام ما منشاه؟ منشاه أن هناك شيئاً سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم في قضية الترتيب، فليس كل الترتيب اجتهادياً، والله تعالى أعلم.
ثم ذكر البخاري: حدثنا أبو الوليد أظنه أبو الوليد هشام بن عبد الملك، حدثنا شعبة عن أخبرنا أبو إسحاق، سمعت البراء بن عازب رضي الله عنه يقول: تعلمت سبح اسم ربك الأعلى قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا حديث متفق عليه وهو قطعة من حديث الهجرة الطويل، والمراد منه أن سبح اسم ربك الأعلى يعني ما المراد من إيراد هذا الحديث؟ أنه سبح اسم ربك الأعلى سورة مكية نزلت قبل الهجرة، فهي من السور التي نزلت ابتداءً على النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك ترتيبها في المصحف متأخر تقع في جزء عم في بداية الحزب الثاني، فهذا يدل على أن ترتيب المصحف ليس على ترتيب النزول، هذا هو المقصد من إيراد هذا الحديث.
ثم قال البخاري: حدثنا عبدان عن أبي حمزة عن الأعمش عن شقيق بن سلمة قال: قال عبد الله بن مسعود: لقد علمت النظائر التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأهن اثنين اثنين في كل ركعة. هناك سور أحبابي الكرام كان النبي صلى الله عليه وسلم من عادته أنه يقرن بينهما، هناك سور يسميها ابن مسعود النظائر، كان النبي صلى الله عليه وسلم من عادته أن يقرن بينهما في الصلاة، فإذا صلى مثلاً ركعة الضحى أو صلى ركعة الصبح أو صلى ركعات من السنن النوافل، كان في العادة إذا قرأ سورة في الركعة الأولى يقرن بها سورة أخرى في الركعة الثانية، وكان عنده عادة متبعة أن هذه يقرنها بهذه وهذه يقرنها بهذه، فابن مسعود كان جالساً بين أصحابه فقال: لقد علمت النظائر التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأهن اثنين اثنين في كل ركعة، ثم لم يحدث ابن مسعود أصحابه بذلك، قام عبد الله بن مسعود ودخل معه علقمة معه في بيته أو حجرته، ثم خرج علقمة فالتلاميذ انكبوا على علقمة يسالونه: ماذا قال لك ابن مسعود؟ ما هي هذه النظائر؟ فقال علقمة: عشرون سورة من أول المفصل على تأليف ابن مسعود، آخرهن من الحواميم حم الدخان وعما يتساءلون.
الآن يعني هذا الحديث يحتاج إلى شيء من البسط، أي علقمة من تلاميذ ابن مسعود دخل مع ابن مسعود على الحجرة فسأل ابن مسعود: ما هي هذه النظائر؟ فابن مسعود أخبره، فخرج علقمة فأخبر التلاميذ ما هي هذه السور التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرن بينها، سنلاحظ من إجابة علقمة أن هذه السور مرتبة في مصحف ابن مسعود على خلاف ما هي مرتبة في المصاحف العثمانية، وهذا يدل إذاً أن بعض المصاحف عند بعض الصحابة كانت تخالف في ترتيب السور، هاه في ترتيب السور ما هو مستقر في المصاحف العثمانية، وهذا إذاً فيه دلالة أنه كما قلنا أن بعض السور موضوع ترتيبها كان اجتهادياً، فهنا علقمة ما يقول عشرون سورة من أول المفصل، الآن المفصل في القرآن استقر عليه الأمر أنه من سورة ق أو الحجرات على خلاف بين أهل العلم، أما من سورة ق أو الحجرات حتى سورة الناس.
طيب الآن سورة الدخان، هذه في ترتيب مصحف عثمان هذه قبل سورة الحجرات، فهي ليست من المفصل على المصاحف العثمانية، لكننا نراها من المفصل في مصحف عبد الله بن مسعود، وهذا يدل أن مصحف ابن مسعود يخالف شيئاً ما مصحف عثمان بن عفان وهي المصاحف المستقرة بين أيدينا، أنه هذا المصحف اللي عند ابن مسعود رضي الله عنه أصلاً هو كان عنده قبل أن يقوم عثمان بنسخ المصاحف، يظهر أن ابن مسعود كان عنده بعض الاجتهادات في ترتيب بعض سور خالف فيها عثمان بن عفان والصحابة الكرام عموماً، لكنه في نهاية الأمر بعد أن وزع عثمان بن عفان النسخ أقر الأمر على ما فعل عثمان يعني لم ينكر عليه، لكن بقي له مصحف الشخصي، وكما قلنا هناك كان اجتهاد في بعض السور المعينة في ترتيبها خلاف أو اجتهاد في ترتيب بعض السور، فكان ابن مسعود يرى أنه الحواميم سورة الدخان تدخل في المفصل، لكن المشهور أنها لا تدخل فيه، لذلك ابن مسعود يعلق على هذا، عفواً ابن كثير يعلق على هذا الحديث يقول: هذا التأليف هذا الترتيب الذي عن ابن مسعود في الحقيقة غريب، وهو مخالف لتأليف عثمان رضي الله عنه، فإن المفصل السور التي تسمى المفصل في مصحف عثمان هي تبدأ من سورة الحجرات إلى آخر المصحف، وسورة الدخان لا تدخل في المفصل على مصحف عثمان.
والدليل على ذلك ذكر حديثاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كنت في الوفد، حديث أوس بن حذيفة: كنت في الوفد الذين أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، ذكر حديثاً فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان سمر معهم بعد العشاء فمكث عنا ليلة لم يأتنا حتى طال ذلك علينا بعد العشاء، قلنا: ما أمكثك عنا يا رسول الله؟ فقال: طرأ علي حزب من القرآن فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه. فسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أصبحنا: كيف كنتم تحزبون؟ وكيف تحزبون القرآن؟ فقالوا: نحزبه ثلاث سور وخمس سور وسبع سور وتسع سور وإحدى عشرة سورة وثلاث عشرة سورة وحزب المفصل. وهنا ركزوا: من ق حتى يختم. إذاً على هذا الحديث المفصل يكون من سورة ق أو الحجرات على خلاف كما قلنا حتى سورة الناس، هذا حديث رواه أبو داود وابن ماجه وإسناد حسن، هذا الحديث يدل إخواني أن المفصل بدايته فعلاً كما هو في المصاحف العثمانية من ق حتى سورة الناس، الآن سيدنا عبد الله بن مسعود قد يكون مثلاً لم يقف على هذا الأمر.
لم ينتبه لهذه الجزئية، كان عنده شيء من الاجتهاد. يعني بعض القضايا تبقى هي مجال بحث ونظر عند المتخصصين في العلوم القرانية، لماذا خالف مصحف ابن مسعود مصحف عثمان بن عفان في بعض الجزئيات؟
ثم ابن كثير استطرد في فصل فقال: فأما نقط المصحف وشكله الآن عملية نقط المصاحف وشكلها، انتهينا من موضوع جمع القرآن على عهد أبي بكر نسخه في عهد عثمان وموضوع تأليف السور في القرآن. الآن ننتقل لموضوع نقط المصحف وشكله، من الذي وضع النقط على الكلمات؟ وضع عليها الفتحة والضمة والكسرة؟
يقال إن أول من أمر بذلك هو عبد الملك بن مروان، الخليفة الأموي. عبد الملك كان خليفة فأوعز إلى الحجاج، والحجاج كان أحد أمرائه وأحد أتباعه، فأمر الحجاج أن ينفذ هذه المهمة، فقال الحجاج أمر سيدنا الحسن البصري ويحيى بن يعمر ففعل ذلك، هم من تولوا هذه المهمة بأيديهم، وقيل رأي آخر لا، إنه أول من نقط المصحف هو أبو الأسود الدؤلي ثم ذكر آثار اقراوها عموما.
أي قال قتادة بن دعامة السدوسي: بدأوا بالنقط فنقط ثم خمسة ثم عشر، وقال يحيى بن أبي كثير: أول ما أحدثوا النقط، وقال هو نور له، ثم أحدثوا النقط عند آخر الآية، ثم أحدثوا الفواتح والخواتم. الآن هنا بدأ يسرد لك الأمور كيف تدرجت في موضوع المصحف.
الآن المصحف أحبابي الكرام في البداية في عهد الصحابة كان لا يكتب فيه إلا بسم الله الرحمن الرحيم والسورة من دون نقط، يعني آيات السورة تكتب من دون نقط من دون شكل، ما كانوا يضعون بين الآيات أرقام، يقول هذه الآية هي رقم واحد آية هي رقم اثنين، ما كانوا يضعون اسم السورة في الأعلى ويقولون عدد آياتها كذا وكذا.
نحن اليوم تفتح المصاحف العثمانية أو المصاحف المطبوعة تجد هكذا اسم السورة في البداية وجنبها وت وعدد آياتي كذا وكذا، ثم تجد ختام في السورة وتجد هناك بجانب الصفحة إذا مريت ربع حزب ثم نصف حزب ثم الحزب، هذا اللي بيسموه التعشير والتحزب، فهذه أمور في الحقيقة لم تكن على عهد الصحابة.
موضوع كتابة اسم السورة في بدايتها وأن يوضع بجنب اسم السورة عدد آياتها وكذلك موضوع النقط والشكل، كذلك موضوع كتابة الاعشار والاحزاب، هذا لم يكن على عهد الصحابة، فبدات الأمور تتدرج، فأول شيء كان النقط ثم بعد ذلك ظهر موضوع الشكل، ثم بعد ذلك ظهر موضوع التعشير والتحزب أن يوضع حزب جزء يكتب بجنبه.
ثم ظهر موضوع كما قلنا أن يكتب اسم السورة في البداية ويوضع جنبها أرقام الآيات. الآن هذه الأمور التي حدثت في وقت متأخر وقع خلاف بين أهل العلم أنه هل تفعل ولا لا تفعل؟ فالبعض كان يرى أنه يجب أن تبقى المصاحف على ما كانت عليه في زمن سيدنا عثمان وفي زمن الصحابة عموما، أنه خلاص يعني لا يوضع هناك أحزاب وأعشار جنب الآيات أو الصفحات ولا يوضع اسم السورة في الأعلى وبقربه عدد آياتها فقط يقتصر على بسم الله الرحمن الرحيم والآيات.
هم كانوا يخشون أن يخطئوا كلام الله بغيره من صنيع البشر، هذه كانت الفكرة، يعني كان موضوع النقط والشكل مقبول عموما كونه يسهل القراءة، لكن موضوع التعشير والتهذيب وموضوع كتابة اسم السورة وبجنبها عدد آياتها كان شوية يعني عامل خلاف بين أهل العلم كونه ليس أولوية.
لكن أبو عمرو الداني وهو مشهور من أئمة القراءة قال: ثم قد أطبق المسلمون في ذلك أي في سائر الآفاق على جواز ذلك في الأمهات وغيرها، أي استقر الأمر في الحقيقه يعني بعد أن وقع النزاع والنقاش استقر الأمر على جواز تحزيب القرآن وتعشيره وكتابة الأجزاء وعلى جواز كتابة اسم السورة وعدد الآيات بقربها، يعني استقرت الأمور بعد وقوع الخلاف.
ثم قال البخاري رحمه الله عليه: كان جبريل يعرض القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم. ذكر حديث قال مسروق عن فاطمة عن عائشة: أسر إلي النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل كان يعارضني بالقران كله سنة وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي. يعني النبي صلى الله عليه وسلم استنتج لماذا جبريل في هذا العام عرضه القرآن مرتين؟ فهم النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه إشارة إلى قرب أجله بأبيه وأمه صلوات ربي وسلامه عليه.
نلاحظ أن البخاري ذكر الحديث معلقاً لم يذكر السند منه إلى مسروق بن الأجدع، لكنه في مكان آخر في صحيحه ذكر الحديث بطوله. ثم قال البخاري رحمه الله عليه: حدثنا يحيى بن قزعة، حدثنا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فاذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة.
هذا الحديث أحبابي يدل على قضية تتعلق بالقران، وهو أن القرآن يزرع الخير ويبث الخير ويرفع المعنويات تجاه الأعمال النافعة الصالحة، لاحظوا أنه ايش قال؟ كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير وأجود ما يكون في شهر رمضان.
لماذا يرتفع الجود والحماس للطاعة أكثر وأكثر في شهر رمضان؟ قال: لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، فهذا يدل على أن قراءة القرآن محفزة للإنسان على أعمال الخير عموما.
ثانيا يدل أيضا على أن إقامة المجالس القرآنية ومجالسة الصالحين مما تحفز على الأعمال الخيرة، هذان الأمران القرآن ومجالسة الصالحين من أكثر الأمور التي تعينك يا أيها المسلم على النشاط في العلم وعلى النشاط في العمل الدعوي وعلى النشاط في الخير والاقبال على الله.
انظروا كيف المجالسة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين جبريل كانت محفزة له على الخير، ثم قراءة القرآن في هذه المجالسه كان محفزا آخر ولذلك علل بها، لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة، هذا كان سبب هذا اللقاء وهذا المجالس القرآنية وعماره الوقت بالقران وكلام الله سبحانه وتعالى وتفهمه وتدبره وتعقله من أكبر الأمور التي تزرع كما قلنا بذرة الخير بذرة العطاء بذرة العمل في هذا الإنسان.
جميل، وقد تقدم الكلام عليه في أول الصحيح، نعم مر معنا هذا الحديث.
ثم قال البخاري: حدثنا خالد بن يزيد، حدثنا أبو بكر، حدثنا عن أبي الحسين عن أبي صالح عن أبي هريرة: كان يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان يعتكف كل عام عشرة فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه صلى الله عليه وسلم.
والمراد من معارضته له بالقران كل سنة، هذا تعليق ابن كثير، ومقابلته على ما أوحاه إليه عن الله تعالى ليبقى ما بقي ويذهب ما نسخ توكيداً واستثماراً. أي هذه المعارضة بين جبريل، هذه المدارسة خلينا نسميها بين جبريل وبين النبي صلى الله عليه وسلم لها عدة فوائد، من فوائدها أن يعرف النبي صلى الله عليه وسلم ما بقي من القرآن لم ينسخ وما نسخ وارتفع ليبقى الأمر ثابتاً في فؤاد هذا أول مقصد.
ثانيا كما قلنا بقاء المدارسة القرآنية كان مثبتا للنبي صلى الله عليه وسلم ومحفزا له على الاستمرار وعلى العطاء وعلى الخير أيضا، أقول ومن فوائد هذه المعارضة يعني غير موضوع النسخ، غير موضوع تثبيت القرآن في قلب النبي صلى الله عليه وسلم، غير موضوع تسليه النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيته ليبقى العطاء مستمرا، أقول قد يفهم من هذا أنه خلال هذه المعارضة كان يتم ترتيب وتثبيت أم لكن السور على الراي الذي يقول إن معظم ترتيب السور توقيف من النبي صلى الله عليه وسلم أقول والله تعالى أعلم.
قد يفهم هذا من موضوع المعارضة، فمدرسة النبي صلى الله عليه وسلم مع جبريل بالتأكيد كانت على نسق معين، أليس كذلك؟ كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على جبريل القرآن؟ من أين كان يبدأ معه وإلى أين كان ينتهي؟ هناك أكيد نسق كان يسير عليه النبي صلى الله عليه وسلم مع جبريل في مراجعته للقرآن، هذا النسق هو الذي اتبعه عثمان رضي الله تعالى عنه في نسخ المصاحف، لأنه عثمان كما قلنا دعا زيد بن ثابت وأمره أن ينسخ المصحف بناء على العرضة الأخيرة التي شهدها زيد بن ثابت.
فزيد بن ثابت كان حضر العرضة الأخيرة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين جبريل وسمع النبي صلى الله عليه وسلم من أين بدأ وإلى أين انتهى، فلما صارت موضوع نسخ المصاحف هناك نقاش حدث بين عثمان وزيد بن ثابت في موضوع ترتيب المصحف والذي يظهر لي أن زيد بن ثابت أخبر عثمان كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ المصحف، وبالتالي هذا يكون توقيفا، لكن قد يكون ها نقول قد يكون بعض الجزئيات بعض الجزئيات في سور محدده وعددها قليل هي التي كانت مجال للاجتهاد.
قد يكون زيد بن ثابت لم يستثمر منها فاته ترتيبها بالضبط، وقع شيء من النقاش فيها هذا أمر آخر، لكن جل المصحف كان يثبت ترتيبه من خلال هذه المعارضة هذا من الأمور التي تظهر والله تعالى أعلم.
إذا يعني هذا كلام عام في فوائد في الحقيقة ينبغي على أهل القرآن أن يكون عندهم اطلاع عليها، يعني لا ينبغي للمسلم أن يكون جاهلا بكل هذه التفاصيل القرآنية المهمة عن موضوع هذا الكتاب العظيم الذي هو محط رحال كل مسلم في هذه الحياة الدنيا.
أي بعد ذلك كان هنا عقد ابن كثير فصلا في القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وتكلم في أحاديث القراء لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: خذوا القرآن من أربعة: ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفه وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل. ثم تكلم عن موضوع الذين حفظوا القرآن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ظن أني ناقشت هذا الحديث أيضا في وقت سابق لا أطل عليكم أكثر من ذلك، موضوع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم أذعه لكم لتعرفوا من الذين جمعوا القرآن في عهد النبي عليه الصلاه والسلام.
فقط أعلق على الحديث الاخير في هذا الباب، قال البخاري: حدثنا صدقة بن الفضل حدثنا أو أخبرنا يحيى عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: عمر رضي الله عنه، هذا آخر حديث أعلق عليه.
قال عمر رضي الله تعالى عنه: علي أقضانا أي أعلمنا بالقضاء وأبي أي أبي بن كعب أقرؤنا، وإنا لندع من لحن أبي، وأبي يقول: اخذته من في رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا أتركه لشيء، قال الله تعالى: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا.
ما المراد بلحن أبي؟ وما الذي يعني عمر بن الخطاب؟ نقول أنكره على أبي بن كعب، أبي بن كعب كان يأخذ كل الآيات التي تلقاها من النبي صلى الله عليه وسلم ويقرؤها للناس ولا يدع منها شيئا، أي حتى ولو كان منسوخا، فعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ماذا يقول؟ يقول: وإنا لندع من لحن أبي، اللحن هنا بمعنى الخطا، بمعنى الخطا.
طيب، ما الخطا الذي يتحدث عنه عمر بن الخطاب عند سيدنا أبي؟ يقول عمر بن الخطاب: أبي يقول أخذته من في رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا أتركه لشيء، وأبي كان يقول: كل آية أخذتها من النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أني أتركها، لكن عمر بن الخطاب يرد ويقول: قال الله تعالى: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا، أنه هناك آيات نسخت نسخها الله سبحانه وتعالى وأنهى وجودها لحكمة أرادة أرادها سبحانه وتعالى وأثبت ذلك في القرآن لما قال: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا.
يعني كان عمر بن الخطاب يقول لأبي بن كعب: يا أبا هناك آيات نسخت فليس لك أن تعلمها للناس ولا ينبغي أن تقبلها، طبعا أبي بن كعب ما الذي كان يدفعه للبقاء عليها؟ هو كان يقول: أخذته من في رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا أتركه لشيء.
لكن كما قلنا في العرضات التي كان يعرض فيها النبي صلى الله عليه وسلم القرآن على جبريل كان يتم نسخ بعض الآيات، ألم نقل إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرض القرآن على جبريل في كل رمضان؟ وقلنا من فوائد هذه المعارضة أن يخبر جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم بالآيات التي نسخت والآيات التي بقيت.
كان هناك نسخ، وهذا النسخ تقريبا شبه اتفاق بين المسلمين أنه واقع، فسيدنا أبي بن كعب لربما قضية النسخ لم تكن واضحة عنده، لأنه ليس لم يكن يحضر هذه العرضات، قد يكون خفيت عليه آيات كثيرة أنها نسخت، فلذلك سيدنا عمر قال يعني نحن نجل أبي بن كعب ونعلم أنه من أقرئه لكن سيدنا أبي كان عنده مشكلة في موضوع الآيات المنسوخة.
ما الذي أحدث هذه المشكلة عنده؟ لم يظهر لنا في الحقيقة في ذلك شيء، يعني حتى شراح الأحاديث لم يذكروا تفصيل ذلك، لماذا أبي كان يقول: أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا أتركه لشيء؟ هل موضوع النسخ لم يكن أبي على اطلاع به؟ على دراية منه على تحقيق لما هو المنسوخ من غير المنسوخ؟ احتمالات كثيرة لم تأت لنا تفاصيلها فنقول الله تعالى أعلم، لكن واضح.
إن سيدنا عمر بن الخطاب كان يرى وجود هذه الأخطاء الدقيقة الخفيفة عند سيدنا أبي، فيقول يعني: وأنا لندع من لحن أبي. طبعا هنا اللحن الخطأ وقد يطلق اللحن بمعنى القراءة، قد يطلق اللحن بمعنى القراءة. اللحن يطلق بمعنى الخطأ ويطلق بمعنى القراءة، فقوله: وإن لندع من لحن أبي أي وإننا لنترك من قراءة أبي، يمكن أن تحمل على هذا، يعني هناك أشياء أبي يقرأها نحن لا نأخذ بها لماذا؟ لأنها منسوخة. وكان الصحابة يعرفون يعني أكثرهم خلينا نقول أنها منسوخة، لأنه حتى إخواني الكرام معرفة ما نسخ وما لم ينسخ، يمكن بعض الصحابة يغفل أنه بعض الآيات منسوخة يكون هو أخذها في في رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في مجلس آخر أو في سنة أخرى من سنوات حياته عليه الصلاة والسلام أن هذه الآية نسخت وارتفعت.
فالصحابي الذي حضر الآية الأولى لم يكن حضر الناسخ، لم يكن قد حضر الناسخ، فلا يعلم أن الآية التي بين يديه منسوخة فيظن أنها ثابتة، فبعد ذلك لما يخالط الصحابة ويجلس معهم ويعاشرهم خاصة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، آه يصل ويعرف ويتأكد بعد مدة أنه هذه الآية التي اخذها في الموقف الفلاني تم نسخها. فالأمور إنما كانت تحدث رويداً رويداً كما قلنا، حتى استقر الأمر ونضج في جمع أبي بكر الابتداء للمصحف مع عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت، ثم نضج أكثر وأكثر موضوع في زمن عثمان لما تم توزيع النسخ والكتابة على حرف قريش.
إي فمثل هذه الأحاديث لا تشكل عليكم يعني هي أحاديث سهلة جداً، البعض مباشرة أي قضية تشكل عليه، لا اخي الكريم يعني في النهاية هذا مجتمع بشري مجتمع الصحابة احتماليه الخطأ أو السهو أو الغفلة واردة منهم، لذلك كان نقاشهم بطريقة راقية، انظروا كيف عمر بن الخطاب يقول: وأبي أقرؤنا، وإننا لندع من لحن أبي يعني في أشياء دقيقة في قراءة أبي نحن نتركها، لأن أبي ما كان ينتبه أنه في بعض الآيات منسوخة، والله سبحانه وتعالى اثبت النسخ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُسِنسَهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا. لا أطل عليكم أكثر من ذلك، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا و ارزقنا علمنا فع يا أرحم الراحمين.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل