بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. هذا هو المجلس السابع من تعليقنا على كتاب فضائل القرآن للإامام ابن كثير الدمشقي رحمه الله تعالى عليه.
بعد أن انتهى ابن كثير رحمه الله عليه -تتبعاً للإمام البخاري- من ذكر الأحاديث التي تبين كيف نزل القرآن، هذا الوحي الإلهي على النبي صلى الله عليه وسلم خلال ثلاثة وعشرين عاماً، ثم كيف تم جمعه في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ثم كيف تم إعادة نسخه وتم توزيعه في الأمصار المسلمة في زمن عثمان بن عفان، ثم كيف تم شكله ونقطه وتعذيبه وتعشيره وغير ذلك من الفوائد الجليلة التي تطرقنا إليها في المجالس السابقة، انطلق ابن كثير -تبعاً للإمام البخاري- ليبين فضيلة قراءة القرآن وتلاوة القرآن، وما هو الأثر الذي تتركه تلك التلاوة على قلب المؤمن، وكيف تنزل السكينة والطمأنينة على الإنسان الذي ينشغل بالإقبال على كلام ربه سبحانه وتعالى.
هنا نلاحظ أن ابن كثير تبع الإمام البخاري في ترجمته لهذا الباب، فقال: باب نزول السكينة والملائكة عند القراءة. وأورد البخاري حديثاً معلقاً، والحديث المعلق باختصار هي أحاديث لم يلتزم فيها الإمام البخاري الصحة التي التزمها في الأحاديث الأصول في كتابه. الآن صحيح البخاري أحبابي الكرام فيه الأحاديث الأصول التي التزم البخاري فيها أعلى درجات الصحة، وهناك أحاديث أخر موجودة في هذا الكتاب تسمى المعلقات، لم يلتزم فيها البخاري رحمه الله تعالى عليه الصحة التي التزمها في أصوله.
والحديث المعلق هو الحديث الذي يحذف منه الإمام البخاري سلسلة الإسناد من عنده إلى الشخص الذي يعلق عنه. مثال ذلك هذا الحديث الذي بين أيدينا: الإمام البخاري ماذا قال؟ قال: وقال الليث بن سعد. الآن الإمام البخاري لم يسمع هذا الحديث من الليث بن سعد بالتأكيد، هناك سلسلة إسناد محذوفة من عند الإمام البخاري إلى عند الليث بن سعد. هذا الحديث هو الحديث الذي يسمى معلقاً؛ أن يحذف البخاري سلسلة الإسناد من جهته إلى الشخص الذي يعلق عنه.
طبعاً لماذا البخاري يرد معلقات؟ هذه لها مقاصد عديدة أحبابي الكرام تجدونها إن شاء الله في شروح الحديث المطولة. والأئمة تتبعوا معلقات الإمام البخاري هذه الأحاديث المعلقة، فوجدوا أن منها ما هو صحيح لا غبار عليه مثل هذا الحديث الذي بين أيدينا، ومنها ما هو حسن، ومنها ما يكون فيه شيء من الضعف. والإمام ابن حجر العسقلاني له كتاب اسمه تغليق التعليق، تتبع فيه معلقات الإمام البخاري، وبين الأسانيد المحذوفة أو من حذفه الإمام البخاري من سلسلة الإسناد، وبين منها ما هو صحيح وما هو حسن إلى غير ذلك. فهذا تعليق سريع على موضوع معلقات الإمام البخاري.
الذي يهمنا الآن أن نقرا هذا الحديث المعلق الذي أورده، وهو حديث صحيح. يقول الإمام البخاري: قال الليث بن سعد: حدثني يزيد بن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن أسيد بن الحضير الصحابي الجليل. قال أسيد: بينما هو يقرا من الليل سورة البقرة -سيدنا أسيد بن الحضير في ليلة من الليالي كان جالساً يقرأ سورة البقرة في منزله، وفرسه مربوطة عنده قريبة منه- إذ جالت الفرس، وسيدنا أسيد يقرأ. بدأت هذه الفرس تجول وتتحرك وتضطرب، فسكت -أي سكت أسيد عن القراءة- فسكنت هذه الفرس. فقرا -عاد فقرا سيدنا أسيد- فجالت الفرس من جديد، فسكت فسكنت. ثم قرأ المرة الثالثة، فجالت الفرس.
هنا توقف سيدنا أسيد عن القراءة وانصرف، لماذا؟ قال: وكان ابنه يحيى قريبا منه، فأشفق أن يصيبه، وخشي أن تطأ الفرس ابنه يحيى وهو طفل صغير نائم بقرب أبيه. فلما أخره -كانه ذهب فسحب ابنه إلى الخلف بعيدا عن الفرس- هنا سيدنا أسيد بن الحضير لمح شيئاً في السماء أحبابي الكرام، كما سيقص على النبي صلى الله عليه وسلم، فرفع رأسه إلى السماء -حتى ما يراها، هذه ما زائدة، والمراد حتى يراها، كأنها زائدة المراد بها التأكيد في لسان العرب-.
المهم هناك شيء لفت انتباه أسيد بن الحضير في السماء، فخرج من منزله لينظر إلى السماء. لما أصبح، حدث النبي صلى الله عليه وسلم بما رءا. فالنبي صلى الله عليه وسلم حثه على القراءة، فقال: اقرأ يا ابن حضير، اقرأ يا ابن حضير. حثه على أن يقرأ في ساعات الليل الهادئة.
فسيدنا أسيد قال: يعني يا رسول الله، أشفقت أن تطأ يحيى، أشفقت أن الفرس تطأ ابن يحيى وكان منها قريبا، فرفعت راسي وانصرفت إليه. يعني بدأ أسيد بن حضير يقص على النبي صلى الله عليه وسلم الذي حدث، أنه: يا رسول الله، أشفقت أن هذه الفرس تطأ يحيى وكان منها قريبا، فتوقفت عن القراءة ورفعت راسي وانصرفت إلى يحيى وأخرته، فرفعت راسي إلى السماء فإذا مثل الظلة -الظلة السحابة- فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها -لا، هذه أيضا المراد منها التأكيد والمراد فخرجت حتى أراها، يعني أنا خرجت لارى هذه الظلة ما قصتها، ما قصه هذه المصابيح-.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وتدري ما ذاك؟ أي هل تعرف ما هذه الظلة وما المصابيح فيها؟ فقلت: لا. قال: تلك الملائكة دنت لصوتك، لو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى عنهم.
ثم ذكر البخاري إسنادا آخر لهذا الحديث، فقال: قال يزيد بن الهاد: وحدثني هذا الحديث عبد الله بن خباب عن أبي سعيد الخدري عن أسيد بن الحضير. وإنما ذكر البخاري هذا الإسناد الآخر لأن الإسناد الأول الذي ذكره فيه انقطاع؛ لأن في الإسناد الأول قال: ليث بن سعد حدثني يزيد بن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن أسيد بن حضير. يقولون: محمد بن إبراهيم تابعي صغير، هو لم يدرك أسيد بن الحضير، بالتالي هناك انقطاع في هذا الإسناد. فلذلك البخاري أتى بإسناد آخر يقول فيه يزيد بن الهاد إنه سمع هذا الحديث أيضاً عن طريق عبد الله بن خباب عن طريق الصحابي الجليل أبي سعيد الخدري أنه سمع أسيد بن الحضير رضي الله تعالى عنه يقوله. وهذا إسناد آخر لا انقطاع فيه، بالتالي ارتفعت الإشكالية.
ثم الإمام ابن كثير ستلاحظون أنه تتبع أسانيد هذا الحديث ليثبت صحته، وهو فعلا حديث صحيح ورد في العديد من كتب السنن، وأخرجه الأئمة -اي وورد يعني ساذكر في صفحه 168 طريق اخر لهذا الحديث في مسند أبي داود الطيالسي-.
حدثنا شعبة بن الحجاج عن أبي إسحاق السبيعي سمع البراء بن عازب يقول: بينما رجل يقرأ سورة الكهف في ليلة -هذا إسناد آخر يخبر أن هناك رجل على صيغة الإبهام لم يذكر أنه أسيد بن الحضير كان يقرأ سورة الكهف في ليلة من الليالي- إذ راى دابته تركض -نفس الشيء أن دابته تجول أو قال فرسه يركض- فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاه والسلام: تلك السكينة تنزل للقرآن أو تنزلت على القرآن.
والظاهر أن هذه القصة هي نفسها قصة أسيد بن الحضير، فالرجل المبهم في هذا الإسناد أو في هذا الحديث هو نفسه أسيد بن الحضير، ولعل السورة التي قرأها سورة البقرة كما هو الأشهر في أحاديث أو في أسانيد هذا الحديث.
تمام، كذلك هناك حديث آخر أخرجه أبو عبيد في الصفحة 169، حدثنا عباد بن عباد عن جليد بن حازم -الحديث عن جلد بن يزيد- أن أشياخ أهل المدينة حدثوه أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: ألم ترى ثابت بن قيس بن شماس لم تزل داره البارحه تزهر بالمصابيح؟ فقال صلى الله عليه وسلم: فلعله قرأ سوره البقره. فسئل ثابت بن شماس فقال: نعم قرات سورة البقرة.
فهذه قصة أخرى وقعت لصحابي آخر وهو ثابت بن قيس بن شماس، وهي شبيهة بقصة أسيد بن الحضير، وإن كانت قصة أسيد بن الحضير أقوى إسناداً. لكن هذه الأحاديث أحبابي الكرام هي فعلا تدل على الحديث الأصل وهو الحديث المشهور الصحيح: ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا تنزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده.
أبابي الكرام، هذه الأحاديث تدل على عجب عجاب في كلام ربنا سبحانه وتعالى. إذا كانت الملائكة التي تسكن السماء وهي قريبة من الإله سبحانه وتعالى، إذا كانت تتنزل على هذه الأرض لتستمع القرآن من جنس بني آدم، هذا يدل على أن القرآن يأسر -والله هذا يدل على أن القرآن يأسر القلوب- إذا قرئ بصدق وتدبر وتأمل وتعظيم لمن صدر منه هذا الكلام جل في علاه. والله أنه يأسر القلوب، والله أنه لياتي بالعجب العجاب.
إذا كانت الملائكة -أنا هذا الذي ياسرني في قصه أسيد بن الحضير ويجذبني فيها- كيف أن الملائكة التي هي قريبة من الله سبحانه وتعالى ولا تفتر عن ذكره وتسبيحه كيف تنزل هذه الملائكة وتغادر مواقعها وتنزل إلى السماء الدنيا لتاتي إلى بني آدم، إلى من يقرؤون القرآن في ساعات الليل الهادئة، تجلس لتسمع القرآن منهم؟
ألا ينبههم هذا على شرف هذا الكلام العظيم؟ ألا يدل هذا على أن هذا الكلام فيه سر عجيب، أنه قادر على إصلاح النفوس، وعلى أن يذيب المعاصي والذنوب والزلات، وأن يربط هذا القلب بهذا الإله سبحانه، وأن يرفع المنسوب الإيماني عند الإنسان؟
أنا متاكد أحبابي الكرام أن الإنسان الذي يرتبط بكلام ربه، ويعيش معه، ويقرا في ساعات الليل، ويكون دائما الارتباط به، لا يمكن أن يصاب بأمراض النفوس، لا يمكن أن يبتعد عن الله سبحانه وتعالى، لا يمكن أي أن يكون مدمنا على الذنوب والمعاصي والفتور والكسل والملل والجفاء والبعد عنه سبحانه وتعالى.
كل هذه الآفات، ضعف القلوب، ضعف النفوس، البعد عن الله سبحانه، الأمراض النفسية، ما يشكو منه الناس من الهموم والغموم والأحزان، كلها تذوب وتنصهر وتنجلي أمام عظمه هذا الكلام.
فقصة أسيد بن الحضير وقصة ثابت بن قيس بن شماس تدل على هذا المفهوم العظيم، أثر القرآن في النفوس. لأن إذا كانت الملائكة -وهذا هو موطن الشاهد- إذا كانت الملائكة تغادر مواقعها وتنزل إلى الأرض لتسمع هذا الكلام لما يحدّثه هذا الكلام في نفوسهم، فنحن بني آدم الذين أنزل الله سبحانه وتعالى علينا هذا الكلام العظيم وخصنا به من بين الأمم، نحن أحق من أن نهتم وننتبه ونلتفت إلى هذا الكتاب العظيم إذا أرادنا أن يكون له أثر واقع في حياتنا.
حديث آخر أيضا يبوب له البخاري: باب من قال: لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما بين الدفتين. هنا أورد البخاري حديثا من الأصول: حدثنا -لاحظوا كيف البخاري يقول حدثنا قتيبه، ذكر الإسناد من بدايته- حدثنا سفيان عن عبد العزيز بن رفيع: دخلت أنا وشداد بن معقل على ابن عباس. فقال له شداد بن معقل -شداد بن معقل يسال ابن عباس-: أترك النبي صلى الله عليه وسلم من شيء؟ هل خلف النبي صلى الله عليه وسلم ورثة أموال عقارات فلوس؟ فقال ابن عباس: ما ترك إلا ما بين الدفتين، أي لم يترك لنا إلا هذا القرآن الذي جمعه لك أبو بكر الصديق، ما بين الدفتين.
قال: ودخلنا على محمد بن الحنفية أيضا -وهو ابن علي بن أبي طالب- فسأله نفس السؤال، فقال بنفس الإجابة: ما ترك إلا ما بين الدفتين، أي ما بين الدفتين المصحف الذي جمعه أبو بكر الصديق.
أي هذا يدل أحبابي الكرام على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يخلقوا للدنيا، لم يخلقوا ليجمعوا الكنوز والاموال والعقارات، وإنما خلقوا لتبليغ رسائل الإله سبحانه وتعالى. فالنبي صلى الله عليه وسلم خرج من هذه الحياة الدنيا لم يخلف ديناراً ولا درهماً ولا شيئاً من متاعها، وإنما خلف لنا ما هو أعظم من ذلك، ما هو أعظم من الدنيا وما فيها، خلف لنا هذا الكتاب العظيم، خلف لنا كلام الله سبحانه وتعالى. هذه الورثة التي ورثها.
فأين ورثة من يحمل هذه الورثة؟ من حملة القرآن وأهل القرآن، أهل الله وخاصته أحبابي الكرام. أهل القرآن المنشغلون بكلام الله سبحانه وتعالى هم الذين أخذوا بميراث النبي صلى الله عليه وسلم. لذلك يقولون: العلماء هم ورثة الأنبياء، فإن الأنبياء لم يخلفوا ديناراً ولا درهماً وإنما خلفوا هذا العلم وخلفوا هذا الكتاب. فمن أخذ بهذا الكتاب من أهل القرآن ومن طلبت العلم هم ورثة الأنبياء عليهم الصلوات عليهم صلوات ربي وسلامه.
طيب، أيضا هنا أورد البخاري وتابعه ابن كثير حديث آخر في فضل القرآن على سائر الكلام. فضل القرآن الكريم على سائر كلام البشر. وهذه قلت لكم هي ميزة هذا الكتاب العظيم؛ إذا أردت أن تتعلق بالقران فعليك دائما أن تتذكر أن هذا القرآن الذي تكلم به هو إله الاكوان سبحانه وتعالى، الذي تكلم به ليس بشر، ليس صنيع بشري، ليست آراء بشرية، ليست أفكار، إنما هو حقائق إلهية نزلت على الأرض لتعرف الإنسان بهذا الإله، بعظمته، بجلاله، بكبريائه، بأسمائه، بصفاته.
عرفت الإنسان لماذا خلق ولماذا وجد على هذه البسيطة؟ عرفت الإنسان بقصة الحياة ثم بالنهاية ماذا ستكون، إما في جنة وإما في نار؟ هذه هي الحقائق التي نزل القرآن ليرسخها على جنس البشر.
هنا يقول ابن كثير رحمه الله عليه -تبعاً للإمام البخاري-: فضل القرآن على سائر الكلام. أورد البخاري: حدثنا هدبة بن خالد أبو خالد، حدثنا همام -وهو همام بن يحيى- حدثنا قتادة -وهو قتادة بن دعامة السدوسي- حدثنا أنس بن مالك عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مثل الذي يقرا القرآن كمثل الأترجة، طعمها طيب وريحها طيب -أي مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب- ومثل الذي لا يقرأ القرآن -أي
مثل المؤمن كما جاء في بعض الأسانيد والآثار، ومثل الذي لا يقرأ القرآن كالتمر طعمه طيب لأنه مؤمن، لكن لا ريح لها، فقد الرائحة وهي رائحة القرآن. ثم قال: ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة لها ريح طيب، ريحها طيب لكن طعمها مر. ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها.
وهذا الحديث أحبابي الكرام انظروا كيف يبين على فضيلة هذا القرآن. هذا الحديث لو تأملت فيه وركزت، نلاحظ أن قراءة القرآن ملازمة لطيب الرائحة؛ فمن كان عنده قراءة قرآن فالرائحة طيبة. ومن قرأ القرآن نلاحظ أن الرائحة الطيبة أتت، فهذا يدل على ما قال ابن كثير: وجه مناسبة هذا الحديث للباب أن طيب الرائحة دار مع القرآن وجوداً وعدماً، أي من خلال هذا الحديث نلاحظ أن من يقرأ القرآن رائحته الطيبة تصدر منه، والذي لا يقرأ القرآن يفقد تلك الرائحة الطيبة.
وهذا يدل أحبابي الكرام على أن الله سبحانه وتعالى يحب ذاك الإنسان الذي يقرأ القرآن، ويدل على أثر هذا القرآن كما يقولون على سمت الإنسان. الإنسان الملازم لقراءة القرآن يظهر هذا في سمته، في حركاته، في سكناته، وكان هذا هو الرائحة الطيبة التي تنتشر منه. لذلك انظروا في أهل القرآن، والله ترون في وجوههم نوراً، وترون القرآن يتمثل في أخلاقهم، في سلوكياتهم.
فأنا أتفهم هذا الحديث بهذه الصورة والله تعالى أعلم: أن الإنسان الذي يقرا القرآن حتى ولو كان عنده شيء من المعاصي أو ما شابه ذلك، لابد وأن يظهر أثر للقرآن عليه، حتى لو كان فاجراً كما جاء في الحديث. لابد وأن يظهر أثر للقرآن عليه بشكل من الأشكال، هذا الأثر الذي يظهر من القرآن عليه هي تلك الرائحة الطيبة، أما أن يكون من خلال سمت حسن، أو من خلال تصرفات، أو من خلال نور في الوجه، أو ما شابه ذلك من الآثار التي يتركها القرآن على العبد.
طيب، حتى لا أطيل عليكم، نذهب إلى حديث آخر. قال البخاري: حدثنا مسدد -وهو مسدد بن مسرهد- حدثنا يحيى -وهو يحيى بن سعيد القطان- عن سفيان -وهو سفيان بن عيينة- حدثني عبد الله بن دينار قال: سمعت ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم كما بين صلاة العصر ومغرب الشمس. ومثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل عمالاً فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود. فقال: من يعمل لي من نصف النهار إلى العصر؟ فعملت النصارى. ثم أنتم تعملون من العصر إلى المغرب بقيراطين. فقالوا -أي قال اليهود والنصارى-: نحن أكثر عملاً وأقل عطاء! فقال لهم الإله: هل ظلمتكم من حقكم شيئاً؟ فقالوا: لا. قال: فذلك فضلي أوتيه من شئت.
هذا الحديث يبين فضيلة هذه الأمة على الأمم السابقة من اليهود والنصارى، ويشبه حال هذه الأمم في علاقتها مع الله سبحانه وتعالى بحال رجل استأجر انساناً ليعمل له من الصباح حتى الظهيرة وأعطاه أجره قيراطاً. ثم قام هذا الرجل باستئجار قوم ليعملوا من الظهيرة إلى العصر، وهؤلاء هم النصارى وأعطاهم قيراطاً. ثم جاء فاستأجر قوماً يعملون من العصر حتى غروب الشمس، لكنه أعطاهم قيراطين قيراطين، وهذه أمة محمد صلى الله عليه وسلم الآن، أمة الإسلام هي آخر الأمم فهي التي عملت من العصر إلى المغرب.
أمة اليهود قبل النصارى، فأمة اليهود هي التي عملت من الفجر إلى الظهيرة. ولماذا جعل اليهود هم أكثر الناس زمناً؟ لانه في التاريخ فعلياً كانوا هم أطول الأمم إقامة على هذه الأرض. لاحظوا كيف أن مدتها شبهت بمن أقام من الفجر يعمل حتى الظهيرة؟ لماذا؟ لأن فعلاً بنو إسرائيل أحبابي الكرام هم أطول مدة أو أطول أمة عاشت على هذه الأرض. ثم بعد ذلك النصارى، النصارى مدتهم أقل من مدة بني إسرائيل لكنها أكثر من مدة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فشبهوا بأناس عملوا من الظهر إلى العصر.
ثم جاءت أمة محمد صلى الله عليه وسلم آخر الأمم فعملت فقط من العصر إلى المغرب. لكن سبحان الله، الله أكرم هذه الأمة وأعطاها من الثواب ما لم يعط الأمم السابقة؛ فنحن عملنا من العصر إلى المغرب فنأخذ قيراطين قيراطين، واليهود عملوا من الفجر إلى الظهر فأخذوا قيراطاً واحداً، والنصارى عملوا من الظهر إلى العصر فأخذوا قيراطاً واحداً. فالآن النصارى واليهود يوم القيامة عندما يرون الثواب الذي تحصله أمة محمد صلى الله عليه وسلم يقولون: يا رب نحن عملنا مدة أكثر منهم وأعطيتنا عطاء أقل من ذلك -يعني أقل منهم-.
فالله سبحانه وتعالى ماذا يقول لهم؟ هل ظلمتكم من العطاء شيئاً؟ فيقولون: لا، أنت لم تظلمنا أعطيتنا العطاء الذي نستحقه، لكن أنت أعطيت هؤلاء أكثر منا. فقال: ذلك فضلي أوتيه من شئت. يعني لو أنا عندي عامل عمل من الظهر إلى العصر فأعطيته الأجر الذي يستحقه، وعندي عامل عمل أقل من ذلك، عامل فقط من العصر إلى المغرب أو أقل من ذلك فأعطيته كما أعطيت الأول وزيادة، هذا في النهاية حق شخصي أليس كذلك؟ أن أفضل عاملاً على عامل، أهم شيء أن لا أظلم العامل الأول في المدة التي عمل فيها.
فهذا حال الأمم مع الله سبحانه وتعالى، وهذا يدل أحبائي على خصيصة هذه الأمة؛ فيحمد الإنسان ربه سبحانه وتعالى أن جعله من أمة خاتم النبيين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأن أدركك هذا الشرف. لكن عليك أن تحافظ على منهج الاستقامة حتى تموت على منهج محمد صلى الله عليه وسلم، لان هذا القيراط الذي نأخذه أو القيراطين القيراطين اللذين خص الله عز وجل بهما أمة محمد، إنما يأخذه من كان ملازماً لمنهج النبي صلى الله عليه وسلم، إنما يأخذه من كان لازماً لمنهج النبي صلى الله عليه وسلم، أما من كان منصرفاً عن نهجه فإنه لا يستحق شيئاً من هذا الثواب العظيم.
وهذا الثواب العظيم أحبابي الكرام إنما حصلته هذه الأمة كما يقول ابن كثير ببركة القرآن. إنما حصلته هذه الأمة ببركة القرآن، انظروا كيف أن بركة القرآن سرت حتى في الثواب الذي نحصله على سائر الأمم. لذلك يقول ابن كثير: وإنما فازوا بهذا ببركة الكتاب العظيم القرآن الذي شرفه الله على كل كتاب أنزله وجعله مهيمناً عليه وناسخاً له وخاتماً له. لان كل الكتب المتقدمة نزلت إلى الأرض جملة واحدة، وهذا القرآن نزل منجماً بحسب الوقائع لشده الاعتناء به وبمن أنزل عليه، وهو النبي صلى الله عليه وسلم وأمته.
فكل مرة كنُزول كتاب من الكتب المتقدمة -يعني الكتب المتقدمة كانت تنزل دفعة واحدة، هذا الكتاب نزل على دفعات منجماً مفرَقاً خلال ثلاثة وعشرين عاماً- فكان في كل مرة ينزل فيها شيء من القرآن كأنه نزول جديد للوحي وكانه نزول لكتاب جديد. لذلك قال: فكل مرة كنزول كتاب من الكتب المتقدمة، كانه كل نزول لمقطع من القرآن كأنه يعني نزول جديد. وهذا يدل على فضيلة هذه الأمة، هذا يدل على فضيلة هذه الأمة، وأنما كانت فضيلتها ليس بأجناسهم ولا بخلقهم وأجسادهم، وإنما كانت فضيلتهم بهذا الكتاب العظيم.
فهذا يدل طبعا ماذا أستفيد من هذا؟ أستفيد أنه يجب أن يكون لي سبب وعلاقة بهذا الكتاب العظيم الذي هو مصدر الشرف ومصدر العزة ومصدر الثواب والأجر؛ يعني حتى أحصل على هذا التشريف وعلى هذا التقديم وعلى هذه التكرمة من الله سبحانه وتعالى، علي أن أارتبط بالسبب وبالحب الذي من أجله فضلنا الله سبحانه وتعالى وشرفنا على غيره من الأمم، أو على غيرنا من الأمم، ألا وهو كتاب ربنا سبحانه وتعالى.
الحديث الذي يلي حديث الوصاية بكتاب الله سبحانه وتعالى يقول البخاري: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا مالك بن مغول، حدثنا طلحة -وهو طلحة بن مصرف- سالت عبد الله بن أبي أوفى: أوصى النبي صلى الله عليه وسلم -أي هل أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بشيء؟- فقال: لا. فقلت: فكيف كتب على الناس الوصية؟ فكيف كتب على الناس الوصية أمروا بها ولم يوصي؟ فقال: أوصى بكتاب الله عز وجل.
الآن طلحة بن مصرف يسأل الصحابي الجليل عبد الله بن أبي أوفى: هل أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بشيء أو لم يوصِ؟ فقال عبد الله بن أبي أوفى: لم يوصِ بشيء. أي يقصد لم يوصِ بشيء مادي، لم يوصِ بأموال ولا بعقارات ولا بغير ذلك، لانه صلى الله عليه وسلم لم يخلف إلا النزر اليسير بعد وفاته. فهنا طلحة بن مصرف يقول لعبد الله بن أبي أوفى: يا عبد الله بن أبي أوفى، النبي صلى الله عليه وسلم ألم يأمر أمته بالوصية وكتب عليهم الوصية بناء على ما في كتاب ربنا سبحانه وتعالى؟ فهو كأنه نوع من التساؤل من طلحة بن مصرف: كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم يحث أمته على الوصية ويقول صلى الله عليه وسلم: ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين له شيء يريد أن يوصي فيه إلا أوصى به، وكيف الله سبحانه وتعالى يخبر على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، كيف النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لا يوصي؟ نوع من التعجب.
فهنا عبد الله بن أبي أوفى انظروا لفهمه والتعقل، قال: من النبي صلى الله عليه وسلم لما نقول لم يوصِ، هو لم يوصِ بشيء مادي، لانه لم يكن عنده عليه الصلاة والسلام من أموال الدنيا ما يوصي به، وإنما أوصى بما هو أعظم من الدنيا، أوصى بكتاب الله سبحانه وتعالى. وهذا قريب من الحديث الذي ذكرناه قبل قليل، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخلف ديناراً ولا درهماً ولا دنيا وراءه، وإنما خلف وراءه ما هو أهم وأعظم وأشرف من هذه الدنيا، ألا وهو كتاب ربنا سبحانه وتعالى، فقال: أوصى بكتاب الله عز وجل.
يعني لا تظن أن النبي صلى الله عليه وسلم حثنا على الوصية وأمرنا بها، ثم هو عليه الصلاة والسلام لا يفعل ما يأمر به -حاشاه بأبيه وأمه صلوات ربي وسلامه عليه-، لكن هو لم يكن عنده شيء مادي ليوصي به، فاوصى بما هو أهم لكم، أوصاكم بكتاب الله سبحانه وتعالى. وهذا الحديث أحبابي يجعلنا ننتبه أن هذا القرآن هو وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا، فيجب علينا ألا نفرط في وصيته. يا أهل الإسلام، يا أيها الشباب، يا أيها الفتيات، النبي صلى الله عليه وسلم قال: تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا، كتاب الله وسنتي.
فإذا كان هذا الكتاب هو وصية النبي صلى الله عليه وسلم، وكنا نحن نزعم أننا نحبه عليه الصلاة والسلام ونشتاق إلى لقائه، فأول شيء ينبغي علينا أن نتخذه هو أن نتمسك بوصيته. من أضاع وصية النبي صلى الله عليه وسلم وأهملها، بالله عليكم هل يستحق أن يكون قريبا منه يوم القيامة؟ من أراد القرب من المقام النبوي، من أراد القرب منه صلى الله عليه وسلم في جنات النعيم، الخطوة الأولى التي عليك أن تتبعها هي أن تأخذ بوصيته وتتمسك بها، حتى إذا لقيته في جنات النعيم تقول: يا رسول الله، أنا حرصت على هذه الوصية التي أوصيتنا بها وتمسكت بها وعضضت عليها بالنواجذ، حافظت على كلام الله سبحانه حفظته، عشت معه، كنت قريبا منه، لم أهمله، لم أنشغل عنه بوسائل التواصل، لم أنشغل عنه بالقيل والقال، كنت ملازما له آناء الليل وأطراف النهار.
وحينئذ النبي صلى الله عليه وسلم يسر أو يسر بلقياك، وتقترب منه أكثر وأكثر، وتكون مع الجيل الأول مع جيل الصحابة والتابعين والتابعين لهم بإحسان.
الحديث الذي يليه، قال: باب من لم يتغنى بالقرآن -أي الذي لا يتغنى بالقران ولا يحسن الصوت به حرم نفسه من ثواب عظيم-. ثم ذكر البخاري الآية: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ. وسنلاحظ أن ابن كثير يعني ناقش البخاري في إيراده لهذه الآية مع الحديث، ويرى ابن كثير أنه لا مناسبة بين الآية التي أوردها البخاري وبين الحديث الذي ذكره.
ننظر في الحديث، يقول البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا ليث بن سعد، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب الزهري، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -انتبهوا لهذا الحديث-: لم يأذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقران. وقال صاحب له: يريد يجهر به. طيب، فرد من هذا الوجه. ثم رواه عن علي بن عبد الله بن المديني، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري به، قال سفيان: تفسيره يستغني به.
الآن هذا الحديث في خلاف في فهمه، وبالتحديد في فهم ما معنى قوله: لم يأذن الله لشيء، ما معنى يأذن؟ اثنين: ما معنى يتغنى؟ فكلمة يأذن فيها خلاف بين شراح الحديث، وكلمة يتغنى أيضا فيها خلاف في شرحها. لكن أقرب لكم الصورة باختصار: أكثر المحدثين على أن المراد لم يأذن الله لشيء، أي لم يستمع الله لشيء كما استمع لنبي يتغنى بالقران. هاه، لم يأذن أي لم ينصت ويستمع الله لشيء من مخلوقاته كما يستمع لنبي من أنبيائه يتغنى أي يحسن صوته بالقران. وهذا فيه فضيلة عظيمة لكلام ربنا سبحانه وتعالى، الله سبحانه وتعالى يسمع وينصت للنبي الذي
يتلو كلام الله سبحانه وتعالى ويجود ويحسن فيه، وهذا يحثك أيها الإنسان المسلم على أن تحسن قراءتك بالقرآن وأن تنشغل بموضوع التحسين. أحبائنا الذين يشتغلون في التجويد وفي تحسين أصواتهم هم على ثغر عظي، لأن الله سبحانه وتعالى يحب ذلك العبد الذي يتقن قراءة القرآن. ولا يكون الإنسان أحبابي الكرام مهمل لهذا الجانب جانب اتقان التلاوة والأداء، فيقرأ القرآن فيه بلحن وأخطاء، ويكون قراءة هذر مذر من دون تركيز ولا انتباه. لا، أنت تقرا كلام الله سبحانه وتعالى والله عز وجل ينظر اليك وانت تقرا، وينظر في طريقتك تعاطيك لهذه القراءة، هل أنت ممن تبذل جهدك حتى تكون القراءة متقنة، تبذل جهدك لتحسن ولتجميل صوتك بهذا الكلام العظيم.
هذا الحديث معناه يقول ابن كثير: أن الله سبحانه وتعالى ما استمع وأنصت لشيء كاستماعه لنبي يتلو القرآن ويحسن ه، وذلك أنه يجتمع في قراءة الأنبياء طيب الصوت لكمال خلقهم وتمام الخشية، وذلك هو الغاية في ذلك. وهو سبحانه وتعالى يسمع أصوات العباد كلهم برهم وفاجرهم، فالمراد هنا استماع الله سبحانه وتعالى أو المراد باستماع الله لقراءة الأنبياء أنه سبحانه وتعالى يقبل على هذه القراءة ويحبها من انبيائه، اجتمع طيب الصوت مع ككمال الخلق، فالأنبياء هم اكمل الناس خلقاً وخلقاً، ثم يحسنون صوتهم بكلام ربهم سبحانه وتعالى فيجتمع إذاً طيب الصوت مع طيب الخلق وتمام الخشية.
أي كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: سبحان الذي وسع سمعه. يعني هنا الكلام أن الله سبحانه وتعالى هو سامع لكل الأصوات، فما خصيص سماعه لأصوات الأنبياء وهم يتلون القرآن؟ لا، هذا استماع خاص، استماع تحبب وتودد وتقرب، وليس الاستماع العام الثابت له سبحانه وتعالى لكل شيء من المخلوقات. فهذا هو الأشرف في تفسير قوله: ما أذن الله لشيء، أي لم يستمع وينصت.
ومنهم من فسر الأذن هنا بمعنى الأمر، ما أذن الله لنبي أي ما أمر الله نبياً، لكن هذا قد يكون فيه شيء من البعد، لذا قال ابن كثير: والأول أولى. الآن الكلمة الثانية في هذا الحديث أي يقول: ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن. يتغنى كما قلنا يحسن ويجود. لكن سفيان بن عيينة أحد يرى أن يتغنى هنا لها معنى آخر، وأن المراد بيتغنى أن يستغني بالقران عن غيره، هذا معنى يتغنى بالقران أي يستغني بالقران عن غيره من أمور الدنيا.
لكن أيضاً حتى هذا التفسير فيه بعد، كما ذكر ابن كثير يقول: فهذا خلاف الظاهر من مراد الحديث، لأنه قد جاء تفسيره من بعض الأئمة، لأنه قد فسره بعض رواته من بعض الأئمة أي بعض رواة هذا الحديث فسروا التغني، كما ذكر ذلك البخاري، وقال صاحب له: يريد الجهر به. فبأصلاً الحديث مفسر من بعض رواته أن المراد بالتغني الجهر وتحسين الصوت، وليس المراد بالتغني الاستغناء. لكن الإمام البخاري الذي يظهر لي والله تعالى أعلم أنه كأني أقول: كأنه يميل إلى رأي سفيان بن عيينة، وهو أن المراد بالتغني الاستغناء، والدليل على ذلك إيراده لهذه الآية في الترجمة.
ماذا قال الإمام البخاري؟ قال: قال تعالى: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ. أي أن هذا الكتاب يكفيهم ويغنيهم عن أي كلام آخر وعن أي آية أخرى يطلبونها. فهذا إيراد هذه الآية هو يتلائم مع تفسير هذا الحديث بالطريقة التي فسرها سفيان بن عيينة، وهو أن المراد يتغنى بالقرآن أي يستغني بالقرآن عما سواه من كلام البشر. وابن كثير طبعا يرى أنه لا، إنه الآية التي أوردها البخاري لا مناسبة لها، لا على تفسيرنا المشهور أن المراد بالتغني هو تحسين الصوت ولا حتى على تفسير سفيان بن عيينة أن المراد بالتغني الاستغناء.
لكن أقول لا، على تفسير ابن عيينة يكون يعني أقرب الإمام البخاري رحمه الله عليه أقول: كأنه يميل إلى تفسير سفيان بن عيينة أن المراد بالتغني هو الاستغناء، وإن كان هذا التفسير كما قلنا يعني فيه مناقشه. والأكثر والأشهر عند أهل العلم أن المراد بالتغني هنا ليس الاستغناء بالقرآن عما سواه، وإنما المراد بالتغني هو تحسين الصوت وتجميله والله تعالى أعلم.
لا أطيل عليكم أكثر من ذلك، يعني هو المشكلة أن هذه الاحاديث تحتاج لمناقشات طويلة وذكر كلام أهل العلم وذكر حجة أصحاب كل قول، لكن هو مجرد تعليق لفك بعض الإشارات التي قد تشكل على الأحبة الطلبة. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علما نافعاً يا أرحم الراحمين.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل